الفصل التاسع من رواية ريتريت

                    ( 9 )



غادر الضابط الفندق وترك أحمد ومرزوق في حيرة شديدة من أمرهم.. كان أحمد يشعر أنه في كابوس رهيب لم يفيقه منه إلا اضطراره أن يخبر الموجودين في بهو الفندق أنهم لن يغادروا...إلخأنهم لن يغادروا المكان إلا بعد عمل التحقيقات اللازمة من قبل الشرطة.

كان يفكر كيف سيخبرهم بما حدث.. وما هو وقع هذا الخبر عليهم.. كانت مهمة شاقة على أعصابه، فقد كان يكفيه إحساس الصدمة الذي انتابه عندما اكتشف إصابة إيهاب علوان، فمنظر الدم لا يأبى أن يفارق مخيلته، بل أن ملابسه كانت قد تلطخت بالدماء وحاول تنظيفها ولكن أبت أثار الدماء أن تفارقها.

نزل أحمد ومرزوق من الغرفة وعلى وجههم علامات الوجوم.. كان الكل متواجدا في بهو الفندق الشاسع، حقائب السفر كانت تحتل مكانا كبيرا بجوار باب الفندق من الداخل والأتوبيس الذي كان سيقل الجميع إلى القاهرة كان أيضا متواجدا أمام البوابة.

كانت أول من لاحظت شحوب وجه أحمد ووجومه التام هي دليلة.. توجهت له وراعها ما على ملابسه من دماء حاول اخفائها ولم يستطع.. أدركت دليلة أن هناك شيئا غير طبيعيا في شكل أحمد وتصرفاته.. سألته ما إذا كان قد وجد إيهاب في غرفته أم لا.

نظر إليه ا أحمد نظرة طويلة ثم أخبرها بصوت مرتعش:

- لقد تم الاعتداء على إيهاب بك واصابته بالرصاص وهو الآن في طريقه إلى المستشفى.

لم تتمالك دليلة نفسها وصرخت صرخة شقت بها همهمات الأخرين وقطعت عليهم لهوهم وهي توجه حديثها إلى أحمد بلوعة شديدة:

- ماذا حدث وكيف حدث ذلك؟ هل حالته خطرة؟

صمت الجميع حيث لم يفهموا في البداية عما يدور الحوار بين أحمد ودليلة.. كانت هيئة أحمد تدل على أن هناك كارثة ما، ملابسه الغير مرتبة والملطخة بالدماء، وجهه الشاحب ونظرات عينيه الزائغة كلها تنذر بوجود حدث شديد الخطورة.

قطع صمت أحمد والأخرين مدير أمن الفندق آتيا إلى المجموعة طالبا منهم عدم المغادرة على حسب تعليمات الضابط المختص.

- أرجوكم أن تعودوا إلى السكنى في غرفكم فلا أحد سوف يغادر الفندق اليوم وحتى نعلم من الذي قام بإطلاق النارعلى إيهاب بك. غير مسموح لكم سوى بالتواجد هنا في البهو أو بداخل الغرفة وسيتم حمل الحقائب وتوزيعها من جديد على الغرف وتم الاتفاق مع الأتوبيس على المغادرة.

سكت الجميع فجأة حتى أن صوت أنفاسهم كاد أن يكون مسموعا.. تسارعت دقات القلوب فور العلم بهذا الخبر الغريب.. كان البعض متفاجئ والبعض الأخر يتملكه الذهول مما يتم سماعه الآن من مدير الأمن والذي أتى بصحبته المدير العام للفندق مؤكدا على كلامه.

بدأ العامل في حمل الحقائب واعادتها إلى الغرف، وفي حين ذهب أحمد إلى غرفته حتى يستحم وينظف ملابسه من أثار الدماء، تابعه البعض وبقي البعض الأخر في بهو الفندق مندهشين ما عرفوه للتو.

كان شاكر الليثي من الذين أثروا البقاء في بهو الفندق لسؤال المدير على تفاصيل إضافية عما حدث لإيهاب علوان.. رفض مدير الفندق أن يطلعه على أي معلومات غير التي قيلت على الملأ:

- هناك جريمة حدثت في الفندق.. وهناك قاتل يعبث في هذا المكان وأنا لن أضحي بسمعة مكان محترم كهذا في سبيل ضغائن قد تكون شخصية.. رجاء أن تأخذوا الأمر على محمل الجد وأن تنصح زملائك أيضا بذلك.

لم ييأس شاكر من السؤال موجها كلامه هذه المرة إلى مدير الأمن عن حالة إيهاب علوان وعما إذا كانت حياته في خطر.

- لا نعلم شيئا عن حالته الصحية، هو في المستشفى الآن.

قالها مدير الأمن في عجالة حين جاءه اتصال من الهاتف اللاسلكي الخاص به فذهب يتحدث بعيدا عن الجميع.

