كلُّ الطُّرقِ مفتوحةٌ


 


"كلُّ الطرُق مفتوحةٌ"..

ابتسمَتْ بسخريةٍ وهي تسمع هذه الجملة المُعتادة، والتي دأبت على سَماعها منذ بدأت تتردَّد على هذه السيدة وذاك المنزل، فقالت لها في حنقٍ: تقولين لي هذا الكلام منذ ثلاثة أشهر، وأنا لا أرى طرقًا مفتوحة، ولا أدرى أصلًا عن أي طُرق تتحدثين!

وفكَّرت في نفسها أن كل شيءٍ مُغلق أمامها ومعقَّد، حتى إنه زاد تعقيدًا بعد زياراتها المُتكررة لها، والتي كانت يومًا بعد يوم، وشعرت بالمرارة تسري بداخلها، وبغصَّة تقف في حلْقها وهي تقول لنفسها: حتى الطَّريق إلى المنزل بات شاقًّا ومُجهدًا بعد أن بدأت فيه أعمال الحفر لتركيب وتصليح الصَّرف الصحي.. فعن أي طُرق تتحدث، وأبسط الطرق وأيسرها بات شاقًّا؟! الطريق المعلوم بات صعبًا، فما بال الطرُق المجهولة؟!

تمَلْملتْ في جلستها قائلةً: أخبريني شيئًا آخر. فتشبَّثت السيدة بأطراف أصابعها جيدًا، وأمعنت النظر في كفِّها بدقةٍ وهي تقرِّبها إلى عينيها أكثر وتتفحصها وكأنها تتفحَّص ثمرة تين مشكوكًا في أمرها ما إذا كان قد غَزاها الدُّود فأفسدها أم ما زالت صالحةً للأكل، ثم قالت بكل ثقةٍ: هناك نصرة لكِ بعد نقطتين..

وهنا ابتسمت في فرحةٍ وهي تقول مؤكدةً على كلامها:

- حقًّا؟

- نعم.

- ولكنْ ما معنى نقطتين؟

- ربما يومان أو أسبوعان أو شهران أو سنتان.

فزمَّت شفتيها محبطةً وهي تقول متعجبةً: ماذا؟! سنتين! هل سأنتظر سنتين أخريين؟ لم أعُد أطيق صبرًا.

صمتَت السيدة ولم تقُل شيئًا، ثم استطردت الفتاة في حديثها قائلةً: حسنًا! ما باليد حيلة، فليكن إذًا ما هو مقدَّر، ولكن هل معنى هذا أنه سيعود؟

وهنا أخذتها الذِّكريات وحملتها إلى الخلف قبل خمسة أشهر، حينما كانت سعيدةً. كلُّ شيء بدأ حينها..

***

كانت فتاةً عادية تحيا حياة عادية، تتسابق فيها الأيام وتتلاحق كالمُعتاد، ولا شيءَ جديدًا بها، وكانت راضيةً غير ساخطةٍ، فما أجمل الأيام حينما تمرُّ دون أن تضر عن طريق أيِّ أحداث سيئة تُنغصها! إنها نعمة كبيرةٌ من الله تستحق الشكر؛ فغيرها تمرُّ أيامه ببطءٍ وقسوة، أما هي فأيامها كانت سريعةً مُنتظمة.

كانت تهبُ حياتها لعملها ودراستها.. هما الشيئان اللذان كانت تحبُّهما بشدةٍ، فطالما كانت دؤوبة في عملها، مجتهدةً في دراستها، وكانت قد قررت أن تستكمل دراساتها العُليا، فدائمًا ما كانت مُحبة للعِلم، آملةً أن تعطي له، وهي على ثقةٍ تامةٍ بأنه سيُعطيها أيضًا؛ "فالعِلم عندما تعطيه يعطيك".. كان هذا هو شعارها الذي تُردده أمام الكثيرين ممَّن يقولون لها: وآخرتها؟! إلى متى ستظلين تدرُسين؟! ستموتين وأنتِ ممسكةٌ بكتابك، وستُدفنين معه!

كانت تضحك على سُخريتهم وتجيب: لا أمانع إطلاقًا في هذا. سأكتب في وصيتي أن أُدفن مع كتبي التي أعشقها.

