الباب الثاني
الفصل الأول
هالة وبسنت & عادل وعفاف
وفي الموعد المتفق عليه ذهب يونس متحمسا منتظرا والفضول كاد أن يقفز من عيونه جلس مترقبا قدوم هالة،
جاءت هالة وعيونها تلمع بالدموع من يراها يظنها آتية من عزاء للتو وأن المتوفي شخص عزيز عليها ، وقفت أمام يونس ثم قالت : أنا معرفش جيت ليه و هحكيلك ليه ؟
يونس : المهم تحكي أنا تقريبا مبنامش من فضولي.
هالة : أصلا الحكاية معقدة !!! بس طالما انت جيت يبقى من حقك تعرف .
جلست هالة تسرد؛
الأب إسمه ( عادل ) مهندس ذو شخصية قوية طويل القامة ملامحه حادة، شعره أسود كثيف دائماً يتعامل مع الناس بثقة بالنفس وبأسلوب رسمي حتى في ملابسه دائما يرتدي البدلة الرسمية يرى نفسه فقط، آراءه هي الصواب ولا يرى رأيا بعد رأيه، هو محور الكون هو الصح وكل الناس على خطأ.
وبالرغم من أن شخصيته حازمة متسلطه إلا أنه قد رق قلبه ل عفاف، هذا بعد خطوبتين لم يستمرا طويلا نظرا لصعوبة طباعه وصعوبة فهمه.
( عفاف ) طيبة حنونة تزوجته عن حب، هي كانت تعمل محاسبة في إحدى البنوك، يتيمة الأب والأم ليس لها في الحياة سوا أخ ( محمود ) يصغرها بأربع أعوام يعمل طبيب عيون وكان يحلم بالعمل بالخارج إلا أنه مكث في الإسكندرية مع أخته حتى لا يتركها وحيدة من بعده.
وقع بين عادل وعفاف حب بمحض الصدفة عندما كان عادل في البنك ورأى عفاف، ومن ثم دار بينهما حديث رأى عادل في معاملتها مع من حولها طيبة قلبها، واحترامها وسلوكها الراقي، ولينها في الحديث ولا تتشبث برأيها تأكد أن لن تتحمل صفاته غيرها. وجد فيها كل الصفات التي يتمناها في شريكة حياته، وهي مع جمال صفاتها كانت جميلة الشكل وكأن ملامحها قد رسمها فنان
عيونها الواسعة وحمرة وجنتيها ورموشها الكثيفة المرسومة وشعرها الطويل المنسدل لآخر ظهرها كفيل بجذب عيون عادل ومن ثم بجمال أخلاقها تأسر قلبه.
لم تكن عفاف فتاة عنيدة ولم تطلب من عادل قبل زواجهم إلا طلبا واحدا وهو اختيار منزل الزوجية بجوار أخيها وكان طلبها على عادل هينا وبعد زواجهم قد رزقهم الله بفتاتين.
عفاف لم تكن يوما مجرد زوجة بل كانت بمثابة أما له قبل أن تكون أما لبناتهما ، فحُبها جعلها تحاول جاهدة احتوائه وتعمل على إخفاء عيوبه خاصة أمام بناتهم.
بناتهم الكبرى ( هالة) والصغرى ( بسنت )
( هالة ) تشبه والدتها عفاف ولاسيما في الصفات هي فتاة محجبة عاقلة تعشق البيت وطباخة ماهرة تخرجت هذا العام ٢٠٠٤ في كلية الآداب قسم اللغة الألمانية، بينما الصغرى ( بسنت ) عنيدة إلى حد كبير قوية الشخصية قريبة من شخصية أبيها كارهه لصفاته لم ترتدل الحجاب بعد ، مرحة تحب الخروج ، هي بالفرقة الثانية من كلية الهندسة ، طالما كانت تحلم باللحاق بكلية الهندسة قسم ( ديكور) إلا أن والدها أجبرها على قسم ( مدني )
فهو يرى أنه أفضل أقسام كلية الهندسة، وكان دائما يقول _ هندسة يعني مدني _ حاولت الأم جاهدة تقريبهن لها وكانت تفرد جناحها الأول على الأب محاولة دفن نرجسيته لحماية بناتها ، وتفرد جناحها الثاني لتعلو بهن نحو الاكتفاء بذاتهن لتحقيق الحرية والحب والسعادة .
