ثمرةُ مانجو صَفراءُ
منزلان متجاوران بحدائق جميلةٍ مُرتبة، يفصل بينهما سورٌ أخضر قصير من الشَّجر المُهذب، لعائلتين مثاليتين متحابَّتين، عاشتا زمنًا متجاورتين.. لا يربطهما سوى الودِّ والحُب، كبر أبناؤهما معًا.. ذهبوا إلى المدرسة معًا، ولعبوا معًا في حديقتي منزليهما، واشتركوا في نفس النادي. أصبح جميعهم إخوةً ما عدا اثنين منهم تحوَّلا إلى حبيبين.. بنتٌ وولد نشآ معًا.. كبرا معًا، ونما حبُّهما بداخلهما. كان حُبًّا طاهرًا نقيًّا لازمهما دهرًا. كانا دائمًا ما يتحدَّثان عبر السور الأخضر القصير.. الفاصل الوحيد بينهما، والحاجز الماديِّ الوهميِّ الذي تواعدا على اختراقه يومًا ليُصبحا -بدلًا من منزلين- منزلًا واحدًا وعائلة واحدة كبيرة متحابًّة.
باركَ جميع أفراد العائلتين هذا الحُب، وحلَم الحبيبان بيوم الزَّواج الميمون.. حلَما بالفستان الأبيض والبدلة السوداء والفرح والموسيقى والرقص. كان الصغار منهما يحلُمون بالملابس التي سيَرتدُونها، والموسيقى التي سيرقصون عليها، وأصحابهم الذين سيَدْعونهم، وكان الكبار منهما يُرتبون أين سيُقام الحفل، ومَن سيدْعون وكم العدد، وشكل بوفيه الطعام. كان الجميع سعداء.. يحلُمون ويأملون، وكان الحلم قريبًا منهم، فها هما الابنان قد كبرا، وها هي الفرحة باتت على أبواب الأمل. كان كلُّ شيءٍ يسير كما هو مخططٌ له، والأيام تمرُّ بسلام، لا يعكِّر صفوها شيءٌ ولا أحد.
كانت العائلتان معروفتين في المنطقة كُلها بحُبهما لبعضهما وترابطهما الأخوي، وكانتا محلَّ إعجاب من البعض، ومحلَّ حسد من البعض الآخر؛ جيرانٌ مشاكسون لا يعرفون أبسط حقوق الجيرة.
كانتا عائلتين لا تربطهما أواصر قرابةٍ أو دمٍ، ولكنْ يربطهما ودٌّ وحُب وأخلاق حميدة، حتى جاء ذلك اليوم.. حينما وقف طفلٌ صغير يبلغ من العُمر تسع سنوات بجانب السور في منزله؛ ليقطِف ثمرة مانجو صفراء اللون من إحدى فروع شجرة المانجو الكائنة في حديقة الجيران، والتي تُطل ببعض فروعها في حديقتهم.. وبدأ في أَكْلها، حينها رأته ربَّة منزل الجيران من الشباك، فخرجت إلى الحديقة وتوجهت ناحيته وحدَّثته عبر السور الأخضر القصير وهي تقول له بهدوءٍ مُعاتبة: ألم يكن يجب عليك أن تستأذن قبل أن تقطِف تلك الثمرة وتأكلها؟!
فنظر إليها وقال وقد تلوَّث فمه بالمانجو:
- كانت ثمرةً مطلةً في حديقتنا.
- ولو.. كان ينبغي أن تستأذن منَّا، فهذا خطأٌ.. إنها تُعتبر سرقة.
فنظر إليها الطفل الصغير في صمتٍ والثمرةُ في يديه وهو لا يعرف بما يُجيبها.. حينها سمعتها والدتُه فتوجَّهت ناحيتهما وقالت غاضبةً مستنكرةً:
- ماذا؟! سرقة؟! هل تتَّهمين ابني بالسرقة؟! كيف لكِ أن تقولي على ابني إنه لصٌّ؟!
- أرجوكِ، فلتخفضي صوتكِ.
- لن أفعل.. قلتِ عن ابني إنه لصٌّ وتريدينني أن أخفض صوتي!
- لم أقل عنه لصٌّ.
- بل قلتِ، وقد سمعتكِ.
- كنتُ أنصحه لا أكثر؛ حتى لا يكرِّر فَعلته تلك مرةً أخرى.
- عن أي فَعلة تتحدَّثين؟ إنها مجرَّد ثمرة مانجو لا أكثر.
وهنا سَمِعهما زوجاهما وأبناؤهما داخل المنزلين؛ فخَرَجا ليستطلعا ما يحدث وهم يتساءلون، فنظرت أُم الطفل إلى زوجها وقالت له بغضبٍ واستنكار وبصوتٍ عالٍ: - لقد قالت على ابننا إنه لصٌّ.. هل تصدِّق هذا؟! ابننا لصٌّ!
فقال زوجها مستنكرًا وهو ينظر إلى الجارة وزوجها:
- ماذا؟!
