دلفت إلى مكتب وكيل النيابة ، طرقت الباب فأذن لي بالدخول ،أخطو بخطى مترددة حزينة مطأطأ الرأس فقد أثقل الهم روحي ،وقف مرحبا بي وعينه تحمل الكثير من الشفقة والعطف .
أسرع بسؤالي عن ماذا أشرب؟ كنوع من الضيافة وكسر حاجز الصمت فأجبته بلا داع لذلك، وبعد لحظات من الصمت بيننا ،نهض يعدل من هندامه وهو يتحرك من خلف مكتبه متجها إلى الباب قائلا :
((حالا سأبلغهم أن يحضروها وسأنتظر فى المكتب المقابل لكم ،لتتحدث معها كما تريد ،فخذ وقتك يا صديقي ))
نظرت له شاكرا دون أن أنبس ببنت شفة وأصابع كفي الأيسر تضغط على مفصل ركبتي من التوتر ،عندما أشعر بالتوتر الشديد أقبض بأصابعي عليها وأستمر فى الضغط حتى أستطيع أن أتمالك أعصابي ،انتظرت لدقائق مرت وكأنها سنوات تحمل الكثير من القلق والتوتر والألم ، لا أعلم لماذا فعلت ذلك وكيف؟ قطع تفكيرى طرق على الباب ثم فتح وظهرت هى من خلفه هزيلة وبمجرد أن رأتني اتجهت إلي مسرعة وارتمت فى أحضاني تبكي وتنتحب وهى تقول أرجوك ساعدني أنا لم أفعل شيء أرجوك ، كانت تعتصر ظهرى بأصابعها تتشبث بي كالقطة التى تتمسك بصاحبها وكنت أقف أنا ساكن كتمثال أصم ، تمالكت أعصابي وأمسكت بذراعيها لأبعدها برفق ونظرت لها طويلا ثم أشرت لها بعيني أن أجلسي ، جلست وأنا أهرب ببصرى بعيدا عنها ، لا أستطيع رؤيتها ،أم أنني لا أستطيع مواجهتها ؟!
أسرعت قائلة ((خالد)) تكلم لا تصمت كعادتك هذا ليس بوقت السكوت ،صدقني أنا لم أفعل شيء .
لم أقتله لا أعلم ماذا يحدث ؟ لماذا أنا المتهمة بقتله ؟ تكلم هل جئت لتظل صامتا كعادتك؟ أحتاج لمساعدتك .
اتجهت بعيني إليها مدققا فى ملامح وجهها الذى طالما عشقته،لكن اليوم أشعر ولأول مرة أنني أرى تلك الملامح ،تنهدت الصعداء وأنا أحاول التحكم فى نفسي ،ملت بجسدي للأمام وبصوت جاء من ركن بعيد داخل روحي وجهت سؤالي لها :
(( هل كنتي ستتركيني من أجله ؟! هل كان هو السبب فى طلبك الانفصال عني لتتزوجي به ؟ لتحققي رغباتك؟ .....أخبريني أرجوكي بالحقيقة فلا وقت للكذب الأن ))
أحنت رأسها وهى تهتز من البكاء الصامت ،أسمع همهمات تخرج منها غير مفسرة ،ثم قالت :
(( نعم لأنني لا أستطع العيش معك وأنا أرغب فى أخر غيرك ، لا أنكر أنني ترددت كثيرا، ولكن مع كل مرة أنظر لك فيها ولعلاقاتنا الهشة ، وجفائك رغم حبك لي وانعزالك داخل نفسك ،أشعر بأنني أستحق أن أحيا حياة أخرى بها كثير من الأمان والود وأن يكون لي عائلة وأطفال وأمارس حقي بأن أكون أما ))
وهنا قاطعتها :
((تقصدين أنني حرمتك من أن تكوني أما؟ ألم أخيرك عندما علمنا أن عدم الإنجاب أنا السبب فيه وأنتِ من رفضتى أن تتركينى وأخبرتني أن حبى لكِ أهم ؟! أجيبيني .. ألم يحدث هذا؟ الآن تبررين خيانتك لي بأننى السبب وأنني من حرمك من تحقيق أمومتك ؟!...... وبصوت يملؤه الغضب المكتوم وأنا أضغط على أسناني وحروفي صرخت بها ......أجيبيني ))
صمتت وهى تبكي وتحرك رأسها يمنى ويسرى :
((أنا لم أقتله صدقني لم أفعلها لا أستطيع أن أفعل ذلك ولا أعرف كيف تورطت فى هذا الأمر كيف؟!))
