سوبر بابا


 

وعد غريبة

إِهداءٌ

إلى طَيبة القلب، حُلوة المَعشر، رقيقة المشاعر.. 

إلى الأجمل.. أُمي.. 

لن أنساكِ أبدًا.

إلى سَندي وأماني بعد ربِّي.. 

إلى عائلتي (أبي، أخى، أختيَّ، أولادهما، حسن)

دُمتم نعمةً في حياتي.

إلى خُلاصة أصدقائي ورفقاء دَربي في الحياة: زهرة، رانيا.. 

دُمنا معًا.. 

أحبُّكم جميعًا.

بقلم / صفاء متولي


















سوبر بابا







أخذ يشهق ويرتعش بشدةٍ وهو يجلس على كرسيٍّ خشبيٍّ في الهواء الطَّلق، ويأخذ قضماتٍ متباعدةً من ذلك الساندويتش الصغير المحشو بفول بالزيت الحارِّ مُر الطَّعم، جرَّاء وفرة الليمون به. كان الساندويتش مُر كمرارة حياته، ولم يشعر به، فلم تقف عليه. كانت الدُّموع تفيض من عينيه ملتهبةً حارةً كذلك الساندويتش الصَّغير الحجم، الكثيف الحَشو، وكان أنفُه يسيل أيضًا، ليتقابل كلٌّ من الدموع والمُخاط في نقطةٍ مُحددةٍ مركزها الفم؛ فيختلطان مع تلك القضماتِ الصغيرة المُتباعدة تحت طاحونة الأسنان والضُّروس، فلا يشعر بأيِّ طَعم منها، كانت قِطع الطعام المُفتتة داخل فمه تقع منه على ملابسه وهو غير آبهٍ بها، وقد أحكم الحُزن والبُكاء قيودهما عليه؛ ليعتصرا قلبه الدامي المُفتت كتلك القَضمات الصغيرة في فمه. 

كان حزينًا على وضعه، يبكي نفسه وضَعفه وذُله وقِلة حيلته وهَوانه على الحياة، تلك الحياة القاسية التي بخلَتْ عليه بأن تتمَّ فرحته، وأبت إلَّا أنْ تقصم ظَهره، فجعلته يتنازل مُجبرًا عن إنسانيته ليتحوَّل إلى آلةٍ لجلب المال، ذلك المال الذي كان مُشكلة حياته منذ أن وعى على هذه الحياة القاسية، التي لم يكفِها قسوتُها عليه، بل امتدَّت إلى مَن يحبُّ، وهو العاجز الخائر القُوى الضعيف البُنيان الفاقد للحَنان. 

كانت الحياة قد سَلبت الكثير والكثير من طاقتِه وكذا بُنيانه، فبات هزيلًا متعبًا طوال الوقت، كانت قد قرَّرت أن تَتداعى عليه منذ نعومة أظافره كما تَتداعى الأكَلةُ على قَصعتِها، فلم تمنحه طفولةً سعيدةً ولا شبابًا هادئًا. 

كانت كلُّ حروبه مع الحياة.. تلك الحروب التي كان من الصَّعب الانتصار فيها، وإن حدث أحيانًا فإنها تُباغته لتُثبت له أنها المتحكِّم الأول والأخير، صاحبة اليد العُليا. 

كان ما زال طفلًا في العَقد الأول من عُمره حينما أصيب والده بمرضٍ عُضال أقعده الفراش لمدةٍ طويلةٍ، ممَّا اضطر والدته لتخرج إلى سوق العمل القاسي؛ فلم يكن معاش والده يكفيهم، تاركةً إياه -وهو أكبر أشقائه ذو التسعة أعوام- ليَرعى والده المريض وأشقاءه الصِّغار، وهو الذي كان يحتاج إلى الرِّعاية والحنان. ظلَّ الحال هكذا حتى وفاة والده وهو على مشارف المرحلة الثانوية.. الأم تعمل، والابن يرعى، والأيام تسرق وتجري.. سرقَتْ طفولته، وسرقَتْ والده، وسرقَتْ حنان والدته، والأهم من هذا أنها سرقَتْ منه الأمان، فأحالته إلى شخصٍ ناضجٍ قبل أوانه، وها هي الآن عادت لتسرق مرةً أخرى، كأنْ لم يكفِها السَّرقات السابقة التي جعلته يُدرك مبكرًا مدى قسوة الحياة، فلم يأمن لها أبدًا، بل إنه ظلَّ طوال الوقت متوجسًا خائفًا مترقبًا، لا يعرف من أين ستأتيه الضربة القادمة، ولا كيف ولا متى، وقد أتت لتعصف بتلك السنوات الستِّ الجميلة التي قَضاها بعد عَناءِ واحدٍ وثلاثين عامًا عجافًا مرهقة. وكأنَّ الحياة أبت إلَّا أنْ تعطيه وقتًا مستقطعًا لتُباغته بالضربة القاصمة التي كان لا يعرف إذا ما كان سيتخطَّاها أَمْ سيظلُّ حبيسها لآخر العُمر؛ لتكتب له النهاية.. نهاية البؤس والمُعاناة والقسوة.