كانت الكتب هي عشقها ومتنفَّسها حين تضغط عليها الحياة حينًا. كانت مهربَها وملجأها حين كانت تسمع شِجارات والدها مع والدتها خلف الباب في حُجرتهما. لم يكن زواجًا سعيدًا بمعنى الكلمة، فكلٌّ منهما كانت له عقليته وتفكيره المختلف عن الآخر، ولكن -وحمدًا لله- لم يرفع والدها أبدًا يده على والدتها أو على أيِّ أحد من أخواتها. كان رجلًا محترمًا متعلمًا ذا خُلق، وكانت والدتها لا تقلُّ عنه أخلاقًا واحترامًا وعلمًا، كانا متكافئين في كل شيءٍ.. اجتماعيًّا وعلميًّا وسلوكيًّا، ولكنهما مختلفان في الطِّباع، كان والدها صبورًا ووالدتها متعجلة.. أرادت أن تُنجب أولادها جميعًا في أسرع وقتٍ، حتى إنها لم تأخذ فترة راحة بينهم، فكانت النتيجة هي مرض هَشاشة العِظام.. وأراد هو أن يكوِّن نفسه أولًا ليضمن لهم جميعًا حياةً كريمة. كانت متعجلة الثَّراء، فأجبرته أن يسافر للخارج ليجني المزيد من المال، أمَّا هو فكان يرى أن أموال الدنيا كلها لا تساوي لحظة يكون فيها بعيدًا عن عائلته. كانت تحبُّ الخروج كثيرًا، وكان يُحب المكوث بالمنزل. كانت تحبُّ الشتاء، وكان يُحب الصيف. ومع ذلك، فقد ربَّوها هي وأخواتها الثلاث تربيةً سوية؛ فقد حرص والداها على أن يبعدوهنَّ تمامًا عن أيِّ خلاف يدور بينهما.

كانوا أحيانًا يسخرون منها ويقولون: اتركي الدراسة.. متى ستتزوجين؟! قطار الزواج سيتخطاكِ.

كانت تضحك كعادتها دائمًا وتجيب: سألحق به في المحطة التالية.

لم يكن يشغلها أمر الزواج؛ فهي مؤمنةٌ أنه رزق له وقته المحدَّد، ولن يأخذ رزقها غيرُها، كما أنها رأت كيف كان زواج والديها..

حتى جاء ذلك اليوم وطَرق بابها خاطب، كان قد رآها في عملها عدةَ مرات، ذلك العمل الذي كان يمثِّل كِيانها وحُريتها واستقلالها وذاتها، فسأل عنها وتقدَّم لطلب يدها.

في بداية الأمر كان هذا شيئًا مُعتادًا في حياتها، فهي تتعامل مع الجمهور في عملها، ولطالما تقدَّم لها خُطَّاب ممَّن يرونها هناك، فكانوا أحيانًا يتحدثون معها مباشرةً، أو يتحدثون إلى أحد زملائها، أو يذهبون للحديث مع والدها، وكانت تفضِّل الخيار الثالث.. إذ كان يعطيها الثقة والأمان أكثر، ويُعفيها من الحَرج عند الرَّفض؛ فوالدها كان هو المسؤول.

تتذكَّر يومها وهي تجلس معه في حُجرة الجلوس وهما يتبادلان أطراف الحديث، في مُحاولة للتعرُّف على بعضهما. جذبها منذ الوهلة الأولى ذوقه ودَماثة أخلاقه، وبعد ذلك انبهرت بثقافته التي تيقَّنت منها بعد ثلاث مراتٍ متكررة من المُقابلات في منزلها، لتجد نفسها تقول: "نعم".

تمَّت الخطبة سريعًا، وكانت سعيدةً باختيارها كما كان هو أيضًا كذلك، و"لكن" -وكم تكره هذه الكلمة المُقتضبة التي لا تأتي إلا بما هو سيئ.. لتُبعثر أحلامًا وتهدم آمالًا وتنثر فوضى- ودون أيِّ سابق مُبررات وجدته يفسخ الخطبة دون أسبابٍ وجيهة، غير أنه يتمنَّى لها السعادة مع غيره؛ فهي تستحقها حتمًا، وهو الخاسر حتمًا.

هالها ما حدث. لم تكن أبدًا فتاةً متسرعة أو ضعيفةً أو تنساق وراء قَلبها، أو هكذا كان يُهيأ لها، فهي لم تمرَّ باختبارات القلب من قبل.. كان هذا أول اختباراتها، وممَّا آلت إليه الأمور فإنها رسبت وبكلِّ جَدارة.