كانتا هالة وبسنت روح واحدة في جسدين، يهربان من تحكمات والدهما في جلوسهم سويا، كانتا متكاملتان هالة عاقلة وبسنت خفيفة الظل، هالة تحب المكوث في المنزل بينما بسنت تحب الخروج، هالة تعشق مشاهدة الأفلام القديمة إنما بسنت تجذبها الأفلام الأجنبية المترجمة هالة تهوى قراءة الكتب ، بسنت لا تترك الريشة ولوح الرسم هالة تساعد والدتها في الأعمال المنزلية بسنت لا تحمل ورقة ملقاة على الأرض. يشبهان الحياة في تكاملها لا يأكلان إلا معا، غرفتهم واحدة، دولاب واحد حتى الثياب مشتركة بينهم .
يتصبران ببعضهما البعض على تسلط الأب وإستبداده
تركوا العيش في مدينة الإسكندرية لفرصة عمل للأب مغرية جدا _ على حد تعبير الأب_ وهو فرصة عمل في إحدى دول الخليج ، مما جعل الأم تتقدم بطلب إستقالة مضطرة وتترك وظيفتها التي تحبها بعد مضي أكثر من عشرون عاما فيها ووصولها إلى درجة مدير فرع والبعد عن أخيها وتترك روحها معه ومع صديقات العمل وذلك للسفر مع زوجها وبناتهما.
سافروا معا ومكثوا حيث المنزل المجهز خصيصا لهم من قبل الشركة التي تعاقد معها الأب.
منزل بديع حقا وإن يكن على غير عادتهم لأنه تم بناؤه على التراث العربي القديم للمنزل بابان ويكثر فيه الجلسات العربية.
تولى الأب وظيفته المتفق عليها سابقا وهي ( مدير عام لقسم الهندسة والإنشاء ) في شركة المقاولات التي سافر إليها.
أثبت كفاءته من أول يوم عمل له فهو مهندس بارع ذو خبرة كبيرة في مجال عمله، ومن ثم تعرف على صلاح مهندس شاب يعمل في نفس الشركة التي يعمل بها الأب.
صلاح حديث التخرج ( تخرج في كلية الهندسة قسم مدني أيضا ) من مواليد الصعيد المنيا قوي البنية بشرته تميل إلى السمرة الصعيدية الجميلة، شعره شديد السمرة مموج كأمواج البحر ، طموح، لبق الحديث، قرر عادل أن يزوجه هالة ابنته الكبرى، نظرا لما رأى فيه من الجدية في العمل، الانضباط، إحترام المواعيد فكلما رآه شعر وكأنه يرى نفسه في سابق عهده.
الفصل الثاني
هالة وصلاح
خرج عادل لتناول العشاء في احدي المطاعم ومعه زوجته وبناته وبعد بضع دقائق حضر صلاح تلبية لرغبة مديره في تناول العشاء معهم.
وأعجب صلاح ب هالة_ كما قد رغب عادل وخطط مسبقا_
وأثناء محادثة صلاح اليومية عبر الإنترنت مع والدته الحاجة صفية ( تكنى بأم معتز ) وأخيه الأكبر معتز أخبرهم عن رغبته في الزواج من ابنة رئيسه في العمل ، كان معتز رافض الحديث من بدايته ، فكيف يتزوج بدون حضورهم حفل زفافه ، ويخشى معتز أن تكون العروس خليجية فوقتها لن يعود إلى المنيا مرة أخرى ، نفى صلاح هذا وأخبرهم أن العروس من أسرة مصرية وبمجرد إنتهاء فترة عمله في الخارج سيعود بزوجته إلى مصر ويمكثان في الصعيد حيث منزله الذي ورثه عن أبيه المجاور لمنزل والدته ومنزل أخيه، بالرغم من عدم قبول معتز لكلام أخيه إلا أن الحاجة صفية رحبت وأخبرته موافقتها ومباركتها للزواج طالما هو يرغب في ذلك وهي واثقة في اختيار ابنها.
زار صلاح منزل عادل وعندما قابله طلب منه أن يتزوج ابنته هالة وافق عادل على الفور.