فأجابته زوجتُه:
- نعم، كما أقول لكَ. لقد اتهمَتْه بسرقة ثمرة مانجو.
فنظر الزَّوج إلى جارته وسألها:
- هل هذا صحيحٌ؟ هل نعتِّ ابني باللصِّ؟ هل اتهمتِه بالسرقة؟!
فأجابت الجارة مرتبكةً وجميع العيون عليها:
- حسنًا.. كلا، أقصد.. ليس بالضَّبط هذا ما حدث.
فصرخت فيها الزَّوجة وقالت:
- ماذا؟! هل أنا أكذب؟! هل أنا كاذبةٌ؟!
ثم ضحكت في سخريةٍ وأكملت: ابني لصٌّ وأنا كاذبة. هذا ما كان ينقُصنا..
ثم وجَّهت الكلام إلى ابنها الذي كان لا يزال يمسك بثمرة المانجو وهي تقول: حسنًا، أنا كاذبةٌ، فلنسأل إذًا الطفل الصغير لنكتشف مَن منا الكاذبة، وتوجَّهت إلى ابنها الصغير وأمسكته من كتفيه وهي تسألُه:
- ألم تقل لكَ العمةُ إن أَخْذك لثمرة المانجو هو سرقة؟
فنظر الطفل الصغير إلى أُمه ثم إلى الجميع وهو خائفٌ قلِق، فحثَّه والده على الإجابة وهو يقول له مطمئنًا: قل ولا تخف. لن يفعل لكَ أحد شيئًا، أنا هنا بجانبكَ.
فقال الطفل الصغير بصوتٍ خائفٍ مُرتبك:
- نعم، قالت.
- أرأيتم جميعًا؟ هل ابني يكذب هو الآخَر؟ على آخِر الزمن.. نحن لصوصٌ.
فاغتاظ الأبُ وصرخ في الجارة وقال: كيف تجرؤين على قول ذلك؟!
فأوشكت الجارة على الإجابة، حينما قاطعها زوجها صارخًا فيه بغضبٍ: كيف تجرؤ على الصُّراخ في زوجتي؟!
فأجابه والد الطفل:
- لا تتهرَّب من الموضوع؛ فزوجتكَ نعتتنا باللصوص.
- أنا لا أتهرَّب من شيءٍ، ولكن لا ترفع صوتكَ على زوجتي، فمَن تكون لتفعل هذا؟! هل جُننتَ؟!
فتدخلت والدة الطفل قائلةً بصوتٍ مرتفع: في البداية لصوصٌ، ثم كاذبون، ثم مجانين.. وماذا بعد هذا أيُّها الناس الأكابر؟! أنا أندم على معرفتكم تلك، بل من الواضح أننا لم نكن نعرفكم جيدًا طوال هذه السنوات.
فأجابتها الجارة: بل نحن مَن لا يشرِّفنا أن نعرف أناسًا مثلكم.
فاغتاظت والدة الطفل وردَّت عليها قائلةً: مثلنا؟! ماذا تعنين بمثلنا أيَّتها الحمقاء؟!
فردَّ عليها زوج الجارة بغضبٍ وبنفس الصوتِ المُرتفع الذي كان السِّمة المميزة في الشِّجار بينهما: مَن الحمقاء أيَّتها الغبية؟! فَلْتحترمي نفسكِ، ولتلزمي حدَّكِ.
فغضب والد الطفل بشدةٍ وصرخ فيه قائلًا: أيُّها الحقير، كيف تنعتُ زوجتي بغير المحترمة؟! وأخذ ما تبقَّى من ثمرة المانجو من يد ابنه وقَذَفه بها وهو يقول: خُذ ثمرتكم الثمينة.
جاءت الثمرة في وجه الجار الذي صَرخ فيه بغضبٍ شديدٍ: ما هذا الذي فعلتَه؟! فلتخرج إليَّ في الشارع أيُّها الوقح..
فخرج الجميع إلى الشارع يتوعَّد بعضهم بعضًا، ليتحوَّل الشِّجار من التلاسُن إلى تلاحم اشترك فيه الجميع كبارًا وصغارًا.. وهم يُطلقون العنان لأيديهم وأرجلهم لتفعل ما تشاءُ وتصيب ما تشاءُ، وقد تجمَّع الجيران والمارَّة على إثر الصوت المرتفع والضرب المتبادل، وهمَّ الجميع بالاشتراك في فضِّ هذا الاشتباك الكبير بين عائلتين كان يُضرب بهما المثل في الجيرة التي ربطتهما بالحُب والودِّ والأخلاق الحسنة، والجميع يدعونهم إلى الهدوء وتحكيم العقل وطَرْد الشيطان الذي دخل بينهما ليريهما سوءاتهما، ولكن هَيْهات هَيْهات؛ فقد ضاع صوت العقل وتحكَّم الغضب.
