١٥- - خَزائنُ السَّعادةِ


 

١٥- - خَزائنُ السَّعادةِ

كانت عادة والدي رحمة الله عليه.. اصطحابنا كلَّ عامٍ لقضاء إجازة الصيف في مصيف رأس البر..

وفي إحدى هذه الرِّحلات، وعندما كنت في العشرين من عمري، ذهبتُ إلى أحد المتاجر لشراء بعض مُستلزمات المنزل..

وكعادتي، تركت حقيبتي داخل السَّيارة واكتفيتُ بحافظة النقود لدفع ثمن المُشتريات؛ لأتمكَّن من حملها بسهولة..

وأثناء وقوفي أمام الكاشير أو الخزينة، تحرَّك بجانبي شخصٌ بصورة فُجائية أربكتني، فسقط من يدي مفتاح سيَّارتي.. ولكنه لم يسقط فقط، بل سُرق في برهةٍ زمنيةٍ تقلُّ عن الدقيقة.. كان يقف بجانبي شابَّان، ولمحت أحدهما لحظة سقوط المفتاح يهبط لأسفل، ولكنَّ خجلي لم يجعلني أستطيع اتِّهامه أو مواجهته..

ولحسن حظِّي، كانت السيارة أمام المتجر مباشرةً، وكل مَن هم داخل المتجر أدركوا اختفاء المفتاح؛ لذا لن يستطيع سارقه أن يقترب من السَّيارة إلَّا بعد غلق المتجر وخلوِّ المكان من أي فردٍ..

ولأنني على علمٍ بعدم توافر النسخة الأخرى من المفتاح في السَّكن، لم يكن أمامي سوى الاتِّصال بأخي في بلدتي، فأحضرتُ كارت ميناتل الذي كان يُستخدم في الكبائن المنتشرة في كل مكان آنذاك..

وبالفعل، اتَّصلت به من أقرب مكانٍ مواجهٍ للسيارة..

وأنا منهارةٌ من شدَّة البكاء لصعوبة الموقف على نفسي حينها.. فالسَّاعة الآن قاربت العاشرة والنصف مساءً..

فعنَّفني أخي لبكائي، وانفعل غاضبًا وهو يكرِّر:

لا تبكي.. سأرسل لك مفتاحًا آخر، وسأتَّصل بأبي يأتي إليك.. اهدئي.. لا أريد أن يراكِ أحدٌ من المارَّة وأنت تبكين..

لم تمرَّ سوى دقائق قليلةٍ ووجدت والدي مهرولًا إليَّ، فوجدتُني أنتفض مثل أي طائرٍ هُزم في معركة الطَّيران بتصويب صائده، فضمَّني داخل كتفيه قائلًا:

حصل خير.. لا تحزني يا حبيبتي.. ولا يهمك.. أنا معكِ.. لا تخافي.

وهممتُ بإخباره بما حدث.. فأشار برأسه إشارةً تعني الصَّمت..

ثم نظر إلى مالك المتجر، وهو على معرفةٍ قويةٍ به، وطلب منه طاولةً ومقعدين.. مع إحضار المثلَّجات المفضَّلة لي..

جلست أنا ووالدي وكأنَّنا في أحد الكافيتريات، نتسامر معًا.. وننتظر مَن يأتي لنا بالمفتاح.. ظلَّ والدي يقصُّ عليَّ الكثير من النوادر التي مرَّت بحياته.. وقضينا أكثر من ساعتين، لم أذكر فيهما شيئًا عن السَّيارة وما حدث.. فقد أخذني الحوار مع أبي إلى عالمٍ آخر من الذِّكريات الجميلة.

ثم وصل الشَّخص المنتظر بالمفتاح، فانتبهتُ للأحداث مرةً أخرى، ونظرتُ إلى ساعتي فوجدتُها قد تجاوزت الواحدة صباحًا دون أن يتثاءب والدي أو يشعر بالنُّعاس، فهو لا يمكث مستيقظًا بعد السَّاعة الثانية عشرة بدقيقةٍ واحدةٍ.

فقلتُ له بأسًى:

تأخر الوقت كثيرًا عن موعد نومك يا أبي..

فأجابني بكلماته الرَّقيقة الرَّائعة مثله:

كانت سهرةً جميلةً.. استمتعت برفقتك منفردًا ساعتين.. واسترجعت ذكرياتٍ جميلةً معكِ.

ثم أعطى لي المفتاح كي أقود السَّيارة..

توفي أبي رحمة الله عليه.. وما زلت كلَّما سافرت إلى رأس البر ترافقني سعادتي التي خزَّنتها من علاقتي معه، والتي صنعتها مواقفه الرَّائعة معي.. والتي تتخطَّى هذا الموقف بكثيرٍ..

حقًّا إن الآباء هم خزائن السَّعادة الأبدية..

فلا يليق إنجاب الإناث لكلِّ الرِّجال... فقط من يملكون خزائن السَّعادة.

تعليقات