قَهـــــرٌ
وضعَتْ رأسها على الوسادة، وتدثَّرت بغطائها، ودمعتها على خدِّها الذي بدأت تغزوه التجاعيد من جرَّاء ما احتمل من دموع تخترق مسامه الرقيقة، وذلك على الرغم من أنها في عَقدها الرابع.
ظلَّت فترةً هكذا وهي تبكي في صمت، فقد عرفت الدموع مجراها على خدِّها ومُنتهاها على وسادتها، بقلب يملؤه الحُزن والقهر، وعقل مستسلم توقَّف عن البحث عن حل. كانت قد اعتادت على هذا الوضع وهذه النومة، فكان البُكاء الصامت هو طقسها الليلي، والدموع أدواته، والكبت وَقوده.
رفعتْ رأسها قليلًا من على الوسادة ولفَّته إلى الخلف، وألقتْ بنظرةٍ سريعةٍ عليه، فوجدتْه مُستلقيًا إلى جانبها يغطُّ في نوم عميق هانئٍ دون أي إحساسٍ أو شعور بالذنب، وهو الجاني.. المجني عليه من وجهة نظره. وضعتْ رأسها على الوسادة مرةً أخرى وظلَّت تفكِّر في كل ما يحدث، حتى غزاها النوم دون أن تشعُر كعادتها دائمًا بعد يوم مُتعب.
استيقظتْ صباحًا قبلَه وذهبت إلى دورة المياه وغسلتْ وجهها ووقفتْ قليلًا أمام المرآة تنظر إلى وجهها الذي يقطُر ماءً. كان منتفخًا، وكانت عيناها حمراوين قليلًا، ولكنها لم تُلاحظ ذلك؛ فقد اعتادت عليه هكذا، فلم يكن شكله غريبًا عنها، ثم خرجتْ لتبدأ يومها المُعتاد بإيقاظ أبنائها الثلاثة ليذهبوا إلى المدرسة، ثم ذهبت إلى المطبخ لتحضِّر للجميع طعام الإفطار، وطلبت من أحد أبنائها أن يوقظ والده ليستعدَّ للذهاب إلى عَمله.
جلس الجميع يأكلون في صمتٍ مُطبقٍ حتى انتهوا من تناول الفطور، ثم بدؤوا يستعدُّون للخروج، وأخذت هي تجمع الأطباق وهي تتوجس خيفةً، وبين الفينةِ والأخرى تلقي نظرةً على غُرفة النوم، وتدعو ربها أن يمرَّ اليوم بخيرٍ وسلام، ولكنْ هَيْهاتَ هَيْهاتَ؛ فقد حدث ما كانت تخافه وتخشاه، إذ فجأةً سمعت صوت زوجها يصرخ بالسُّباب من الحجرة، وقد أفزعها فانتفض جسدها كلُّه دفعةً واحدةً، وحاولت بَلْع ريقها، وقد بدأت في الارتعاد. كان هذا الموقف يحدُث كثيرًا وبشكلٍ متكرر، فقد كانت أيامها العصيبة كثيرةً، وأيامها الهادئة قليلة، ومع ذلك فقد كانت في كلِّ مرة تسمع فيها صُراخه وسُبابه تخاف وتفزع وترتعد، فمَن هذا الذي يمكنه مواجهة الخوف بثباتٍ؟! ومَن هذا الذي يألفُه ويعتاده؟!
خرج زوجها من الغُرفة وهو يمسك ساعةً محطمة في يده ألقاها بوجهها وهو يصيح بصوتٍ عالٍ: ما هذا الذي فعلتِه؟! حطَّمتِ ساعتي؟! ألا تعلمين ثَمن هذه الساعة؟!
فنظرتْ إلى الساعة المُلقاة على الأرض عند قدمها وقالت:
- ولكني لم أفعل.. لم أحطِّمها.
- بلى، فعلتِ، فمَن غيركِ قد فعل؟ لقد نسيتُ ارتداءها بالأمس، وأنتِ مَن قام بترتيب الدرج، بالتأكيد وقعتْ منكِ فتحطمتْ، أنا متأكدٌ من هذا.. فمَن غيركِ يجرؤ على فتح الدرج الخاص بي؟ ألا تعلمين أن لهذه الساعة ذكرى مُميزة لديَّ؟ هل تتعمدين إغضابى؟!
فأجابت بترددٍ وتصميم:
- ولكني لم أفعل.
