الفصل الحادي عشر من رواية ريتريت

                 ( 11 )



خيالات عديدة تتحرك أمامه ولا يكاد يتبين منها شيئا.. ثانية واحدة أو اثنتين كانت كافية أن يسمع فيهما بعضا من حوارا يدور حوله.. "لايزال في غيبوبة.. لقد فتح عينيه لمدة ثوان.. هل تسمعني".. تلك كلمات كان يسمعها من أصوات حوله حتى يرجعه عقله إلى الغيبوبة من جديد.

لم يعلم من الأشخاص الذين يحيطون به ولكنه كان يشعر بحركتهم يذهبون ويجيئون طوال الثواني التي كان فيها متنبها.

يسمع بعض التأوهات التي تصله من بعيد.. ويسمع صوت أجهزة طبية تصدر صفيرا وبعد ذلك تصمت كل الأصوات من حوله.

تجسدت له الكثير من المعاني وهو تحت وطأة هذه الغيبوبة التي طالت مدتها لثلاثة أيام متتالية.. رأى طيفا لحنان وهي تجلس إلى جواره.. وجهها مكفهرا عابسا، تنظر إليه نظرات طويلة تجعله مرتبكا.. واضحا أن حنان كانت تنتظر حدث ما، اما أن يفيق أو أن ينتهي به الأمر ويموت.. لم يستطع تبين تفاصيل هيئتها.. كان وجهها بلا ملامح محددة.. فقط نظراتها الثاقبة له كانت كل ما يربكه ويجعله متوترا للغاية.

ظل السؤال على طرف شفتيه لا يستطيع النطق به وقت أن كانت حنان مصوبة نظراتها نحوه.. أراد التحدث ولكنه لم يقدر.. كانت شفتاه أثقل من أن يحركهما.. حتى جفون عينيه كانت ثقيلة كأنها أكياس من الرمال لم يستطع معها أن يفتح عينيه كي يرى الصورة واضحة أمامه.. كل حواسه كانت تخونه في كل ما أراد فعله.

أفكار إيهاب علوان هي فقط المصاحبة له الآن، وحتى تلك الأفكار والهواجس التي تنتابه فلم يستطع أيضا أن التحكم فيها.. كان أضعف من أن يتحكم في أي شيء.. فقط يستسلم لرقدته ولأفكاره التي تتلاعب به ولا يقدر أن يحرك ساكنا.

مرت على مخيلته الكثير من الأفكار الغير مترابطة.. حوار كامل قام به مع حنان من طرفه فقط.. فقد حدثها عبر أفكاره ولكنها لم تسمعه أو ترد عليه أبدا.

أخذته مخيلته للعديد من المرات التي تركها فيها وحيدة وذهب للقاء أصدقاءه والمبيت معهم خارج المنزل.. رجته كثيرا أول الزواج على عدم فعل ذلك وعلى محاولة التحدث والجلوس معها مثلما كان يفعل مع أصدقائه الذين يقابلهم بشكل يومي.. ولكنه كان ينظر إليها ويترك المكان ويغادره وعلى وجهه ابتسامة سخرية.

تذكر كم مرة فاتته مناسبات خاصة بالولدين حين يكون على موعد مع مباراة يلعبها أحدهم ثم يتخلف عن حضورها هكذا بمنتهى البساطة، ومرات أخرى يتأخر أيضا على احتفال بعيد ميلاد أحدهما وقت أن تكون كل العائلة مجتمعه مما يثير حنق حنان وتذمرها من تصرفاته الغير مسئولة.

كثر بكاء حنان في أول فترة الزواج.. ولم يكن ايهاب يعطي لبكائها أهمية.. فهو كان يرى أنها فقط تصطنع النكد.. لم يدري أن أسلوبه في الحياة غير سوي وأنه لا يصلح أن يكون له من يشاركه أمور حياته ويومه.. لم يرى سوى نفسه التي أعطى لها كل المبررات ليستمر في تصرفاته التي لا يستطيع أحد تحملها.

ظلت أطياف الأحداث تمر على مخيلته فيقف عندها ويتذكر التفاصيل.. يوم أن اكتشفت حنان محادثاته الخارجة مع احدى زميلاته في البنك.. وقتها ثارت وصرخت وانهارت ولكنه فقط قام بتطيب خاطرها ببعض الكلمات المطمئنة ثم عاد إلى عادته تلك كأن شيئا لم يحدث.

ظهر له طيف الأولاد من بعيد.. وصورتهم وحنان تستذكر لهم دروسهم وهي مريضة.. وتطلب منه أن يساعدها قليلا ولكنه يأبى ولا يهتم ويترك البيت للذهاب إلى المقهى والهروب من تلك المسئوليات.

كانت حياته تمر أمام مخيلته كشريط سينمائي.. المشاهد مبعثرة ولكن العامل المشترك بينها هو بكاء حنان ولومها المستمر له وذلك حتى مرت السنوات وتحول هذا اللوم إلى صمت.. أصبحت حنان صامتة طوال الوقت.. لا تلوم ولا تحزن.. لا تتحدث ولا تطلب.. فقط صامته تتفاداه بكل الصور.. كانت تلك أخر تصوراته عن حنان.. كائن صامت لا يفيد ولا يضر.. فقط موجودة في البيت بحكم الاعتياد ولكنها أبدا لم تعد تتحدث معه ولا توجه له أي حوار.

طيف الولدين أيضا مر على خياله.. علاقة شائكة متوترة تحمل من الكراهية الكثير والكثير مما لا يعبر عنه الولدان ولكنه يحسه ويشعر به الآن.. تجلت له مشاعرهم تجاهه.. فكم كان قاسيا معهم وأهانهم مثلما أهين في طفولته.. كم رفض لهم من مطالب طفولية مشروعة وكم أهملهم ولم يعط لهم الاهتمام ولا المحبة الكافيتين.

مر على مخيلته طيف البيت الذي يعيش فيه مع حنان والولدين.. كان الحوار فيه دائما يدور بين حنان وأولادها فقط ولم يكن هو طرفا فيه بأي وسيلة.. وكانت المشاعر والأحاسيس تجمع أيضا بين حنان وأولادها فقط دون أن يكون له دورا في ذلك.. يصمت الجميع وقت وصوله إلى المنزل.. يجتمعون في غرفة لا يكون جالسا فيه.. يتفادون لقائه بكل السبل.. ولم تكن تلك التصرفات تزعجه بالمرة بل كان على ما يرام معها تماما.. فعلى الأقل ترتاح رأسه من تلك الحوارات الطفولية السخيفة التي لا يعير لها بالا ولا يهتم بها على الاطلاق.. وكذلك يرتاح من حنان ولومها الدائم له على الكثير من تصرفاته.

كانت تلك الحياة تروقه، ولم يدرك آنذاك أنه كان يبتعد أكثرا فأكثرا عن أقرب ناس له في الحياة.. كرههم له يزداد يوما بعد يوم.. ينفرهم من وجوده ويجعل من نفسه فقط مصدرا للتمويل ليس إلا.

ظل طيف حنان ملازما له فترة طويلة.. مرت على ذاكرته ذكرى وحيدة مشوشة لمشادة مع حنان.. أصواتا عالية، نحيب، اتهامات متبادلة، المزيد من الصخب الذي يتبعه عويل.. لم يتبين ما إذا كانت هذه المشادة قد حصلت بالفعل أم انها فقط من محض خياله وارهاصات أفكاره المضطربة.

يشعر أن حنان تتمني موته واختفائه من هذه الدنيا ولكنها لا تفصح عن ذلك.. يشعر بنظراتها تخترق كتفه المصاب وتسأل نفسها ما الذي يبقيه على قيد الحياة حتى الآن.. يشعر بها تود أن تمد يدها فتقوم بخنقه حتى أن أنفاسه تتلاحق ويشعر أنه يختنق شيئا فشيئا.. يفيق من ذلك الشعور على صوت بعيد لمريض أخر يتأوه.. يختلط الخيال مع الحقيقة لمدة ثوان يحاول فيها فتح عينيه ثم يذهب في الغيبوبة من جديد.

***

تستمر التحقيقات مع الجميع.. البعض تكاد أعصابه تفلت منه ويتمنى العودة للقاهرة بأسرع وقت.. والبعض الأخر يبدو أكثر صبرا وتحملا في سبيل مساعدة الشرطة للتعرف على الجاني والتخلص من هذا الكابوس السخيف.

تم التحقيق مع عم جمال حيث كان من النوع الأول وفلتت أعصابه أثناء التحقيقات وأخذ يهذي بكلمات غير واضحة مؤكدا على أنه بريء ولم يفعل شيئا يستحق عقوبة من أجله.. كان خائفا مرتعدا مهما حاول الضابط تهدئته.. ظل يتفوه بكلمات كثيرة منها أنه يكره إيهاب علوان وكل ما يمت له بصلة وأنه لم يتعذب على يد أحد في حياته كما تعذب على يد هذا الرجل الذي كان ينتقم منه لأسباب لا يعرف لها أصلا.. كان يعتقد اعتقادا راسخا بأن إيهاب علوان يقصده هو بالذات بسوء المعاملة وأنه يريد أن يترك الوظيفة التي قضى فيها أكثر من عشرين عاما. 

