الفصل الأول من رواية ريتــريت




               ريتــريت


دوت طلقة الرصاص فأحدثت رجة عنيفة في المكان.. لم يخطر بباله أن تكون تلك هي نهايته.. اخترقت الرصاصة كتفه فأحدثت به أضرار جسيمة.. ساد اللون الأحمر المشهد عند تدفق الدماء على أرضية المكان.. زاغت عيناه وهو لا يكاد يصدق ما قد حدث للتو.. أهو القاتل أم المقتول.. الجاني أم المجني عليه.. اختلطت عليه كل الأمور وأصبح تفكيره مشوشا مضطربا كأنه يحلم حلم مدته طويلة على الرغم من أن ما حدث كله لم يتعد ثوان معدودة.

حاول أن يصرخ فلم يسعفه صوته.. حاول أن يستنجد فوجد نفسه وحيدا ولم يسمعه أحد.. ولم يجد بدا سوى أن يستسلم للألم وشدته. 

كان بطبعه قويا صلبا يأبى الاستسلام ويرفض الضعف، ولكنه أحس في تلك اللحظة بالضعف الشديد.. شعر بالهزيمة أمام آلام جسده، خانته قواه وهو يجثم على ركبتيه غير قادرا على الوقوف.

هو، من يقف دائما في كل موقف في شمم واباء.. من يرفض الانحناء والخضوع لأي شخص مهما كان.. هو، قد خارت قواه وسقط على الأرض تحت وطأة شدة النزيف.. سقط ولم يجد يدا تمتد له.. فقط الإحساس بالغدر والألم الشديد كانوا هما المصاحبين له.

سمع من بعيد صوت باب الغرفة يغلق عليه بعد أن فعل الفاعل فعلته.. كان في حالة لا تسمح له حتى بالاستنجاد.. مسك كتفه التي تنزف بيده الأخرى ثم مال على جانبه وأغلق عينيه وأخذته أفكاره الي أيام بعيدة في خبايا الذاكرة.

***


اجتمع الموظفون أمام بوابة البنك الرئيسية لركوب الأتوبيس.. وصل البعض متأخرا وكان على الآخرين انتظارهم حتى يكتمل العدد وينطلقوا في رحلة السفر سويا.

وعند وصول الجميع، قام أحمد – المسئول الاول عن التنظيم – باحصاء الموجودين حتى يتأكد من اكتمال الحضور.

- واحد وعشرون، اثنان وعشرون... يوجد ثلاثة ناقصون يا جماعة... أين أستاذ شاكر وأستاذة رقية وعم جمال.

يرد عليه عم جمال من آخر مقعد وهو يهب واقفا: 

- أنا هنا يا أستاذ أحمد

يبتسم أحمد ويرد عليه مداعبا: 

- عذرا يا عم جمال، العتب على النظر.

عم جمال رجل قصير القامة، ضئيل الحجم، مسئول الشاي والقهوة في بوفيه فرع البنك.. يتمتع بشخصية طيبة ودودة ويتعاطف معه الجميع خاصة عندما تم اكتشاف اصابته بمرض سرطان الدم منذ عدة سنوات، حينها قام مدير فرع البنك السابق بطلب زيادة التغطية التأمينية لعم جمال والتي كانت لا تشتمل على العلاج الكيماوي المكثف الخاص بمرضه.

وبعد رحيل المدير السابق وانتقاله إلى فرع البنك الرئيسي، وعند تعيين أستاذ ايهاب علوان في وظيفة المدير الجديد، انقطع التأمين الاستثنائي عن عم جمال حيث لم يوافق ايهاب على امضاء الطلب الخاص به لتجديد الاعانة الطبية التي كانت تصله بصفة دورية وتغطى تكلفة العلاج الخاص به.

اجتمع الموظفون وقتها وقاموا بجمع النقود بصورة دورية من بعضهم البعض حتى يغطوا تكلفة العلاج التي باتت عبء على عم جمال بالإضافة الى مصاريف أسرته الشهرية المتزايدة.

أحمد حسين هو أول من دعا الأخرين إلى هذه المبادرة وكان يقوم بنفسه بأخذ الأموال من زملائه أول كل شهر حين يقومون بقبض المرتب.

وعندما يحين وقت الريتريت السنوي كان عم جمال يعتذر عن الذهاب مع الجميع في حين ان الذهاب فرض على الكل بداية من المدير وحتى عم جمال نفسه. 

الريتريت رحلة سنوية ينظمها فرع البنك كل عام ويكون الغرض منها اجتماع الموظفين في مكان واحد بصفة غير رسمية، وتكون هناك شركة مسئولة عن تنظيم أنشطة متعددة لتقوية روح الجماعة والتواصل بين أفراد الفريق الواحد.. هدف الرحلة هو الترفيه والتسلية، ولكن في إطار هادف بناء يعمل على توطيد روابط الصلة بين الموظفين.. كما يتجمعون أيضا للحديث بشأن الأهداف الخاصة بتطوير العمل والسعي للحفاظ على مصلحته في المقام الأول.