كانت تشعر بالتِّيه بعد أن اخترقت سِهام الحُب قلبها، ثم تركتها بقلبٍ نازف وعقل مشتَّت. كانت تُخبر نفسها أحيانًا بأن ما حدث هو الخير، فهذا أفضل من أن يحدث بعد الزَّواج، وهي التي لا تريد زواجًا تعيسًا مجهدًا للأعصاب، تشقى فيه باقي عُمرها، وأن هذه هي إرادة الربِّ التي فيها الخير دائمًا. كانت تشعر حينها بأنها بخير، وأنها راضية، ولكن كان هذا الشعور مؤقتًا مثل مُسكِّن الألم، فعند انتهاء وقته يفترسها الألم مرةً أخرى ليجعلَها بلا حولٍ ولا قوة، وأحيانًا أخرى كان عقلها ينفجر إلى أشلاء مُتناثرة وهو يتساءل: ما الذي حدث؟! لماذا حدث هذا؟! بالتأكيد أنها أخطأت في شيءٍ ما، وإلَّا فلماذا تركها فجأةً وهما اللذان كانا يُخطِّطان لمستقبلهما معًا، ويبنيان عُش أحلامهما. "بالتأكيد أنا المُخطئة".. كانت هي الجملة التي تتردَّد في تفكيرها دائمًا. كانت تشعر بالذنب من لا شيءَ ومن كلِّ شيءٍ تجاه نفسها وتجاه عائلتها التي فرحَتْ بخطبتها، وكانت هي أول فرحتهم، وخصوصًا والدتها المتعجِّلة التي لطالما انتظرت هذا اليوم؛ لتتخلص من هَمِّ واحدةٍ من بناتها وتفرح بها.

***

- لا أعلم.

كانت هذه هي الكلمة التي أرجعَتْها إلى أرض الواقع، فنظرت إلى السيدة وسألتها: ألا يظهر شيءٌ من كفِّ يدي؟!

فهزت السيدة رأسها بالنفي.

- فَلْنجرب الزيت، فربَّما يظهر شيءٌ، هذا ما آتي من أجله لمدة ثلاثة شهورٍ.

- كما تريدين. سأُحضر طبق الزيت.

راقبتها وهي تنهض ذاهبةً في طريقها لتُحضر الزيت، فربَّما تتضح الرؤية أكثر ويتجسَّد على سطحه الغيب فيهدأ بالها.

تذكرت أوَّل مرةٍ دخلت فيها ذلك المنزل، كانت غير مقتنعةٍ بفكرة قراءة الكفِّ، فأي كفٍّ هذا الذي سيعلم الغيب؟ ولكنها أُقنعت بأن مرةً واحدة لا ضير منها، ثم أقنعت نفسها بأنها سوف تستغفر الله على فَعلتها، وربما تُخرج صدقةً وتصلي صلاة توبةٍ تكفيرًا عن ذنبها، راجيةً رحمة ربها الغفور الرحيم.

حينما اقتربت من المنزل أول مرةٍ كانت متردِّدة.. تُقدم رِجلًا وتؤخِّر الأخرى.. متوجسةً خائفةً من غضب الله. كان منزلًا صغيرًا وسط منازل أخرى تُماثله في الحجم في منطقةٍ شعبية مُكتظَّة، على عكس منطقتها الرَّاقية الهادئة التي تعيش بها، كان لونُه من الخارج أصفر قابضًا للنفس جارحًا للرُّوح منفرًّا للعين، أشعرَها بالإعياء من أول نظرةٍ. كان منخفضًا عن الأرض.. يجب أن تنزل درجتين لتصلَ إلى بابه الصغير.. أشعرَها وكأنها تهبط إلى قبر. وقفت أمامه وقد رفعت كفَّ يدها مضمومةً وهي متردِّدة ما بين أن تطرُق الباب أو أن تعود أدراجها، وأخذت تنظر حولها لتتأكد من أن أحدًا لا يراها. كانت تشعر وكأنها ترتكب فِعلًا مشينًا يجب أن تختبئ لفِعله خشيةَ، كلام الناس الذين لا يعرفونها بتلك المنطقة الشعبية المكتظَّة. تملَّكها شعور بأنها مجرمة على وشك ارتكاب جُرمها.. وفجاةً فُتح الباب من الداخل ليطلَّ منه طفلٌ صغير، ما إن رآهما حتى دعاهما للدخول وقادهما إلى غرفةٍ صغيرة ذات أثاثٍ بسيط متواضع مكوَّن من كنبتين وكرسيٍّ يكسوها قماش رخيص، وتستقرُّ في المنتصف منضدةٌ خشبية صغيرة لا غِطاء عليها، ثم تركهما وذهب في طريقه مرةً أخرى.