مر سير التحقيقات بصعوبة شديدة حتى استطاع أن يحصل الضابط من عم جمال على جملة واحدة مفيدة للوقائع التي حدثت في يوم الحادث.. وفي أثناء التحقيق استلم الضابط التقرير الخاص برفع البصمات الموجودة في غرفة إيهاب علوان وتمت مقارنتها ببصمات الأخرين.. انحصرت الشكوك في دليلة وشاكر نظرا لتواجد بصماتهما في الغرفة وتم استدعائهما لإعادة التحقيق معهما مرة أخرى.

انهارت دليلة وهي تعترف بأنها فعلا قد زارت إيهاب علوان في غرفته ولكنها لم تفعل ذلك يوم الحادث.. اضطرت أن تعترف بعلاقتها المربكة معه.. وبأنها زارته لتلومه على معاملته السيئة معها طوال الفترة الأخيرة.

سألها الضابط العديد من الأسئلة كما وجه لها اللوم لإنكارها هذه الزيارة في المرة الأولى من التحقيقات.. بكت دليلة وهي تستعطف الضابط ولكن دون جدوى.. فجأة أصبحت من المشتبه فيهم الرئيسيين الذين سوف تستمر معهم التحقيقات فترة أطول حتى يتم التوصل إلى الحقيقة الكاملة.

ظلت دليلة ثابتة على موقفها في أنها لا تعرف شيئا عن الحادث وأنها فقط ذهبت إلى إيهاب علوان في اليوم السابق حين لم تستطع الانفراد معه لمحادثته نظرا لوجود باقي الزملاء.. أخفت دليلة الجزء الخاص بالجنين الذي كان ينمو في أحشائها والذي طلب منها إيهاب أن تتخلص منه.. نفت أيضا الكثير من التفاصيل الأخرى التي قد تضعها في موضع الاتهام مما زاد من ارتباكها أثناء التحقيق.. ظل الضابط يستجوبها عدة ساعات متصلة حتى فقدت أعصابها تماما ثم قالت له ولماذا لم تستجوبوا شاكر الليثي وهو الذي ذهب إلى غرفة إيهاب يوم الحادث وقد رأيته بعيني يغادرها في المساء.. أكد لها الضابط أن التحقيقات سوف تستمر معه أيضا وأنها يجب أن تقول عن كل شيء تعرفه حتى تأخذ العدالة مجراها ولا تصبح في موضع الاشتباه أكثر من ذلك.

انتهت التحقيقات مع دليلة وانتهت معها قوة أعصابها.. غادرت غرفة التحقيق متجهة إلى غرفتها رأسها مائلا إلى الأسفل ناظرة إلى الأرض.. دخلت الغرفة واستلقت على الفراش باكية وأخذت تسأل نفسها إلى متى سيستمر هذا الوضع الصعب حيث لم تعد أعصابها تتحمل المزيد من تطورات الأحداث اليومية.

عندما جاء وقت التحقيق مع شاكر أصبحت شكوك الشرطة في ازدياد ناحيته بعد أن ثبت وجود بصماته في غرفة إيهاب علوان ووجوده فيها يوم الحادث.. كان شاكر يتظاهر بالقوة والتحدي أثناء التحقيق معه.. وعندما سأله الضابط عما كان يفعل في غرفة إيهاب علوان مساءا، أخبره أنه كان يريد محادثته بشأن تأخره في الترقيات الذي استمر الأن سنوات ولم يكن يريد التحدث في ذلك أمام الزملاء نظرا لحساسية الموضوع ولأن شاكر كان يخجل من أن يتكلم في ذلك بين باقي الزملاء الذين كان وضعهم الوظيفي أفضل منه بكثير.

استمر الضابط بسؤاله على المزيد من التفاصيل عن الحوار الذي دار مع إيهاب علوان وقتها.. أخفى شاكر بالطبع موضوع تهديد إيهاب علوان له وابتزازه له حين علم أنه يتلقى الرشاوي من عملاء البنك.. تمنى لو أنه استطاع أن يخبر الضابط بهذا الكلام حتى يعلم أن إيهاب هو الذي كان يبتز ويهدد شاكر وليس العكس ولكنه بالطبع لم يقدرعلى التفوه بأية كلمة بخصوص هذا الشأن.

سأل الضابط شاكر عن علاقة دليلة بإيهاب علوان والذي انتهزها فرصة وأكد أن هناك شكوكا وكلاما كثيرا أن إيهاب ودليلة بينهما علاقة عاطفية.. وأنه كثيرا ما سمع الموظفين يتندرون على هذه العلاقة ويلوكون بالكلام في سيرتهما.. أراد شاكر أن يلقي بالتهمة على دليلة حتى يبرء نفسه ويبعد عنه الشكوك.. أخبر الضابط أن من وقت أن جاءت دليلة البنك وحال إيهاب علوان قد تغير مع باقي الموظفين.. تحدث عن وجودهما معا أوقاتا طويلة بعد مواعيد العمل.. أخبر الضابط على الكلام الهامس الذي يدور بينهما والذي كان يتصادف أن يشهده إذا كان لديه عملا متأخرا ينبغي عليه انهائه.

استمرت شكوك الشرطة في الانحصار بين شاكر ودليلة وازداد الوضع صعوبة حين أصبح كل منهما يلقي بالتهمة على الأخر.. لم ينقذ الضابط من هذه الورطة إلا عندما جاءته مكالمة تليفونية من المستشفى أخبره فيها الضابط المناوب بأن إيهاب قد فاق من غيبوبته وأنه يمكنه التحدث الآن ولكن لوقت بسيط.

***

تهتك شديد أصاب كتف إيهاب علوان وأثر على أعصاب الذراع بأكملها.. لم يخبره الأطباء بأن حالة ذراعه قد لا تعود إلى سابق عهدها وأنه قد لا يستطيع استعماله في الكثير من الأمور الحياتية نظرا لسوء حالة الأعصاب ولأثر الرصاصة النافذ في الكتف.

كان إيهاب علوان قد بدأ يفيق شيئا فشيئا شاعرا بآلام شديدة، حاول أن يطلب المزيد من المسكنات من الممرضات.. صوته خفيض ضعيف يكاد لا يسمع على الرغم من تحسن حالته الصحية كثيرا بعد تعويض الدم الفاقد نتيجة النزيف الشديد الذي تعرض له على أثر الإصابة.

أبلغ الطبيب المسئول عن متابعة حالة إيهاب الضابط المتابع للقضية بأن يمكنه استجوابه ولكن عليه ألا يطيل في الوقت حتى يترك له فرصة الراحة بعد إصابته بالغيبوبة!

وصل الضابط المستشفى فور إبلاغه بذلك وكان بصحبته عسكري وأول من قابل كانت حنان التي تجلس في غرفة الاستراحة الخارجية الملحقة بالرعاية المركزة.. توترت حنان وقت أن وجدت الضابط أمامها وكادت أن تسقط كوب القهوة من يديها.

- مساء الخير مدام حنان.. أتمنى أن حالة إيهاب بك تسمح بالتحدث معه الآن.. لقد أخبرني الطبيب بذلك.

ردت عليه حنان في عصبية قائلة:

- لقد أفاق.. ولكنه يهذي.. لا تأخذ كلامه على محمل الجد.. انه يهذي كثيرا ويقول أحداث غير مترابطة ولا منطقية.. لماذا لم تنتظروا حتى تستقر حالته أكثر وحينئذ يمكن استجوابه.

- لا تقلقي.. فأنا قادر على التمييز بين الهذيان والحقيقة.. ولن نتعبه كثيرا في التحدث.

رد عليها الضابط وتركها.. دخل على إيهاب غرفة الرعاية المركزة.. حاول أن يتكلم معه بصوت منخفض للغاية حتى لا ينزعج باقي المرضى المتواجدين في نفس المكان والذي لا يفصل بينهم وبين إيهاب سوى ستائر ثقيلة.

- حمد لله على سلامتك يا إيهاب بك.. طمني على حالتك الصحية.

سأله الضابط في محاولة أن تكون بداية الحوار ودية وغير موترة لأعصابه.

- أتألم كثيرا ولا تفلح المسكنات في إسكات آلامي.. أكاد أشعر بأن كتفي عبارة عن جمرة من نار.

- ان شاء الله سوف تتحسن حالتك يوما بعد يوم.. فإصابة الكتف كانت شديدة حسب كلام الأطباء.

تأوه إيهاب علوان ولم يرد على الضابط وقام بإغماض عينيه متظاهرا بعدم الرغبة في الحديث.

- إيهاب بك.. مر يومان ونحن بانتظار أن تفيق حتى تتحدث إلينا .. من فضلك انظر لي وأخبرني عن يوم الحادث وماذا حدث بالتفصيل.

فتح إيهاب عينيه نصف فتحة ولم تبد على وجهه أية علامات سوى المزيد من الألم الذي كان يشعر به وقال للضابط:

- أنا متعب جدا.. ما الذي تريدون معرفته بالضبط.

استمر الضابط في النظر إليه متفحصا كل ملامحه بدقة شديدة وقال بصوت خفيض:

- نريد أن نعرف كل التفاصيل منك عن هذا اليوم.. ما الذي حدث ومن قام بإطلاق الرصاص عليك ولماذا؟

- لا أعرف.. فأنا لا أتذكر شيئا.

- أرجوك حاول أن تتذكر قليلا.. ما الذي كنت تفعله في الغرفة في هذا اليوم وهل قابلت أحدا؟ من الذي زارك في غرفتك؟ 

صمت إيهاب علوان لعدة لحظات ثم استطرد يقول:

- أنا كنت وحدي في الغرفة.. لم يكن أحد بصحبتي.