تمَّ فضُّ الاشتباك بعد وقتٍ ليس بالقصير، وبعد تبادل الشتائم والتلاسن، وبعد العديد من الرَّكلات واللكمات التي تركت كدماتٍ زرقاء وحمراء على الوجوه والأذرع والأرجل، وأصبح ما حَدَث بين العائلتان مادةً لقاطني المنطقة كلها، يتسامرون بها لمدةٍ من الزمن وهم يتعجبون ممَّا حدث؛ فتارةً يتشفَّون ويشمتون بهما، وتارةً أخرى يستشفُّون الدروس المستفادة والعبر؛ بأنه لا أمان لأحدٍ في هذا الزمن المتقلِّب، وأنه مهما كانت درجة الحُب والودِّ.. ومهما بلغ كَرَم الأخلاق.. فإن لكلِّ فرد سوءاته ونكساته، وإنه لا توجد نفوسٌ صافية نقية هذه الأيام.. وتارةً يقولون إنها سحابة صيفٍ وسوف تمرُّ وترجع العائلتان أصدقاء متحابين مثلما كانتا دائمًا، فسوف تهدأ النفوس وتصفى، ويعرف كلٌّ منهما خطأه، فيُحكِّمان العقل ويُنحيان الغضب جانبًا؛ فلن يسمحا بصداقةِ سنين طويلةٍ أن تُضيعها ساعة شيطان قصيرة، لتبدِّل الحال وتغيره، وهما مَن كان يُضرب بهما المَثل في حُسن الجيرة والجوار.
ظلَّت القطيعة بين المنزلين لفترةٍ من الوقت، وقد توسَّط بعض الجيران والمعارف للصُّلح بينهما وهم يتساءلون عن سبب كل هذا الشِّجار وكيف بدأ، فكان هناك لغط كثيرٌ وأقاويل مختلفة، حيث كانت كلتا العائلتين تلقيان باللوم على الطَّرف الآخر، ولم يدرِ أحد أن البداية كانت من ثمرة مانجو صفراء صغيرة.. واختلف الناس كثيرًا عن سبب الشِّجار، فتارةً يقولون: "شقاوة أطفال"، وتارةً يقولون: "بل كيد نساء"، وتارةً يقولون: "بل اختلافٌ على أموال"، وتارةً يقولون: "بل حسد أصابهما"، وتارةً يقولون: "بل خطأ شباب".. وكلُّ فريق يُدلي بدلوه، ولم يصدِّق أحدٌ أنها ثمرة مانجو صفراء ساحرة، استطاعت بكلِّ حنكةٍ أن تقطع أواصر الودِّ وتهدم جسور المحبَّة بين الطرفين، لتحل مكانهما النِّزاع والخصام. فقد استطاعت ثمرة المانجو أن تفعل ما لم يستطع أحدٌ أبدًا فِعله أو توقُّعه يومًا ما، فكانت كالساحر الأخرس الشِّرير الذي ألقى بتعويذته على المنزلين؛ ليقلب الحال ويغيِّره.. ومع تداخُل أطراف كثيرة لحلِّ الشِّجار وفض الإشكال، زاد اللغط والكلام، فبدأ الشِّجار يزيد بدلًا من أن يهدأ؛ فأحيانًا كان يصل كلامٌ خاطئ إلى كليهما ليزيد من حدَّته، فيبدأ التلاسُن مرةً أخرى، وكانت كل عائلةٍ منهما تتفنَّن في الكيد للأخرى.. كل عائلةٍ تُخبر الآخرين كيف أنها احتملت سخافات الأخرى ودناءتها لأعوامٍ عديدة حتى فاض الكَيْل، ولم تعُد هناك قدرةٌ على الاحتمال أكثر.. بدأتا تسرُدان المواقف والحكايات التي حدثت بينهما، وكيف تغاضت كل منهما عن الأخرى؛ إعمالًا لمقولة: "إن النبيَّ أوصى على سابع جار"، ولكن من الآن، لا سابع ولا عاشر جار.. فما حَدَث كان يجب أن يحدث منذُ زمنٍ مضى.. وظلتا هكذا تتراشاقان الاتهامات والشتائم، حتى فوجئ الجميع يومًا ما بأن السور الأخضر القصير يُزال ليُبنى مكانه سورٌ آخر خرسانيٌّ -من طوبٍ وزلط وإسمنت- أطول منه وأسمَكُ منه ليكون الفاصلَ بينهما؛ فلا يرى بعضهم بعضًا، ولا يتحدثون مع بعضهم بعضًا. لم يكن مجرَّد سور ليحفظ الحدود ويحدد الأرض، وإنما كان سورًا ليحفظ الشِّجار ويؤجِّجه.. ليجعل النسيان صعبًا والصلح مستحيلًا. كان سورًا يحثُّ على القطيعة، ليفرِّق الأحبة ويكسر القلوب ويشتت الأمانى ويبعثر الأحلام وينهي جيرة استمرت لسنوات طويلة.
كان سورًا أصمَّ ولكنه يحمل الكثير من المعاني والرسائل التي كان عُنوانها: "دوامُ الحال من المُحال".