صلاح متعرقا: أنا يشرفني يا عمي أناسب حضرتك واتجوز بنت حضرتك الآنسة هالة.
عادل : موافق يا صلاح انت دخلت قلبي من أول متقابلنا في الشركة وكأنك ابني.
صلاح يمسك بمنديل ويمسح عرقه المنسكب على وجهه ثم يقول بخجل : أنا هنتظر لما حضرتك تاخد رأي الآنسة هالة وياريت تعرفني بدون خجل.
يربت عادل على كتف صلاح قائلا: أنا خلاص قولتلك إني موافق ومفيش رأي بعد رأيي.
صلاح : طب يا عمي أنا عندي أرض كبيرة و ليا بيتي بس في الصعيد جنب بيت أمي وبيت أخويا ، ومكنتش بفكر أبدا اتجوز بره مصر فمكنتش عامل حسابي ومجهز فلوس يعني اشتري بيت وأجيب.....
يقاطعا عادل قائلا : متشلش هم أي حاجة، الشبكة دي هديتك لعروستك إللي تجيبه أنا موافق عليه، وامضي بس على قايمة علشان حقوق البنت و في خلال شهر نأجرلكم شقة مفروشة مؤقتا وتكون جنب بيتنا علشان مامتها وأختها يزوروها على طول .
عفاف كانت تسترق السمع متوقعة خبر طلب صلاح ليد بنتها هالة وبعدما سمعت الحوار وتأكدت من ظنها دخلت غرفة بناتها لتبارك لهالة.
عفاف: مبروك يا قلب مامتك صلاح اتقدملك وباباكي وافق.
بسنت همت بالوقوف وقالت منزعجة: يعني إيه بابا وافق المفروض ياخد رأي هالة الأول.
عفاف : وهو بابا برضو هيقرر قرار يضركوا أكيد شايفه مناسب.
بسنت: يا ماما أنا مقولتش كده ممكن يكون مناسب بس هالة محبتهوش إيه بقى هتجوزوها بالغصب، كفاية حياتنا كلها عايشينها غصب في غصب، انتي سبتي شغلك غصب ، أنا دخلت قسم مبحبوش غصب.
هالة مبتسمة وعيونها تتجه للأسف من الخجل : ومين قالك إني محبتهوش .
تسرع عفاف محتضنة ابنتها: مليون مبروك يا حبيبتي سيبك من كلام بسنت ربنا يتمملك على خير وأشوفك أحلى عروسة.
تضم شفتاها وترفهم للأعلى ثم تنظر لبسنت قائلة: وعقبالك يا بسنت.
بسنت بنظرة ازدراء وسخرية بعدما رفعت إحدى حاجبيها : والله لو العريس هيتقدم بالشكل دا وبابا هيوافق من غير حتى ما ياخد رأيي بلاها جواز أحسن، يعني لا كلية بمزاجي ولا جوازة على مزاجي خلانا نسيب بلدنا وأهلنا وجيرانا وأصحابنا علشان هو شايف إن السفر أحسن،
هو بس، علشان هو بس إللي شايف.
ثم تنظر لوالدتها بعطف وتكمل كلامها: حتى إنتي يا ماما خلاكي تستقيلي من شغلك لأنه شايف إن شغله هو الأهم وشغلك عادي يتعوض وإنه ملهوش لازمة ، بعدنا عن خالي إللي مالكيش في الدنيا غيره، حتى عمتي إللي هي أخته الوحيدة برضو بعدنا عنها عادي علشان هو شايف كدا هو بس إللي بيشوف وهو بس إللي بيقرر.
ثواني من الصمت ثم تنظر لأختها وتهرول عليها : أنا آسفة مكنش قصدي،..
هالة تداعب أختها : دا إنتي نكدية، مفيش مبروك ؟!
ثم تحضن أختها وتبتسم وتقول : مبروك يا حبيبتي ربنا يسعدكم وبصراحة صلاح باين عليه طيب وابن حلال.
قام صلاح ب استئجار شقة مفروشة مؤقتا على أن يجهز بيته في الصعيد بين أهله بمجرد عودتهم.
