لعب عِيال
وقف متكئًا بذراعه على الحائط بجانب المرآة، وهو ينظر إلى موضع قدمه ويمسح دموعًا فارَّة من عينيه، ثم نظر إلى نفسه فيها، وأمسك بشاش عمامته وبدأ بلفِّه على رأسه، وتأمَّل نفسه لدقائق معدودةٍ، ثم ذهب إلى سريره وجلس عليه ونزع العمامة وألقى بها بعيدًا، وأمسك بحذائه ثم ألقاه هو الآخر، وظلَّ هكذا لمدةٍ من الزمن، ودموعه تسيل في صمتٍ وهو يُكفكِفها بكفيه، ثم ما لبث أن تمالك نفسه ووقف وهو يُخبرها بأنَّ ما يفعله هو عين الصواب.. هو الحلُّ الوحيد ولا حلَّ غيره سوى الدَّمار والخراب، وهذا ما عكف على الامتناع عنه طيلةَ حياته، وسيُكمل هكذا لآخر يومٍ في عُمره الذي لم يعد يتبقى منه الكثير، وهو الذي بلغ منه السبعين.
عند تذكُّره هذا وقف بشموخٍ معتدًّا بنفسه.. نعم، سيفعل ما يتوجَّب عليه. سيُنقذ عائلته وعشيرته. ونظر إلى الساعة المعلَّقة على الحائط، وهزَّ رأسه في حزن مُحدثًا نفسه: "لقد حان الوقت"، وألقى بنظرةٍ أخيرةٍ على المرآة، ورفع أنفه عاليًا وهو يقول: "هذا هو الصواب".
خرج من غُرفته في هدوءٍ، فاصطدم بنظرات ابنه وابنته وأحفاده، الذين هالهم جميعًا ما رأوا، ونظروا إليه ثم نظر بعضهم إلى بعضٍ في حُزن وانكسار، فتحوَّل انكسارهم إليه؛ فأسقط عينيه في الأرض للحظاتٍ، ثم ما لبث أن رفعهما ونظر إلى الجميع في قوةٍ وهو يقول: ما بالكم؟! إنه يومٌ وسيمرُّ.
جَرَتْ عليه ابنتُه وتعلَّقت برقبته وهي تبكي بشدةٍ، فحَضنها بدوره وهو يربِّت على ظهرها في ودٍّ وحنان، ثم جرى عليه ابنه أيضًا وسقط عند قدميه العاريتين وهو يبكي ويقول: سامحني يا أبي.. سامحني، أنا السَّبب.. كل ما يحدث الآن أنا السبب فيه، فأبعد ابنته عنه وانحنى يُمسك بابنه ويرفعه وهو يقول: لم يكن شيءٌ مقصود، وما حدث قد حدث ولا يُمكننا تغيير الواقع، فهو الشيء الحقيقي، وإذا لم نستطع تغييره فلْنتقبَّله ونحاول أن نجمِّله، وأن نرمِّمه، عسى أن يعود كما كان وكما اعتدنا.
- أبي، لا تخرج. لا تذهب. لا أستطيع أن أراكَ تفعل هذا، فَلْتلغي كلَّ شيء وَلْيحدث ما يحدث.
فأجابه في ثباتٍ وقوة: لا واللهِ، لا أفعل.. لقد أعطيتُ كلمةً ووعدًا، وكلمة الرجال هي شرفُهم.
- أبي، إذا خرجتَ من هذا الباب فسنعيش مُنكسي الرؤوس باقي عُمرنا. لن تقوم لنا قائمة مرةً أخرى.
- إذا لم أخرج من هذا الباب فستكون هناك بحورٌ من الدِّماء، ولن أسمح بهذا.
- فليكن ما يكون، ولكنَّنا سنعيش بكرامتنا وكبريائنا.