وضع الساندويتش جانبًا على ورقةٍ، وطفق يمسح دموعه بكُم جلبابه الأبيض المصفَّر المتهالك.. أخذ يمسحها، وأخذت تتساقط دون توقفٍ ودون إرادةٍ منه. كان يشعر بالوَحدة الشديدة وبالبؤس القاتل، كان فاقدًا للأمل وهو في تلك البلدة الغريبة.. لا أهل ولا أصدقاء.. كان يُعاني مَرارة الغُربة عن وطنه الذي ترعرع فيه، يعاني مَرارة الفراق والحنين والشوق لعائلته، تلك العائلة التي بدأ في تأسيسها وهو في السابعة والعشرين من عُمره، حينما رشَّحت له والدته فتاةً طيبةً ذاتَ أخلاقٍ حميدة وعائلة مُتواضعة ليتزوَّجها. كان يعتبر زوجته مُكافأته بعد سنين التعب والجُهد، التي بدأت منذ نُعومة أظافره برعايته لوالده المريض وإخوته الصِّغار، واستكمالها بعَمله وهو في المرحلة الثانوية، بجانب تعليمه الذي انتهى منه بتخرُّجه مدرسًا للأطفال الصغار. تزوَّج تلك الفتاة وسعِد معها. كانت طيبةً هادئةً خلوقةً حسنة المَعشر، هنِئَ معها أول عامٍ، وبعد ذلك بدأ القلق يدبُّ بداخلهما حينما لم يحدث حَمل، أرادا بشدةٍ طفلًا يؤنسهما ويضيف البهجة لحياتهما، ولكن لم يحدث؛ فاضطرا إلى طَرق أبواب الأطباء؛ ليضعا أيديهم على السبب. كانوا يخبرونهما أنه لا سبب مُعينًا، ولكنه القَدَر، ذلك القَدَر الذي أتعبه وأنهكه كثيرًا، والذي قنع أن السبيل الوحيد لمواجهته هو الاستسلام له، فمَن ذا الذي تمرَّد على قَدَره وانتصر عليه؟!

وبعد زياراتٍ كثيرةٍ للأطباء والكثير من الأدوية والتحاليل، قرَّرا أن يستسلما لقَدَرهما.. سينتظران ويَصبران.. علَّ الريح تأتي يومًا بما تشتهي السفن؛ فتُنهي انتظارًا، وتجمل صبرًا، وتجبر خاطرًا، وتمني نفسًا وتشبع توقًا.

وبعد ثلاث سنواتٍ من المُحاولات والصبر والشوق، جاء الحَدثُ السعيد على هيئة كائنٍ صغير الوجه، أصلع الرأس، بريء المَلامح، ضئيل الجسد، أبيض البَشرة، خفيف الوزن، ذي أنفٍ شامخٍ؛ فأسماه عليًّا.. فَرِحا به وفَرِحا معه. راقباه وهو يكبر يومًا بعد يوم.. وهو يحبو، وهو يخطو أولى خُطواته، وهو ينطق أولى كلماتِه بابا.. ماما، وهو يرتدي مريوله الصغير الأزرق ليذهب أوَّل يوم إلى الروضة، حينها ذهبَا معه يوصلانه وثلاثتُهم في غاية السعادة. كانت سَعادة الأرض كلها لا تكفيهما بسببه. كان قد أضاءَ حياتهما وحوَّلها إلى جنةٍ على الأرض.. ولكنْ يا للأسف! فلا توجد جنةٌ على الأرض! 