- ومن قام بطرق الباب عليك في هذا اليوم؟ هل زارك أحدا ممن تعرفهم؟

استمر صمت إيهاب علوان للحظات أخرى طويلة ثم أخبر الضابط من جديد أنه متعب وفي حاجة إلى الراحة.. لم ينهي الضابط الحوار وأخبره أنه إذا تذكر التفاصيل فقد يتركه حتى يرتاح.. وأن عليه أن يساعده حتى يتم معرفة الجاني.

بدأ إيهاب علوان أخيرا في سرد بعض تفاصيل هذا اليوم قائلا:

- كنت جالسا وحدي في شرفة الغرفة ثم سمعت طرقات على الباب.. وعندما ذهبت لفتحه وجدت شخصا غريبا لا أعرفه.. هددني هذا الشخص بالسرقة وقام بكتم صوتي بكف يده حتى لا أقوم بالصراخ.

- وما هي مواصفات هذا الشخص؟

- هو شخص ضخم ذو قامة عالية ورأسه أصلع.

أخذ العسكري المصاحب للضابط في تدوين كل الملاحظات في محضر التحقيق ثم طلب الضابط من إيهاب أن يكمل حديث.

استطرد إيهاب متحدثا ببطء وبصوت واهن قائلا:

- هددني هذا الشخص بعد أن حاولت مقاومته.. ثم فوجئت أنه كان يحمل سلاحا.. وبعد أن استمريت في المقاومة قام بإطلاق الرصاص علي فأصاب كتفي حيث كنت أحاول الهرب منه بالدخول إلى شرفة الغرفة للصراخ طلبا للمساعدة.

- وما هي كانت دوافع هذا الشخص لعمل مثل تلك الجريمة، حيث لم تكن هناك سرقة!

أدار إيهاب علوان رأسه للناحية المعاكسة للضابط وأخبره أنه متعب ولا يستطيع استكمال الحديث.. أخذ يتأوه بصوت خفيض وقام بالضغط على جرس طلب الممرضات حتى جاءت له ممرضة وطلب منها مسكنا قويا لأنه لا يستطيع تحمل المزيد من الآلام.

قامت الممرضة بالذهاب لإحضار المسكن ولم يجد الضابط بدا من أن يترك إيهاب حتى يرتاح قائلا:

- سوف أتركك الآن يا إيهاب بك ولكن للحديث بقية.

خرج الضابط من غرفة الرعاية وذهب حتى يتكلم مع حنان قليلا ويحاول أن يعرف منها مزيدا من المعلومات التي قد تفيد في القضية.. ظل يبحث عنها في غرفة الاستراحة وسأل عنها في استقبال المستشفى، أخبره الموظف المسئول أنها قد خرجت من الباب الرئيسي للمستشفى ولا أحد يعلم وجهتها.

***

بدأ الجميع يستعد للرحيل إلى القاهرة.. فبعد أن فاق إيهاب علوان من غيبوبته وبعد أن تحدث مع الضابط ولم يتهم أحدا من أفراد الريتريت، لم تعد هناك ضرورة لتواجدهم في الفندق وأصبح رحيلهم أمرا حتميا.

اجتمع الكل في بهو الفندق وقت أن أبلغهم الضابط أن بإمكانهم الرحيل وأخطرهم بضرورة التأهب في أي وقت إذا تم طلبهم لمزيد من التحقيقات فور وصولهم إلى القاهرة.

تنفس الجميع الصعداء وهم يسمعون أن بإمكانهم العودة إلى منازلهم.. بدت على وجوههم علامات الارتياح لأول مرة منذ عدة أيام.. فها هو الكابوس يوشك على الانتهاء.

وما أن انتهى الضابط من كلامه حتى اتجه كل منهم إلى غرفته ليجمع حاجاته من جديد على أن يلتقوا بعد ساعة كي يقلهم الاتوبيس إلى القاهرة.

دليلة أول من هرولت إلى غرفتها.. فهي لم تصدق أن الأمور قد انتهت عند هذا الحد.. كانت في حالة من الذهول لموقف إيهاب علوان ولكلامه الذي أخبر به الضابط.. فقد شعرت أن نهايتها قد أوشكت على الاقتراب، وأنها قد يقضي عليها تماما، ولكن ما حدث هو العكس حيث أخبرهم الضابط أن بإمكانهم الرحيل.. استمر ذهول دليلة واضطرابها وتمنت بداخل نفسها أن ينتهي هذا الكابوس للأبد وألا يكون هناك المزيد من التحقيقات حين وصولهم القاهرة.

أما شاكر الليثي فأيضا لم يصدق ما قد سمعه للتو من الضابط.. اعتبرته الشرطة المشتبه فيه الرئيسي خاصة بعد ما وشت به دليلة وقالت إنه تواجد في غرفة إيهاب قبل الحادث مباشرة.. أدرك شاكر أنه بوشاية دليلة عليه قد أصبح في موضع اتهام حتمي.

أخذ شاكر يلملم حاجياته من الغرفة وعقله شاردا فيما إذا كان إيهاب علوان قد أخبر الشرطة عن موضوع تلقيه الرشاوي من عملاء البنك.. فحديث إيهاب معه وقت الحادث لم يكن مفهوما.. فهل كان يهدده حتى يقلع عما يفعله أم أنه أراد الاستفادة الشخصية من وراء أفعاله.

عم جمال أول من حضر لركوب الأتوبيس المتجه للقاهرة.. أراد لهذه الأيام أن تنتهي وأن تذهب بلا رجعة من ذاكرته.. تمنى مغادرة هذا المكان ولزوم منزله فلا يرى أحدا ولا أحد يراه.. رغب في تلك اللحظة أن يموت حتى يتخلص من معاناته التي لا تنتهي في هذه الدنيا.. فقط يفكر في وفية زوجته والصغيرين اللذين ينتظران عودته.

أما رقية بعد أن أبلغها الضابط عن إمكانية الرحيل إلى القاهرة حتى ذهبت مسرعة لمحادثة أختها.. طمأنتها عليها وأخبرتها أنها بصدد الوصول إلى المنزل اليوم.. أخبرتها أن تقول لغالية أنها آتية إليه وأنها لن تتركها وتذهب بعد ذلك.. بل ستبقى بجانبها إلى الأبد.

ردت عليها أميرة محاولة طمأنتها.. ارتاحت كثيرا أن أختها لم تلق بنفسها في مشكلات أكبر وأن الأمر قد انتهى بها عند هذا الحد فقط بفضل الله وستره.. أخبرتها أن غالية تنتظرها وأنها يجب ألا تتأخر عليها.. فأحيانا كثيرا لا يسع المرء إلا أن يأخذ من يحدثه على محمل الجد حتى وان كان يعلم أن هذا الجد هو فقط ضربا من خيال.!

أخذ أحمد يعد الجالسين في الأتوبيس بصوت خفيض:

- واحد وعشرون، اثنان وعشرون.. أعتقد أن الكل موجود الآن.

بدأ الأتوبيس في التحرك متجها إلى القاهرة.. الوجوم أصبح سيد المشهد.. لم يرغب أحدا من الحاضرين في التحدث مع الأخر ولا حتى النظر لبعضهم البعض.

أخذ مبنى الفندق الفخم يتوارى في الخلفية وقت أن بدأ الأتوبيس في التحرك.. ذلك المبنى الذي شهد كل تلك الأحداث وظل صامدا مكانه غير عابئا.. كان في الاتجاه المعاكس للطريق أتوبيس أخر يقل مجموعة من السياح في اتجاههم للإقامة بالفندق.. سارت الحياة بالمبنى الفخم على نفس الوتيرة وكأن ما حدث للتو قد تبخر كله في الهواء.

نظر أحمد إلى الوراء ورأي أفراد الريتريت على نفس الحالة التي جاءوا بها.. مجموعة من البشر يجمع فيما بينهم الشرود كأن الطير يقف على رؤوسهم.. وحتى مع اعتيادهم على بعض كل يوم فقد كان يسيطر عليهم شعورا من الغربة الزائدة.. كل فرد منهم يشعر بعدم الانتماء للأخرين وبرغبته في الهروب منهم بأسرع ما يستطيع.

شاكر يضع السماعات في أذنييه طوال الوقت متظاهرا بسماع الأغاني وهو في حقيقة الأمر هارب من الواقع لا يريد أن يتحدث إلى أحد، رقية تنظر من النافذة وبجوارها عم جمال يتمتم بأدعية بصوت خفيض، أما دليلة فتجلس وحدها خلف مقعد السائق، تنظر إلى تليفونها المحمول كل عدة دقائق غير مصدقة لما حدث وغير عابئة لأول مرة بإيهاب علوان وبالحالة التي وصل ا إليه.

الكل حاول الاختباء داخل نفسه، لا يريد أن يرى الأخرين ولا أن يسمع عنهم شيئا.. فقط يريدون أن يصلوا إلى ملاذا ومكانا للاختباء حتى يتواروا عن الأعين.. أصبحوا بشكل ما لعنة على بعضهم البعض.. لعنة من الشك والكراهية وعدم الثقة بالأخر.. لعنة من الاتهامات التي باتت في العيون، كل منهم ينظر للأخر ويتهمه ليبرئ نفسه.. وجودهم سويا أصبح عبئا شديدا على أعصابهم.. وكان لابد لهم من التفرق فورا حتى تهدأ النفوس ويتم تقييم الأمر من جديد.