لم ترض هذه المعلومات فضول شاكر الذي كان يود أن يعرف ما إذا كانت حالة إيهاب في خطر أم أنه سيخرج سليما معافيا من تلك المحنة التي يمر بها.

***

- آن أوان الاحتفال يا رقية.. اليوم فقط ترد لي روحي.

هكذا كانت رقية تحدث نفسها وهي تشعر بالفرح الشديد في غرفتها.. ففور أن أغلق عليها الباب ارتمت على ظهرها في الفراش، وعيناها محلقتان في السقف، وعلى وجهها ابتسامة تشفي نابعة من أعماق قلبها.

كانت رقية من أسعد الناس وقت أن تلقت خبر إصابة إيهاب علوان مع زملائها.. بذلت جهدا كبيرا حتى تكتم فرحتها ولا تظهر على قسمات وجهها.. تظاهرت بالاستغراب الشديد للحادث الذي تعرض له إيهاب.. استنكرت وتعجبت وحزنت مثلما فعل الكل.. وفور أن اختلت بنفسها في غرفتها، تركت العنان لنفسها لتفرح وتتشفى في إيهاب علوان. 

لم يكدر عليها صفو فرحتها إلا أنه كان لايزال على قيد الحياة.. ولكنها كان لديها أمل كبير في موته وانتهاء وجوده من الدنيا إلى الأبد.

لم تكره رقية شخصا في حياتها مثلما كرهت إيهاب علوان.. كانت تحمله ذنب وفاة ابنتها غالية.. وطالما أرادت الانتقام منه وابادته من على وجه الدنيا.. قتلته في رأسها العديد والعديد من المرات وكل مرة منهم كان القتل يتم بطريقة مختلفة.. مرة وضعت له السم في الشاي الذي يشربه.. ومرة أتلفت فرامل السيارة التي يركبها.. ومرة أخرى شنقته في سقف مكتبه واستمتعت بشكله وجسمه يتدلى أمامها خاليا من الحياة.. ومرة أخرى ضربت عليه طلقات الرصاص فأصابته ولكنه لم يمت.

اختلط الخيال مع الواقع في عقل رقية.. كل محاولات القتل تلك كانت من محض خيالها.. إلا المحاولة الأخيرة.. وقف عقلها عندها طويلا وأحست فجأة برجفة شديدة تنتاب جسدها.. ما بالها ترى محاولة ضرب إيهاب علوان بالرصاص كأنها حقيقة وأمرا واقعا.!

لوهلة لم تستطع رقية أن تفرق بين الحقيقة والخيال.. هل ماتت غالية حقا أم أنها لاتزال حية وموجودة في المنزل وفور ذهابها إلى القاهرة ستلتقي بها وتأخذها في أحضانها.. هل أختها موجودة معها وترعي غالية كما ينبغي أم أنها تركتها وحيدة تبكي حتى أتعبها البكاء.!

هل تم قتل إيهاب علوان فعلا.؟. وعلى يد من.؟. هل هي من قامت بقتله حقا.؟. أم أنها فقط قتلته في عقلها الباطن.؟

أخذت دقات قلب رقية تتصاعد وصوت أنفاسها المتسارع يتلاحق بشدة حتى انتابتها نوبة هلع شديدة أحست معها أن روحها تكاد أن تنخلع من بين أضلعها.. تساءلت وهي تحت تأثير نوبة الهلع.. ترى هل فعلا قتلت إيهاب علوان؟ أم أنه فقط يهيأ لها؟

***

- مدير المباحث يريد البدء في أخذ الأقوال وفتح المحضر.. وسوف يبدأ بك يا أستاذ شاكر.

امتقع وجه شاكر وهو على الناحية الأخرى من الهاتف متلقيا تلك التعليمات من أحمد والذي كان في غرفته وقت أن اتصل به مدير المباحث طالبا منه أن يبلغ شاكر الليثي كي يستعد لأخذ أقواله.

ظل ضابط المباحث متواجدا في بهو الفندق بعد أن غادر الجميع إلى غرفهم، طلب مقابلة المسئول عن الاستقبال وأخذ منه أسماء من جاءوا إلى هذا الريتريت بصحبة إيهاب علوان.

كانت المعلومات التي تلقاها من موظف الاستقبال تشمل الاسم والسن والدرجة الوظيفية وأرقام الغرف وموقعها بالنسبة لبعضها البعض.

حاول الضابط الاتصال بشاكر في غرفته ولكنه لم يكن متواجدا بها.. حاول الاتصال على المحمول الخاص به والذي أخذ رقمه من موظف استقبال الفندق ولكن أيضا دون جدوى.

