لوتو
احتضن طفله الصغير ذا الثلاثة أعوامٍ، والدُّموع تتساقط من عينيهما كالمطر الجارف، وصغيره يشهق بحُرقة، فاحتضنتهما الأم وهي تُراقب معهما كلبهم لوتو، الذي وقف على الشطِّ مبللًا يراقبهم بدوره وهو يئنُّ في صمت، وهم يبتعدون عنه في مركب جالسين وسطَ الكثير غيرهم من الناس.
كان يُراقبهم، وكان ثلاثتُهم يراقبونه، وأربعتُهم يشعرون بالألم الشديد على الفِراق، ذلك الفِراق الذي جاء بعد عشر سنين؛ ليُشتت الجمع ويفرِّق الأحبة، ويترك النار مشتعلةً في قلوبهم جميعًا لفترةٍ كبيرةٍ من الزمن.. ذلك الفِراق الذي جاء ليترك لهم فقط ذكرياتٍ جميلةً مؤلمةً تساعد في تأجُّج النار واشتعالها دائمًا في قلوبهم.. ذلك الفِراق الذي لا يرحم كبيرًا ولا صغيرًا، ولا إنسانًا ولا حيوانًا؛ فالجميع يتألم منه على حسب درجة الحُب الذي يسكن القلوب والأفئدة.
راقبوا بعضهم وهم يبتعدون عن بعضهم، وكلٌّ منهم يتضاءل في عين الآخر مع بُعد المسافة، حتى أصبحوا نقطة لا تُذكر في ملكوت الله الواسع.
جلس الأب مكانه وهو يُكفكف دموعه ويحاول أن يلَمْلم شتات نفسه، وابنه يشهق في حضنه ويقول: لوتو.. لوتو..
اختفى لوتو أمام نظرهم، واسترجع ذكرياتهم معًا. كانا ملتصقين لمدة أحد عشر عامًا، منذ رحيل والدته وهو بعُمر الحادية عشرة. كان صديقه الوفيَّ والمخلص، الذي ساعده للتغلُّب على أزمة الطفولة الكبيرة؛ فبعد وفاة والدته انتقل إلى منزل صديقة والدته المقرَّبة، والتي أخذته ليعيش معها، وهو الذي أصبح يتيم الأب والأم؛ فقد فَقَدَ والده عندما كان عُمره سنةً واحدة فقط، وها هو ذا يفقد أمه، لتأخذه صديقتها لتُربيه كابنها، وهي الفاقدة للأمومة. كان في بداية الأمر يرفض الكلام، ولا يتوقف عن البُكاء، رغم محاولات صديقة والدته المُستميتة لإخراجه من حُزنه، والعمل على تقبُّل القضاء، وبعد محاولاتٍ مُضنية لم تجد حلًّا سوى أن تُحضر له كلبًا صغيرًا حديث الولادة؛ لعله يساعده على تخطِّي مِحنته القاسية، ويكون صديقًا مُخْلصًا ومخَلِّصًا له، وقد نجح الأمر، ففرح الصغير بالهَدية الصغيرة، وتجاوب معها، وأصبح لا يفترق عن لوتو، وأخذ يرعاه ويهتمُّ به، فالتهى به عن أحزانه، وأصبحا رفيقين ليلَ نهارَ، معروفين بين جميع أهل البلد، فأينما وُجد الصغير وُجد لوتو. كانا يفهمان بعضهما من الحَركات والإيماءات ودون كلام. كانت صديقة والدته التي أضحت أمه سعيدةً بالتقدُّم الكبير الذي حدث في حالة الصغير وساعدها على تربيته.
عاد من طريق ذكرياته على صوت طفله وهو يسأله بصوتٍ باكٍ: بابا، ألن نرى لوتو مرةً أخرى؟
فردَّ عليه بحنانٍ بالغ هازًّا رأسه بالإيجاب.
فعاود سؤاله مرةً أخرى: ماذا سيفعل من دوننا؟!
فأجاب الأب قائلًا: سيكون بخيرٍ. لا تقلق.
فقالت الأم: لقد مرَّ بالكثير من الأشياء مع والدكَ ومعكَ، وقد نجا.. وسينجو الآن أيضًا، وسيظل في قلوبنا دائمًا يا صغيري.. ووضعت يدها على قلبه واستكملت: هنا حيث ندفن الأحبة.
نظر إليها الطفل في صمتٍ، والدموع تنهمر من عينيه، وفيهما ألف كلمةٍ وكلمة.
