وقفت أمام المقهى العتيق القابع في وسط البلد لحظات ،خلعت عن عينيها نظارتها السوداء ،أو كما تطلق عليها ستارتها السوداء التي تحجبها عن الجميع كلما احتاجت إليها .
دلفت للداخل وهي تعلم أنه في انتظارها فهذا المكان الأقرب إلي قلبه ويتواجد فيه بشكل شبه يومي ،يستقبل فيه كل من يريد رؤيته مهما كان السبب ، يتخذه واجهة له ودليل على عمقه الأدبي والثقافي .
فور دخولها اتجهت صوب الركن المفضل له ،نهض محي لها ودعاها للجلوس ،جلست وهي تبتسم له ابتسامتها المطمئنة المعهودة عنها والتي جعلته يفتح لها قلبه منذ أن رأها وتعرف عليها ، جلس وهو يقول لها :
نورتي الدنيا أيتها المشرقة .... ماذا تشربين ؟!
دون أن تعلق على مبالغته في الترحاب ردت قائلة :
طلبي المعتاد قهوة سادة - من فضلك - وهي تبتسم .
هم مناد على النادل وأخبره بطلبهم ،ثم ألتفت لها وهو يضحك قائلا :
كم جميلا أن تجد من يتشارك معك مشروبك المفضل ..أليس كذلك .
هزت رأسها بالإيجاب دون أن تنطق بكلمة واحدة ، ثم مالت برأسها للأمام وهي تنظر داخل نافذة روحه هامسة :
ما الأمر الضروري الذي أحضرتني على أثره يا صديقي .
وقبل أن يستعد لإجابتها ،قطع النادل حديثهما واضعا القهوة أمام كل منهما ،نظر له وفور ابتعاده عنهما ،أمسك بفنجانه وأرتشف رشفة منهخفيفة ،ثم تنحنح ناطقا :
أنتِ تعرفين أنني أشعر بالراحة عند الحديث إليكِ،أشعر وكأنني أتحدث لنفسي ،أنتِ تتمتعين بالإنصات الجيد لا تحكمين عليّ أبدا مهما بوحت من مشاعر وأحاسيس وحكيت من مواقف ، فكما تعرفين أنا شخص عاش حياة قاسية ،هلكت الجروح روحه ،رحلتي في الحياة كانت شاقة ........أثناء حديثه رجعت بظهرها إلي الخلف وهي تسرق النظر للخارج عبر الواجهة الزجاجية ،ثم أرتدت بهدوء نظرتها متعللة بأشعة الشمس المتسللة للداخل وهي تبتسم أبتسامة هادئة وتهزرأسها بأن أكمل ... هات ماعندك .
مالت برأسها لليمين وهي تتفحص ملامح وجهه من خلف حجابها الأسود ،شردت منه أصبحت تسمع صوته يأتي من بعيد وهي تتذكر المرة الأولىالتي قابلته فيها ،كانت قد دعتها صديقتها المقربة لحضور ندوة لمناقشة رواية كاتبها المفضل ،فعزمت على الذهاب معها وخاصة أنها قد دخلت الوسط الثقافي ككاتبة جديدة تتحسس خطاها ،تعرفت عليه ككاتب مشهور له العديد من الأعمال كما أنه الكاتب المفضل لدى صديقتها ،وتجاذبوا أطراف الحديث ثم دعاهما لأحتساء فنجان قهوة معه ،لم ترفض الدعوة نزولا على رغبة صديقتها ،وتوالت المقابلات الثقافية بينهما تارة بحضور صديقتها وتارة أخرى بدونها.
أصبحت هي أشد حرصا على مقابلته بشكل دائم ،تجلس أمامه تنصت جيدا لجولاته وصولاته التي يرويها ، تتفاعل مع استرساله في رحلة حياته الشاقة والجراح التي دفعته للكتابة فكان ينتمي لهؤلاء الكتاب الذين يؤمنون أن لولا الشقاء والأحزان لم يولد الإبداع .
خلال لقاءاته المتعددة معها جذب انتباهها أنه يتحدث عن نفسه كثيرا ،يتحدث أكثر من أن ينصت،شديد الفخر بنفسه ،يعظم كل شيء يفعله مهما كان تافها، يستهويه الإطراء وسماع المديح ، يزهو بكل نظرة إعجاب تلقى عليه ، يمتلك الغرور روحه الهشة ليشعر بالقوة ،كانت تعرف أنه يعوض الكثير من الخلل داخل نفسه بأكاذيبه وحكاياته وبطولاته الزائفة ، يرسم حول نفسه هالة لا وجود لها ولا يراها غيره ، يثق بذكائه ثقة عمياء إلى حد الغباء ،لدرجة أنه فى بعض الأوقات يقوم بأفعال صبيانيةلاتتناسب مع أربعينيات عمره التى يلهو فيها .
أفاقت من شرودها على صوته الذي ظهر فجأة وهو ينقر على المنضدة منبها لها :
هييييه أين ذهبتي ؟! لأي من العوالم سافرتِ وأنا أتحدث إليك ؟! وضحك مازحا ....من المؤكد أنك سافرت لأسبانيا فوق بساط حكايتي لكِ،هيا قولي لي أين حملتك مغامراتي يا عزيزتي .
ابتسمت ابتسامة جانبية ثم تنهدت الصعداء وهي تخلع عنها نظرتها واعتدلت فى جلستها مخترقة بنظرتها عينيه المنتبهتين :
ذهبت داخل روحك العليلة يا عزيزي ،تلك الروح الذي عانت معك ،هلكتها بأكاذيبك وأوهامك التي تحيكها ليل نهار حتى تقنع بها كل من تراه وتقابله ، منذ اليوم الأول الذي قابلتك فيه ورأيت زهوك بنفسك عرفت أنك حالة تستحق الدراسة ،قررت أن أستكشف العطب الذي يقبع بروح ،حرصت على مقابلتك وسماع قصصك الواهية وادعاء انبهاري بك ،لأكتشف الكثير والكثير مما تحمل بين ثنايا روحك أيها المدعي .
تيقنت أنك لست مريضا يحتاج المساعدة ،بل شخص مدلل تمتلك روحهالأنانية ،لا يرى إلا نفسه ورغباته وأهواؤه ،يتغذي على تعاطف من حوله مع جراحه ونفسه المعذبة ،وانبهارهم بقوته في تحويل معاناته لشهرة ونجاح زائف غير موجود إلا بأوهامك.
كم أشفق عليك أيها الضعيف لأنك شخص هش عديم النفع ،رمقته بنظرة ساخرة ،فوضعت نظرتها السوداء فوق عينيها ،ثم نهضت لتنصرف تاركة إياه فى حالة من الذهول وقالت :
سلام أيها ((الواهم ))
تمت