- اخرسي، هل تتعمَّدين استفزازي أكثر أيتُها الغبية؟ أنتِ لا تَصلحين لشيءٍ، منذ عدةِ أيام حطمتِ هاتفي المحمول، والآن ساعتي!
فصمتَتْ والدموع تسيل من عينيها وهي تنظر إليه، بينما ارتدى هو حِذاءه وخرج مسرعًا وهو يضرب الباب خلفه بعنفٍ جعلها تنتفض.
ظلَّت لبرهةٍ واقفةً مكانَها لا تعرفُ ماذا تفعل، ثم ما لبثتْ أن جلست على كرسيٍّ وهي تنظر حولها في المنزل الذي أضحى فارغًا هادئًا. كانت لا تعي ما يحدث.. كانت في الفترة الأخيرة تنسى أشياء كثيرةً وأحداثًا كثيرةً، أو هكذا هُيئ لها. لم تكن واثقةً من شيءٍ.. لم تكن واثقةً من جمال شَكلها.. لم تكن واثقةً من كلامها، لم تكن واثقةً من أفعالِها، لم تكن واثقةً مما تسمع أو ترى.. كانت فاقدةً للثقة في نفسها، مُرتابةً في كل شيءٍ ومن كلِّ شيء، ولا تعلم كيف أو متى أضحتْ هذه الشخصية الضعيفة الهشَّةَ المُرتابة، بعد أن كانت القويةَ الحازمة الجميلة. لا تعلم كيف مرَّت عليها الأيام لتحوِّلها إلى شخص لا تعرفه. كرهت النظر في المرآة لأنها لا ترى نفسها التي عرفت، بل شخصًا آخر لا تعرفه، فقط الملامح متشابهة، أمَّا الشخصية فلا. باتت تائهةً عن نفسها.. أضحت كسفينة تائهة في بحرٍ هائج، لا تجد برَّ أمان، ولا تعرف لها مَرسى.
أصبحت تنتظر في أيامها الأسوأ، غادرَها الأمل والتفاؤل، ليعشِّش مكانهما اليأس والإحباط. باتت تنتظر مرور الأيام سريعًا ولا تعرف لِمَ، وهي التي لا تنتظر شيئًا، ولا تعرف إلى أين تأخذها وأين ستحطُّ بها.. فقط ترجوها المرور دون توقُّف ولو للحظةٍ واحدة لتلتقط أنفاسها وتستجمع قواها.
تذكَّرت أيامها الجميلة قبل زواجها، حينما كانت أحلامها تحلِّق لتُلامس عنان السماء، ولم تكن تعلم ما يخبِّئ لها القدَر حينما كانت بكلِّ سذاجة تحلُم بذلك الفارس على الحصان الأبيض، وجاء الفارس حقًّا وهو يحمل سيفه.. ولكنْ ليوجهه نحوها، وهنا انفجر ذلك الكَبْت على هيئة دموع غزيرةٍ تتساقط مصحوبةً بصوت بُكاء عالٍ، كلُّ دمعة منها تحمل معها قَهْر سنوات مضت في عذاب مع فارسها المُنتظر. تذكَّرت كل إهاناته لها وتقليله منها، كان يحبُّ بساطتها قبل الزواج.. أصبح الآن بعد الزواج يراها سذاجةً وبلاهة. لقد أضحى كلُّ شيءٍ جذبه إليها قبل الزواج محلَّ سخرية وتشكيك ولوم بعد الزواج، ولا تعلم ما الذي تغيَّر فيها أو ما الذي غيَّره هكذا، أم أنها هي مَن لم تعرفه جيدًا منذ البداية! تذكَّرت خيانته لها، ولومه لها على فِعله الفاحش، بقوله إنها هي مَن توقفتْ عن الاهتمام به وعن الاعتناء بنفسها، متناسيًا أنه هو مَن توقَّف عن الإحساس بها وعن معاملتها كامرأةٍ تحتاج لسماع كلماتٍ حلوة من زوجها يُشعرها فيها بأنوثتها واهتمامه بها. كان يتفنَّن في هَدمها والانتقاص منها ومن قَدرها، ولم تكن تجد مبررًا لذلك.