كانت رائحة المنزل كريهةً، والغرفة خانقةً، لا نافذة فيها، ذات ضوءٍ أصفر كئيب. كانتا تسمعان صوت الفراخ والحمام والبطِّ، ومن هنا عرفتا مصدر تلك الرائحة الكريهة التي كانت تملأ الأرجاء، فالواضح أن هذا المنزل الصغير به عُش صغير لتربية الطيور المنزلية، لتشارك أصحاب المنزل معيشتهم، على أن يدفعوا ثَمن الإقامة من لحمها وبيضها، وياله من ثمنٍ كبير لإقامة بخسة!

وفجاةً دخلت عليهما سيدةٌ ضئيلة نحيفة الوجه قصيرة القامة، ترتدى جلبابًا أخضر فاتحًا نظيفًا، وتغطي رأسها بوشاحٍ صغير منقوش. كانت قوة جَسدها -على نَحالته- وخُطواتها الثابتة وقامتها المفرودة توحي بأنها في الأربعينيات من عُمرها، ولكن تلك الأخاديد التي حُفرت في وجهها توحي بأنها في أواخر الستينيات من عُمرها، أمَّا عن صوتها الرفيع الهادئ فيوحي بأنها في الثلاثين من عُمرها. كانت سيدة يصعُب تحديد عُمرها.. فهي سيدة بعُمر مختلط! رحَّبت بهما ما إن رأتهما، وبالأخصِّ بصديقتها، وهي تسألها عن أحوالها وأحوال والدتها. كان واضحًا سابق المعرفة بينهما.

وكانت في كل مرةٍ يذهبان إليها تخيِّرهما ما بين طُرق رؤية الغيب؛ فهناك الكفُّ بخمسة جنيهات، وهناك الماءُ بعشرة جنيهات، وهناك الزيت بخمسة عشر جنيهًا. يا للمهزلة! فلمعرفة الغيب طرقٌ وأدوات وتسعيرة، ويا لها من أسعار رخيصةٍ لفتح مستقبلٍ والتنبُّؤ به! ويا له من مستقبلٍ رخيصٍ بَخس! ذلك المستقبل الذي يؤرِّق الجميع ويُقلق مضاجعهم.. ذلك المستقبل الغامض المُبهم الذي يخافه الجميع ولا يستطيعون أن يأمنوا غَدره، ولا يستطيعون التوقُّف عن الحُلم به والعمل له.. ذلك المستقبل المُبهم الذي يضيع سعادة اليوم ويُفسده. غريب أمر ابن آدم؛ يخاف ويقلق حِيال شيءٍ لا وجود له، وينسى ويتجاهل الموجود!

في بداية الأمر اختارت الكفَّ، لا لرخص ثَمنه ولكنْ لقناعتها بأن خُطوط يدها لن تكذب ولن تخون، وستبوح لها بالمستور و"المستخبي" بكلِّ تفاصيله، على عكس الماء والزيت اللذين ربَّما يُخطئان، فكيف ليدها أن تخونها؟! ومع ذلك وفي بادئ الأمر لم يستطع عقلُها أن يصدق أو يقتنع بأن هناك مَن يُمكنه معرفة الغيب، حتى مع محاولات صديقتها الناجحة في إقناعها بذلك، تلك الصديقة المقرَّبة جدًّا لها، والتي استغلَّت حالتها تلك لتُقنعها بالذَّهاب معها إلى قارئة كفٍّ لتُخبرها بما سيحدث في مستقبلها، لعلها يرتاح قلبُها ويهدأ عقلُها، حتى بعد أن أخبرتها تلك السيدة بما سيحدث في مُستقبلها القريب، خرجت من منزلها وهي تسخر ممَّا قالت وسمعت، حتى حدثت المُفاجأة؛ فقد تحقَّق بعض ممَّا قالته، فتوفيت إحدى صديقاتها، ومَرِض والدها، وأصبح زائرًا لعيادات الأطباء، ورسب شقيقها في كُليته، فكان الحُزن رفيقها كما أخبرَتْها أول مرةٍ، ولكن لم يعُد خطيبها الراحل، ولم تعرف حتى الآن السبب في رحيله، فيا للسخرية! كان كلُّ ما تحقَّق هي الكوارث والمصائب التي لا تريد أن تعرف عنها شيئًا، ومع ذلك وجدت نفسها تعود إليها مرةً أخرى وأخرى وأخرى لمُدة ثلاثة شهور، على أمل أن تُخبرها بشيءٍ سعيدٍ أو مُفرح يريح بالها، ويبثُّ فيها الشعور بالرضا الذي ضاع منها. وفي كل مرةٍ كانت تُخبرها دائمًا في أول كلِّ جلسة بأن جميع الطُّرق مفتوحة، وأن الحال سيتبدَّل ويتغير للأفضل، وأن الحياة ستحنو عليها وستُرضيها، ثم تخبرها بالكوارث التي ربَّما ستحدث لها، كفَقد عزيز وحُزنها عليه، أو مرض غالٍ، أو شِجار سينشأ بينها وبين أحدهم ليس من دَمها.. كانت أمورًا مبهمة غير واضحةٍ تجعل عَقلها يدور كعقارب الساعة على مَدار اليوم.