- بل سنعيش بخوفنا وتوجُّسنا. ربما لا تفهم ما أفعل الآن، ولكن مستقبلًا ستعي أهمية ما أفعل. نحن المُخطئون وندفع الثَّمن، وإذا لم أخرج الآن فسيدفع الكثير من الأبرياء ممَّن لا ذنب لهم الثَّمن، وفي النهاية سيكون هناك خياران لا ثالث لهما: إمَّا الفَناء، وإمَّا ما سأفعل الآن، ولكن بعد فوات الأوان، فلنحقن الدِّماء، ونفعل ما هو محتوم الآن، ولْنطوِ صفحةً سوداء وننساها.
- أبي، أرجوك.
- يا بُني، لا يوجد حلٌّ آخر، فَلْتبتعد عن طريقي؛ فالجميع ينتظر.
ابتعد الابن عن الطريق وهو مطأطئٌ رأسه والدُّموع تسيل من عينيه، فصاحت ابنته:
ولكنْ هذا ظُلم. أنتَ لم تفعل شيئًا.. أنتَ شيخٌ كبير.
- أنا كبير العائلة، وأنا راعيها، وأنا المسؤول.
قال كلمته هذه وتوجَّه إلى باب المنزل، وجميع العيون الباكية تُراقبه، ومدَّ يده ليُمسك بمقبض الباب بيدٍ مرتعشةٍ متردِّدة، ثم حسم أمره وهو يبتلع ريقه بصعوبةٍ، وقلبه ينبض بعنف في صدره صارخًا.. طالبًا الرحمة.. الرحمة من موقف لا يُحسد عليه.. الرحمة من كبرياء ستُهدر.. الرحمة من كرامةٍ ستُهان.. الرحمة من يومٍ ربما لن يمرَّ. كان يرجوه أن يرأف به وبعُمره، ولكن كان صوتُ عقله أقوى وأعلى، فطغى على نداء قلبه واستغاثته. كان صوت عَقله يُخبره أنه على الطَّريق الصحيح، بل هو الطريق الأوحد الذي لا مفر منه في النهاية. كان يُخبره بأنه كبير قومه وهو خادمهم، فَلْيتشجع ولا يخف ولا يسمح بأيِّ شيء أن يُثني عَزمه أو يثبِّطه، وهنا أدار مقبض الباب وفَتَحه وهو يضع يده الأخرى على قلبه، ثم ألقى نظرةً أخيرة على أبنائه وأحفاده، ثم عزم أمره وخرج.
وهنا صرخت ابنته ووقعَتْ على الأرض وهي تبكي وتقول: لن يحتمل أبي هذا، لن يحتمل.. أبي أبي. كيف يحدث هذا؟! لماذا يحدث هذا؟! كيف يحدث هذا لكبيرِ قومه، الرجل الكريم الحكيم الذي لم يردَّ أحدًا أبدًا. لماذا؟! لماذا؟! هذا ظلمٌ.
فأجابها شقيقها وهو يصيح باكيًا: أنا السبب.. أنا السبب. بسبب ابني يحدث له ذلك. أبي يدفع ثمن خطأ غيره.
وأسرع نحو الباب وهو يقول: سأذهب خلف أبي، لن أدَعَه وحدَه. سأكون خلفه حتى وإن لم أفعل شيئًا.
***
خرج الشيخ الكبير إلى الشارع التُّرابي، ونظر حوله فوجد الناس قد تجمعوا أمام منازلهم وعلى أسطُحها، وهم مستعدُّون لمشاهدة ما سيحدث، فأحسَّ بجفاف ريقه، وشعر بالرعشة تسري في جميع جَسده، حتى كاد أن يسقط مغشيًّا عليه من هول الموقف، والجميع ينظر إليه وهو على هذه الهيئة المُزرية المعيبة.. كان حافي القدمين بلا عمامةٍ، والأدهى أنه يرتدي جلبابه بالمقلوب.. كانت هذه هي شروط الصُّلح.. أن يذهب سيرًا على أقدامه العارية في وضح النهار من منزله وحتى منزل القتيل؛ ليقدِّم اعتذاره وهو يرتدي جلبابه بالمقلوب وبلا عمامةٍ، ولكن من غير فودة؛ لأنه كان حادثًا غير مقصود. كان هذا هو الحُكم الذي أصدره عليه مَن تدخَّلوا في محاولات الصلح بين عائلته وعائلة القتيل، ولم يجد مفرًّا من الموافقة على هذه الشروط الصعبة حقنًا لدماء عائلته.