يغادر الجميع مدينة الغردقة مثلما أتوا ا إليها. كل في فقاعته الخاصة به والتي تفصله عن الأخر.. البعض يحمل بداخله مشاعر الحقد والكراهية.. أما البعض الأخر فلا يبالي.

ما حدث لهم في الأيام السابقة ساهم في القضاء على أية روابط للثقة بينهم، هذا ان كانت تواجدت في الأساس.. الكل متهما في نظر الأخر.. والكل يحمي نفسه فقط حتى وان كان ذلك مقابله تدمير طرف ثالث لا ذنب له في شيء.

الرغبة في البقاء ومحاولة دفع الاتهام بعيدا سيطرا على الجميع كطبيعة حتمية إنسانية.. وما كان غير إنسانيا هو محاولة البعض الصاق التهمة بأخر قد لا يكون لا أية ذنب في شيء.

تلك هي النفس البشرية التي تحافظ على وجودها وقت الأزمات حتى ولو كان ذلك على حساب طرف أخر.. التي ما ان تواجه موقفا صعبا إلا وتستميت في الدفاع عن كيانها وبقائها ولا يعنيها أمرا سوى ذلك حتى ولو جاء على حساب الشرف والأمانة.  

***

 استقلت حنان سيارتها من أمام باب المستشفى الذي يرقد به إيهاب علوان وقت أن بدأ الضابط في استجوابه.. مشيت سريعا قبل أن يطلب التحدث معها.. حملت هم هذه اللحظة التي يبدأ يفيق فيها إيهاب من غيبوبته ويستطيع الكلام.

فرت وتركت المدينة بأكملها وبدأت طريق العودة إلى القاهرة.. لم تبال بما يمكن أن يقال عند غيابها كما أنها أخذت قرارا بعدم الرد على أية مكالمات تأتيها على تليفونها المحمول.

أرادت حنان الاختفاء من المستشفى بأسرع وقت فهي تخشى عواقب الأمور إذا تحدث إيهاب.. تمنت من داخلها ألا يفيق أبدا وألا يتحدث طوال الحياة.. ولكنه خذل توقعاتها هذه المرة أيضا كما خذلها كثيرا في حياتها معه.. فقد أفاق وبدأ يتكلم.. وسيقول كل شيء.

مرقت حنان على الطريق مسرعة في قيادتها.. لا تكاد ترى أمامها سوى غيام وضباب مع أن الجو كان صحوا مشمسا.. تمنت أن تظل في القيادة ويكون الطريق بلا أخر.. لم تكن تريد العودة للقاهرة حيث تخاف مما ينتظرها هناك، كما لم تستطع أن تكون متواجدة فور استيقاظ زوجها من الغيبوبة.

شردت حنان لثواني وتذكرت وقت أن مرت على تلك الصحراء القاحلة التي تحيط بالطريق من الجانبين.. أخذتها أفكارها يومين إلى الوراء حين كانت تقود سيارتها قرب الفجر.. مرتعبة خائفة.. ترتعد كل أطرافها وتصطك أسنانها ببعضها البعض. 

الطريق مظلما موحشا لا توجد به سيارات على مرمى البصر.. كانت بمفردها وقت أن قررت صف السيارة على جانب الطريق والنزول منها.

الليلة باردة والهواء المحمل بالتراب أخذ يدخل في فمها وعينيها ويغطي وجهها.. ذرات من تراب كأنها طلقات رصاص صغيرة تخترق وجهها وجسدها فتؤلمها كثيرا. 

تركت حنان السيارة وغامرت بالسير متجهة ناحية الصحراء.. مشيت عدة دقائق وكانت كل فترة تلتفت حيث مكان السيارة فتراها وسط الغيام والتراب فيطمئن قلبها قليلا.

وبعد أن وصلت إلى نقطة ما وسط تلك الصحراء الشاسعة، ألقت بكيس أسود كانت تحمله في يديها بمنتهى الحرص.. ألقت به أرضا في حفرة غير عميقة وجدتها أمامها ثم انهالت عليها بالتراب حتى لم يعد له أثرا.

استدارت حنان إلى الخلف تجاه السيارة وأخذت تجري حتى وصلت ا إليه.. فتحت بابها في حدة شديدة وركبت.. تنفست الصعداء أخيرا وتركها إحساس الرعب الفظيع الذي لازمها.. بدأت في القيادة وظلت السيارة تهتز يمينا وشمالا تحت تأثير انفعالها وعدم استطاعتها القيادة بطريقة سليمة على أثر هذا الانفعال.

سارت في الطريق والرؤية تكاد تكون معدومة ليس فقط بسبب الأتربة المحملة في الهواء ولكن أيضا بسبب دموعها التي ملأت عينيها والتي لم تستطع أن تمنعها من الانهمار.

تذكرت حنان ذلك الموقف وهي الأن في طريقها من جديد إلى القاهرة.. استعادت مشاعر الرعشة التي انتابتها والإحساس بانقطاع النفس الذي أصابها تلك الليلة المخيفة.. ظلت تسير في الطريق على غير هدى وتتمنى أن تبقي فيه إلى الأبد.. فلا هي ترجع لحيث يتواجد إيهاب علوان ولا هي تصل إلى بيتها.

أحيانا تجبرنا الحياة على الهرب.. فلا نرغب بالتواجد في مكان محدد.. ولا نشعر بالانتماء إلى أحد ولا شيء.. أحيانا يكون مفترق الطرق هو ضالتنا التي ننشدها.. فنرغب في التواجد في المنتصف.. لا نعود إلى حيث ننتمي ولا نذهب إلى وجهتنا الأصلية.

قد يكون الفرار هو الحل المثالي عندما تتأزم الأمور.. عندما لا نجد من يحتوينا سوى طريق أسفلتي مصمت.. ولكنه شاهد عيان على الكثير ممن مروا عليه.. شاهد على تغيرات الناس وتقلباتها بين الفرح والهم والشدة.. شاهد على من يسافرون وملؤهم التفاؤل ويعودون محملون بخيبة الأمل وأثار الخذلان.. شاهد على الكثير والكثير من البشر الذين يمرون عليه مرور الكرام.. لكل منهم حكاية تختلف في مضمونها عن غيرها من الحكايات.

هل ينطق الطريق يوما ويتكلم عن ألاف مروا عليه فتركوا أثرا من المشاعر على الأسفلت الأصم.. هل يتحدث فيخبرنا عن الحقائق المخبأة في النفوس وعن الأحاسيس التي يتظاهر أصحابها بعكسها.. ترى لو نطق الطريق يوما فماذا يقول؟ 

***

كتب الطبيب لإيهاب علوان على خروج من المستشفى.. طلب منه استكمال علاج كتفه في القاهرة تحت الاشراف الطبي هناك حيث أن الحالة لاتزال بحاجة إلى بعض التدخلات الطبية والكثير من العلاج الطبيعي.

ترك إيهاب مدينة الغردقة وركب السيارة مع مرزوق الذي أتى خصيصا كي يقله إلى القاهرة.. خيم الصمت على السيارة بعد أن رحب به مرزوق وحمد الله على سلامته.. طوال مدة الأربعة ساعات وايهاب صامت لا يتحدث، عيناه مثبتتان على الطريق وأنفاسه تتلاحق بسرعة مصدرا عدة تنهدات عميقة بين الحين والأخر.

وعند اقتراب السيارة من حدود القاهرة طلب إيهاب علوان من مرزوق الاتجاه إلى فندق صغير بالمعادي وعدم التوجه للمنزل.. استجاب مرزوق لطلب إيهاب وذهب به إلى المعادي حيث أراد، ساعده على ادخال حقيبته وسأله إذا كان يحتاج منه أي شيء أخر.. شكره إيهاب وطلب منه ألا يخبر أحدا أنه يتواجد في هذا الفندق حيث أنه بحاجة إلى الراحة بمفرده بعيدا عن أي توتر.. تركه مرزوق وهو يتمنى له تمام الشفاء.

تسلم إيهاب حجرته الصغيرة الهادئة والتي تطل على الحديقة شديدة الخضرة وحمام السباحة الصغير جدا والذي لا يسبح به أحد.

احتاج إيهاب أن ينفرد بنفسه في هذا المكان البعيد عن مكان سكنه وبعيدا أيضا عن مقر البنك بكل الصخب والضوضاء الذين يصاحبهما والتي أصبح لا يحتملها منذ أن أصيب في كتفه.. أراد أن يبقى في هدوء لا يقاطعه شيئا.. صوت عقله هو وحده من يريد الانصات إليه، وأفكاره هي وحدها من يريد مصاحبتها في ذلك الوقت.

يحدث موقف ما فيجعلنا نقيم حياتنا بأكملها.. نفكر مليا في أفعالنا وأفعال الأخرين.. نقف وقفة صدق مع أنفسنا ونواجها بكل صراحة دون إضافة أية رتوش لتجميل المواقف.. أحيانا يجب أن نبتعد عن كل شيء حتى نستطيع الحكم الصائب على الأمور.. حتى نرى الصورة أوضح.. وحتى نرى أنفسنا على حقيقتها.

أراد إيهاب علوان تقييم حياته بكل ما حدث فيها وأدى إلى أن يكون في هذا الموقف.. شخصا مضروبا بطلقة رصاص، مشتت الفكر، فاقد الثقة في أقرب الناس إليه ويسيطر عليه الألم النفسي مثل الألم الجسدي الذي يتملكه بشدة حتى مع كل المسكنات التي يأخذها.

