١٤- - فنُّ اللامُبالاة
(1)
اجتمعت غنوة مع ابنيها ياسين ويوسف في غرفة نومهما مساءً قائلةً: "الأجازة دي أنا منتظراها من زمان يا ولاد.. عايزين نستمتع فيها كلنا".
فتساءل ياسين: "يعني هنسافر يا مامي؟".
تتردد غنوة في كلماتها: "إنت عارف كويس يا ياسين إن سبب الأجازة هي (فيروس كورونا).. إزاي بقى نسافر؟!! إحنا مش هنقدر نخرج أصلًا من البيت.
تمتم يوسف ساخرًا: "ياه! فعلًا يا مامي هتبقى أجازة رائعة!".
جذبته غنوة من مقدِّمة الكنزة قائلةً: "شكلك بتتريق عليَّا.. صح يا جو؟..
ضحك ياسين ويوسف بصوت عالٍ، فاستطردت غنوة: "أنا بقصد إننا نجتمع سوا يا ولاد.. نفطر سوا، نتفرج على مسلسل أو فيلم سوا. فرصة إننا نتشارك حياة أسرية كاملة، يعني الصبح أقولكم قوموا نفطر.. ألاقيكم قبل ما أكمل الكلمة على التربيزة.. فاهمين!!".
أشار كلاهما إليها بالإيجاب..
تركتهما غنوة في غرفتهما، وذهبت إلى المطبخ لتجهيز كلِّ ما تحتاج إليه صباحًا لإعداد إفطار مميَّز تبدأ به إجازةً جديدةً..
وفي الصَّباح الباكر، كانت غنوة في شُرفة غرفة المعيشة المطلَّة على بحر الإسكندرية الرَّائع.. تعدُّ طاولة الإفطار بعد أن زيَّنتها بشراشف على شكل مربعاتٍ صغيرةٍ باللون الأبيض والأحمر.. وبدأت في تحضير الفطور بما يناسب كلَّ فردٍ منهم..
فأعدَّت أنواعًا كثيرةً ومختلفةً كي تلقى قبول كلٍّ منهم.
انتبهت غنوة لصوت آسرٍ وعلمت أنَّه استيقظ من النوم؛ فتوجهت إليه مبتسمةً: "صباح الخير يا آسر.. على ما تغسل وشك أكون صحيت الولاد ونفطر كلنا سوا في الفراندا".
فأشار لها بالإيجاب دون أي تعبير.
ذهبت لإيقاظ يوسف وياسين.. وكالعادة استغرق استيقاظهم عدَّة دقائق لا تتعدى الخمس.
وذهبوا إلى الشُّرفة لتجد آسرًا قد أنهى إفطاره قائلًا: "أنا بحب البيض يكون طري مش مستوي قوي كده.
خلصي فطار وهات لي قهوة تركي".
ذهلت غنوة من كلماته، لقد أعدَّت كل تلك الطَّاولة لينتهي من طعامه قبل أن يجتمعوا!
شاهد ياسين تعبيرات والدته وتبادل النَّظرات مع يوسف الذي بادر قائلًا: "ياه يا مامي!.. إيه الفطار الشهي ده؟".
فبادله ياسين الحديث: "فعلًا، أنا كان نفسي في الكورن فليكس بالعسل جدًّا.. إيه ده، وبان كيك ونوتيلا كمان يا مامي.. إيه الدلع ده!"..
"مامي، متعمليش غدا النهارده.. لأننا مش هنقوم من على الترابيزة إلا بعد ما ننهي على كل الأكل"..
حاولت غنوة أن تلتهي مع أبنائها وتمحو من نفسها ما أصابها من خيبة أملٍ.
وفي صباح اليوم التالي، قرَّرت غنوة أن توقظ يوسف وياسين مبكرًا عن آسر كي يلتفُّوا جميعًا حول طاولة الإفطار.
وبعد أن أعدَّت الطَّاولة واستيقظ الأبناء، ذهبت لإيقاظه قائلةً:
"صباح الخير يا آسر.. الفطار جاهز يا حبيبي، والولاد قاعدين منتظرينك علشان يفطروا معاك".
أجابها بصوته الهادئ المتكاسل "هغسل وشي وجاي وراكِ".
دقائق وانضمَّ آسر إليهم على طاولة الإفطار.. ابتسمت له غنوة قائلةً: "البيض طري زي ما بتحب".
أشار لها عابسًا وهو يتمتم: "عايز فنجان قهوة علشان عندي صداع فظيع".
مدَّت غنوة يدها له قائلةً: "النسكافيه أهو".
أشار برأسه رافضًا: "عايز قهوة بن.. قهوة تركي يا غنوة، افهمي بقى".
نهضت غنوة من الطَّاولة وذهبت لإعداد القهوة.
ثم انضمَّت لهم حاملةً صينية القهوة، فوجدت آسرًا قد أنهى فطوره ونهض من مقعده ليأخذ منها فنجان القهوة، ثم تركهم وجلس في غرفة المعيشة حاملًا هاتفه يتصفَّحه كعادته دون أن يفارقه..
نظرت غنوة إلى ولديها وما زالت الصينية بين يديها وعلامات الخيبة باديةً على وجهها..
بدأ يوسف حديثه قائلًا: "مامي، أنا وياسين منتظرينك علشان نفطر سوا".
ابتسمت لهما بسمةً مرسومةً بصعوبةٍ، وبدأت تتناول فطورها مع ابنيها، وقطرات الدَّمع تتلألأ في مُقلتيها..