وبعد الحاح شديد من أحمد، وافق عم جمال هذه المرة على مضض وذهب معهم في تلك الرحلة التي تستغرق عدة أيام وتقام في فندق كبير في مدينة الغردقة.

***

تأخر الأستاذ شاكر عن تجمع الموظفين يوم سفرهم.. لم يكن يرغب في الحضور ولا في السفر مع المجموعة.. أراد التحجج بأي حجة وفكر أن يدعي المرض ويعتذر عن السفر ولكنه أدرك أن هذه الحجة هي التي استعملها السنة الماضية في نفس التوقيت ولن تصلح للاستخدام هذه السنة مرة أخرى. 

فكر كذلك أن يتعلل بمرض أحد أبنائه ولكنه تراجع وقال لنفسه أن أبنائه الآن شبابا ولا يحتاجون لأب يرعاهم وقت مرضهم.

لم يسعفه عقله الي التحجج بحجة يمكن قبولها وتكون مستساغة من ناحية الإدارة.. فهذه الرحلة ليست فقط من أجل الترفيه عن النفس بل أيضا من أجل توطيد الصلة بين الموظفين والقيام بأعمال جماعية تقرب فيما بينهما وتفسح المجال للقضاء على أي نوع من أنواع الضغائن التي قد يحملها أحدهم تجاه الآخر وهو أخر شيئا كان شاكر يود التفكير فيه.

الضغائن جزء لا يتجزأ من تكوين شاكر الليثي.. فأكثر ما يشغل تفكيره هو ماذا قال عليه فلان، وماذا فعل علان حتى استحق هذه الترقية، وماذا قال للمدير، ولماذا تم غلق باب المكتب على فلان وعلان سويا.. بالتأكيد هم يدبرون له مكيدة ما، وماذا قالت السكرتيرة عنه للمدير فهي بالطبع تود الإطاحة به من البنك حتى تأتى بقريب لها سمع عنه من بعيد.

كل هذه الأفكار تشغل عقله يوميا حتى في غير أوقات العمل.. فقد كان دماغه لا يكف عن التفكير في المكائد التي تدبر من ورائه والتي غالبا ما رأى أن الأخرين يقصدون بها الحاق الضرر به وبمستقبله الوظيفي أو هكذا يهيأ له.

تجاوز شاكر الليثي الخمسين من عمره وغطى الشعر الأبيض العدد المحدود من الشعيرات السوداء الموجودة برأسه.. كان لا يستغنى أبدا عن نظارته الطبية التي لا يرى دونها نظرا لقصر بصره الشديد.. لياقته البدنية صفر حيث كان كرشه يتدلى أمامه ويعطي له عمرا أكبر من عمره بعدة سنوات.

قضى شاكر أكثر من نصف حياته في هذا البنك منذ أن تخرج من كلية التجارة الخارجية بتقدير جيد جدا في أواخر التسعينات وحتى التحق بالعمل في فرع البنك الرئيسي وقت ما كانت فروع البنك لاتزال تعد على أصابع اليد الواحدة. 

كان في بداياته شابا طموحا يشعر بالزهو الشديد تجاه نفسه فواسطته التي أهلته للتعيين في البنك هي قريبة له تعرف رئيس مجلس الإدارة معرفة وطيدة حيث كانوا زملاء سنة دراسية واحدة.

توسطت قريبته له وتمت معاملته بتميز شديد وذلك حتى وقت خروج رئيس مجلس الادارة لسن المعاش ثم ذهب هذا التميز في المعاملة أدراج الرياح.

أصبح وضع شاكر الليثي مثل وضع الملفات الكثيرة التي تحتل جزءا كبيرا من مكتبه في فرع البنك.. تلك الملفات القديمة التي لا يتم اللجوء اليها إلا عند الحاجة للحصول على بعضا من المعلومات التي تفيد العمل.. أما باقي الوقت فهي مركونة ومغطاة بالأتربة لا يشعر بوجودها أحدا.

***

جلست في الأتوبيس ورائحة عطرها تسبقها.. دليلة أول الموظفات الملتزمات بموعد الرحلة بل جاءت مبكرا عن الموعد المحدد حتى تقوم بحجز المقعد المميز خلف السائق لإيهاب علوان وتجلس بجواره. 

دور دليلة لم يقتصر فقط على وظيفتها كسكرتيرة شخصية لإيهاب علوان، ولكنها مع مرور الوقت جعلت اختصاصاتها تتعدى هذا الدور بمراحل.

دليلة امرأة مبهرة لكل من يراها من الرجال، فللوهلة الأولي يجذبهم فيها قوامها الرشيق وعيونها الواسعة السوداء التي تكحلهما بمنتهى المهارة بالإضافة إلى مكياجها الصارخ وملابسها المكشوفة.

موظفات البنك كن يبدئن الحديث صباحا عن "ماذا ترتدي دليلة اليوم".. فما بين التنانير القصيرة والقمصان الضيقة، والأحذية ذات الكعب العالي جدا، أصبحت دليلة حديث البنك، مثيرة لإعجاب الرجال، ومثيرة لحقد وغيرة زميلاتها من النساء.

