قصة قصيرة بعنوان " ياسمين"


 حكمت المحكمة حضوريا على المتهمة ياسمين على حسن ........ 

وكانت تلك أخر الكلمات التى نطق بها القاضي ووصلت لمسامعي قبل أن أغيب عن عالمهم وأتركه بكل ما فيه من سواد وحقد وفساد وجشع ، لم أتذكر شىء بعد ذلك غير أننى أصبحت حرة طليقة أشعر بأجنحتي تضرب الهواء منطلقة فى الكون الفسيح ،أخيرا شعرت بحريتي التى كنت أشتاق إليها منذ الصغر . 

نظرت لها مشفقا عليها بعد أن أنهت حديثها وقلت لها بصوت خافت حنون وأنا أربت على كتفها : 

((ياسمين أنا سعيد لأنك تشعرين بالسعادة التى كنتي تحلمين بها )) 

ألتفتت لي ناظرة متبسمة ثم قطبت جبينها فجأة وبلهجة مستفهمة قالت : 

(( أين أنا ؟ولماذا أنا هنا بين أربع جدران ؟! ألم أمت وأصبحت روح حرة طليقة لا تحيط بها الحوائط ولا تتحكم بها القيود )) 

أعتدلت فى مجلسي وأنا أطمئنها وأمازحها : 

(( لا يا سيدتي أنت مازلت هنا بيننا ، أنت روح جميلة بها الضياء رغم الظلمة التى أحاطت بها )) 

تنهدت بحرقة وكأنها تتنفس لهيب يكاد يحرق كل ما حوله ،وأمسكت رأسها بيدها وهى تنظر الي بغضب ،تضغط على أسنانها بقوة قائلة : 

((ألم يحكم عليّ بالاعدام ؟.... ألم يفترض أن أكون الأن فى تعداد الموتي ؟ كنت أظن أن بفعلتي سأنال حريتي وأحلق بعيد عن هذا العالم القذر المليء بالفساد والظلم .......أوف تبا لكم لماذا تتمسكون بي ؟ لماذا تصرون علي سجني فى هذا الجسد وفى عالمك المقيت هذا ؟)) 

حولت أن أهديء من روعها وبصوت خافت حنون يحمل نبرة متفهمة لما تمر به لأنه وجب علي أن أكتسب ثقتها قولت لها : 

((ياسمين ... لم يحكم عليكي بالإعدام لأنك لا تستحقي ذلك لقد رأي القاضي أنك فعلت ما فعلتيه نتيجة لما تعرضتي له من ضغوط ومعاملة سيئة وطمع ، أنك كنت ضحية لمن حولك فرأف لحالك وحكم بمجيئك هنا لتلقي المساعدة لتجدي من يساعدك ويستمع لك ويخفف عنك ما مضى وأنا هنا لذلك سأكون مصاحبا لك طوال فترة تواجدك هنا وتحدثي معى وقتما تريدين وكيفما تشائين وكأنك تحدثين الى نفسك فكلي أذان صاغية )) 

نظرت الى نظرة جانبية يشوبها بعض الشك وهي تبتسم وبعد فترة وجيزة من السكوت وهي لا تحيد نظرها عني وكأنها تتأكد من صحة كلامي ، رجعت بظهرها إلى الخلف وأراحت رأسها فوق مسند السرير ونظرت لسقف الغرفة وهي تقول وكأنها تحدث نفسها : 

(( كم أحتاج إلى الحديث فروحي تحمل الكثير والكثير ،قلبي صبغ بالسواد من هول ما رأيت وما لاقيت من سوء معاملة منذ وفاة أبي وزواج أمي فكانت تظن أن بزواجها ستجد السند والمعين لها فى تربية بنتات خرجت بهم بعد رحيل زوجها الذى كان يقتات رزقه يوم بيوم فلم يترك لها شيء يعينها على تربيتنا ،فرأت فى الزواج من أخر الحل الأمثل لمشاكلها ،وبئس ما فعلت فكان هذا الزواج بمسابة فقدان الأمل والحياة لي ولأختي فلقد مارس زوجها علينا كل ألوان الأهانة والعذاب على مسمع ومرأى منها وهى مكبلة الأيدي لا تستطع فعل شيء ،فبتنا نحلم باليوم الذي سنخرج من هذا البيت تاركين هذا العذاب خلفنا وتكون لكل منا أسرة صغيرة تحقق فيها أحلامها معوضه مافاتها من حياة أسرية مستقرة ........ 

أسرعت أختي بالخروج من بيت أمي فلم تكمل تعليمها ووافقت على أول رجل طرق الباب لطلب يدها هربا لتنجوا بنفسها ذهبت وتركتني أنا أواجه هذا الوحش الكاسر الذى يجعل منى خادمه له ولأولاده ،أخوتي من أمي لقاء ما يتصدق به عليّ من طعام وملبس وكان ذلك يزيدني إصرار على أن أتم تعليمي وأحصل على شهادة التعليم المتوسط لأستطيع العمل وتأمين مبلغ من المال شهريا لأستقل بذاتي وأعين نفسي على المعيشة دون المساعدة منه وأصبح حرة نفسي وسيدة قراري ............. 

ثم سكتت قليلا وهى شاردة فى الفراغ أمامها وأكملت : 

ولكن للأسف قد كتب علي أن أعاني وألاقي من الحياة مالم أتمناه فبعد حصولي على شهادة التعليم المتوسط بشهور وبدء السعي للحصول على وظيفة حتى فاجئتني أمي بأن هناك من تقدم لخطبتي وقد وافق زوج أمي فأجبتها مستفهمة من هذا ؟! ولماذا لم تأخذون رأيي ؟ أنا لا أريد الزواج الأن .... أقتربت منى هامسة يابنيتي زوج أمك قد وافق وأنت تعلمي أنك لا تملكي الرفض ،كما أن العريس رجل مقتدر ويريدك ويتعهد بأنه سيدفع لك مهر كبير كما أنه لن يكلفنا شيء وستذهبين لبيته بشنطة ملابسك ،حبيبتي فلتفكري فى حياتك وتأسيس عائلة لك لتهربين من هذا الذل فقلبي ينفطر عليكي ولا أستطيع فعل شيء لك ....... 