ظلَّت هكذا لفترة طويلة من الوقت، ثم نهضتْ وتوجهت إلى دورة المياه لتغسل وجهها، ومنه إلى غُرفة أبنائها الفارغة، ثم جلست على طرف أحد الأسرَّة الصغيرة، وأمسكت بإطارٍ يجمع صورة أبنائها الثلاثة وهم يضحكون، وأخذت تتأملُها وهي تُطلق شهقات زفيرٍ قوية بين الفَيْنة والأخرى، وهي تقول لنفسها: لقد احتملتُ من أجلكم الكثير، وسأواصل ما أفعل.. كل ذلك من أجلكم يا أبنائي.. ثم وضعت الإطار مكانَه على الكومودو الصغير وهي تقول: "ربَّما بِتُّ الآن احتاج إلى طبيب".. ثم خرجت من الغُرفة لتباشر أعمالها اليومية المُعتادة. ذهبت إلى غُرفتها لترتِّبها بحرص شديد؛ خيفة أن تُحطم شيئًا أو تضع شيئًا في غير مكانه. وبعد الانتهاء منها وقفت تتأمَّلها بعين دقيقة فاحصة، وهي تتأكد أن كلَّ شيءٍ في وضعه الطبيعيِّ؛ مخافة أن تُخطئ أو ترتكب أيَّ مخالفات فيغضب زوجها، ليحوِّل باقي يومها إلى جحيم، وهي التي ارتكبت الكثير من الأخطاء في الآونة الأخيرة أدَّت إلى غضبه الشديد منها وعليها. خرجت من الغُرفة ولكنها عادت لها مرةً أخرى لتتفحصها بدقةٍ للمرة الثانية، ثم خرجت منها وهي متشككة مُرتابة، وقضت باقي يومها وهي بين جَنَبات الغُرف والمطبخ، وبين الفَيْنة والأخرى تجري على غرفتها لتتأكد من خُلوها من الأخطاء. قضت اليوم كُله هكذا حتى مجيء أبنائها من المدرسة، ومجيء زوجها من العمل. وما إن دخل غُرفته حتى بدأ الرُّعب يدبُّ في قلبها، فبدأت تَسترِق السمع وتنظر باتجاه الغرفة وهي متوجسةٌ خائفة.. كانت خائفةً من الأخطاء.. خائفة من الشِّجار.. خائفة من زوجها. أضحت تعيش في خوفٍ وتوجُّس. أصبحت تكره وجوده في المنزل.. تكره رؤيته، وتكره سماع صوته. كان زوجها هو مرادف الخوف والعَذاب.
مرَّ اليوم بسلام ولم يحدث أيُّ شِجار آخر بينهما، ومرَّ اليوم الذي بعده ثم الذي يليه، وهي تدعو الله كلَّ صباح وقبل أن تنام ألَّا يتشاجر معها مرةً أخرى.. حتى جاء ذلك الصباح الذي سمعت صُراخه فيه وهو يقول لها: أيتها الغبية، لقد أحرقتِ قميصي.
فأجابته: كلَّا، لم أفعل.
فتوجَّه ناحيتها وهو يقول: مَن فَعل إذًا؟! ألستِ أنتِ مَن تقوم بكي الملابس؟ وألقى القميص في وجهها كعادته دائمًا عندما يغضب، حيث يبدأ بإلقاء الأشياء نحوها، فأمسكَتْه وهي متعجبةٌ بشدةٍ وتقول:
- نعم، لقد قُمت بكيِّه، ولكني لم أحرقه.. لم أفعل شيئًا!
- هل أنتِ حمقاء؟! مَن إذًا فَعل؟! أليس القميص في يدكِ، ألا ترين أنه محروق؟!
فنظرت إليه وقالت:
- نعم، ولكن..
- ولكن ماذا؟! هل تُريدين قيادتى إلى الجنون؟! لم أعُد أحتمل سخافاتكِ.
فتساقطت الدموع من عينيها، وأخذتْ تبكي وهي تنظر إلى القميص المحروق. لم تكن تتذكَّر أنها أحرقته أثناء كيِّه. نعم، تتذكَّر أنها بالأمس قد قامت بكيِّه، ولكن لا تتذكَّر حَرْقه.
خرج زوجها ذاهبًا إلى عمله، تاركًا إياها مع حيرتها، وعقلُها يكاد ينفجر من محاولات التذكُّر حتى أصابها الصداع، وباتت مقتنعةً بأن هناك خطبًا ما قد أصاب دماغها، وأنها في أشدِّ الحاجة إلى العلاج، حتى لا يأتي اليوم الذي تنسى فيه أبناءها.