اتصلت عفاف بأخيها وأخبرته بقرب زواج ابنتها وكانت تتمنى حضوره وأخبرها بأنه سيسافر للعمل بالخارج وسيتواصل معها بإستمرار
مر الشهر سريعا وتم الزواج في حضور عادل وعفاف وبسنت
وأصدقاء عادل وصلاح في العمل
تزوجت هالة وتركت بسنت تشعر بالوحدة والفراغ فبسنت مرتبطة جدا بأختها
فكانا يأكلان معا يتحدثان معا، فمع من ستتحدث الآن ؟؟؟
هونت كلاهما على الأخرى الغربة و فقد الصديقات. وكان عادل لا يعجبه تصرفات بسنت فكثف عليها الأوامر ( كالحجاب ) فقد آن الأوان أن تتحجب، يجب أن تستيقظ مبكرا، دراستها يجب الإهتمام أكثر بها، غير مسموح بصداقة أي صديقة في السفر ، مساعدة الأم في الأعمال المنزلية ، كيف لا تحب هذا الطعام لابد أن تأكله ؟ غير مسموح بالرسم فهو مضيعة للوقت و.........غيرها من الأوامر اليومية صباحا ومساءا .
كانت بسنت تجلس وحيدة بالساعات تفكر في ذكرياتها مع أختها ، تقلب الصور وترى المواقف وكأنها تحدث الآن .
وجدت ورقة رسمتها بسنت وهي طفلة في العاشرة من عمرها فيها طفلتان، طفلة واقفة تنظر إلى مرآة تعكس الطفلة الأخرى، تقصد بالطفلتين هي وأختها.
فقامت بتكبيرها ووضعها داخل إطار خشبي لأنها تشعرها بالراحة النفسية بمجرد النظر إليها.
الفصل الثالث
مرض عفاف.
بعد مرور أربعة أشهر على زواج هالة وصلاح و في زيارتهم لمنزل والدها أخبرتهم أنها حامل، وما أجمله من خبر
والدتها كادت أن تطير من السعادة: الحمدلله الحمدلله بيتنا هينور بأول حفيد
بسنت : اخيرا هبقى خالة.
الأب : ألف مبروك يا ولاد يتربى في عزك يا أبو صلاح،
ولا أقولك يا أبو عادل.
أخيرا دخل الفرح قلب بسنت بعد شهور من الوحدة والكآبة،
أخيرا بدأت قطرات السعادة تغمر منزلهم.
وبمرور الوقت بدأت تظهر على عفاف أعراض المرض
وبعد زيارات للطبيب وعمل الفحوصات الطبية والأشعة
اتضح أنها تعاني من تصلب الشرايين ويجب إجراء عملية جراحية عاجلة.
إلا أن صحتها لم تتحمل، توفت الأم وتركت الزوج في حالة من الذهول، الصمت والحنين
عادل هذا الجبل الذي لم تهزه أي ريح صار صامتا منهزما مكسورا وكأن الموت انتصر عليه وأخذ منه أغلى إنسان في حياته.
وهالة التي لم تجف دموعها ، بينما بسنت أصبحت كالتائهة، كالطفل اليتيم الذي فقد حياته بفقدانه الأم والأب معا فكيف ستمضي الأيام بعد زواج هالة وفقدان الأم التي كانت تلون حياتها وتهون عليها تسلط الأب .
مرت الأيام ثقيلة
موجعة
فالحياة بفقدان من نحب مشوهة ؛
مشوهة خارجيا وداخليا فقلبك يحترق من الحنين ، حجرات قلبك مظلمه وإن حاولت إضاءة أنوار الذكريات أغلقها الشوق وزاد عتمتها الاحتياج.
مهما حاولنا التناسي ، كيف ننساهم وذكراهم في عيوننا ،
صوت كلماتهم لا يفارق أذننا، حبهم يغمرنا غمرا .
حتى جاء موعد ولادة هالة
هالة وضعت ذكرا وكأن الله يربط على قلبهم بهذا الطفل
كان عادل يتمنى يوم الولادة حتى يسمي الطفل ( عادل ) على إسمه لكنه كان في عالم آخر ،
عالم الغربة بعيدا عن وطنه حضن عفاف ، كان في عالم الاحتياج ل عفاف والكبر كيف يكون بهذا الضعف، فالضعف لا يناسبه.
وفي المستشفى بعد مغادرة عادل وبسنت اقترحت هالة تسمية الطفل ( معتز ) على اسم الأخ الأكبر ل صلاح
صلاح متعجبا : معتز يا هالة !