لم تكن دليلة بالشخصية السهلة.. فهي لم تكن تهتم بما يثار عنها من أقاويل ولا بالأحاديث الدائرة عليها من وراء ظهرها.. كان كل همها ينصب فقط على إيهاب علوان وعلى كيفية الحصول على رضائه في إطار العمل وكذلك خارج هذا الإطار.

- لماذا لم تأتي الورود إلى الآن يا عم جمال.. ان أيهاب بك على وشك القدوم حالا.

تسأله دليلة متوعدة صاحب محل الورد وعاقدة العزم على أن تتعاقد مع محل غيره.

يرد عم جمال عليها في هدوء قائلا:

- أن ورد الأمس لايزال موجودا يا أستاذة فقد احتفظت به في البوفيه.


- لا يمكن يا عم جمال.. لا يجب أن يكون الورد ذابلا.. أنا سوف أكلم المحل لأعرف سبب التأخير.

قالتها دليلة بنبرة غضب دفين.

ومع صحبة الورد الطازجة التي اعتادت أن تضعها على مكتب إيهاب علوان كل صباح، ومع صوتها الهادئ الرخيم الذي يذكره بمواعيد دواءه قبل أن يذكره بمواعيد العملاء، اعتاد إيهاب علوان على وجود دليلة في حياته حتى شعر انه لا يمكنه الاستغناء عنها نهائيا.

***

سرب من الطيور يحلق فوق المبنى الكبير.. السرب له قائد ويتبعه الأخرون.. يأخذ قائد المجموعة في الطيران غير عابئا بمن وراءه.. أحيانا يسرع في طيرانه وأحيانا أخرى يأخذ مسارات متغيرة بحيث تحير التابعون له. 

قد يضل بعضهم نظرا لعدم خبرتهم الجيدة في الطيران أو لعدم قدرتهم على التنبؤ بالطرق الملتوية التي يطير فيها القائد.

تتباين مجموعة الطيور فيما بين بعضها ولكن الملاحظ لهم سوف يدرك أن للقائد شخصية تظهر سماتها على طريقة طيرانه.. وكذلك لكل طائر منهم سمة مختلفة ودورا فريدا يلعبه وسط المجموعة التي يطير معها.

يختلف سلوك كل طائر في المجموعة مما يدل على شخصيته المتفردة.. بعض الطيور تتبع القائد متابعة عمياء، تفسح المجال فاردة أجنحتها مرفرفة بقوة وعزم ومتعدية على طريق الأخرين حتى تتخذ مكانا مميزا خلف القائد مباشرة.. أما البعض الأخر فيصارع أحيانا حتى يأخذ مكان القائد ولكنه لا يقدر، فالقائد بنيانه أقوى من الجميع.

بعضهم لايزال صغيرا في السن والحجم ولا يستطيع مجاراة الأخرين ولا منافستهم ويظل هؤلاء في أخر السرب يبذلون مجهودا مضاعفا حتى يلحقوا بأول المجموعة.

قلة من الطيور هم من يساعدوا الأقل منهم حجما وأقل قوة، من يوجهوا غيرهم حتى يأخذوا مكانهم الصحيح في السرب ولا يتخلفون عن الجماعة.. تلك قلة قليلة ولكنها تعمل جاهدة حتى يصل السرب بأكمله إلى غايته بحيث لا يقع منهم طائرا أو يتركهم لعدم قدرته على الطيران بصورة سليمة.

وكأن عالم الطيور رمز لأرض الواقع وما يحدث فيها.. فهي تمثل بالفعل الصراع الذي يحدث بين أبناء المجموعة الواحدة في أماكن العمل.. فهناك من يتبع الإدارة وينتهج نفس النهج الذي تسلكه حتى لو كان غير سليم، وهناك المتمرد الذي يأبى الطاعة العمياء ويكون دائما في حالة اعتراض مستمرة.

البعض يسعي بكافة الطرق إلى الصعود للأمام حتى وان كان ذلك على أكتاف الأخرين أو عن طريق الحاق الضرر المتعمد بهم، والكثيرون يندبون حظهم العسر ويبقون في مؤخرة الصف لا يستطيعون أبدا اللحاق بمن هم في الأمام. 

أما الإدارة فدائما لها حسابات أخرى تفضل بها البعض عن البعض الأخر، وتعطي الامتيازات لمن لا يستحقون أحيانا، حسب وجهه نظرها، وقد تظلم البعض الكثير من الأحيان دون مراعاة لاعتبارات مختلفة تراها ولا تلقي لها بالا.

وفي النهاية يبقى الجميع سواء طيورا أو بشرا مخلوقات حية.. تتصارع أحيانا وتستسلم أحيانا أخرى.. ترثي لحالها بعض الأوقات وتشعر بالظلم أوقاتا أخرى.. ويبقي سلوك الفرد وسط الجماعة متغير متباين ولكن بالأخير الكل مخلوق من لحم ودم.. والحياة ليست عادلة في أغلب الأحيان.

***

تعليقات