كان كلُّ شيء يسير على ما يُرام. كان الأب يعمل ليكفي بيته، والأم تُدير شؤون المنزل، وعليٌّ يلعب ويكبر. كانت حياةً مثاليةً كما تمنَّاها دائمًا، حتى جاء ذلك اليوم الكئيب الحزين الذي غيَّر حياتهم جميعًا وقَلَبها رأسًا على عقب، حينما سقطَ عليٌّ مغشيًّا عليه وهو ينزف من أنفه.. حينها بدأت الحياة تُعيد نفسها مرةً أخرى معه، ومعه هو بالذات.. فقد أخذ يتردَّد على عيادات الأطباء مع صغيره الوحيد، ويُجري له الكثير من الأشعة والتحاليل، وهو يدعو الله في سرِّه وعلانيته ألَّا يكون هناك شيءٌ خطير يستدعي القلق والخوف، ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ؛ فقد أتت الريح هذه المرة بما لا تشتهيه السفن، وعَرَفا أن صغيرهما مصابٌ بمرض عُضال في دمه، سيحتاج لوقتٍ طويلٍ لعلاجه، والكثير الكثير من المال، وهو ما لا يملكه وما لم يملكه أبدًا، ولكن هذه المرة تبدَّلت الأدوار؛ فهو مَن يعمل بجدٍّ حتى تحوَّل إلى آلة لجلب المال، والأم جلست في المنزل تعتني بالصغير وترعاه، والطفل المريض تارةً طريح الفِراش، وتارةً يلعب في المنزل أثناء تناوله العلاج غير آبهٍ بشيءٍ، وهو يظنُّ أنه مريضٌ مثل كل المرات السابقة وسيُشفى قريبًا، كما أنَّ وجود أبيه وأمه بجانبه وحوله يرعيانه، يمدُّه ويُشعِره بالأمان.

***

نظر حولَه وهو جالسٌ على المقعد، فوجد مدرسةً قريبةً يخرج منها الأطفال الصغار، وآباؤهم ينتظرونهم أمامها. أخذ يراقبهم بحسرةٍ وألمٍ وهو يتذكَّر حينما كان يذهب إلى مدرسة ابنه الصغير لأخذه وهو سعيدٌ.. وصغيره يخرج منها وهو يجري فرِحًا ناحية والده ليحتضنه بشدةٍ ويقبِّله، ويحمله وهو يسأله عن يومِه، ليُجيبه بكل براءةٍ وطفوليةٍ عن كل ما حدث في يومه القصير، والأب يُنصت بكل انتباهٍ لابنه الصغير وهو يمازحه، وصغيرُه يضحك بكل عَفويةٍ.. ليظلَّا هكذا حتى يصلا إلى المنزل. كانت أجمل اللحظات تلك التي كان يرى فيها ابنه وهو يخرج من مَدرسته جريًا عليه ليحتضنه ويقبِّله.. كانت بالنسبة له لحظة لا تُقدَّر بثمن.. لحظة يتوقف عندها الزَّمن.. لحظة تُخبره فيها الحياة أن بها الكثير من الأشياء الجميلة، وأجملها على الإطلاق هي صغيره الوحيد.. حتى جاء ذلك اليوم، يوم الفصل، الذي قرَّر فيه ماذا سيفعل بعد أن أضناه التفكير وأتعبه التردُّد، ففيه اتَّخذ قراره بالسفر خارجًا. اختار الغُربة في بلادٍ بعيدة عن زوجته وابنه وهما في أشدِّ الحاجة إليه، وهو في أشدِّ الحاجة إليهما. كان ثلاثتهم يشدُّون من أزر بعضهم في تلك المِحنة الشديدة وتلك الأيام العصيبة.. كان ثلاثتهم يحتاجون إلى بعضهم؛ فكانوا يقوُّون بعضهم لمواجهة تلك الحرب المحسوسة، الصامتة، غير المرئية.. 