ولكن في صباح اليوم التالي، فوجئت غنوة باستيقاظ يوسف وياسين قبل أن تستيقظ، وقد أعدَّا كل ما استطاعا إعداده على طاولة الإفطار، ولكن فقط ثلاثة أطباقٍ.. وطبق رابع مغطى.
ضمَّتهما غنوة إلى صدرها بعد أن فهمت مطلبهما بعدم إيقاظ والدهما، وتوجَّهت معهما لتناول الطَّعام معًا.. تخلل أحاديثهم ضحكاتٌ ونكاتٌ عديدةٌ.
فاستيقظ آسر على صوتهم.. وتوجَّه إلى الشُّرفة ليجد أبناءه ملتفِّين حول غنوة يتناولون معًا الطَّعام في جوٍّ عائلي مبهجٍ.. فعاتبهم قائلًا: "إنتم يعني بتفطروا من غيري.. ولا كأنِّي موجود".
نهضت غنوة من مقعدها قائلةً: "إزاي! الفطار أهو، اتفضل"، ثم انسحبت إلى غرفة المعيشة لينضمَّ لها ابناها..
فنظر آسرٌ إليهم متسائلًا: "هو انا هفطر لوحدي؟".
فأجابه يوسف: "بس البيض طري أهو يا بابي، كمان القهوة التركي على التربيزة"..
لحظات وجاء ياسين إليه ركضًا حاملًا هاتف والده قائلًا: "صاحبك يا بابي أهو. معاك تليفونك".
وتركه مثلما تركته غنوة ويوسف.. جالسًا منفردًا ينظر إلى طاولةٍ خاويةٍ من المشاعر، رغم احتوائها على كافة أنواع الطَّعام.
(2)
بعد ثلاثة أسابيع من الحظر، قرَّر آسر أن يصطحب أسرته في نهاية الأسبوع لقضاء يومٍ مع الأهل في مسقط رأسهم (طنطا).
* داخل السيارة *
جلست غنوة على المقعد الأمامي بجانبه، وجلس يوسف خلفها، وياسين خلف والده.. أدارت غنوة زرَّ مشغل الأسطوانات على ألبوم هاني شاكر قائلةً: "الأغنية دي رائعة يا آسر، اسمع كده".
نظر آسر لها نظرةً ساخرةً، ثم أغلق الصوت من عجلة القيادة وهو يتعجب: "هو انتِ لسه صغيرة.. أغاني إيه، اكبري شوية وشوفي سنك".
صمتت غنوة بعد أن تبادلت النَّظرات مع ابنيها.. وذهبت بأفكارها -بعيدًا عنه- في حياةٍ لم تعشها، وكانت تحلُم بها، وذكريات تهوِّن الواقع القاسي.
وفي أثناء الرحلة بدأ آسر الكلام قائلًا: "شكلنا هنطوِّل في الحظر ده.. لسه مفيش أي علاج أو تطعيم"..
لم يجد أي ردٍّ، فاستطرد: "أنا مش فاهم، التعليم اللي عندنا ده لازمته إيه، لا عارفين نواجه مرض ولا فيروس، هنفضل طول عمرنا دول نامية"..
انزلقت غنوة في مقعدها لأسف، وأمسكت هاتفها، وبدأت تتصفَّح الفيسبوك والإنستجرام؛ محاولةً تجاهل ما يردِّده على مسامعها كلَّ يومٍ وكلَّ ساعةٍ يقضيها معهم، لكنَّها حافظت على تلك الإيماءة من رأسها مع كل جملةٍ، وتؤكد بطرف لسانها قائلةً: "كلامك صحيح"..
لا يوجد حوارٌ يجمعهم منذ فترةٍ، إلا تلك الخطب المتكررة عن السياسة وعدم إيجاد فرصةٍ للمستقبل، النَّقد المستمر، لعدم تحمُّل المسئولية.. ولن تنتهي كلماته عند تلك النقطة، بل سيبدأ في نقد ابنيهما.
دقائق ورسمت ابتسامةً حزينةً على ثغرها وهي تستمع إليه يوجِّه كلماته إلى يوسف قائلًا:
- إنت مقدر المسؤولية إللي وراك؟.. مشغل التليفون على شوية أغاني هبلة! طيب شغله على قناة الأخبار الإنجليزية، على الأقل تقوي اللغة وتفهم الدُّنيا ماشية إزاي.. لكن هقول إيه، إنتم عايشين بدون التزامات، مش عارفين غير هات وبس، لكن تذاكروا وتفوقوا لمستقبلكم أبدًا.. إنتم لو عايشين برة، كلها كام سنة وتسيب البيت وتنزل تشتغل وتصرف على نفسك، لكن إحنا هنا مدلعين عيالنا.
ثم ختمها بندائه على ياسين قائلًا:
- إوعى تفتكر إن الكلام ده مش ليك، إنت خلاص كبرت وبقى عندك عشر سنين، ولازم تفوق لمستقبلك، إذا أخوك مش مهتم، فكر في نفسك، وإلَّا قسمًا بالله لأخرجكم من التعليم وابقوا انزلوا بقى اشتغلوا في محل كاوتش ولا ورشة ميكانيكا، هو انا هفضل كده لغاية إمتى، أنا عايز أعيش، العمر بيجري وانتم مش مقدرين.
ابتسمت غنوة وأشارت برأسها قائلةً: "صح كلامك.. جميل..".
وتمتمت ساخرةً: "أجازة رائعة".