في بادئ الأمر كانت رافضةً ثم متردِّدة فآلفة ثم مُعتادة فمُدمنة. كانت تلك هي مراحل الإدمان التي مرَّت بها أثناء زياراتها المتكررة وجلساتها التي لم تكن تتعدَّى رُبع الساعة، والتي كانت أحيانًا تستعين فيها بكل الطُّرق لتحصل على تفاصيل أكثر، فتحوَّلت تلك الزيارات إلى إدمان كإدمان الموادِّ المُخدرة والمواقع الإلكترونية السيئة وإدمان الطعام، ولكن هذا إدمان من نوع خاصٍّ؛ فهو لا يؤذي الجسد، ولكنه يُهلك الروح ويُتعب العقل من فَرط التفكير وانتظار المجهول المعلوم. كان إدمانًا مثل غيره يحتاج إلى قوة إرادةٍ وعزيمة للعلاج منه، ولم تكن تمتلك تلك القُوة أو لديها تلك العزيمة.

***

عادت مرةً أخرى من رحلة ذِكرياتها على صوت السيدة الرفيع تقول لها من جديدٍ وهي تنظر في طبق الزَّيت: كلُّ الطرق مفتوحة و..

وهنا قاطعَتْها وهي تقول لها في نفاد صبرٍ: دعينا من تلك المُقدمة المعتادة، أنا أريد جوابًا لسُؤالي: هل سيعود؟ هل تلك النصرة مُتعلقة به؟

فأمعنت السيدة النَّظر في الطبق ثم قالت بعد لحظاتٍ قليلة هي كلُّ ما تستغرقه في كشف غيبِ مستقبلٍ ممتدٍّ إلى ما لا يعلمه إلا االله: لا أعرف. فتنهَّدت بعمقٍ واستسلمت لغَيبها الذي يرفض أن ينكشف، وأمسكت حقيبتها ووقفت وهمَّت بالانصراف وهي تجرُّ أذيال الخيبة، حينها أمسكتها صديقتُها من ذِراعها وهي تحثُّها قائلة: انتظري قليلًا.. فَلْنر بالماء، ربَّما يظهر شيءٌ ما.

نظرَتْ إلى صديقتها ثم إلى يدها المُمسكة بذراعها وأبعدتها في رفقٍ وهي تقول في ضيق: لقد سئمتُ. لا فائدةَ من كلِّ هذا العبث.. لا فائدة.

- انتظري.. انتظري قليلًا. ألا تثقين بي؟! أنا صديقتكِ!

وهنا نظرَتْ إلى عينيها وتذكَّرت تلك الجملة التي استطاعت بها أن تُقنعها بمجيئها إلى ذلك المنزل، وتجربتها لذلك العَبث، وتذكَّرت تحذيرات والديها اللذين اتَّفقا لأول مرةٍ على شيءٍ، وهو ألَّا تنساق دائمًا وراء صديقاتها، وأن تُعمل عقلها؛ فلا تثق بأحدٍ ثقةً عمياء؛ فلا علم لأحد بما تخفي النفوس وتحمل.. وهنا قالت لها بشكلٍ قاطع وحادٍّ: سأذهب ولن أعود مرةً أخرى.

أمسكَتْ حقيبتها وخرجَتْ من المنزل، بعد أن دفعت ثَمن الجلسة، آملةً بأن تَصدُق مع نفسها فلا تعود إليه مرةً أخرى؛ فشعرت بأشعة الشمس تلفحُ وجهها، فارتدَتْ نظارتها الشمسية السوداء ونظرت إليها ثم إلى الطُّرق المزدحمة وهي تهمس إلى نفسها في سخريةٍ: ها نحن نبدأ بالطُّرق المفتوحة.

تعليقات