أجبتها وأنا أقبض بيديا على ذراعيها :
((قولي لي أنتِ كيف ؟! كيف فعلت بي هذا ؟ هل أستحق كل هذا العار؟! أصبحت أستحي أن أرفع رأسي بين أصدقائي فى مديرية الأمن ، فالظابط ((خالد)) الذى طالما لم يسمع عنه أو منه أحد كلمة ، أصبح الآن حديث الوزارة كلها ، حديث لا ينتهي بين جدران المكاتب ، نظرات شفقة وتعاطف على هذا المسكين المكلوم فى زوجته القاتلة الخائنة التى كانت تخونه وهو نائم فى العسل لا يعلم شيء ومع من تخونه مع زميله العميد ((وليد)) دنجوان الوزراة أكملها هذا الرجل الذى إذا أعجبته أنثى لن يتركها إلا وهى فريسة تسكن شباكه ، وها أنتِ وقعتي فى شباكه وأوقعتني أنا تحت أقدام الجميع ، لا يمكننى النظر فى عين أحد .... يا ويلتي لماذا كل هذا ))
أخذت تبكي بين يدي وتنتحب ولا تنطق سوى إنها بريئة لم تقتله ويجب أن أصدقها ، تركتها وهممت واقفا أستعيد رباطة جأشي أحاول أن أتماسك ، ألملم أشلاء روحي ، ثم أدرت ظهرى لها واتجهت صوب الباب ، فتحته وناديت على العسكري القابع أمامه وقلت له :
((خذ هذه القاتلة ، أرجعها إلى مكانها الذى تستحقه ، وهو يسحبها إلى محبسها أوقفتها بيدي وأنا أهمس فى أذنيها : أنت طالق يا مدام )) نظرت لي وبكت فأشرت برأسي له ليأخذها .... وخرجت مباشرة من المكتب متجها لسيارتي دون أن أتحدث الى أحد وأدرت محرك سيارتي متجها إلى منزلي .
وبعد عدة أشهر فى قاعة المحكمة بعد أن نطق القاضي بالإعدام شنقا ، نهضت وأنا أشاهدها من بعيد وهى تصرخ وتنتحب ،كانت تتملكني الرغبة فى رؤية تلك الخائنة فى القفص الحديدي وهى تنال ما تستحقه .
عندما وصلت الى بيتي ، جلست والظلام يحيط بي من كل جانب فكل ظلام الكون لا شيءبالنسبة للظلمة التى سكنت روحي ، همست لنفسي أنها كانت ستتركنى لتذهب له "يا الله لماذا أنا ؟لماذا كتب عليّ أن يرحل عني كل من أحبهم ليكونوا مع غيري .لماذا؟"
رجعت برأسي الى الخلف ملقيا بها فوق مسند الأريكة ، وأغمضت عيني وأنا أتذكر ذلك اليوم الذى قلب كيانى وأثار بداخلي وحش قابع لسنوات نهض لينتقم ،تذكرت عندما سمعت زوجتى ((ليلي)) وهي تتحدث مع أحدهم على هاتفها وتقول :
((حبيبى أنا تركت له البيت، وطلبت الطلاق ، أعرف أنه لن يطلق سريعا ولكن سوف أصبر عدة أيام وأتخلص من هذا الزواج وأصبح معك ولك وحدك ، سنعيش سويا كما نتمنى وننعم ببيت يسوده الحب والدفء ونحظى بأولاد طلما تمنيت أن يرزقنى الله أياهم من رجل أحبه.))
.................
ماذا تقول ؟! تسرعت ؟! أنا لم أتسرع يجب أن أنهى حالة الضياع و التشتت التى بداخلي لا أرضى لنفسي أن أكون بين رجلين أحدهم زوجي والآخر حبيبي الذي أريده ،لا أطيق العيش معه فى حياة يملؤها الملل والكأبة والجفاء.
................................
لماذا تقول ذلك يا ((وليد)) ألا تريد أن تكون معي؟ هل كنت بالنسبة لك مجرد مغامرة تضاف لمغامراتك الغرامية ؟
................................