هالة : معتز أخوك الكبير و مكانش عاجبه جوازنا
صلاح : يعني أخويا مكنش عاجبه جوازنا فأسمي ابني على اسمه
هالة : أيوة علشان أكسب صفه معايا .
صلاح مبتسماً ممسكا يدها : تكسبي إيه بس؛ انتي كسبتي قلبي مش كفاية ولا إيه ؟
يبتسم صلاح بقلبه وعيونه التي كاد لمعانها أن يضيء العالم وينظر لهالة؛
هالة مبتسمة : طبعا كفاية، قلبك بالنسبالي أهم مكسب في حياتي .
يا حبيبي كمان إسم معتز حلو، وأنا عارفة إن الصعيد بيحبوا يسموا على إسم الجد والعم وكده .
صلاح : آه قولتيلي يعني نسمي معتز على اسم اخويا احسن منسمي ( عبد القوي ) على اسم أبويا الله يرحمه
يضحكا الزوجان ويحتضنا بعضهما البعض في حب وسعادة
الفصل الرابع
العودة إلى مصر
قرر عادل العودة إلى مصر بعدما انتهت فترة عقده المتفق عليها سابقا وهي عامان ذاقت فيهم بسنت مختلف المشاعر؛
تسلط الأب وإجبارهم على ترك حياتهم،
هجر الأهل والأصدقاء والوطن،
الغربة والحنين إلى الحياة،
تناقض شعور الفرح ب زواج أختها ومذاق الألم لحظة سلب الروح من الجسد في بعدها عنها .
رقصات قلبها على سماع خبر حمل أختها هالة
دفن سعادتها مع دفن أمها في الغربة وكسرة حياتها أشلاءً بعدما ماتت من كانت سبيلها إلى الحياة مع والدها النرجسي
عوض الله بمعتز قطرة السعادة في الحياة.
حاولوا معه تأجيل قرار العودة للوطن مصر لبرهة من الوقت حتى يفكرون في هذا القرار إلا أن عادل قد قرر وعندما يصدر قرارا لا يستطيع أحد أن يغير رأيه، فقد كره العيش بدون زوجته هناك.
بعد عودتهم إلي أرض الوطن عادوا إلى شقتهم في مدينة الإسكندرية و بدأت مرحلة التحضير للسفر إلى الصعيد لرؤية أهل صلاح وكان صلاح يخرج كثيرا مع زوجته لشراء ملابس جديدة للاستعداد وأحيانا تخرج معهم بسنت في أيام الإجازة من الجامعة.
تاركين معتز مع جده ( عادل )
تعلق الجد بالحفيد كثيرا ووجد معه ضالته،
فإذا أردت أن تنسى العالم من حولك لاعب طفلا وقتها ستنسى العالم وتنسى نفسك أيضا.
ويا حبذا لو كان الطفل هو حفيدك
الحفيد الأول كأول نبتة في أرض ظمآنة كادت أن تنسى أنها صالحة للزرع صالحة للحياة.
حتى جاء اليوم الصادم الذي غير مجرى الحياة يوم تعرض صلاح لحادث بالسيارة وكان برفقته زوجته هالة وأختها بسنت.
أسفر الحادث عن وفاة صلاح و زوجته هالة
وإصابة بسنت إصابات بالغة وتم حجزها في المستشفى وإجراء عملية عاجلة في القدم لزرع مسامير وشرائح.
الفصل الخامس
في المستشفى & تحقيق النيابة .
حضرت النيابة للمستشفى للتحقيق وأخذ الأقوال ومعلومات عن الإصابات والمتوفيين والتأكد أن الحادث غير مدبر ولا وجود لأي شبهه جنائية.
وأيضا جاء موظف من السجل المدني وأخذ بصمات بسنت ومضى مسرعا.
وعندما سأل وكيل النيابة عادل عن بيانات الحالات ، لم يخبرهم بالحقيقة لكنه أخبرهم أن ابنته هالة هي الوحيدة الناجية من الحادث وأنها على قيد الحياة بينما بسنت وصلاح هم من ماتوا جراء الحادث.