اتصل بعدها الضابط بأحمد وابلغه أنه يريد مقابلة شاكر وأنه لا يستطيع الوصول إليه.. أخبره أحمد بأن شاكر قد لا يرد على الأرقام التي لا يعرفها وأنه سوف يتصل به ويخبره بنفسه.

ووقت أن اتصل أحمد بشاكر كان شاكر متواجدا على شاطئ البحر يجلس بمفرده يحاول استنشاق الهواء على قدر استطاعته.. لم يكن يرغب في البقاء في الغرفة حيث شعر بالاختناق الشديد وفضل النزول للجلوس على الشاطئ.

وبالفعل كان الضابط قد اتصل به ولكن شاكر لم يجب، وعند اتصال أحمد به اضطر أن يرد المكالمة كما انه أجبر على الذهاب إلى بهو الفندق للقاء الضابط بناء على طلبه له.

اتجه شاكر على حيث يجلس الضابط ومعه العسكري المسئول عن كتابة المحضر.. كان الضابط يحتل ركنا بعيدا في بهو الفندق حتى لا يثير البلبلة وسط السياح وحتى لا يقوم بلفت النظر لما يحدث في المكان.. طلب من مدير الفندق أن يستعمل مكتبه أو حتى أي مكتب أخر حتى يقوم بمقابلة الجميع والعمل على استجوابهم.

- أين كنت وقت أمس مساءا يا أستاذ شاكر؟ 

- كنت مع المجموعة نتناول العشاء وبعدها ذهبت وحدي للجلوس على الشاطئ

رد عليه شاكر بصوت مضطرب وهو يحاول تصويب نظره إلى جهة مخالفة لحيث يجلس الضابط.

- لقد علمت أن هناك العديد من الخلافات بينك وبين إيهاب بك.. هل من الممكن أن تصف لي علاقتك به في الأيام الأخيرة؟

سأله الضابط بنبرة حادة وهو يحاول أن يوجه نظرات شاكر إليه حتى يرى تعبيرات عينيه.

- علاقتي بايهاب بك عادية، وهي علاقة مدير بمرؤوسه ليس أكثر.

- ولكن زملاءك أقروا بأن الخلاف كان دائم بينكما، وأنه رفض أن يمنحك الترقية التي تنتظرها.

رد عليه شاكر بنبرة توتر وهو لايزال موجها عينيه صوب الناحية أخرى:

- أنا لست على خلاف شخصي مع إيهاب بك.. كل ما في الأمر أني استحق ترقية منذ سنوات عديدة ولم أحصل عليها حتى الآن.. ولكن هذا لا يمنع أني أحترمه كونه المدير.. ثم حتى لو كنت على خلاف معه فلا يمكن أبدا أن أرتكب جريمة كتلك.

- ومن قال لك أنك في موضع اتهام يا أستاذ شاكر.. أنت من افترضت هذا الآن.

قالها الضابط بتحد محاولا إيقاع شاكر في المزيد من الحديث تحت ضغط عصبي شديد.

- لماذا لا تقوموا بإفراغ الكاميرات الموجودة في ممر الفندق الذي تطل عليه غرفة إيهاب علوان وسوف تعلمون من الذي اقتحم الغرفة ومن فعل مثل تلك الجريمة بدلا من اتهام أبرياء لا ذنب لهم في شيء.

- وهل تعتقد أن مثل هذا الأمر يغفل علينا يا أستاذ شاكر؟ بالفعل تم تفريغ الكاميرات ولكن مع الأسف تزامن دخول مرتكب الجريمة مع وجود فوج كبير من الأجانب تم تسكينهم في غرف الدور الرابع.. فلم توضح الكاميرات شيئا.

- اذن هل أنا الوحيد في موضع الاتهام؟ ولماذا؟

رد الضابط مسرعا:

- الجميع في موضع اتهام يا أستاذ شاكر وليس فقط من هم بصحبة إيهاب علوان في هذه الرحلة.. لا تقلق.. فسوف يتم استجواب الجميع.

ظل شاكر تحت ضغط الاستجواب حتى انهارت أعصابه، كان يحاول تمالك نفسه ولكن استفزاز الضابط أحيانا كثيرة جعله محاصرا في موضع الاتهام، أحيانا أخرى كان يلين معه في الكلام ويسأله عن بقية الزملاء وعن علاقتهم الخاصة بإيهاب علوان. 

أكثر من ساعتين كاملتين قضاها شاكر الليثي تحت الضغط العصبي الخاص بالاستجواب حتى شعر في نهاية الجلسة أن رأسه تكاد تنفجر من كثرة الضغط.. عرف الضابط أن يركز على ما يجعل شاكر ينفعل ويخرج عن سيطرته على أعصابه.

