١٦- - أمِّي
لا أعلم هل كانت أمي تعلم أنَّ ما تفعله معي سيكون هو السبب الرَّئيس لما أنا عليه الآن.. أم أنَّها كانت تتصرَّف على فطرتها؟
فمنذ نعومة أظافري.. وليوم الجمعة طقوسٌ محددةٌ.. لا تتغيَّر أبدًا؛ فيذهب والدي لصلاة الجمعة مع أخي.. وعند قدومه أستقبله مهرولةً إليه، فأجده حاملًا قائمة طلبات المنزل، وتحت إبطه يخبِّئ تلك الجريدة، وكأنَّه يداريها عن الأعين.. ويتقدَّم إلى أمي في المطبخ سابقًا اسمها بكلمة يا ست (...) كنوعٍ من التدليل لها:
"اتفضلي بريد الجمعة".
وسريعًا أفهم من نظرة أمي لي، أن أحتفظ بها في غرفتها كي تتصفَّحها بعد أن تنتهي من إعداد الطَّعام وطلبات باقي الأسرة..
وبالفعل، بعد أن ننتهي من الطَّعام.. نجلس جميعًا لاحتساء الشاي، وبين يديها جريدة الأهرام.. تجلس بهدوءٍ.. تبحث عن تلك الصَّفحة.. دقائق معدودةٌ وتترك أمي واقعنا، وتسافر محلِّقةً بعيدًا مع أبطال مشكلة الأسبوع..
أمكث في هدوءٍ أراقبها.. فأحيانًا أرى دموعها تتساقط على وجنتيها.. وأحيانًا أخرى أرى احمرار خدَّيها معلنًا عن ارتفاع ضغطها.. وفي النهاية تُغلق الجريدة ولا تنطق إلَّا بمقولتها الأسبوعية "المشكلة النهارده صعبة جدًّا"..
أبدأ أنا وأخواتي نتساءل عن سبب صعوبتها.. كي تقصَّها علينا.. والإجابة التي لا تتغير كلَّ أسبوعٍ:
"معرفش أحكي.. اللي عايز يعرف.. يقرأ".
وبعدها نبدأ نحن الثَّلاثة بتبادلها بيننا.. وكنت أصغرهم عمرًا.. في الصَّف الثاني الابتدائي.. فأبدأ في تهجئة الحروف.. ودائمًا ما أستغرق يومين لإنهائها، لأنِّي أقرؤها على فتراتٍ.
وعندما أصبحت شابَّة، كنت أوَّل فردٍ في الأسرة يقرؤها.
كان بريد الجمعة وانفعالات أمي وعدم بوحها هو الدَّافع الحقيقي لعشقي القراءة..
وفي اعتقادي أنَّ الهواية تُكتسب بما يحيطك من ظروفٍ..
وبذكاء الآخرين.