مسك إيهاب علوان بهاتفه المحمول وفتحه بعد أن كان مغلقا لأيام عديدة.. لفت انتباهه أن كل من سألوا عليه هم مدراءه وزملاء له في أفرع البنك المختلفة.. استوقفه أنه ليس لديه أصدقاء، وبالتالي لم يسأل عنه أحد سوى معارف العمل فقط.

بدأ إيهاب في كتابة رسالة على المحمول غير موجهة إلى شخص بعينه.. افتتحها بكلمة "أعلم تماما ما تمرين به الآن وما تحملينه تجاهي في قلبك من كره شديد.."

لم يستكمل إيهاب كتابة الرسالة حيث وجد نفسه فجأة يبكي وتنهمر دموعه بغزارة شديدة جعلت الكلمات والأحرف غير واضحة أمامه.. استسلم إيهاب لنوبة البكاء النادرة التي فاجأته حيث لم تكن أبدا دموعه قريبة ولا يبكي حتى في أصعب المواقف. 

ظل إيهاب يبكي بحرقة شديدة ثم استلقى على الفراش والمحمول لايزال بين يديه وذهب في سبات عميق.

***

تعود الحياة دائما إلى سياقها المعتاد.. فكل شيء ينتهي بصورة أو بأخرى وتأخذ دورة الحياة الطبيعية في الدوران من جديد. هي مراحل تمر وراء بعضها، لا تلبث أن تنتهي واحدة حتى تبدأ أخرى ولكن في النهاية يظل الكون به متسع لكل ما يحدث ويعود دائما إلى حالة من السكون فيما بين مرور الأحداث المتلاحقة.  

عاد كل من أفراد الريتريت إلى حياته السابقة فيما عدا إيهاب علوان الذي انقلب كيانه رأسا على عقب بعد ما أفاق من الحادث.

لم يكن الجميع في حالة طبيعية ولكنهم ظلوا يمارسون حياتهم والنفوس تحمل بداخلها الكثير والكثير مما لا تنطق به الأفواه أبدا.

رجعت دليلة إلى عملها في فرع البنك ووجدت أن هناك مديرا جديدا منتدبا من فرع أخر يحل محل إيهاب علوان، حتى يسترد صحته ويستطيع ممارسة العمل من جديد.. كان المدير الجديد صارم ويتسم بالجدية المطلقة.. تعاملت معه دليلة بصعوبة حيث لم تنجح في لفت انتباهه ناحيتها بأسلوبها الناعم الجاذب للرجال.. وضع لها حدودا منذ اليوم الأول للعمل حتى أنه أخبرها أن عليها أن تغير من طريقة لبسها الغير لائقة بمكانة العمل وأنها يجب أن تعمل أيضا على تغيير الكثير في أسلوبها مع الجميع.

رضخت دليلة لتحكم المدير الجديد وأطاعته في طلباته.. كانت تتمنى من داخلها أن يمر الوقت سريعا ويتعافى إيهاب علوان ويعود إلى عمله من جديد.. مشاعر الكره والانتقام تضاءلت أمام مشاعر الحب الذي لايزال موجودا على الرغم من كل الضرر النفسي الذي سببه لها، ولكن دليلة وجدت نفسها تشفق عليه كثيرا بعد الحادث وتتمنى لو أن باستطاعتها أن تساعده وتطمئن على أموره.. حاولت الاتصال به العديد من المرات ولكن هاتفه كان دائما مغلقا ولا يرد على أحد.

شاكر الليثي أيضا حاول الاتصال به ولكن دون جدوى.. لم يكن يريد الاطمئنان عليه بقدر ما كان يريد الاطمئنان على نفسه وعلى مصيره بعد أن علم إيهاب بكل فضائحه في تلقي الرشاوي من العملاء. 

عاد شاكر إلى عمله خائفا مرتعدا، خطر بباله أن يقوم إيهاب علوان بالإبلاغ عنه في أية لحظة أو حتى أن يقوم بفضحه وسط الزملاء في البنك.. قرر شاكر أن يلتزم ويتوقف عما يفعله حتى تمر تلك الفترة بسلام وحتى ان مرت ولم يعلم بفضيحته أحد، فهو لم يكن مستعدا أن يغامر بسمعته مرة أخرى أو أن يضع نفسه في ذلك الموقف المهين الذي هدده فيه إيهاب علوان وأخبره أنه يعلم عنه الكثير ولكنه يؤجل الكلام إلى حينه.

أما عم جمال فقد عاد من الغردقة وقد ازدادت صحته سوءا.. لم يحتمل الألآم التي كانت تداهمه بين الحين والأخر وذهب إلى المستشفى فور عودته لاستكمال العلاج.. شعر عم جمال بالوهن الشديد لدرجة أنه لم يعد باستطاعته الاعتماد على نفسه وطلب من ابنه الكبير البقاء معه حيث شعر بقرب أجله وبأنه أصبح على مشارف الموت.

لم تكن أبدا حالته مطمئنة للأطباء.. ولكن حرص الجميع علىعدم اخباره حتى لا تزداد حالته النفسية سوءا.

ظلت وفية مع الصغار في البيت حتى لا تضطرب أمورهم ويتغيبوا عن دروسهم التي كان يحرص عم جمال أن يتلقوها حتى في أيام الإجازة المدرسية.. فقد كان حريصا على تفوقهم.

كثيرا ما كان يفكر عم جمال وهو مستلقي على فراش المستشفى أن هناك شخصا أخر يعاني مثله، هو إيهاب علوان.. داهمت عم جمال الأفكار المتناقضة ما بين الشماتة في الرجل الذي أصبحت حياته مهددة ولا تسير على وتيرتها الطبيعية، وما بين إحساس الشفقة ومحاولة التسامح مع شخص تسبب له في إيذاء شديد. 

أراد عم جمال أن يسامحه حتى يريح ضميره من تعب لازمه طويلا.. أراد أن يقابل ربه بقلب سليم خال من الأحقاد والأضغان.. حاول أن يصفي نفسه تجاهه وأن يسأل عنه الزملاء في الأيام التالية للإصابة، ثم علم أن إيهاب لم يكن يرد على هاتفه ولم يعلم أحد شيئا عن تطور حالته حتى اليوم الذي سمعوا فيه انه غادر المستشفى لاستكمال العلاج في القاهرة.

تمنى عم جمال أن يسمع عنه الخير حتى على الرغم من كل أفعاله التي ضرته ولازالت تضره كثيرا.

***

كان أول ما سألت عنه رقية فور دخولها إلى منزلها هي غالية.. استقبلتها أميرة بترحاب شديد واحتضنتها باشتياق.. سألتها عن أحوالها وبالذات بعد الحادث المشئوم.. أرادت أن تطمئن عليها خاصة بعد أن حكت لها رقية كل تطورات الموقف عبر الهاتف.

- أين هي يا أميرة.. لقد أوحشتني جدا غالية حبيبة قلبي.

- انها نائمة يا رقية.. اتركيها حتى ترتاح ولا تزعجيها.

أومأت أميرة برأسها إلى رقية في حنان أمومي وربتت على رأسها وهي تنطق بهذه الجملة.

شعرت أن رقية مرت بضغوط تكفيها ولم تكن تريد أن تزيد من ألمها بأن تذكرها بالحقيقة الغائبة عنها.

أما رقية فكانت لاتزال تعيش في ماض يأبى أن يتركها وشأنها.. فعقلها لايزال يمارس معها تلك الألاعيب ويعمل على أن يخدعها دوما.

يختلط على رقية الماضي بالحاضر في أحيانا كثيرة.. فلا تعد تعرف أهي تحيا في الماضي بكل ألامه أم هي وليدة لحظتها الحالية بما فيها من أحداث.

تذكرت رقية ما حدث في الريتريت ولكنها نسيت أنها قد حكت لأميرة عن كل شيء في الهاتف.

- هل تعلمين يا أميرة أنه تم إطلاق النار على إيهاب علوان ولكنه لم يمت؟

- أعلم حبيبتي فأنت قد أخبرتني بذلك في الهاتف منذ عدة أيام.

نظرت ا إليه رقية نظرة طويلة محاولة تذكر ما مر بها من أحداث في الأيام الماضية ثم أردفت قائلة:

- أتعلمين يا أميرة أني لم أحزن عليه أبدا.. بل بالعكس أكاد أكون حزنت أنه لم يلق حتفه.

لامتها أميرة على هذا الشعور وذكرتها بأنها لا يصح أن تشمت أبدا لأذية انسان.

- أنا واثقة يا رقية أن هذا الشعور خارج عن ارادتك يا حبيبتي فأنت قلبك أكبر من هذا بكثير ولا يمكن أن تفرحي بأذية أحد حتى لو كان مديرك المتسلط.


- متسلط؟؟ أهذه فقط الصفة التي تطلقينها عليها؟ انه عديم الرحمة والإنسانية يا أميرة.. انه ليس ببشر.. أنسيتي أنه السبب في ابتعادي عن غالية بالأيام والشهور؟ هل نسيتي نقلي إلى فرع البنك ببنها والمعاناة التي شاهدتها بعد هذا القرار الظالم!

أشفقت عليها أميرة وهي تشعر أنها لن تنسى أبدا ما فعله بها إيهاب علوان.. أخبرتها أن عليها أن تغفر وتسامح.. طلبت منها معاودة زيارة الطبيب النفسي إن كان هذا من شأنه أن يريحها ويهدئ من روعها قليلا.