حقا الآن تتذكر أن ((خالد )) صديقك وأنك لا تريد الضرر النفسي له ولا خراب حياته وبيته ........
بعد سماعي لاسمه شعرت بدوار ضرب رأسي ، كنت أقف خلف باب حجرتها بعد أن ذهبت لبيت والدتها لتعود لبيتها وعندما أستقبلتني أمها أخبرتها أن تتركنى أدخل لها كي أفاجأها وأسعي لإرضائها وأعود بها لبيتنا وعندما وصلت لباب حجرتها سمعت ماسمعت ،أحسست بأنني سأهوي أرضا .. لا تتحملني قدماي من هول ما سمعت ،شعرت بغضب عارم وودت لو دخلت إليها وأمسكت برقبتها بين يدى وأنظر فى عينيها وهى تلفظ أنفاسها تلك الحية الخائنة ، تمالكت نفسي وخرجت مسرعا لأتنفس الهواء ، أشعر وكأن هواء الكون كله حجب عني ،أسرعت إلى بيت أبي المغلق منذ وفاته ، وهويت باكيا على أقرب كرسي ،بكيت كما لم أبك من قبل ،هذه الخائنة تعيد الماضي الأليم لي مرة أخرى بكل جراحه ، تفعل كما فعلت من قبلها أمي بي وبوالدي ، ستتركني من أجل من تحب ،سترحل لتهنئ وأعيش معذبا بفراقها وغدرها ....... صرخت وصرخت حتى أنهكت ولكنني توعدت بالانتقام ، لن تنال ما تريد وسيدفع هو ثمن غدره لي ، طوال معرفتى به وهو دائما يشعرنى بأنه الأذكي والأكثر جاذبية للإناث وأننى خيبة كما يطلق عليّ دائما ...... نهضت وأنا عازم على الأنتقام.
وبعد يومين عدت لها فى بيت والدتها بعد أن اكتملت خطتي ، تحدثت وتحدثت حتى استطعت أن أقنعها أن تعود معي لمنزلنا وساعدني أنها كانت غاضبة منه لأنه تملص لها كما فهمت من مكالمتها له ، ولمدة أسبوع كامل كنت أعاملها بكل حب وود وكأننا نبدأ علاقتنا من جديد .
حتى جاء وقت التنفيذ ،وفى ليلة بعد أن تناولنا العشاء وقد وضعت لها منوم فى كوب العصير ، أخذت هاتفها وأرسلت له رسائل فحواها أنها لن تتركه ولا تستطيع العيش من دونه ،وإذا أصر أن يتركها ستقتله .أخذت ما سأحتاج إليه فى خطتي وأسرعت بالخروج من منزلي متجها إلى منزله ، طرقت الباب ، فتح لي وقد ظهرعليه أنه أنتهى للتو من أخذ حمام ساخن، أشار لي فدخلت وأغلقت الباب من خلفى وقال متباهيا كعادته :
(( أعذرنى لثوانى يا ((خالد)) لأرتدى ملابسي وأعود حالا فأخوك كان عنده (ماتش) مع أنثى لا تقاوم يا صديقي أه لو رأيتها ، وأكمل ساخرا ..... سترتبك ولن تنبس ببنت شفاه أعرفك جيدا ...خيبة . وتركني ودخل حجرته فنهضت من مجلسي فاجأته بصوتي يأتي من خلفه قائلا :
(( ليتها تأتي لترى أنك لا تهتم لأمرها ،وأنك كنت مع أخرى تنهل من عسلها ولا يشغلك ما يحدث لها ))
وعندما هم ليواجهني غرزت نصل حقدي وبغضي له في أحشائه ، ضغطت عليها لتتعمق بداخله وأنا أقول له مت أيها النذل الخائن ))
هوى على السرير .. وقفت أراقبه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فلبست قفازا طبيا وأخرجت من الكيس الذى بجيبي بعض خصلات شعرها ووضعتها فى كفه الأيمن وأغلقت قبضته عليها ، ولم أنس أن تحمل يد السكين بصماتها التى طبعتها فوقها وهى نائمة ......وخرجت عائدا إلى منزلي وعدت بجانبها فوق الفراش وكأنني بت ليلتي معها.
وقفت أمام صورة أبي وأنا أبتسم قائلا :
(( اليوم اكتمل أنتقامي وخمدت نار كانت تنهش فى روحي منذ رحيل أمي ))
تمت