ياااااا الله .... لن أطيل عليك فلقد صمدت لمدة أسبوع واحد فقط على موقفي أمام إهانة وضرب زوج أمي حتى حضرت أختي فى يوم وجلست معي بعيدا عن الجميع وقالت لي : 

((ياسمين بالله عليكي فلترحمي نفسك من هذا الذل أنا أختك وناصحة لك صدقيني مجرد خروجك من هذا البيت نعمة ستعرفينها عندما تدخلين بيت زوجك وتبتعد عن هذا الوحش القذر وظلت تضرب لي الأمثال وتحكي لي عن حياتها حتى مال عقلي وأقتنعت أن الوسيلة الوحيدة للهروب من هذا العذاب هو الزواج وكلي رجاء أن يرزقني الله بزوج يعوضني ما لاقيت فى حياتي .

وأعلنت موافقتي وسريعا تمت الزيجة وفى غمضة عين وجدتني بين أربع جدران مع زوج لا أعلم عنه غير أنه المعلم (سيد) صاحب القهوة المقابلة لبيتنا رجل يكبرني ب 15 عاما ميسور الحال يملك قهوة والبيت الذى تزوجنا فيه وفى منطقتنا يعتبر ذا شأن وله كلمة كما يقولون . 

وبعد أن خطت قدمي أولي خطواتي فى هذا البيت ومرت أيامي السبع الأولي بخير وسعادة وزوج يعاملني بلطف وود حتى بدأت الحياة تنعطف الى الهاوية وبدأ يكشف لي عن وجه أخر لا يظهر الا بالليل يتبدل حاله يعود بعد منتصف الليل يكاد يهوي على وجهه من فرط الخمر والحشيش ،يتحول لوحش أدمي لا يخمد له جفن حتى يترك أثار متعته على جسدي كنت أتألم وأكاد أتمزق بين يديه ولكن مع مرور الأيام وقد تعودت علي لياليه المبرحة الممزقه لروحي وكأن الألم أصبح جزء من كياني وأنا أعلم أن لا مفر لي منه فأين أذهب ولمن ألجأ فهو يلبي كل ما أطلبه بالنهار وبالليل يمزق روحى بين يديه معلنا أنتصاره على كائن لا حول له ولا قوة ، ومرت السنين وقد أعتدت علي حياتى معه . 

وقفت أمام المرآه أتحسس مواضع الألم فى جسدى .ورؤية البقع الزرقاء التى تزينه كالعادة. فقد أعتدت أن أتحسسه كل ليلة لأتذكر ماحدث فى سابقتها من الليالى ،لأرى ما وصلت إليه على مدار سنوات من أستباحة جسدى من الذئب البشري الذى يملكه ويتلذذ بعذابه بدون سبب واضح وكأنه لا يشعر بمتعته إلا وهو يحفر داخل روحي خطاياه ومعتقداته ويستمتع برؤية أثاره التى تتجسد فى تلك البقع الزرقاء التى ماعادت تؤلمني ،كنت أثناء ذلك ألمح ذلك الضبع القابع فى المنزل المواجه لي وهو يتلصص ويختلس النظرات كعادته.شعرت بتوتر شديد مع أحساسى بالحر الذى يذكرنى بقبضة زوجى وهى تجلد روحى .شعرت بالدماء تتدفق فى عقلى فهرعت أرتدى عبائتى وأنا أخرج من منزلى بأنفعال عازمة على المواجهة ، عازمة على نيل حريتى. 

 

سرت فى الممر سريعا فرأيته يقف هناك ذلك الضبع الملقب ب((أحمد)) المتلصص مختلس النظرات بدون وجه حق شعرت بتوتر كلما أقتربت منه. تحسست جبيني وقطرات العرق مسحتها عنى وانا أقترب منه .أحساسى برطوبة الجو يزيد من صعوبة تنفسى ،أقترب منى ثم تحسست ذلك الشىء البارد القابع أسفل عبائتى ثم رفعت عيني فى عينيه وأنا أبتسم له أبتسامة يشوبها التوتر وقد أسكنت سكينى داخل أحشائه قائلة :- 

"جميعكم يجب أن يموت ،بل أن يقتل" 

رأيته يتهاوى أمامى وذلك السائل اللزج يتدفق منه. تحسست الدماء التى تخضب سكينى وقد تسلل داخل جسدى برودة . 

 فشعرت بالحرية .   

ثم مالت برأسها إلى الخلف مغمضة عينيها مبتسمة وملامحها تحمل الكثير من الراحة وراحت فى سبات عميق تركتها لثواني تسعد بلحظاتها الخاصة ولكنها أطالت فى نومتها فقتربت منها برفق لأتبين هل نامت أم أنها تشعر بي ولكنني لحظت أن جسدها ساكن وضعت يدي فوق يدها أحسست ببرودة تخرج منه فشعرت بالقلق هممت أتحسس نبضها فليس هناك نبض يدل على أن ذلك الجسد ينعم بالحياة وبعد لحظات من الفحص المبدأى لها تأكدت أن حلمها قد تحقق وتركت عالمنا القاسي الذى عانت منه لتحلق بعيد حيث تنال روحها حرية أشتاقت لها كثيرا . 

 #_مي_محمد_حمزة

تمت

تعليقات