انتهى الاستجواب وسمح الضابط لشاكر بالانصراف.. قام مترنحا من فرط الانفعال.. لم تعد لديه القدرة على التفكير بصورة منطقية.. فقد شعر أنه في الدائرة الرئيسية للاتهام.. وكان كل ما يرجوه الآن أن ينتهي إيهاب علوان سريعا على أثر جراحه ولا يفوق من غيبوبته أبدا حتى لا يتكلم ويتم القضاء على شاكر إلى الأبد.!

***

كان وضع إيهاب علوان في المستشفى لا يزال في مرحلة الخطر.. فبعد وصوله إلى هناك ودخوله الرعاية المركزة ومحاولة اسعافه، لم يجد الطبيب أحدا ليخبره أن إيهاب علوان بحاجة إلى عملية جراحية عاجلة في كتفه.. فالرجل أتى وحيدا ولم يكن معه أحد من أهله ولا زملاءه.

دخل إيهاب علوان غرفة العمليات وخضع لعملية جراحية دقيقة في الكتف، تمت خلالها محاولة اصلاح الأنسجة والخلايا التي أتلفها مرور الرصاصة بجوار الكتف.. وكان من حسن حظه أن الرصاصة اخترقت الكتف ولم تصيب الرئة وإلا كان الآن في عداد الموتى.

استغرقت العملية الجراحية عدة ساعات حيث كان الكتف في حالة من التهتك الشديد وكذلك العظام كانت بحاجة إلى عدة شرائح ومسامير حيث وصل تأثير الطلقة إليه أيضا.

خرج إيهاب علوان من العملية الجراحية إلى غرفة الرعاية المركزة بعد عدة ساعات.. كان في حالة من الهذيان بين الافاقة لعدة ثواني ثم الدخول مرة أخرى في غيبوبة طويلة نتيجة لفقدانه الكثير من الدم حتى تم اكتشاف اصابته.. في تلك الأثناء كان عقله يعمل ولكنه كان غير مدركا أنه في المستشفى ويخضع لعملية جراحية كنتيجة لإصابته بالرصاص.

كانت أفكار إيهاب علوان تأخذه بعيدا لمراحل متعددة من حياته.. وقت أن كان صبيا صغيرا لا يتجاوز عمره العاشرة.. رأى حينها أباه وهو يعنفه على شيئا تافها لم يتذكر ماهيته، ولكن كل ما يذكره أنه لم يفعل ما يستوجب كل هذا الايذاء النفسي والتعنيف. 

تذكر نفسه وهو يبلل ملابسه أمام أبيه غير قادرا على التحكم في نفسه من فرط الخوف.. تذكر أبيه وهو يسخر منه ويصفه بأنه لايزال طفلا صغيرا وأنه لن يكبر أبدا.. كانت سخرية أبيه له تثير بداخله مشاعر الغضب والسخط عليه وعلى الدنيا بأكملها.. كان محرجا من نفسه ولكن الخوف كان يتملكه وترتعد له كل أوصاله حتى كانت تلك وسيلته الوحيدة في التعبير عن شدة خوفه.. طفل صغير دون العاشرة ويتعرض لعنف وايذاء نفسي من أبيه، من ذا الذي يستطيع لومه على أية حال!

لم يكن لأم إيهاب علوان دورا يذكر في طفولته.. كانت هي الأخرى تخشى الأب وانفعالاته المتكررة ولا تستطيع مواجهته.

تذكر إيهاب يوم أن دخن أول سيجارة له وهو في السن الخامسة عشر.. وقتها اكتشف الأب وقام بإيذائه جسديا وضربه ضربا مبرحا.. بلل إيهاب سرواله من جديد.. كان يخشى أبيه ويكرهه كراهية شديدة.. لازمته هذه العادة حتى أنه على الرغم من كبر سنه وتخطيه لمرحلة المراهقة، ظل يبلل فراشه العديد من الليالي ويقوم من النوم بعدها لاعنا الدنيا ساخطا عليها وفي أشد حالات الحرج مما أثر تأثيرا شديدا على صحته النفسية والمعنوية.

جاء الطبيب وبصحبته ممرضتين كي يطمئن على إيهاب علوان.. كان الضابط في الفندق بانتظار أن يخبره العسكري المتواجد في المستشفى عن حالة إيهاب علوان وأن يوافيه بأخباره حتى يعلم متى يمكنه أن يبدأ في استجوابه.. لم تكن حالته أبدا تسمح بالاستجواب حيث ظل ما بين اليقظة لدقائق معدودة ثم الغيبوبة من جديد.