لقد عَلم أنه بموافقته على هذه الشروط القاسية سيخسر كرامته وكبرياءه إلى الأبد، ولن تقوم له قائمةٌ بعد ذلك، ولكنْ لا مفرَّ، فما لن يقبله الآن سيقبله أخيرًا، ولكنْ بعد أن تكون دماءٌ كثيرة قد أُريقت، وخسر الكثيرُ من الأبرياء أرواحهم، وترمَّل الكثير من الزوجات، وتيتَّم الكثير من الأبناء، وبعد أن يكون الكثير من الأمهات قد فقدوا أبناءهن.
لا، لن يسمح بذلك أبدًا. سيوافق على الشروط القاسية، وسيُضحي بحياته إن لزم الأمر، في مقابل أن يُنهي هذا الثأر ويقضي عليه قبل أن يبدأ. هذا هو واجبُه نحو عائلته وعشيرته.
كان هذا الموقف يحدث لأوَّل مرةٍ في القرية الصغيرة الهادئة، فكان حَدثَها التاريخيَّ الفريد من نوعه، الحَدَث الذي سيتناولونه لسنواتٍ وسنواتٍ وهم يتذكَّرونه في ذهولٍ واندهاشٍ، وربما تعظيم وإجلال، أو حسرةٍ وحُزن، أو شماتة.. كلٌّ حَسَب تفكيره وظنه وتحليله لما حَدَث.
بدأ الشيخ الكبير في السَّير بحالته هذه، وجميع العيون تتطلَّع إليه وتراقبه. كان الصمت والهدوء هما سيدا الموقف؛ فقد شابَ الجو هدوءٌ غريب غير مُعتادٍ في قريةٍ مملوءة بالحياة والحركة ذهابًا وإيابًا. كان هدوءًا يملؤه الكثير من الضَّجيج، وصمتًا يملؤه الكثير من الكلام.. حتى إن الحيوانات الموجودة في المنازل والتي كان صوتها يملأ القرية قد صمتَتْ، وكأنها شعرت بما يحدث وبهَوْل الموقف، فها هو أحد أكابر القرية يُمثَّل به في ذُل وهوانٍ.. في موقف لا يُصدقه عقل ولا يستوعبه منطقٌ سوى منطق العُقلاء العارفين.. مَن يفهمون أن سيد القوم خادمهم.
ومع كل خُطوة يخطوها.. كان يشعر بالكلام الصامت ويحسُّ بالهدوء الصاخب من حوله. كان يمشي وعيناه في الأرض تارةً من فَرْط الخزي والمَهانة، وتارةً أخرى رافعًا رأسه لأعلى وهو يُخبر نفسه أنه في موقفٍ شُجاع لحماية عشيرته، ولحفظ الهدوء والسلام في بلدته، وهذا موقف يُحسب له لمَن يعقل ويفهم. كان حائرًا متوجسًا أيهما يفعل: أيرفع رأسه أم يحنيها؟ أينظر إلى أعين الناس التي تُراقبه أم يهرب منها؟ كان مقتنعًا بما يفعل، قانعًا أنه على صوابٍ، ولكنه كان حائرًا.. كيف يفعله؟ كان يشعر بأن خُطواته ثقيلة، وأن رِجليه قد تخونانه في أيِّ لحظة، فيقع أرضًا مثل طفلٍ صغيرٍ يتعلم المشي حديثًا. كان يتمنَّى في قَرارة نفسه أن يسقط ميتًا أثناء سَيْره؛ فتنتهي تلك المأساة، وينتهي معها كلُّ شيء، وتعود الحياة سريعًا لما كانت عليه وكأن شيئًا لم يكن، فمتى توقفت الحياة على أحدٍ أو توقفت على شيءٍ؟ فهي تمرُّ شِئنا أم أبينا.