- أنا لست بحاجة إلى أطباء يا أميرة.. أنا بحاجة أن أرى إيهاب علوان يتعذب أمامي.. بحق كل دقيقة تم افترائه فيها علي.. بحق كل ثانية حرمني من غالية وأبعدني عنها.. أنا بحاجة أن أراه يعاني ويتألم مثلما آلمني كثيرا.. لم يكن موته ليشفي غليلي فأنا أريد له المعاناة كل يوم وفي كل وقت.

لم تنطق أميرة بعد هذا الكلام، فقط قالت لرقية أن تذهب إلى غرفتها لتفرغ محتويات حقيبتها ولتحاول الحصول على قدر من الراحة بعد أيام صعبة مرت بها وأثرت على أعصابها كثيرا.

يظل التسامح عبئا ثقيلا على من تأذى بسبب شخص ما.. يظل إحساس الانتقام يسيطر على المرء منا، يؤثر عليه سلبا ويضره كثيرا.. وإذا علمنا ما في التسامح من طاقة إيجابية كبيرة تفيدنا نفسيا ولا تفيد الطرف الأخر، لما أضعنا يوما أخرا في مشاعر الكراهية والانتقام.. ولكن تظل بعض الأحداث أكبر من قدرتنا على التسامح وتظل القلوب تحمل ما بها من ضغينة لا يرجعها عن ذلك كائن من يكون.

***

تناولت حبة المهدئ الذي كان الطبيب قد وصفه لها منذ عدة سنوات.. هي لا تستطيع الاستغناء عن هذا الدواء أبدا.. وإذا تصادف ونسيت أن تتناول الدواء تصير أعصابها مثل جمرة من النار وينتابها صداع شديد تفقد معه كل تركيزها.

لم تكن حنان تدرك أن البشر يمكن أن تتغير بهذا القدر.. لم يكن يخيل لها أنها هي، من كانت تصنف ضمن أكثر الفتيات هدوء ورشد قبل معرفتها بإيهاب علوان يمكن أن تصدر عنها تلك الأفعال التي تتصرف فيها كالمجانين الذين لا سيطرة لديهم على تصرفاتهم.

أصابتها عشرة إيهاب علوان بفقدان التوازن العقلي.. لم تتخيل أنه سوف يجئ عليها اليوم الذي تسافر فيه الاف الكيلومترات حتى تتشاجر معه وتشفي غليلها منه.

كان الصمت الدائم هو سيد الموقف في علاقتهم.. فلقد أدركت أن الحياة مع شخص مثل إيهاب هي عقوبة من الله على ذنوب لم تقترفها.

إيهاب لا يعاشر ولا يمكن لبشر احتماله.. شخص عنيف، عصبي، عنيد، لا يعرف وسيلة اتصال سوى الخصام والجفاء الذين يمكن أن تمتد فترتهم إلى شهور طويلة مما يفقد الطرف الذي يتعامل معه عقله.

ان الإهمال والتجاهل قد يفوقا في قسوتهم الشجار والمشادات الكلامية.. فالتجاهل يقتل النفس ويحولها إلى كائن شرس راغب في الانتقام.

صبرت حنان على الإهمال طويلا.. صبرت على تجاهل إيهاب علوان لها.. صبرت على معاملته الجافة التي كان يثبت لها فيها كل يوم أنها ليست موجودة في نطاق حياته وأنه بالفعل لا يراها في الصورة.. صبرت على القسوة في المشاعر والتبلد في الأحاسيس.. صبرت على كل شيء في سبيل ألا تهدم هذه العائلة وألا يتربى أولادها بعيدا عنها.

كانت تعلم امكانياتها المادية وأنها مهما فعلت لن تستطيع توفير العيشة الكريمة السخية التي يوفرها إيهاب علوان لولديه.

صبرت واحتملت الكثير ولكنها جاءت عند موقف معين ولم يعد بمقدورها احتمال المزيد، فقد طفح الكيل تماما حين تلقت تلك المكالمة الهاتفية من المرأة المجهولة التي رفضت أن تذكر اسمها، تلك المكالمة التي قلبت حياة حنان رأسا على عقب. 

في مساء أحد الليالي التي كان فيها إيهاب علوان في الغردقة، تلقت حنان مكالمة من رقم غريب يخبرها أن زوجها على علاقة بسكرتيرته في البنك وأنها حامل منه وأنهم في سبيلهم إلى الزواج.

جاءت تلك المكالمة في الوقت المناسب لتقضي على البقية الباقية من أعصاب حنان المنفلتة ومن شعورها الكريه نحو إيهاب وتصرفاته معها.. نكأت تلك الأخبار الجرح ففتحته وجعلته ينزف أكثر.. جرح اهمال إيهاب لها من الناحية الجسدية وعدم الاعتراف بها كامرأة في حياته وبعده عنها وجفاءه لها لعدة سنوات.

كان خبر حمل امرأة أخرى من إيهاب كفيل بأن يحول حنان إلى انسانة غير واعية ولا مسيطرة على أفكارها ولا تصرفاتها.

أصابها الخبر في مقتل ومس لديها وترا حساسا مكشوفا حين علمت أنه يفعل مع الأخريات ما يرفض فعله معها ويذلها بذلك ذلا شديدا.

كانت تريد أن تجذب انتباهه ا إليه مثل كائن حي يتواجد في حياته، تريد أن تسمع منه مبرراته لما يفعل، ودوافعه لإيذائها نفسيا بهذه الصورة.. كانت تريد أن تتكلم معه لمرة واحدة وهو من كان لا يعرف للحوار وسيلة، ولكنها أدركت أن أوان التزام الصمت قد ولى وأن لابد لها من المواجهة ووضع النقاط فوق الحروف.

سافرت حنان في تلك الليلة ومشاعر الغضب تتملكها حتى وصلت إلى الفندق.. كانت قد اتصلت قبلها وعلمت برقم غرفة إيهاب.. تصادف عند مرورها بالبوابة الرئيسية وحتى دلفت إلى الطابق الرابع توافد فوجا سياحيا كبيرا وتسكينه في الغرف المخصصة له فلم ينتبه لها أحدا. 

وصلت حنان الغرفة بعد منتصف الليل بعدة ساعات، وطرقت على الباب ففتح لها إيهاب وعلى وجهه علامات الذهول عند رؤيتها.

- ما الذي جاء بك إلى هنا؟


- ألن تقول لي تفضلي؟ على الأقل حتى أرتاح قليلا من القيادة ليلا على الطريق الطويل!

أشاح إيهاب بوجهه وأفسح لها المجال فدخلت الغرفة وأغلقت الباب ورائها.. جلس إيهاب علوان على المقعد الوثير المواجه لشاشة التلفاز وأخذ يقلب القنوات غير عابئا لوجودها ولا معيرا لها أية اهتمام.

أخذت حنان عدة خطوات إلى داخل الحجرة ثم ظلت واقفة موجهة بصرها ناحيته حتى يهتم بها ويبادلها النظر ولكنه لم يفعل.

كانت الدماء تتصاعد في رأسها حتى شعرت بغليان شديد يصيب كل طرف من أعصابها.. ومع تجاهل إيهاب لها أحست، كالعادة، أنها مجرد حشرة لن يتوانى عن دهسها بحذائه ان طال ذلك.. أصابها ذلك الإحساس بمزيد من الاحتقان والعصبية.. نظرت له وهو مازال موجها بصره ناحية التلفاز وقالت بصوت حاد:

- كفاك تجاهل واهانة لهذا الحد.. انظر لي.. اشعر بي ولو لمرة واحدة.

نظر ا إليه إيهاب بطرف عينيه وسألها مرة أخرى عما تريد وعما أتى بها إلى هذا المكان في هذا الوقت من المساء.. لم يكلف نفسه تحت الحاحها أن يدير عينيه من على شاشة التلفاز أو حتى أن ينظر ناحيتها ليعرف ماذا وراءها.. استمر على طريقته المهينة في تجاهلها والاقلال من شأنها مما استفز مشاعر حنان كل دقيقة أكثر من الدقيقة التي قبلها.

احتدت عليه حنان وتقدمت ناحيته خطوات صغيرة.. صرخت في وجهه كي ينظر ا إليه من جديد.. أخبرته أنها لن تسكت بعد الآن على هذه الاهانات المستمرة وأنه يجب أن يخبرها فورا بكل ما يخبئه عليها وإلا ستكون العواقب وخيمة.

- أنا أعلم كل فضائحك ولن أسكت عليها بعد اليوم.. رائحتها النتنة تصلني لحد باب منزلي.

استهزأ إيهاب من جديد بكلامها وطلب منها أن تغادر لأنه ليس لديه استعداد لسماع المزيد.. زاد انفعال حنان وهي تقول له:

- أخبرني حالا عن صحة هذا الكلام وإلا لن يحدث خيرا.. إلى أي مدى وصلت علاقتك مع تلك تلك السكرتيرة التي تحمل طفلك.

لم يردف إيهاب ورد عليها بصوت استفزازي خفيض:

- ليس لك شأن بعلاقاتي.. فأنا حر أفعل ما أريده.


- أنت لست حرا.. أنا لازلت زوجتك ولازال هناك حقوقا تخصني لديك.. أنت انسان قذر بكل معنى للكلمة.. ولولا أني أخاف على الولدين لفضحتك عندهم وجعلت سيرتك القذرة على كل الألسن. 

بدأ إيهاب ينفعل قليلا وهي توجه له السباب وأردف يقول:

- لولا الولدين لكنت طلقتك منذ زمن طويل.. أنت لم تعودي امرأة.. انظري إلى نفسك في المرآة ستجدين أنك تحولت إلى مسخ، كائن عجيب ليس هو برجل ولا بمرأة.. أنت مثيرة للشفقة.

