١٩- فَطائرُ السُّكرِ
أمام النَّافذة المطلَّة على حديقة منزلي.. وعلى الأريكة الصَّغيرة، جلستُ أنا وحفيدتي معًا نعدُّ فطائر القرفة بالسُّكر التي نتشارك عشقها.. نتسامر معًا عن أحداث الفترة الماضية، فتحكي لي عن ملابس تريد شراءها، وعلى استحياءٍ تبوح لي برغبتها في اقتناء بعض أدوات الزِّينة.. وأمازحها قائلةً:
الزِّينة لمن يحتاجها، وأنها لا تحتاج لأنَّها رائعة الجمال..
فيحمرُّ وجهها خجلًا، وقد تحوَّل نظرها إلى الطَّريق القِبلي، وبدأت تتلعثم في الحديث قليلًا، فاسترقت النَّظر دون أن تشعر، فوجدته.. ذلك الشَّاب ذو السابعة عشر ربيعًا.. يلوِّح لها بباقةٍ من الزهور.. وهو يظنُّ أنني لا أراه..
أتذكَّر نظراتهما المتبادلة الصَّيف الماضي أثناء الاحتفال بزواج إحدى فتيات القرية..
أدرتُ لها ظهري لإحماء الفُرن قبل بداية مرحلة الخَبز، وأنا أحملُ بين جوانحي مشاعر تلك اللحظات المسروقة التي طالما حلُمنا بها ونحن فتياتٌ صغيراتٌ.. لذة ورجفة اللقاء الأوَّل بعيدًا عن كلِّ الأنظار.. تلك البرودة التي تصيب أوصالنا مع أوَّل لمسةٍ لليد.. القُبلات المسروقة تحت غصون الأشجار.. والحُمرة التي تصبغ وجوهنا مع حرارة الأنفاس الهامسةِ وراء الأذن.
استدرتُ إليها قائلةً:
يبدو أن جدَّك لم يحضر الجبن الكريمي للتَّزيين، هل يمكنني أن أعتمد عليكِ في إحضارها؟
فظهرت علامات الفرح جليةً على عيونها. ليس لسهولة إحضار الجبن، ولكنَّها فرحة لقاء الحبيب. طالبتها بإحضار الجبن والعودة سريعًا.. لم تمهلني لأنهي كلماتي، ورحلَتْ دون أن تأخذ مني النُّقود..
ابتسمتُ للهفتها التي أعادت إليَّ ذكرياتي؛ فتلك الفرحة، طالما عشقتها، وتذكِّرني ببزوغ ضوء الشَّمس.. أثناء قضاء عطلتي الصَّيفية في مصيفي المفضَّل، حيث اعتدنا استئجار "شاليه" يطل على الشَّاطئ..
فكنت أتسلَّل من فراشي كلَّ يومٍ عند شروق الشَّمس، أرتدي ملابسي الفضفاضة وقبعتي الكبيرة، وأتوجَّه إلى الشاطئ، أجلس وحدي على أحد المقاعد المعدَّة للمصيِّفين هناك، أتأمَّل لحظات شروقها.. تلك الأشعَّة الأرجوانية التي بدأت تضيء السَّماء حولها..
أغمض عيني قليلًا لأحتفظ بجمال رؤيتها في الوجدان، لتداعب نسمات الهواء العليلة خُصلات شعري، فتُدغدغُ مشاعري.. وتُبهجني؛ فتنطلقُ بسمتي على وجهي..
أفتح عينيَّ فجأةً.. أراه أمامي ينظر إليَّ متأملًا ملامحي ليعترف لي هامسًا:
- اشتقتُ إليكِ.
تداعب أنفاسه الحارَّة وجهي، فأنتفض سريعًا خجلةً من مشاعري ولهفتي لضمِّه، لأقول له بصوتٍ متهدجٍ:
- متى أتيت؟
فيجيبني مبتسمًا:
- مع أوَّل شروق الشمس.
أقول له هامسةً:
- أحبُّ لحظات العمر تأتي مع كل شروقٍ للشَّمس.
- بل مع كل شروقٍ للشمسِ يولد أملٌ جديدٌ.. مع كل شروقٍ للشمس يتجدَّد حبٌّ كبير.. مع كل شروقٍ للشمس يتحقق حلمٌ نبيلٌ.
عُدت من ذكرياتي على صوت حفيدتي التي أحضرت الجبن وهي تقول مبتسمةً:
جدَّتي، كادت فطائرنا تحترق!