كان مع كلِّ منزل يمرُّ أمامه يحدِّث نفسه عن أصحابه وعن حالهم وشعورهم نحوه.. فها هو يمرُّ أمام منزل ابن عمِّه الذي لَزِم المنزل معارضًا لما يحدث ويراه خاطئًا، وهو الذي باح بهذا علنًا معارضًا قَراراه. وفي المنزل المُقابل له جاره المحبُّ الذي يثق تمامًا أنه حزين جدًّا عليه وعلى ما يحدث له. وها هو منزل ذلك الرَّجل الذي أصدر يومًا حُكمًا ضدَّه، عندما جاءه أجيرٌ شاكيًا قسوتَه وسوء معاملته وعدم إعطائه أُجرته اليومية.. لا بد أنه شامت الآن فيه. وهذا منزل أحد مَعارفه وقد ساعده يومًا ما في دفع الديون التي عليه؛ فحمل جَميله فوق رأسه.. لا بد أنه حزينٌ عليه.
أخذ يفكِّر هكذا مع كل خُطوة وحركة. كان يفكِّر في كل شخصٍ وما قد يقوله عليه أو يفكِّر به، وهو يستشعر تجمُّع الأطفال الصغار وراءه وهم يمشون خلفه مُتهامسين، وخُطوات أقدامهم تفضحهم، وفكَّر في نفسه أن أطفال القرية مَن كانوا يهابونه ولا يتجرؤون أن يمرُّوا من أمامه، ها هم الآن يمشون خلفه فيما يُشبه الزفَّة التي تقوم بزفِّ عروسين. هانت عليه نفسه كثيرًا، وكادت الدموع تفرُّ من عينيه، ولكنه سارع إلى تمالُك نفسه، وذكَّر نفسه بهدفه من كل هذا، وأكمل سَيْره وهو على هذه الحالة.. تارةً يشعر بالانكسار والإهانة والذُّل، وتارةً أخرى يمشي بكبرياءٍ، وتارةً أخرى يُحدث نفسه بمشاعر مَن حوله تجاهه.. تارةً يطأطئ رأسه، وتارةً ينظر إلى عيون الناس حوله. كان يصبِّر نفسه دائمًا بحديثه إليها: أنه يدرأ الدَّم الذي بدأه حفيده المندفع المتهوِّر بقتله أحد المراهقين في سِنِّه من عائلة أخرى أثناء لَعبهم وسَمرهم المُعتاد، والذي انتهى دون قصد بنهايةٍ مأساوية لم يُحمد عقباها.
ظلَّ الشيخ الكبير هكذا يتأرجح بين الظنون والاعتقادات والنَّظرات والهمسات، حتى وصل إلى منزل أهل القتيل ليقدِّم الاعتذار ويطلب الصفح والسماح عمَّا بَدَر من حفيده نيابةً عن كل عائلته، أمام حشدٍ كبير من الناس.. هم أهل القتيل وعائلته وشيوخٌ ورجال وشباب من عائلاتٍ أخرى قد دُعيت لحضور الصُّلح ليكونوا شهداء عليه، بجانب أهل البلدة كلها الذين رأوا الشيخ الكبير بهيئته هذه وهو يتَّجه صوب منزل أهل القتيل.
وبعد أن انتهى الصُّلح وعاد الجميع إلى منازلهم، عاد الشيخ الكبير إلى منزله ونام على سريره وهو مُنكسر ذليلٌ مهان، وقد مرَّ اليوم الطويل الشاقُّ الخالد في ذاكرة الجميع، ولكنْ لم يأتِ الصباح أبدًا، ليكتب نهاية لَعب العيال.
