٣-غُصْنٌ مِن الشَّوك.


 

٣-غُصْنٌ مِن الشَّوك.

كان كل ما يَشغلُني فى تلك اللحظةِ، هو أنْ أَعْبُرَ هذا النفقَ المظلمَ الذي ظلَلْتُ حبيسةً فيه مُنذ أعوامٍ مَضتْ..

بدأتُ أتَّحَسَّسُ خُطُواتي نحوَ هذا الدَّرَجِ البعيدِ، وعندما اقتربتُ منه وجدتُّها تَقِفُ عندَ بداياته، تنتظرُني، وبِصوتِها الحَنونِ العذبِ، همَسَتْ لِيَ مُؤَكِّدَةً علَى ضرورةِ الوُصولِ إلى أعلَى الدَّرَجِ؛ لِرؤيةِ ضَوءِ الشمسِ الساطعِ.

كانت تَصِفُ لِيَ ضَوءَه، وتَتغنَّى بِمزاياه، وتَحثُّني علَى المُضِىِّ لِلهدف.

نَظرْتُ إليها كَي أستمدَّ مِن ثقتِها طاقةَ الأملِ فى الوصولِ إلى هدفي، فوجدتُّها تَحمِلُ بينَ يديها مِصباحًا صغيرًا، وتُقَدِّمُه ليَ كي يُنيرَ الطريقَ أمامي أثناء صعودي الدَّرَج، وبين أنامِلِها الرقيقةِ حملت غُصْنٌ مِن الورودِ الطبيعيةِ ذاتِ الألوانِ الناعمةِ.

فَتَمسّكْتُ بِيدَيها قائلةً:

سَنصعدُ معًا أعلَى الدّرَج..

تَمَلْمَلَتْ قليلًا وقالت:

إننى أَخشَى الضَّوءَ، فقط سأصطحبك حتى تَطَأَ قدماكِ أولَ بصيصٍ للنور.

ظلَلْتُ أَتمَسَّكُ بِيدَيها، وأنا على أملِ أن يَسرِيَ وَهَجُ مشاعرِي، ودَقَّاتِ قلبيَ المُتلاحِقةِ؛ لِيخترِقَ عُروقَها، فَتُكمِلَ معي خُطُواتِي، ونصعدَ معًا إلى نهايةِ الدَّرَجِ.

كانت تنظُرُ لي كَنظراتِ أُمٍّ إلى وليدِها، فَتَمَلَّكتْنِيَ الطُّمأنينةُ بِوجودها، وبدَأَتْ تُحِيطُ رقبتِي بالغُصنِ الذي كانت تَحمِلُه بينَ أنامِلِها كَي تُزَيِّنَهُ، فَشَعَرْتُ بِوَخزةٍ في عُنُقِي آلَمَتْنِي، ولكنني تغاضَيتُ عن هذا الألم، وأكمَلْتُ الصُّعُودَ بِرُفقتِها.

ومعَ كلِّ دَرجةٍ مِن درجاتِ السُّلَّمِ، كُنتُ أشعرُ بِإحكامِ تَطويقِ الغُصنِ حولَ رَقبتي، فأوقَفْتُهَا وأنا مُتَأَلِّمةٌ، وبعضُ قَطَرَاتٍ مِنَ الدَّمِ تتساقط علَى صدري قائلةً:

 -إن هذا الطوقَ يدميني ويؤلمني، فما به؟

فقالت بإصرار:

-إنه مُجَردُ غُصنٍ مِنَ الورود، ولكنَّه يَحمِلُ قليلًا مِنَ الشَّوكِ.

فقلتُ لها:

-إنه يُؤلِمُني، رِفقًا بى؛ فأنا أَعتزُّ بِرُفقَتِكِ.. لكنه ينغصها على.. ثُمَّ أكملْتُ الصُّعودَ قليلًا، وأنا مازلتُ أعاني من شدة ألم هذا الوَخْزِ فى رقبتي، والذي تَخلَّلَ ألمُهُ قلبي.

وعلَى حين غِرَّةٍ ذَبحَتْني مِن نَحرِي.

فسألتُها وأنا أصارع الموت والدَّمُ يتدفَّقُ مِن جِيدِي، ودَقَّاتُ القلبِ تَتَلاشَى مِن صدري:

 لِمَا فعلتِ بِي هذا؟

فأجابتنى دونَ أنْ يَرِفَّ لها طَرْفٌ قائلةً:

قد حذرتُكِ مِن صعودي معكِ؛ فأنا لستُ سِـُوَى كائنٍ ضعيفٍ، لا أملك مِن التمييز، إلا القليل، ولقد ساندتك وتكبدت الكثير

ثم فارقتني تاركة إياي مُطَوَّقةً بِغُصنٍ الشَّوكِ المغروسٍ في جِيدِي، تُزَيِّنُه الورودُ؛ كَي تخفي سوءاته، والدَّمُ يتساقطُ علَى صدري.

ورَحلَتْ إلى أسفلِ الدَّرَجِ مرةً أخري، غيرَ عابئةٍ، أو نادمةٍ على ما فعلَتْ، تَتَخفَّى فى ظلام النَّفَقِ العفِنِ، تَدَّعِى أنها حذَّرتْنِي، وتَحمَّلَتْ مِن أجلي مالا يطيقه أحد!.

تعليقات