نظر إيهاب علوان للطبيب مرتديا معطفه الأبيض.. سمعه وهو يسأله عما يشعر به الآن ولكنه لم يستطع تحريك شفتيه وأغمض عينيه مرة أخرى واستعاد أبيه في ذاكرته وهو يؤنبه أنه لم يدخل كلية الطب ليصبح طبيبا مثله.. كان يكره الأطباء والمستشفيات وكل ما يمت لهم بصلة.. لم يجد حينها ما يدافع به عن نفسه حيث كان لسانه يلجم إذا وقف في حضرة أبيه واستمع لتأنيبه الدائم له.. كانت أخته أحيانا ما تدافع عنه ولكنه كان يضطر إلى مواجهته وحيدا في معظم الأحيان مما كان يشكل عبئ نفسي شديد على أعصابه لم ينتشله منه سوى الخروج ليلا بمفرده والتدخين بشراهة خارج أسوار المنزل الكبير.

ظلت ذاكرة إيهاب علوان تأخذه إلى أوقات بعيدة من طفولته وصباه ولكنها أبت أن تتذكر ما حدث له قبل الحادث.. كان يشعر بكتفه يتمزق تحت وطأة الألم ولكنه لم يتذكر أن شخصا ما قد أطلق عليه الرصاص وفر هاربا ولا أنه ظل يئن عدة ساعات على أثر النزيف حتى تم إنقاذه.

عبرت على مخيلته علاقاته بمرؤوسيه في البنك.. تذكر دليلة وهي تتدلل عليه وتحاول أن تجعله يمضي على شيكات لا يعلم عنها شيئا.. كان شكلها مخيفا في مخيلته بمساحيق وجهها الزائدة وبالهالات السوداء الكبيرة التي تحيط بعينيها وبملابسها الفاضحة.. أخذت دليلة تبكي بعد أن طردها من مكتبه وأخبرها أنه لا يريد أن يراها مرة أخرى.

ظهرت له بعدها رقية وهي تمسك بطفل صغير وتقتحم عليه المكتب وتقول له أن هذا الطفل ابنه.. وأنها أخفت عليه هذا الأمر ولكنه يجب أن يأخذه ويرعاه لأنها لن تستطيع العناية به.. قذفت له بالطفل واضعة إياه على المكتب وغادرت سريعا.. نظر إيهاب في وجه الطفل فوجده قبيح الملامح.. شائخا عجوزا.. يشبه عم جمال في ملامح وجهه.. نطق الطفل وقال له بتوسل لا تدعني أموت.. إذا مت فستكون أنت السبب.

أفاق إيهاب علوان لدقائق أخرى وجد على أثرها الممرضة تقيس له الضغط.. تلاقت عيناه معها لثواني ثم ذهب في غيبوبة جديدة.. شاهد فيها هذه المرة الفتيات الصغيرات اللاتي كن تحت التدريب في البنك.. كن يحيطن به في دائرة صغيرة وكان هو واقفا في منتصف تلك الدائرة.. كن يبالغن في تملقه كثيرا ويرغبن في أن يستحوذن على انتباهه كل منهن على حدة.. ظلت الفتيات تنظرن إلى وجهه وتحاول كل منهن أن تميل رأسه ناحيتها عن طريق لمس خده حتى يراها هي دونا عن الأخرين.. وفجأة وجهت احداهن نظرها إلى الأسفل قليلا ورأت بنطاله وهو مبتلا من الأمام، قامت بالإشارة عليه للأخريات اللاتي بدأن في السخرية والضحك الشديد.. ظلت تتهامسن وهن يتهكمن على إيهاب علوان وهو بالا سرواله حتى جاءت اللحظة التي اقتحم فيها شاكر تلك الدائرة وقام بأخذ إيهاب علوان من يده سريعا ذاهبا به إلى مكان أخر قائلا له بنبرة حادة:

- ألم أقل لك أني الوحيد الذي أستطيع انقاذك!

***

أغلق عم جمال باب غرفته على نفسه بالمزلاج من الداخل بعد علمه بالحادث وبعد السماح للجميع بالاتجاه إلى غرفهم حتى اشعار أخر.. أخذ الرجل يرتجف من الفرط التوتر والخوف وشعر بالبرد الشديد الذي على أثره توجه إلى الفراش وقام بوضع كل أغطيته عليه والتي لم تفلح مع كثرتها في العمل على تدفئته.

ظل على تلك الحالة حتى سمع صوت طرقا على باب الغرفة.. لم يكن يستطيع القيام لفتح الباب ولكنه تحامل على نفسه حتى قام ومشي عدة خطوات بصعوبة ناحية الباب وهمس في وهن "من الطارق" ليجد أمامه أحمد.

- ما الخبر يا عم جمال.. قلقتني عليك وقت أن اختفيت فجأة ولم أجدك بجواري.... كان وجهك شديد الصفرة وقت أن أخبرنا الضابط بالحادث.. ورأيتك وأنت تمشي بصعوبة حتى تصعد لغرفتك.. طمني عليك.

- أنا لست بخير يا أستاذ أحمد.. اليوم ميعاد جلستي الكيماوية في المستشفى ويجب أن أغادر هذا المكان فورا.