أثار الكلام حفيظة حنان حتى بدأت في البكاء الهستيري وقالت:

- أنت السبب.. اهمالك لي والحياة القاسية التي أعيشها معك هما السبب.. أنت السبب في كل شيء سيئ في حياتي.. أنا أكرهك.


- إذا كنت تكرهيني كل هذا الكره فلماذا تظلين على ذمتي؟ اطلبي الطلاق ولك ما شئت.. أم ان العز مغري ولن تستطيعي حتى اعالة نفسك.. أنا بالفعل أشفق عليك يا مسكينة.. فأنت بحاجة لي وستظلين بحاجة لي طوال حياتك.

مس الكلام حنان في مقتل.. كان يعمل على إهانة كرامتها أكثر وأكثر.. يعلم أنها لن تقدر على الحياة بدون المال الذي يدفعه لها ولأولاده.. يعلم أنها لن تستطيع أن تواجه الحياة بمفردها فهي أضعف من ذلك كثيرا.

- اطلبي الطلاق واتركي الولدين واعلمي أني سأطلقك فورا.. ولكنك سوف تتركي المنزل بالملابس التي ترتدينها وليس لديكي أية حقوق عندي.. هيا انطقيها واطلبي الطلاق. 

وما أن أنهى إيهاب حديثه، لمحت حنان الدرج الخاص به نصف مفتوحا وبداخله سلاحه المرخص الذي دائما يحمله معه في كل سفر.. أخذته بسرعة وصوبته ناحيته مهددة إياه بأنها لن تدعه يفعل بها ذلك وبأنها لن ترضخ ولن تستسلم لتعمده في اذلالها واهانتها.

- اتركي هذا الشيء من يديك.. أنت لا تعلمين حتى طريقة استعماله!

وفي لحظة جنون ولتثبت له لمرة واحدة أنها قادرة على فعل شيئا ما، ضغطت حنان على الزناد بعد أن انتابتها حالة من الهياج الحاد، ظلت معها يدها ترتعش بعد أن أطلقت الرصاص على إيهاب فأصابت كتفه. 

لم تدرك وقتها مدى جنون فعلتها سوى بعد أن رأت الدم يتدفق من كتف إيهاب على أرضية الغرفة البيضاء.

أصابت إيهاب حالة من الذهول وجحظت عيناه وهو يرى الدم ويحاول أن يكبت تدفقه بيده الأخرى

- أنت مجنونة.. مجنونة..

كانت تلك هي أخر كلمات نطق بها إيهاب علوان وهو ينظر ناحية حنان وعلى وجهه علامات الفزع.

- الآن نظرت تجاهي.. الآن فقط شعرت بوجودي.. عرفت يا إيهاب بك أني أستطيع فعل أشياء كثيرة لا تخطر لك على بال أبدا.

تأوه إيهاب من الألم ولم يرد عليها.. كان منظر الدم مفزعا وهو يسيل كأنه نهر فياض ساخن. 

أدخلت حنان دون تفكير المسدس في حقيبة يدها وتركت الغرفة مهرولة، أخذت سيارتها وقادتها بسرعة مخيفة ولكن بداخلها كانت تسيطر عليها مشاعر النشوى والانتصار.

***

عادت حنان إلى منزلها قرب الفجر بعد أن تخلصت من المسدس ورمته في الصحراء.. كان بداخلها خليط من مشاعر الغضب والخوف الشديدين.. لم تستطع مواجهة أولادها والنظر إلى أعينهم واختارت أن تفتعل المرض وتبقى في الفراش.

كانت لا تعلم ان كانت إصابة إيهاب علوان قاتلة أم لا.. فكرت في احتمال أن يموت إيهاب وأن تتلقى عقوبتها على تلك الجريمة.. كان هذا التفكير يصيبها بالرعب ولم يفلح في تهدئتها إلا تناول المزيد من المهدئات القوية.

فكرة أنها لا تعلم ان كان إيهاب حيا أم ميتا جعلت الساعات تمر عليها وكأنها أشهر.. كان كل جسمها ينتفض مع كل رنة هاتف ومع كل صوت لجرس الباب.. قررت أن تنعزل عن الجميع وتفتعل المرض حتى تفكر عما ستقوله إذا تم استجوابها من الشرطة عند معرفتهم بارتكاب الجريمة.

ووسط أحاسيس الرعب مما يمكن أن يحدث، كانت حنان تشعر لأول مرة بالفخر من نفسها حيث أنها اتخذت موقفا وانتقمت لنفسها من هذا الرجل الذي أهانها كثيرا وخلق منها شخصية مترددة مريضة نفسيا تحيا على المهدئات حتى تستطيع النجاة بنفسها في حياتها معه.

لأول مرة تتخذ قرارا وتنفذه حتى وان كان هو القرار الذي ستندم عليه باقي عمرها كله.

وفي اليوم التالي للحادث وعند اكتشاف أحمد لإصابة إيهاب علوان وبعد أن تم نقله إلى المستشفى، تلقت حنان الاتصال الذي غاص معه قلبها بشدة حين علمت أنه لايزال حيا وأنه قد يشي بها في أي لحظة ويسلم عنقها للشرطة حتى تحصل على عقوبتها جراء ما حدث.. ومع حمدها الله كثيرا أنه لم يمت ظل بداخلها ذلك التناقض العجيب من مشاعر الغضب ومشاعر الخوف من انتقام إيهاب علوان لها على فعلتها تلك.

استجمعت حنان شجاعتها في اليوم التالي وذهبت من جديد إلى الغردقة متجهة للمستشفى الذي يرقد به إيهاب.. دخلت عليه غرفة الرعاية وكان لايزال تحت أثر الغيبوبة نتيجة لفقده الكثير من الدماء.. كانت تجلس على المقعد المواجه للفراش وتنظر له بالساعات وتتسائل هل سينطق؟ هل سيشي بها فور أن يفيق؟ هل سيقرر مصيرها ويلقي بها في أيدي الشرطة لتأخذ جزاءها على فعلتها تلك؟

كان إيهاب لايزال غير واعيا بما حوله وعندما أفاق في اليوم التالي وأخبر الأطباء الشرطة بإمكانية استجوابه، هربت حنان فور علمها بذلك.. هربت من المكان كله وهي خائفة مرتعدة.. وفي أثناء قيادة سيارتها في الطريق قررت أن تتحمل مصيرها أيا كان ما سيفعله بها إيهاب علوان.. قررت أن تقول إنها كانت تدافع عن نفسها ضد بطشه وجبروته معها.. وليكن ما يكون بعد ذلك.

***

خرج إيهاب من المستشفى على حسب علمها ولكنه لم يعد إلى المنزل.. قضت حنان أياما صعبة بعد أن علمت بإفاقة إيهاب وبتحدثه مع الشرطة.. انتظرت المكالمة التي سوف تحمل لها خبر استدعائها إلى قسم الشرطة أو النيابة ولكنها لم تصل.

لم ينطق إيهاب ولم يشي بها ولا اعترف أنها من أطلقت الرصاص عليه.. هل خاف أن يتأذى أولاده إذا اعترف على أمهم؟ هل خاف من الفضيحة وخاف على سمعته؟ هل سامحها؟

لا تعلم حنان ما هي الدوافع التي جعلت إيهاب يتصرف بهذا الشكل ولكن كل علمته أنها يجب أن تعيش حياتها بطريقة أفضل.. يجب عليها أن تسامح.. حتى ولو كانت الجراح فوق مستوى تحملها فيجب أن تحاول.

لم تكن تريد مسامحة إيهاب بقدر ما كانت تريد أن تسامح نفسها وتتصالح معها.. أرادت أن تنظر لها نظرة مختلفة.. من امرأة مسكينة مغلوبة على أمرها مقهورة إلى امرأة أخرى قادرة على تدبر شئون نفسها واتخاذ قرارات والوقوف للدفاع عن كرامتها.

الوحيد الذي اعترفت له بما فعلته مع إيهاب علوان كان طبيبها النفسي والذي ساعدها كثيرا حتى تخطت حواجز عدة من لوم نفسها وخوفها الشديد وغيره من المشاكل النفسية المعقدة.

طلب منها الطبيب أن تحاول التصالح مع فكرة أنها أذيت شخصا ما حتى لو كان والد أولادها.. عمل معها على محاولة حب نفسها من جديد وأن تعرف قدرها ولا تتهاون في حقوقها بعد ذلك. 

حاول أن يجعلها تنسى وتغفر حتى تستطيع العيش بطريقة سوية، أخبرها بضرورة أن تكون ممتنة لإيهاب حين لم يخبر عنها الشرطة. 

لم يعد هناك تعامل بينهما منذ ذلك الحين سوى عن طريق الأولاد ولكن تغيرت حنان كثيرا عن الفترة التي سبقت تلك الحادثة.. أصبحت أكثر تقبلا لنفسها وأكثر ثقة فيها.. قررت أن تحاول الصفح حتى تستطيع مواصلة الحياة!

***

"أعلم تماما ما تمرين به الأن وما تحملينه تجاهي في قلبك من كره شديد.. صدقيني إذا قلت لك أني أحيانا أكره نفسي وأحيانا أخرى أشفق عليها.. أحيانا أحملها ذنب الكثير من الأخطاء في حياتي وأحيانا أخرى أرى أنها ليست مذنبة بل هي نتيجة ما مر بها من ماض أليم. 