في ذلك اليوم خرج عليٌّ الصغير من المدرسة وهو يمشي حزينًا منكسرًا، فرآه والده وقبَّله كعادته وحمله وهو يسأله راسمًا ضحكةً صافية على وجهه: ما بال صغيري حزينًا؟

فأمسك عليٌّ بأذنه الصغيرة ويده الأخرى تلتفُّ حول عُنق والده، وأجاب وهو ينظر إلى الأرض: صديقي في الفصل أخبرني اليوم أنني سوف أموت، فسألتُه ما معنى أني سأموت؟! فقال لي إني سوف أغمض عينيَّ وأنام، وسوف تضعونني تحت التراب في الظلام وحدي، وسوف تتركونني! قال لي: سوف تختفي لأنكَ مريض، ولكني أخبرتُه أن هذا لن يحدث، وأنه يكذب، وسوف يُعاقب على كَذبه، وأن بابا لن يتركني أموت؛ فهو سيعالجني.. ونظر إلى والده وهو يسألُه: أليس كذلك يا بابا؟ ألم تُخبرني أني سوف أُشفى مثلما يحدث كلَّ مرة؟! بابا، هل كلام صديقي صحيح؟ هل سأموت وسوف تضعونني تحت التراب وحيدًا؟

نظر له والده وقد تجمَّعت الدموع في مُقلتيه، وأنصت إليه بعنايةٍ كعادته وهو يجيبه: نعم حبيبي، سوف تُشفى، وستصبح مثلَ بقية أصدقائك، وسوف تكبر معنا أنا وأمك، وربما تصبح طبيبًا لتعالجنا حينما نمرض.

- حقًّا بابا؟!

- نعم حبيبي، ألستُ أنا سوبر بابا.. مَن يفعل أي شيءٍ لمساعدة الناس، ويفعل كل شيءٍ لك؟!

فضحك عليٌّ وهو يجيب: نعم، أنت سوبر بابا، ولن تدعني أموت. أنت سوف تُنقذني مثلما أنقذتَ قطَّتنا الصغيرة عندما دهستها السيارة؛ فذهبتَ بها إلى الطبيب، واعتنيتَ بها حتى أصبحت بخيرٍ. 

- نعم، مثلما حدث مع القطَّة الصغيرة.

- أنا أحبُّك بابا كثيرًا. أنتَ سوبر بابا.

ضمَّه والده بشدةٍ، والصغير يلفُّ ذراعيه حول رقبته، ويضع رأسه على كتفه سعيدًا، وهو يقول له وقد سالت الدُّموع على خديه: وأنا أيضًا أحبكَ كثيرًا كثيرًا. 

حدَّث نفسه في أثناء طريقهما إلى المنزل بأنه سوبر بابا. نعم، هو مَن يجب عليه إنقاذه مهما كلَّفه الأمر. كان وقتها يعمل ليلَ نهارَ لتوفير مصاريف العلاج الكثيرة التي فوق طاقته.. نهارًا في مدرسته، وليلًا في وظائف أخرى متواضعة؛ فتارةً جرسون في مطعم، وتارةً أخرى عامل في محطة وقود، ولكن حتى العمل ليلًا نهارًا لم يعُد كافيًا للوفاء بالتزامات المنزل وعلاج الصغير؛ فقرَّر حينها -وبما أنه سوبر بابا الذي يفعل المستحيل- أن يسافر للعمل خارجًا لتوفير المال لعلاج صغيره، وها هو الآن تجتمع عليه عدَّة آلام: ألم مرض ابنه الصغير، وألم الغُربة واشتياقه لعائلته ووطنه، وألم الضعف والهوان.

كان في نَظر ابنه الوحيد سوبر بابا، ذلك اللقبُ الذي أطلقه عليه ذاتَ يوم، عندما أحضر له لُعبة "سوبرمان"، فسأله صغيره مستفسرًا وهو يمسكه في يده: من هذا بابا؟ فوضعه على رِجليه وهو يُجيبه: إنه سوبرمان.

- مَن سوبرمان؟

- إنه بطلٌ خارق. 

- ما معنى بطل خارق؟

ضحك الأب لأسئلة صغيره الكثيرة وأجاب: إنه شخصٌ يفعل أيَّ شيء لمُساعدة الآخرين.

نظر له عليٌّ الصغير وقال بكل براءةٍ: أها.. مثلكَ أنت بابا؛ فأنتَ تساعد جارتنا العجوز في شراء وتركيب أنبوبة البوتاجاز، وتُساعد ماما في تصليح ما يخرب في المنزل، وتساعد أبناء الجيران في مُذاكرة دروسهم.. أنتَ مثله بطلٌ خارقٌ بابا. أنتَ سوبر بابا.

ضحك الأب بشدةٍ، وحضن ابنه بقوةٍ وهو يقول: نعم، أنا سوبر بابا.