رد عليه عم جمال بنبرة مرتعشة واهنة.. بادله أحمد النظرات ثم قال له:

- صعب يا عم جمال.. تعلم أنه لا أحد منا يمكنه المغادرة حتى يتم اكتشاف الجاني.

- ولكن يا أستاذ أحمد لماذا نفترض أنه واحدا منا؟ قد يكون مرتكب الحادث سارق تسلل إلى الفندق دون أن يعلم أحد عنه شيئا.

- ولكن لم تتم سرقة شيئا من غرفة إيهاب بك حسب كلام الضابط يا عم جمال.. فمن الواضح أن مرتكب الحادث كان فقط غرضه الانتقام منه لسبب ما.

أدار عم جمال وجهه الناحية الأخرى وظل جسمه يرتجف وهو لا يستطيع التحكم في نفسه وقال بصوت خفيض:

- ومن يجرؤ على القيام بمثل هذا الفعل يا أستاذ أحمد؟ 

- هناك الكثيرون يا عم جمال.. كارهي إيهاب علوان أكثر كثيرا من محبيه.

قالها أحمد ملاحظا أن عم جمال يتجنب النظر نحو عينيه وجسمه لايزال يرتجف بشدة.

- أخبرني يا عم جمال.. أين ذهبت ليلة أمس بعد أن انتهينا من العشاء.. فقد بحثت عنك كثيرا لنجلس سويا نشرب الشاي ولكني لم أجدك في بهو الفندق.

ازداد توتر عم جمال وهو يشعر أن أحمد يعمل على استجوابه بدلا من الضابط.. التفت إليه قائلا في وهن:

- شعرت بالتعب قليلا وصعدت إلى غرفتي كي أرتاح.

- ولكنى خبطت على باب غرفتك بالفعل ليلة أمس وأنا في طريقي إلى غرفتي فلم تجب.!

زاد ارتعاش عم جمال وانتابت فمه بعض الحركات العصبية اللاإرادية ووجه لأحمد كلامه قائلا:

- كنت نائم يا أستاذ أحمد.. فلم أسمع نقرك على باب غرفتي.

نظر إليه أحمد نظرة طويلة وبدأ الشك يتلاعب به.. هل من الممكن أن يكون عم جمال هو مرتكب تلك الجريمة.. هل من المعقول أن رجلا في مثل عمره يفكر في ذلك.. ان كل الملابسات تقول إنه يمكن أن يكون من المشتبه فيهم، فهو كاره للرجل بشدة بعد أن حرمه من تكلفة العلاج على نفقة التأمين، وبعد أن رفض أن يأتي بشاب يساعده في الأعمال اليومية التي لا يقدر عليها، وبعد أن أهان كرامته أكثر من مرة وسط الجميع وقلل من شأنه.. ولكن هل من المعقول أن يرتكب عم جمال هذا الفعل!

ان توتر الرجل وارتعاشه وكل ايماءاته تدل على أن هناك شيئا ما يحاول أن يخفيه.. ولكن حتى لو كان قد ضرب إيهاب علوان بالرصاص.. فمن أين له الحصول على المسدس الذي ارتكب به الجريمة.. هل من الممكن أن يكون قد سلطه أحدهم أن يفعل ذلك في مقابل مادي مثلا؟ انه يعلم تمام العلم أن عم جمال بحاجة ماسة إلى النقود.. فهو لايزال تحت العلاج المكثف ذي التكلفة العالية.. ولديه من الأبناء أربعة وهو شديد الحرص على استكمال تعليم توأمه الصغيرين حتى يلتحقا بالجامعة.. كل هذه الدوافع قد تكون سببا حتى يفكر في القيام بتلك الجريمة البشعة.

أحس عم جمال بصمت أحمد وبنظراته الطويلة له مما زاده ارتباكا حتى قال له:

- أنا متعب يا أستاذ أحمد وبحاجة إلى النوم.. رجاء أن تتركني حتى أغفو قليلا.

- ولكن الضابط يا عم جمال قد يطلبك في أية لحظة.

صاح عم جمال فجأة باكيا ومتوسلا:

- دعوني في حالي.. أنا لم أفعل شيئا.. لماذا استجواب.. فقط اتركوني وشأني.

اتجه إلى فراشه تاركا أحمد جالسا على المقعد الوثير الموجود في الغرفة، وضع كل الأغطية عليه وظل يرتجف من تحتها حتى اهتز الفراش به، غطى نفسه حتى رأسه وظل يصدر آهات تنم على ألم شديد.

تركه أحمد على حاله وخرج مغلقا باب الحجرة من خلفه في ذهول.