لا أحملك المسئولية وحدك فأنا مسئول معك عن كل ما اقترفناه في حق حياتنا.. لا أريد الخوض في التفاصيل ولكن اعلمي أني أسامحك من قلبي.. لعل هذا التسامح يكون بداية لي حتى أستطيع نسيان الكثير مما اقترفته بحق الأخرين.. وحتى أستطيع المضي قدما. 

اعلمي أني لم أتفوه بكلمة قد تضعك في موقف عصيب، فأنت مهما حدث ستظلين أم أولادي وسأظل مدينا لك بالكثير في رحلة حياتنا سويا.. لا أريد أن يقال إن أم أولادي قد حاولت قتل أبيهم.. فلن أفعل ذلك الجرم في حقكم أبدا.

كل ما أريدك أن تعلميه أنني قد سامحتك.. لقد حاولت تعلم العفو لعل الأخرين أيضا يحاولون العفو عني وعن القليل مما سببته لهم من ألام. 

حاولي أن تتسامحي معي واغفري لي بدورك أذيتي لك.. سامحيني.. ورقة طلاقك في طريقها إليكي .. ولنحاول كل منا أن يبدأ حياته من جديد"

تلقت حنان الرسالة السابقة على هاتفها كما تلقت معها ورقة طلاقها غيابيا في نفس ذات اليوم.

***

عادت الأيام بعد الريتريت وأحداثه إلى وتيرتها السابقة.. ظلت الأماكن كما هي ولكن اختلف الأشخاص كثيرا.

سعي أحمد لحصول عائلة عم جمال الذي توفاه الله بعد أسابيع قليلة من العودة إلى القاهرة على كامل مستحقاته من البنك.

لم يستطع عم جمال المقاومة حيث انهارت قواه أمام شدة المرض.. كان ابنه يقول إنه في أخر أيامه استسلم تماما ولم يعد يعنيه شيئا سوى مصير أخواته الصغار من بعده ولكن ابنيه الكبار وعداه أن يراعيا أمهما والتوءم وأن يعملا جاهدين لاستكمال تعليمهما العالي حتى يحققا حلمه ويفخر بهم الجميع.

استمر أحمد في عمله وحصل على ترقية جعلته يترك التعامل في السيولة النقدية حيث كان ذلك يسبب له قلقا شديدا.. انتقل إلى إدارة الائتمان وبدأ يتعلم على يد الخبراء في هذا القسم كما بدأ يدرس الماجيستير ويطور من نفسه كثيرا في المجال العملي والدراسي.

- لا تقلقي يا ست وفية فكلنا معك ولك أن تعتبرينا عائلتك الثانية.

هكذا طمأن أحمد زوجة عم جمال عندما أتت إلى البنك مع ابنها الكبير لاستكمال إجراءات المعاش والتأمين الخاصة بعم جمال.

وبالفعل استمر أحمد في الاتصال بها شهريا وأصبح من عاداته أن يزور أطفال عم جمال الصغار ويحضر لهما الكثير من الهدايا كما أنه أحيانا كان يجلس معهما لمتابعتهما في بعض دروس الرياضيات التي قد تستعصي عليهما.

تقابل شاكر الليثي مع دليلة في إدارة الموارد البشرية بالبنك الجديد، لم تروق له تلك المصادفة حيث لم يرغب في أية صلة تربطه بعمله السابق مع المجموعة القديمة التي كان يعمل معها.

كان شاكر قد وجد أخيرا عملا كمدير لقسم خدمة العملاء في بنك أخر افتتح حديثا بعد كل تلك السنوات من الانتظار.. حمد الله كثيرا أنه لم يتم كشف الاعيبه المالية وحصوله على الرشاوي من العملاء وأن إيهاب علوان لم ينطق بشيء، وقرر فتح صفحة بيضاء خالية من ترسبات الماضي الكريهة.

- ماذا تفعلين هنا يا دليلة؟


- جئت لاستلام عملي الجديد يا أستاذ شاكر.

امتعض شاكر وعقد حاجبيه ونظر لها نظرة طويلة فأردفت تقول:

- كلنا نحتاج بداية جديدة.. فلننس الماضي ولنحاول أن يحتوينا الحاضر بكل ما سوف تقدمه لنا الحياة.

كانت دليلة قد بدأت في البحث بدورها عن وظيفة جديدة تبعدها عن شبح الماضي الذي ظل يطاردها.. قدمت أوراقها في هذا البنك الجديد الذي كان للتو قد افتتح وبدأت فروعه في الانتشار في جميع أنحاء الجمهورية.. تم قبولها وتنفست الصعداء عند علمها أنها لن تعمل مع شاكر الليثي في نفس الفرع الذي سوف يعمل به.. قررت دليلة أن تتصالح مع نفسها وتبدأ حياتها من جديد.

أما رقية فظلت على عهدها في خلط الماضي بالحاضر.. ظلت تتعامل مع موت غالية على انه وهم وليس حقيقة.. تمت خطبة أختها أميرة وتزوجت في فترة قصيرة وعاشت مع أختها في نفس المنزل ولكن في شقة مستأجرة بالطابق الذي يعلو شقة رقية.. أنجبت أميرة بنتا وكانت الصغيرة غاية في الجمال وصحتها ممتازة. 

أنسي ميلاد الطفلة الجديدة رقية قصة غالية واحتلت قلبها وعقلها وأصبحت محور حياتها.. كانت أميرة تتركها مع رقية بالساعات وكانت رقية تهتم لشئونها وتقضي معها أجمل أوقاتها.. بل أنها قدمت لها ألعاب غالية التي كانت تحتفظ بها لمدة سنوات دون أن يلمسها أحد.

رن هاتف إيهاب علوان وكانت المتصلة هي حنان التي أرادت أن تبلغه بموعد حفل تخرج ابنهما الكبير من المدرسة.

تلقى إيهاب مكالمة حنان وهو بمكتبه الذي كان قد عاد إليه بعد غياب شهرين.. اختلف كثيرا عن السابق حيث بدت هيئته وكأنه كبر في السن عشرات من الأعوام.. تأثرت حالة ذراعه كثيرا بعد الإصابة وظل يتلقى العلاج الطبيعي أملا في أن تعود لسابق عهدها. 

تغير إيهاب علوان كثيرا وأصبح أكثر هدوء وصبرا.. حاول أن يرى دائما المواقف من زوايا عدة ولا يقتصر رأيه في التعامل مع الأخرين على النظر إلى الأمور من زاويته هو فقط.. حاول أيضا أن يعامل مرؤوسيه بطريقة مختلفة وأن يشعر بهم كبشر وليس كالات عديمة الاحساس.. ركز في عمله أكثر وكان يقضي فيه أغلب الوقت حين أصبح يعيش بمفرده بعد طلاقه من حنان.. وفي نفس الوقت حرص على أن يحسن علاقته بأولاده وأن يقوموا بزيارته وتمضية الوقت معه كل أسبوع. 

محاولات إيهاب لإصلاح حياته وعلاقاته مع من حوله لم تشمل فقط المحيطين به.. بل شملت نفسه أولا حين قرر أن يكون أكثر تسامحا معها.. أدرك إيهاب أن البداية تكون من عنده، وقت أن يرضى عن نفسه ولا يحملها فوق طاقتها بالتفكير في الماضي ومشكلاته الكثيرة.

علاقة إيهاب بأبيه الراحل كانت أول خطوة على طريق التصالح مع النفس، فقد قرر إيهاب أن يسامح والده على معاملته له.. قرر زيارة قبره في يوم من الأيام وكانت تلك الزيارة هي أول مرة له بعد وفاة الأب بسنوات عديدة.. جلس يبكي كثيرا أمام القبر.. أراد أن يتطهر من الام الماضي والغضب الذي كان يسكن مشاعره بسبب مواقف أبيه المتعددة معه.

كثرت زيارات إيهاب في تلك الفترة إلى قبر والده، وبعد مرحلة البكاء بدأت مرحلة العتاب حيث بدأ يلومه سرا على كل المواقف الصغيرة التي رأى فيها أنه قد ظلمه فيها.. كان يستحضر الموقف في سريرته ثم يخبر والده بداخل قلبه أنه قد سامحه عنه.

ساعدته هذه الطريقة كثيرا على أن يغفر لنفسه الكثير من افعاله كما غفر لوالده.. وبدأ مرحلة جديدة من التعافي النفسي. 

علاقته مع حنان أصبحت تقتصر على الرسميات في المناسبات أو حول الحوارات الخاصة بشئون الأولاد، أما هي فقد وجدت عمل بمدرسة وبدأت الاختلاط بأنواع مختلفة من الطلاب والأهالي مما شغلها وأعطى لحياتها بعدا جديدا. 

حاولت حنان بدورها أن تتصالح مع ماضيها ومع الضرر الكبير الذي قد تسبب لها فيه إيهاب طوال عمرها.. استمرت في المواظبة على الجلسات النفسية مع طبيبها حيث كانت تستفيد منها كثيرا ولم تستطع الاستغناء عنها ولا عن الأدوية المضادة للاكتئاب إلا بعد فترات طويلة من الوقت.

وتظل الأماكن شاهدة على أحداث كثيرة مرت وستمر.. وتظل الأشخاص تتغير وتتقلب أحوالها ومواقفها.. ولكن مرور الوقت والأيام يساعدان كثيرا على النسيان والتسامح ويعطيان دائما الفرصة لبدء الحياة من جديد.

تعليقات