والآن، جاء الدور لمساعدة ابنه.. لإنقاذه، لن يتركه يرحل. 

سافر خارجًا تاركًا صغيره يعاني آلام المرض وفراق الوالد. كان الصغير يبكي بشدةٍ مُمسكًا بوالده، راجيًا منه ألَّا يتركه، فقطع له وعدًا بأنه سوف يعود سريعًا، وترك زوجته لتتحمَّل رعاية صغيرهما وحدَها. 

في بداية سفره عمل كمدرسٍ خاصٍّ لطفل مُقعد، وظلَّ هكذا لمدة ثلاثة شهورٍ، ولكن لسوء الحظِّ، كان والد الطفل يُعاني من ضائقةٍ ماليةٍ؛ فكان يؤجِّل إعطاءه المال شهرًا بعد الآخر، ممَّا دفعه إلى تركه والبحث عن عمل آخر يدرُّ عليه المال الذي يحتاجه بشدةٍ.. وها هو ذا يجلس مكتوف اليدين، وحيدًا غريبًا شريدًا.. لا وطنَ ولا عائلة.. يبكي حظَّه العاثر، وقسوة الحياة عليه، حتى إنه اشترى بآخر نقودٍ معه ساندويتشًا يسدُّ به جوعه. كان بكاؤه إعلانًا صريحًا لفشله الذريع في مواجهة الحياة، والأسوأ من هذا أنه كان مُحبطًا لأنه لم يستطع أن يكون "سوبر بابا" لوحيدِه فرحةِ حياته. كلُّ ما كان يحتاجه في تلك الأثناء حضن زوجته، وضحكة ابنه البريئة؛ ليُخبراه بأن الحياة ما زالت بخيرٍ، وأن كل ذلك مجرَّد زوبعةٍ في فنجان، سَرعان ما ستنتهي وتمرُّ على خيرٍ. كان يحتاج إلى عطف أبٍ وحنان أمٍّ ودعم أخٍ. كان يرى الحياة أضيق ما تكون، ولا حيلةَ له فيها. 

وفي أثناء جلوسه هكذا وبُكائه.. شعر بشيءٍ بين قدميه، فنظر فوجدها قطةً صغيرةً تُشبه قطة ابنه، وقد أخذت تتمسَّح في جلبابه، وهي تنظر له بعينين مدوَّرتين عسليتين، ثم تنظر إلى الساندويتش بجانبه؛ فأمسك به وأخذ يقطِّع لها لقيماتٍ صغيرةً ويعطيها لها لتأكلها بنهمٍ بلا توقف. شعر بجوعها الشديد؛ لأنه كان جائعًا مثلها، وبعد أن انتهى الساندوتش عن آخره، عادت القطة مرةً أخرى تتمسَّح فيه وهو يبتسم لها، ثم حَملها ووضعها على رِجله وهو يمسِّد عليها في رقةٍ، وهي مستسلمةٌ له، وظلَّ هكذا لفترةٍ قصيرةٍ من الزمن، هدَّأت من روعه فيها، وشعر بأن عائلته حوله ومعه.. ذكَّرته بأيامٍ جميلة لعب فيها مع ابنه الصغير بقطته الصغيرة، فنظر حوله وهو يواسي نفسه ويُمنيها بأن كل شيءٍ سيصبح بخيرٍ وعلى ما يُرام؛ فلن يخذله الله الرحيم الكريم. مرَّ بكثير من مصاعب الحياة، وسيمرُّ من تلك أيضًا، وحينها دقَّ هاتفه، فنظر إليه فإذا به والد الطفل المُقعد.. فردَّ عليه ليفاجئه بأن أجره موجود ويريده أن يمرَّ عليه ليعطيه إياه، ولكنه اعتذر له بأنه لا يملك حتى أُجرة المواصلات للذَّهاب إليه، فأخذ والد الطفل عنوانه ليأتيه بالمال، وطلب منه أن يعود مرةً أخرى لتدريس ابنه؛ فقد انصلحت أعماله وسيدفع له أجره في ميعاده؛ ففرح الأب جدًّا، ووافق على الفور، وجلس منتظرًا وهو سعيدٌ لا يصدق؛ فقد انفرجت الدنيا قليلًا بعد ضائقتها الشديدة، وأخذ يشكر الله على جَميل صُنعه وهو يُلاعب القطة الصغيرة.

تعليقات