٩ - صديقتي
كنت قد أنهيت لتوي من قراءة بعض المقالات التي تصف خيبات الأمل في الأصدقاء، والبعد الذي يولد جفاء قد يطول السحاب، والخوف من الحسد والكتمان الذي يصل لحد السخف، والنفوس التي تحولت من خضراء إلى نفوس شديدة السواد.. وكنت اتساءل هل الوقت.. الغربة.. الأطراف الخارجية! هم أسباب هذه المقالات.. أم إنها حالات فردية لايجب أن نعممها؟
فتذكرت أن صديقة عمري وقد مر علينا وقتا طويلا لم نتواصل فيه، فهرعت أمسكت بهاتفي المحمول واتصلت بها بعد أن تأكدت من فرق التوقيت بين البلدين مناسب لها أيضا
وصلني صوتها من الجانب الآخر.. فتجاذبنا أطراف الحديث دون أن يشمل حديثنا أي كلمة من كلمات الفقد والغربة والبعد أو العتاب.. اكملنا حديث قد توقف منذ أكثر من شهر .
اعتدنا أن نغلق المكالمة دون أن ينتهي الحوار بيننا، وكأننا نستمد من الإنتظار والتشويق وعدا بلقاء آخر.
لا تجمعنا شبه في الصفات أو أفكار.. نختلف أوقات ونتفق أوقات أخرى في آرائنا العامة.. لم تحاول اي منا أن تقنع الأخرى برأيها.
أدركنا من بداية صداقتنا منذ أكثر من خمسة وعشرون عاما، أن للصداقة حقوق وحدود.. لم نوثقها في أوراق، بل حفرت في الأذهان.
كنت أول من شاركته فرحتها بحملها الأول..
وكانت أول من علم بخطبتي.
كبرنا وكبرت بيننا الذكريات.. فرقتنا البلاد وانتصرنا عليها بحفر أواصر الصداقة داخلنا...
مكالمتنا شهرية كانت تمتد بالساعات.. نسرد فيها كل ما عايشناه في الحياة.
لم نشعر يوما بالمنافسة، ولم تزورنا الغيرة يوما.. ولم انسى مشاعرها الصادقة
في وقت اصابتي بالفيروس اللعين، كنت استمع لبكائها وبلهفتها وخوفها الظاهر من رجفة صوتها.
ما أجمل الصداقة.. وما أشقى الحرمان منها..