سمعت بسنت حديث والدها إلا أنها لم تستطع الرد نظرا لخروجها من العمليات ومازالت على جهاز التنفس الصناعي لكن دموع عيونها أفصحت عن حزنها و صدمتها.
هل هذا حلم ؟ أم أنها هلاوس البنج !!
ألهذه الدرجة وصل ظلم الأب ذو القلب الصخري.
سمعت الأطباء والممرضات لا يتحدثون عنها إلا بإسم هالة
تأكدت أنها الحقيقة
مضت الأيام ثقيلة حزينة تتألم جسدياً ونفسياً انفطر قلب بسنت حزنا على وفاة أختها
فهي كانت كل حياتها هي الأصدقاء والعائلة
هي الونس والسند
بسنت عند سفرهم تركت أصدقاء الجامعة والجيران واكتفت بأختها عن العالم بأسره
وها هي الآن وحيدة بلا أصدقاء
بلا أم
بلا أخت
بلا روح فهي شعرت بأنها فقدت روحها بفقدانها أختها
وانفطر قلبها حزنا على حياتها التي كتب نهايتها والدها بيده دون الرجوع لها أو أخذ رأيها، وما الجديد فهذا هو طبعه النرجسي فهو يرى أن لا رأي بعد رأيه لكن هل الموت والحياة فيهم رأي ؟!!
ولا حديث أهم من حديثه، لكن الحديث بإحياء الميت وموت الحي يعد مجرد حديث ؟!!
هو مركز الكون ومحور الأحداث، بل هو كاتب الأحداث يفكر يخطط يقرر والجميع عليهم السمع والطاعة، الطاعة العمياء.
فاق بنرجسيته كل التوقعات والافعال هل يوسوس له الشيطان بهذا أم غلبت نفسه الشيطان وتفوقت عليه ؟!!
ليس له شيطان ! أكيد وهل هذه الأفعال أفعال بشر.
كانت بسنت تنتظر تمام شفائها حتى تخبر الجميع أن من ماتت هي هالة وأن بسنت مازالت على قيد الحياة تتنفس تعيش تشعر.
جاءت عمتها ( رجاء ) تزورها في المستشفى وأحضرت معتز حيث تركه جده معها وقتما سمع بالحادث قبيل ذهابه إلى المستشفى.
وبمجرد دخولها وضعته على السرير لأنه كان نائما و صاحت: بسنت حبيبتي عاملة إيه دلوقتي ؟
إنزعج عادل وقام بإخراج الممرضة بإنفعال من الغرفة.
رجاء : إيه يا عادل أنت زعقت في الممرضة ليه ؟
عادل : دي هالة، بسنت هي إللي ماتت .
رجاء : انت بتقول إيه هو أنا هتوه عن بنات أخويا .
عادل : إسمعي إللي بقوله ومتقوليش غير حاضر .
رجاء : حاضر على إيه !!!!
عادل : أنا بقولك بسنت ماتت يبقى بسنت هي إللي ماتت
رجاء : انت إللي بتقول كدا انت عاوز تموّت بنتك بالحيا
عادل منفعلا : أيوة أنا إللي قولت كدا لأني بقول الصح وكل كلامي صح ومحدش يقدر يجادلني .
رجاء : هو أنت بتتكلم على لبس ولا اكل دي بنتك.
عادل : أنا مسألتش عن رأيك، أنا بقولك قراري.
رجاء : قرار إيه وتعمل كده ليه اصلا.
عادل : انتي عارفة لما هالة تموت إيه إللي هيحصل ؟
رجاء : إيه إللي هيحصل أكتر من إللي انت بتفكر فيه
عادل : أهل صلاح هياخدوا معتز وياخدوا ورثه
أنا مقدرش أعيش من غير معتز
هو إللي عيشني بعد عفاف ما ماتت.
رجاء : طب والغلبانة بسنت مفكرتش فيها، مفكرتش في كليتها وحياتها ، حرام عليك انت طول عمرك معيشها معاك متمرمطة شوية تدرس في مصر وشوية برة ودلوقتي هتموتها بالحياة.
عادل : هتعيش و هتربي ابن أختها، هو هيكون حياتها وحياتنا كلنا ، عارفة هيورث قد إيه من صلاح ولا انتي عاوزاني أرميه وأرمي ورثه.
