٧- فريدة
جمعنا اللقاء يوماً ...
كانت المرة الأولى التي أتوجه فيها لزيارة محافظة أسوان وأيضا المرة الأولى للسفر بمفردي إلى مكان -أستعيد فيه هدوء نفسي- بعيداً عن كل المعارف والأقارب والأصدقاء، بعيدا عن المشاحنات والانتقادات المحيطة بنا جميعاً من كل صوب واتجاه..
وفي داخل القطار كان لقائنا معاً...
سيدة جميلة ورشيقة...تخطف الأنظار بمظهرها الراقي..
وتنعش الانوف برائحتها العطرة... تبدو كسيدة من سيدات القصور.. يبدو عليها كما لو أنها في العقد الثالث أو الرابع على الأكثر..
اقتربت حتى وصلت إلى مقعدي وهمست لي قائلة:
-ممكن أنضم إليك.. أعتقد أننا سنتشارك معاً نفس الكابينة.
أضاءت البسمة على وجهي.. ووقفت لمرورها وأنا أردد:-
التأكيد...يسعدني صحبتك...
جلست بهدوء على مقعدها. رفعت إحدى ساقيها على الأخرى مع ضمها للخلف بحركة رشيقة..
شعرت بتهنيده صغيرة زفرتها دون قصد وهى تلقي بنظرها على روعة منظر الخضرة الخلابة...
قطعت صمتها قائلة:
هل تفضلي أن تحتسي شراب ما معي.. مازال الطريق طويل وأنا في حاجة إلى فنجان من القهوة..
اوماءت برأسها موافقة ثم همست بصوت ضعيف:
- فنجان قهوة سادة..
بعد دقائق كانت القهوة أمام الطاولة أمسكت حقيبتها ثم أخرجت منها علبة صغيرة أنيقة مليئة بأشكال عديدة من أنواع الحلوى الفاخرة وقدمتها لي قائلة:
-شكولاتة مع القهوة.
ابتسمت لها وشعرت بالراحة تجاهها وقمت بأخذ إحدى القطع.. ثم قررت أن اعرفها بنفسي:
اسمي داليدا...
-وأنا فريدة.
اندفعت الكلمة مني دون أي تفكير وأنا أردد.. وانت فعلا فريدة..
سألتني بتعجب:
-لماذا؟
شعرت بالتردد قليلا ثم أجبتها قائلة:
-انت كل ما بك من شكل ومظهر وأسلوب فريد عن الآخرين، أشعر وكأنك قادمة من أحد العصور الملكية...
شعرت بالحزن يطفئ جمال عيونها العسلية.. وتنهدت مرة أخرى اقوى مما سبق، فكانت زفرة من صدرها وهى تردد:
-أنا بالفعل فريدة.. فلا أحد غيري قد حصد ما حصدته في عمري.
قاطعتها متسائلة: ماذا حصدت؟
اجابتني بحزن وضعف:
-أنا امرأة في الخمسين من عمري.. حصلت على لقب زوجة وأم ومطلقة ثم زوجة أب وحماة وأرملة.. حصدت كل الألقاب في حياتي، وحصدت معها كل مشاعر الكره والبغض والحقد تجاهي.. لم أرى يوماً محبة من أحد.. حتى أبناء قلبي قد انقلبوا ضدي يوماً...
تعجبت من حديثها وتساءلت:
-إذا اجتمع الكل.. فلابد من سبب؟
تساقط الدمع على وجنتيها واختنقت الكلمات على شفتيها وهى تقول:
ولهذا السبب آثرت البعد والسفر.. فلن يصدقني أحد.. فكلماتك هى الأوقع فلا يجتمع الجميع إلا على صواب... ثم قررت الصمت...
مر الوقت وانتهت رحلة السفر.. لكن لم ينتهي اللقاء...
فقد كنت على موعد معها دون مواعدة.. موعد جمعنا أعوام وأعوام.. لم تسرد لي فيها كلمة عن ما مضى..
ولكني آمنت أن ليس كل ما هو بإجماع قد يصيب.. بل تأكدت أن الإجماع يأتي أحيانا بسبب زرع الحقد والحسد في النفوس.. حتى ارتوت القلوب بالكره والنفور.
تقاسمنا السكن أعوام وأعوام.... كانت نعمة الرفيق ونعمة الصديق.... حاوطتني بمشاعرها الفياضة.. أسدلت عليا ستار من الحنان قد هجرني منذ رحيل أبواي.. علمتني كيف تبدو الأنثى.. هذبتني دون أن تتلقى مني مقابل...
و رغم ما فعلته معي -وكعادة البشر أحيانا- فجأة شعرت بالحقد تجاهها، فكيف لإمرأة قد استطاعت أن تملك كل الجمال في شخصها.. كل العطاء والتفاني أن يحبها الآخرون..
كان لابد من كرهها.. فكرهتها مثلما كرهها الآخرون.. فلا أحد يحب من هم أفضل منه..
لا أحد يقبل خسارته في المقارنة.