***

كان ما يحدث كابوسا بالنسبة للبعض.. ففجأة أصبح الكل متهما ويجب عليه الدفاع عن نفسه.. فجأة انكشف الجميع أمام بعضهم البعض.. ظهر ذلك الوجه الخفي الذي حاولوا كثيرا اخفائه.. ظهرت الخبايا والأسرار على السطح ولم تعد مخبأة في مكنون الأنفس.. كان لدى كل واحد من الموجودين ألف دافع ودافع لإيذاء إيهاب علوان وتحطيمه.. فجأة تحول الجميع إلى أدوات اتهام يشير بها كل منهم للأخر ويقول بداخل نفسه "لم أقتله.. أنت من فعل ذلك".

انعدمت الثقة في الجميع.. بل أن بعضهم بدأ يشك في نفسه.. تفلتت الأعصاب وانهارت ولم يعد هناك ثبات انفعالي لدى الغالبية.

وفي أثناء ذلك الوقت، أتى خبير البصمات وقام برفع كل البصمات التي في غرفة إيهاب علوان، وعلى التوازي اتجه خبير بصمات أخر إلى المستشفى وقام بأخذ بصمة إيهاب علوان نفسه حتى يتم مقارنتها بالبصمات الموجودة في الغرفة.

وفي غرفة مدير أمن الفندق، طلب الضابط المكلف بالقضية جميع الحاضرين بالقدوم حتى يتم أخذ بصماتهم على الجهاز الذي يحمله معه خبير البصمات بعد أن انتهى من عمله في غرفة إيهاب علوان.

كانت هذه هي الخطوة الأولى لمعرفة من تواجد معه في الغرفة من الحاضرين حيث كان الشك يتوجه إليه أولا وفي حالة إذا ما ثبت أنهم لا صلة لهم بالحادث وحين يفيق إيهاب علوان من غيبوبته ويبدأ في التحدث، يظل كل من هو موجودا في الغرفة محل اشتباه خاصة أنه لم يتم سرقة أية محتويات منها. 

كانت محفظة إيهاب علوان مكدسة بعدة بالآفات الجنيهات وكذلك عدة مئات من الدولارات ولم يمسسها أحد بعد وقوع الجريمة.. كما أن ساعته الرولكس ذات المبلغ الباهظ كانت بدورها موضوعه على تسريحة غرفته وظلت على مكانها لم تمس أيضا.

كان الأمر غريبا حيث لم تكن هناك دوافع ظاهرة لارتكاب هذا الحادث.. لم يكن على رجال المباحث سوى العمل على الكشف الأمني على جميع الموجودين انتظارا لمعرفة ما إذا كانت حالة إيهاب علوان الصحية ستسمح باستجوابه قريبا أم أنه سيظل تحت تأثير الغيبوبة التي قد تستمر طويلا.. كان أيضا رجال الأمن يريدون الانتهاء من هذه القضية سريعا حتى لا يقومون بإيذاء سمعة الفندق ويضرون بالشكل العام للسياحة أمام الأجانب المتواجدين به.

بدأ الجميع في التوافد على حجرة مدير الأمن لأخذ البصمات.. كان الوجوم باديا على وجه الجميع بداية من دليلة والتي كانت أول الحاضرين وتم رفع بصماتها على الجهاز وسط تذمرها وتمتمتها بكلمات كثيرة غاضبة في سرها، بعدها جاء شاكر الليثي وعلى وجهه علامات الغضب والاستنكار الشديدين قائلا إنه لم يتعرض أبدا لهذه المهانة في حياته. 

كانت رقية تقف خارج الغرفة بانتظار دورها.. وكل ما يشغلها هو معرفة حالة إيهاب الصحية الآن وما إذا كان قد أفاق من الغيبوبة.. نظرات عينيها حائرة دلت على عدم ادراكها ان كانت في حلم سوف تفيق منه أم أن هذه هي الحقيقة.

عم جمال وقف في نهاية الحضور، جاء متدثرا بملابس ثقيلة للغاية حيث أن جسمه كله لايزال يرتعش بشدة.. أخذ يتوسل إلى الضابط أن يتركه وشأنه حيث أنه لم يفعل شيئا ويجب عليه الرجوع إلى القاهرة فورا لتكملة علاجه.. وبالطبع لم يؤثر كلامه على الضابط الذي لم يتلفظ بكلمة طوال فترة أخذ البصمات.

وبعد أن انتهى الجميع من ذلك الواجب الثقيل على النفس، اتجهوا سويا إلى بهو الفندق.. كانت أكثرهم توترا هي دليلة والتي أخذت تفكر في تلك الليلة التي ذهبت فيها إلى إيهاب علوان بغرفته وما إذا كانت تركت أية بصمات وقتها يمكن مطابقتها بالبصمات الموجودة في الغرفة.