ذهبت إلى دورة المياه وتوضأت، وارتدَتْ لباس الصلاة وصلَّت لله وهي تدعوه وتطلب المعونة منه، أن يُمدها بالقوة ويشفيها ويوضح لها حقائق الأمور.. وأخذت تبكي بشدةٍ وهي تستنجد به وحدَه في أن يعينها على حياتها. وبعد أن انتهت شعرت بالرَّاحة وبالسكينة تتخللها، ثم نهضت وبدأت في البحث على الإنترنت عن طبيبٍ تلجأ إليه ليشخِّص حالتها، ويصف لها دواءً لحالة النسيان التي تعاني منها.. وعندما وجدته قرَّرت الذَّهاب إليه في أسرع وقتٍ، وقضت باقي اليوم في إنجاز أعمالها المنزلية اليومية، حتى عودة الجميع إلى المنزل في آخر النهار.
وفي المساء توجَّهت إلى غُرفتها لتُخبر زوجها برغبتها في زيارة الطبيب فلم تجده، فبحثت عنه فوجدته في الشُّرفة يتحدث في هاتفه وقد ولَّى ظَهره إليها، فذهبت إليه، وعندما اقتربَتْ منه لم ينتبه إلى وجودها، فسمعته يتحدث إلى شخصٍ ما ويقول: لقد أحرقتُ القميص هذا الصباح ونسبتُ الفَعلة لها.. سوف أصيبُها بالجنون.. سأجعلها تذهب إلى مستشفى المجانين؛ فأقوم بتطليقها دون أيِّ حقوق، وسوف آخُذ أبنائي منها، وأتزوج بكِ.. لا أريدها. لم أعُد أطيقها، فأنا أحبكِ أنتِ.
صُدمت من سَماع تلك الكلمات الجارحة، فوضعت يدها على فمها في محاولةٍ منها لكَتم صرخةٍ كادت أن تفلت من فمها غضبًا، ثم استدارت وعادت إلى غُرفتها وهي تلهث، وكعادتها أخذت في البُكاء، وهي لا تعرف ماذا تفعل أو ماذا تقول. كان دائمًا ما يُسيء معاملتها حتى حوَّل حياتها إلى جحيم لا يُطاق، ولكنها لم تتوقع أو تتخيل أبدًا أن يصل به الأمر إلى فِعل هذا. هو يريد أن يقودها إلى الجنون.. يريدها أن تفقد عَقلها. هو يفتعل كلَّ هذا وينسبه إليها، وهي صدَّقته وباتت تتهم نفسها بالنسيان والإهمال، وهي بريئةٌ لا ذنب لها فيما يحدث، ولا ناقة لها فيه ولا جَمل. كيف هانت عليه؟! متى وصلَ بهما الأمر لهذه الدرجة؟! ماذا فعلتْ له لكي يكرهها لهذه الدرجة ويحبَّ غيرها؟! ما الذي قصَّرت فيه؟! لماذا تَغيَّر لهذه الدرجة وأصبح ظالمًا هكذا؟! كلُّ تلك الأسئلة أخذت تدور في عقلها ولا تجد لها إجابات سوى أنه وغدٌ خائن لا يستحقُّها ولا يستحق أبناءهما.. أبناؤهما هنا كلمة السِّر.. ماذا تفعل معه وهناك أبناء بينهما؟ لا يُمكنها أن تحيا بدونهم. ماذا سيحدث لها ولهم إذا ما طلبت الطلاق؟! لا يُمكنها.. لا تستطيع. ستظلُّ هكذا. لا حلَّ آخر ولا مَفرَّ.
وهنا استجمعت قوَّتها ونهضت لغَسل وجهها، ثم ذهبت إلى المطبخ وشربت كوب ماءٍ، وبعد ذلك توجَّهت إلى حجرة أبنائها فوجدتهم يغطُّون في نوم عميق، فأخذت تتأمَّلهم وهي تحدِّث نفسها: فقط من أجلكم سأتحمَّل وسأصبر؛ لعل وعسى أن يَهديه الله في يومٍ ما فيعود إلى صوابه ورُشده. لن أهدم المنزل. لن أتخلَّى عنكم، سأظلُّ أقاوم وأقاوم لنظلَّ معًا.
أغلقت باب حُجرة أبنائها وذهبت إلى حُجرتها وفتحت الباب، لتجده نائمًا في سريرهما متدثرًا بالغِطاء، فدخلت وأغلقت الباب وخلعت روبها ودخلت تحت الِغطاء بجانبه، متظاهرةً بأنها لم تسمع شيئًا أبدًا وكأنَّ شيئًا لم يحدث، غيرَ أنها مارست طَقسها المُعتاد من البُكاء الصامت.
