٨- الجسر
جَلست بجانبه ينتابني القلق الشديد، أنظر إليه كي أَستشف وجهتنا ولكني لا أرى سوى جُمود تحمله ملامحه، أُلقي بيدي كي أُعانق أنامل أطفالي في المقعد الخلفي، وأنا انظر إليهم مبتسمة، كي لا أنقل إليهم قلقي وخوفي من طريق لا أعلم نهايته،
كنت أُلبي كل أوامره كي لا ينصب عليا وآبل غضبه، لملمت داخل حقائبي كل ما نحتاجه في سفر طويل، أحمل على ظهري حقيبة بها كل ما لنا من أمان،
سرحت بخيالي أتذكر حال اخواتنا أهل الكويت عندما رحلوا عن بلادهم خوفا من اعتداء سافر تعرضوا له وأنا أتساءل هل هناك معتدي قادم،أم انه مجرد تشاؤم.. أشعر وكأني لا أرى سوى سراب.
فجاءة صرخت قائلة:
توقف! الطريق من الأمام غير مكتمل مما يعوق وصولنا بأمان..
وقف سريعا ثم ترجل من السيارة يرى ما الأمر بالخارج، شعرت بأظافر تغرس في كفي فوجدت صغيراي ينتابهم الهلع و الخوف..
رَبت على أرجلهم قائلة بصوت حنون:
لا تقلقا، فمادمت بجانبكم سأظل أحميكما من أي خطر يواجهكما.
التفت انظر إليه بالخارج، فرأيته يتقدم إلى مشيرا لي بالترجل من السيارة، وملامحه الجامدة لا تظهرعليها أي تعبير يطمئنا! و كعادتي نفذت ما أومرت به.
ثم أشار لأبنائنا أن ينضموا لنا.
فمددت نظري لأجد أن الطريق غير ممهد بالكامل مما يصعب على أي شخص أن يعبره..ينقصه ذلك الجسر الرابط بينهما ليمكنا الانتقال من أعلى إلى أسفل
وأنا اخاطب نفسي متسائلة عن الحل المتاح لنا، فلا أحد يرافقنا، ولا منقذ لنا في هذا المكان، ولن يبقى أمامنا سوى الرجوع بالخلف بتمهل.
وجدته حمل الصغير ورفعه على يدي اليسرى، واحاط بساقيه حول خصري، ثم رفع أخيه على يدي اليمنى، واحاط بساقيه حول ساق أخيه، تركني وذهب إلى السيارة حاملا حقيبة ظهري، ثم بدأ في تعليقها في عنقي..
أنظر إليه في تعجب، لا أقوى على السؤال، ومن حقيبة السيارة الخلفية كان هناك حبل طويل يكفي لربط مدينة بأكملها،ظل يلفه حول خصري ليحكم ربطي جيداً وأنا مازلت أنظر إليه دون أن أعي ما يحدث..
ثم تقدم لي قائلا بأمر:
هيا ما عليك سوى الركض سريعا ثم القفز من أعلى كي تصلي إلى الجانب الآخر.
فذهلت مما سمعته وقلت له متعجبه:
أركض!! بالطبع لا...لن أستطيع
فزمجر في وجهي غاضبا ورفع صوته مؤكدا على رأيه قائلا:
بل تسطيعي،قلت لك هيا
ظللت اصرخ بالرفض قائلة:
-لا
يزداد اصرار وتأكيد قائلا:- قلت بلا
ثم تعلق بي جاذبني للخلف ثم دفعني بقوة للقفز من أعلى فلم تعد قدماي تحملني، ولا أملك أجنحة تمكني أن أسبح في الهواء ..وعندما قفزت ادرت جسدي لاستقبل الارض بظهري وابنائي فوق صدري حتى لا اسقط عليهم اذا قفزت بصدري، وقد تخيلت أني بهذا سانجوا وابنائي،.أخذت احرك ساقاي حركة دائرية سريعة تشبه حركة الركض ولكن في الهواء كي أتمكن من الوصول إلى الطرف الآخر حتى ارتطمت على الأرض بقوة،أحمل صغيري فوق عنقي المكسور ودماء تنزف من فمي، أنظر لأعلى مودعه حياة قاسية بلا هدف فرأيته يقفز منفردا ويقف بزهو بجانبي وهو يظن انني على قيد الحياة قائلاًبصوت المنتصر:
ألم أخبرك بأنك تستطيعي أن تعبري، فلن يكون لك طريق بدون رؤيتي.
لم أملك الرد حينها فهل عاد ميتا بعد موته.. فلا رد لي اليوم، بل لنا لقاء يوم الملتقى، يشهد علينا من خلقنا..
****