ليلتها انفعل عليها إيهاب علوان وقام بطردها من الغرفة.. لم تدر وقتها ماذا تفعل.. في تلك اللحظة تجسدت كل مشاعر كراهيتها تجاهه.. ظلت تنظر إليه نظرات غضب ممتزجة برغبة في الانتقام مما يفعله بها قبل أن يطردها.

تعتقد دليلة أنها أكثر الناس تضررا من أفعال إيهاب علوان معها.. تسبب الضرر النفسي الذي ألحقه بها في أن تسعى للانتقام الشديد منه.. لم يكن أيضا الضرر يقتصر على الناحية النفسية فحسب بل كان أيضا ضررا جسديا ومعنويا مصاحبا بأشد أنواع الايذاء النفسي.

كرهته دليلة وكرهت نفسها وقت أن ذهبت إلى الطبيب تطلب منه سرعة التصرف في الجنين الذي كان قد بدأ ينمو في أحشائها.. لم تتخيل أن تصل الخسة والنذالة بإيهاب علوان لهذه الدرجة وأن يتركها وحيدة في موقف كهذا.

تصور ايهاب أنها ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها لمثل هذا الموقف.. ومع الأسف كان يراها ساقطة غير شريفة.. لم يتصور أنها لم تكن تقصد أبدا أن تحمل منه.. كان يعتقد العكس تماما.. شعر أنها تريد الإيقاع به وتوريطه في طفل وفي زيجة لم يكن أبدا على استعداد أن يضحي بسمعته من أجلها.

كانت دليلة بالنسبة لإيهاب تجربة جديدة من نوعها.. تجربة مسلية ليس أكثر.. تمنعها عنه لفترات طويلة زاد في رغبته فيها.. اعتبرها لعبة مثل الأخريات.. يتم اللعب بها لفترة ثم تركها في النهاية عندما يزهق وتنتهي لديه الرغبة فيها.

لم يحسب إيهاب علوان أن للبشر مشاعر وأحاسيس.. كان يعاملهم على أنهم جماد مسخرا لخدمته ولتلبية رغباته ونزواته الشخصية.. لم ير أبدا أن دليلة انسانة من لحم ودم، قد تغضب وتشعر الإهانة وتخاف مما تمر به من أحداث بسببه.. كان كل ما يهمه أن تخلصه دليلة من هذا الكابوس ولا تعود تذكره به أبدا.

ووقت أن ذهبت دليلة إلى الطبيب ووصف لها الدواء الذي سيخلصها من الجنين، كانت تعلم أنها ترتكب جرما ليس في حق نفسها فقط ولكن في حق ربها أيضا.. لم تكن دليلة بالسوء الذي قد يصفها به البعض.. لم تكن مثل ما تبدو فتاة مستهترة لا قيم لديها ولا مبادئ.. كان بداخلها الكثير من مشاعر الذنب والكثير من الندم لما فعلته وما تفعله تجاه هذا الجنين الذي لم يكتمل بعد ولا يملك من أمر الدنيا شيئا.

كانت بداخل دليلة انسانة في غاية الرقة والتواضع وذلك على الرغم من تظاهرها بالقوة والاستهتار.. أثرت عليها طفولتها كثيرا.. كانت بحاجة إلى العطف والحنان وهو ما تصورت أن تجده مع إيهاب علوان حين وافقت أن ترافقه.. لم تكن أبدا تقصد أن تحمل منه ولا خطر ذلك في بالها كما لم تكن تريد الترقي على حساب علاقتها به.. كان سيكفيها حبه لها واهتمامه بها ولكنه نذل وخسيس.. بعد أن أظهر لها الاهتمام وأخذ منها ما يريده تركها لتواجه مصيرها بنفسها.. تركها وكلها إحساس بالندم والغضب.. لو كان بيدها لذهبت الآن إلى المستشفى المتواجد به وقامت بخنقه بدل المرة مائة مرة حتى تترك روحه جسده ويختفي من على وجه الحياة.

كان إيهاب علوان أكثر شخصا تكرهه دليلة في الدنيا.. وزاد كرهها له بعد معاملته السيئة له وقت أن رضخت ونفذت كل ما طلبه منها وتخلصت من الجنين ومع ذلك ظل يعاملها معاملة سيئة كل يوم.. كان يثير غيرتها باهتمامه بفتيات صغيرات تحت التدريب.. يحضرهم في مكتبه ويظل يتبادل معهم النقاشات التافهة والضحكات المائعة وسط غضبها وحنقها مما يفعله. 

لو كان بيد دليلة لقتلت إيهاب علوان الاف المرات وليس مرة واحدة.. ولاستمتعت كل مرة بمشاهدة روحه وهي تخرج من جسده وبكل مرة يتعذب فيها.. ولو أدى الأمر إلى أن تسجن مدى الحياة في سبيل ذلك.. فلم يعد شيئا يهم بعد كل ما تعرضت له من صعاب.

***

تعليقات