٦- القيد


 ٦- القيد


في أحدِ الأيامِ وأنا أسيرُ مُتَمَهِّلَ الخُطَى مُتَوَجِّهًا إلى منزلي، مررت على شارع جانبي يختصر طريقي للبيت، سمعتُ صُراخَ إحدَى السيداتِ وبكاءَ طفلٍ صغيرٍ.

تَلَفَتُّ حَولِي أبحثُ عن مصدرِه، فوجدتُّ أُمًّا مع طفلِها الذي يبدو أنه لَم يُكمِل العاشرةَ بَعد، وهي تَجذبُه مِن ملابِسِه، وتَغرسُ أظافرَها في كَتفِه مُتوجِّهةً به إلى بابِ منزلِها، ثم دَفَعتِ البابَ بِقوة.

انتابَنِي القلقُ علَى هذا الطفل، وَوجدتُ نفسي أهرعُ إليها وأَتَلصَّصُ من وراءِ البابِ هلعا علَى هذا الطفلِ البائسِ مِن قسوةِ تلك الأُمّ.. ما زالَ الطفلُ يَبكي، ومازالتِ الأمُّ تصرُخ.

ظَلَلتُ أتَلَفَّتُ حولَ نفسي حتى وجدتُ نافذةً صغيرةً، ووجدتُ حَجَرًا كبيرًا تحتَها، فوقفتُ عليه وأخذتُ أنظُر مِن بينِ فتحاتِها إلى مصيرِ ذلك الطفلِ، فَذَهِلتُ مما شاهدتُ.

وجدتُّ الأمَّ تصفعُه علَى وجهِه بِقوّةٍ، ثم تَضمُّه إلى صدرِها بِكلتَا يَدَيهَا، وكَأنَّها تَغرِسُهُ بينَ طَيَّاتِ صدرِها بِحنانٍ وهى تُرَدِّدُ علَى مسامِعِه:

"حرام علِيك.. حرام علِيك؛ أنا بَواصِل الليل بالنّهار علشانك، علشان تِبقَي بَني آدم.. هُنْت علِيك بَعد كُل التَّعب ده!! هان علِيك سَهَرِي وشُغلِي!! هانت علِيك قِلّة راحتِي!!

ثم تَركُلُه بِقَدمِها مرةً أخرى في قَدَمِه وهي تُعَنِّفُه قائلةً: 

بَسّ واللهِ ما هَسِيبَك لِنفسك، لازِم تِفلَح وتِنفَع، حتى لو..  لو..

 ثُم تلفتت حَولَها حتى وقعَ بصرُها على حبلٍ مُهتَرِئٍ، فأخذَتْهُ وقامتْ بِرَبطِ طفلِها في مَقعدٍ وحيدٍ داخلَ الغُرفةِ وهي تُردِّدُ قائلةً: 

أنا هَرْبُطك كده طول اليوم.

الطفل: خلاص يا ماما، آخِر مرة واللهِ.

الأم بغضب وإصرار:

 كل مرّة بِتقُول كده!! مِش هَصَدَّقك تاني.

انتظرْتُ قليلًا حتَّي رأيتُها جلست علَى الأرضِ، وقد أحْنَتْ رأسَها على قدَمَيها وهي تَبكي بكاءً حارًّا كما لو كانت فَقَدَتْ وليدَها.

تركتُها وأكمَلْتُ طريقِي وأنا أُحَدِّثُ نفسِي عن تلك الأُمِّ وولدِها.. ما الجُرْمُ الذي اقترَفَه لِيستحِقَّ كُلَّ هذا اللومَ والتعنيفَ! لَمْ أَجِدْ بين أفكاري جوابًا.

ومَضَتْ الأيامُ وظَلَلْتُ كُلَّما مَرَرتُ مِن نَفسِ الطريقِ أَنظُرُ إلى ذلك البابِ القديمِ أملًا في أنْ أجِدَ الطفلَ يَمرَحُ أمامَه، أو يَخرجَ لِقضاءِ طَلبٍ مِن الخارج.

ثم مَرَّتْ سنواتٌ ولَم أَرَ أو أَسمَعَ شيئًا، حتّى جاء ذلك اليومُ الذي وجدتُّ فيه البابَ مفتوحًا علَى مِصرَاعَيه، وأصواتُ الزغاريدِ تَسْرِي بين جدران المنزلِ.

فانتابَنِي الفضولُ لِمعرفةِ ما يَحدُث، نظَرتُ فَرَأَيتُ مَحِلَّ البَقَّالِ مفتوحًا، فَتَعلَّلْتُ بِشراءِ زجاجةِ مياهٍ غازيةٍ لِتَروِيَ عطشِي من حَرِّ ذلك اليومِ، ووقفْتُ أسألُه بهدوءٍ:

 إيه يا عَمّ أصوات الزغاريد دي كلّها! خير؟

فأجابني الرَّجُل:

 ده من بيت أُمّ جمال جارتنا؛ ابنها -عقبال أولادك- نجح في الثانوية بمجموع كبير قوي.

فأَجَبتُه: ربنا يوفّقه ويفرّحه، هو كده، في عيال فالحة من يومها، بِيفَرَّحوا أهاليهم.

الرَّجل: الرَّكّ على الأُم يا أستاذ، على الأُمّ دَوَّر كبير في فلاح عيالها..

تركتُ الرَّجُلَ بعدَ أنْ علمتُ أنَّ تلك الأمَّ  التي تبدو قاسية من الخارجِ، كانت هي الأُمّ المثالية من الداخل.

ومع مرورِ الأيامِ وظهورِ هذا الفيروس اللعين.. وبعدَ غَلقِ المقاهي وكل أماكن التجمع، مررتُ في إحدى الليالي من أمامِ منزلِ تلك الأمّ، فوجدتُّ قُبالتَه أَريكةً خشبيةً، يجلسُ عليها رجلٌ علَى مشارفِ الستين، وحولَه لفيفٌ مِن الرجال، وهو ينادي على زوجتِه قائلًا: يا أمّ جمال! هاتِي دُور شاي هنا. 

وجلسَ يَتَنَدَّر علَى الأيامِ، وكيف تعب وشَقِى كي يَتَخرجَ جمالٌ من كليةِ الطبِّ، لِيُصبِحَ طبيبًا من الجيشِ الأبيضِ الذي يتحدثون عنه في الآونة الأخيرة في التلفزيون، وكيف كان هو المُحَرِّك لِتَفوّقه.

فذهبتُ إلى نَفسِ البّقَّال، وطلبتُ منه زجاجةَ مياهٍ غازيةٍ، ولكن مُعَلَّبة خوفًا من هذا الفيروس، وسألتُهُ بِشَكلٍ غيرِ واضحٍ: 

هو في إيه! الحكومة قَفَلت القهاوي، وأنتم هنا قلبتم البيوت قهاوي!!

ابتسم الرجلُ ابتسامةً حزينةً قائلًا:

 واللهِ يا أستاذ هو أبو جمال اللي رَجَع من أسبوع بَعد سفر طال أكتر من ١٥ سنة، بَعد ما البلد اللي كان فيها رَجَّعَتْ كُلّ العِمالة اللي هناك.. وهو عايش دُور المُناضِل اللي بِيساهِم بابنه في حَلّ أزمة فيروس كورونا.

والسِتّ أم جمال -ربنا يبارك لها في ابنها- خايفة على الواد، وعَمَّالة تقول:

 أنا إيه اللي خلَّاني أربطك!! أنا إيه اللي خلاني أربطك!! أنا اللي غلطانة.. 

فابتسمت مندهشا من تصاريف القدر ونظرة البشر

تعليقات