رجاء : بص يا أخويا انت ممكن تكلمهم وتتفقوا مع جدته وعمه إن انتوا إللي تربوه وأكيد ...
عادل مقاطعا حديثها : اتفق إيه وكلام فاضي إيه بقولك خلاص أنا هخلص كل الإجراءات وهنهي كل الأوراق إللي تثبت أن بسنت ماتت خلاص.
رجاء : بس .......
عادل : هو انتي هتعرفي مصلحة بنتي أكتر مني، خلص الكلام يا رجاء.
وعندما حملت معتز لتأخذه معها، قبله عادل وتركه لها وأخبرها أنه بمجرد خروج بسنت من المستشفى سيأخذه ولولا أنه ما تم عامه الأول ما تركه عند أحد قط .
وعندما تحسنت حالة بسنت كان عادل قد أنهى كل شيء وأصبحت بسنت متوفية في كل الأوراق الحكومية.
فكيف ستعيش كيف ستحيا بعد الآن.
حاولت بسنت البحث عن أي أوراق تثبت أنها على قيد الحياة
صدمت من والدها فقد حرق كل الأوراق وجوازات السفر
عمل لها بطاقة جديدة وبالنقود أحضر موظف السجل المدني إلى المستشفى ( بعدما قدم إليه رشوة ) وأخذ بصمات بسنت وسجلها على كل الأوراق.
واستخرج بطاقة جديدة بإسم هالة وعليها صورة بسنت.
ذهبت إلى الجامعة وجدت أن تم شطب إسمها من الجامعة نظرا لإرسال والدها شهادة وفاتها إلى الجامعة
أغلقت كل الأبواب أمام بسنت ورضخت لأمر والدها
لم تجد صديق غير البكاء ولا ونيس غير الصور والذكريات
كيف كانت حياتها جميلة هادئة مع أختها وأمها لا يعكرها إلا تسلط والدها الآن هي تحيا حبيسة داخل تسلط والدها ولا أي مهرب ، ولا أي باب تستطيع الخروج منه، يوميا تعيش في غرفتها تشاهد الصور وتتذكر الذكريات وتنوح على عمرها
ثم قرر والدها السفر وترك الشقة و الإسكندرية كلها والعيش في القاهرة العاصمة نظرا لزحامها فلن يعكر صفو حياتهم أحد
وكالعادة قرر ونفذ. اشترى عادل شقة في المعادي وهذه الشقة في عمارة تتكون من أربع طوابق فقط وهما سيعيشان في الطابق الأول وللعمارة حارس.
شهور مضت ومازالت بسنت في ذهولها وصمتها وإغلاق بابها طوال اليوم حتى صارت كالهيكل العظمي ومعتز لم يجد الجو الأسري المناسب لطفل في عمره حتى قرر عادل أن يذهب بمعتز إلى دار رعاية للأطفال ( حضانة ) و أن تعمل بسنت حتى يخرجها من الحالة التي تعيشها.
سأل عن معهد مكثف للغة الألمانية واتفق مع محاضرة ( معلمة ) تأتي لها في المنزل وتجعلها متقنة للغة الألمانية وكأنها خريجة كلية ألمانية حقا وبعدها ظل يبحث عن عمل يناسبها حتى وجد إعلانا عن وظيفة موظف خدمة عملاء في إحدى شركات الهاتف المحمول الحديثة وقتها شرط إجادة اللغة الألمانية
ثم قدم لها على الوظيفة ؛
عادل : يا هالة عندي ليكي مفاجأة.
بسنت مستفسرة : أنا
عادل منفعلا : هو أنا كل مقولك يا هالة تستغربي !؟
يهدأ ويكمل حديثه : أقولك على المفاجأة أنا قدمت لك على شغل .
بسنت : شغل !
عادل : هو أنسب حل علشان تخرجي من الجو إللي إنتي عايشة فيه دا
بسنت : حاضر.
عادل : أنا عارف إن الشغل هيغيرك للأحسن، طبعا انتي عارفة اني عمري مابقول رأي ويطلع غلط.
تكتفي بسنت بالنظر له في حسرة .
تذهب بسنت إلى مقابلة العمل وتجتاز المقابلة ويتم تعيينها في الشركة في مارس ٢٠٠٧
وظلت الحياة بسوادها طوال ثلاثة أعوام .