وعاد الأب إلى بحور ذكرياته مرةً أخرى عند سماعه لحديث زوجته الشابَّة، فتذكَّر أول مرةٍ شاهد فيها لوتو وهو جروٌ صغير بنيُّ اللون، ينظر إليه بعينيه السوداوين في ضعفٍ واستكانة وخوف، فربَّت على رأسه بحنانٍ وهو ينظر إلى صديقة أمه ويسألها - وكانت المرة الأولى التي يتحدَّث فيها منذ وفاة والدته، والمرة الأولى التي يجذب انتباهه شيءٌ منذ تلك اللحظة-:
- أين أمُّه؟
- ماتت.
كانت تلك إجابتها المُقتضَبة على سؤاله.. فحَزن بشدةٍ عليه، وهنا أخذه في حضنه، وأخذ يربِّت عليه، وقد علم أنه يجمعهما شيءٌ واحد، وهو أنه لا أمَّ لديهما، فقرَّر حينها أن يصبح مثل أُمه ويهتمَّ به، فنظر إلى صديقة أمه وسألها مرةً أخرى:
- هل يُمكنني الاحتفاظ به؟
- بالطبع، ولكن يجب أن تُطعمه وتهتمَّ به وتحبَّه، فهل تستطيع فِعل ذلك؟
ففرح وقبَّل الجرو الصغير وهو يقول: نعم سأفعل، سأصبح بدلًا من أمه التي ماتت.
ضحكت حينها وضمَّته إليها وقالت له: مثلما أنا الآن بدلًا من أمك التي ماتت، فأنا أيضًا أحبُّك وسأهتمُّ بك.
مرَّت الأيام والطفل الصغير يهتمُّ بالجرو، وصديقة الوالدة تهتمُّ بالطفل، ولم يعد الطفل يشعر بيُتم الأم؛ فقد التهى عن حُزنه وتناساه في خضم الاهتمام بـ "لوتو".. فهو يُطعمه ويسقيه ويجعله ينام بجانبه على السَّرير، حتى صار كلبًا كبيرًا.
تذكَّر الأب كم مرةً أسعده، وكم مرةً ساعده، بل كم مرةً أنقذه، فلم يكن صديقه الوفيَّ ومصدر سعادته فقط، بل كان حاميه أيضًا ومنقذه. فكم من مرةٍ أعطاه لوتو الحياة، إمَّا عن طريق إسعاده، وإمَّا عن طريق إنقاذه! وكم من مرةٍ ساعده على تحمُّل مشقة الحياة وأوزارها وأعباءها!
تذكَّر عندما كان عُمره ثلاثة عشر عامًا ودخل في مشاجرةٍ مع أقرانه الذين تكاثروا عليه، كيف أنه وقف معه في مُواجهتهم يدافع عنه بنباحه الشديد حتى أخافهم. تذكَّر تلك المرة التي ابتعد فيها عن قريته الصغيرة وهو يتجوَّل معه حتى أصبح على حافة هضبة صغيرة، فانزلقت قدمه على الصخور فسقط مغشيًّا عليه، وبدأ رأسه ينزف بشدةٍ، فما كان من لوتو إلَّا أنْ عاد مسرعًا إلى أمه ليُخبرها بالخَطب الجَلل الذي حدث مع ابنها، والتي ما إن رأته بمُفرده حتى علمت أن هناك خطبًا ما مع ابنها، فتبعته مسرعةً، لتجد الصغير غارقًا في بِركة دمٍ صغيرة، فحملته وأسرعت به إلى طبيب القرية الذي أسعفه، وحينها علمت الأم والابن أن لوتو ليس مجرد حيوان يربيانه، ولكنه فردٌ مهمٌّ من أسرتهم الصغيرة السعيدة.
كان يشقى لشقائهم، ويسعد لسعادتهم. كان الصديقَ الذي لا يخون ولا يغدر. كان فردًا من الأسرة لا يترك ولا يخذل.
- بابا، احكِ لي مرةً أخرى كيف أن لوتو أنقذني من قبل.
بهذه الجملة البريئة انتشله طفلُه الصغير من ذكرياته مرةً أخرى، فابتسم وهو يقول: ولكني حكيتها لكَ العديد من المرَّات.
أصرَّ الطفل وقال:
- ولكني أريد أن أسمعها مرةً أخرى.
- حسنًا، حينما كنتَ صغيرًا تبلغ من العُمر ستة أشهر، كانت أمك مشغولةً في عمل الخُبز لنا وتركتك على الأرض، فجاء ثعبانٌ يسعى إليك دون أن تنتبه هي، فرآه لوتو فهجم عليه وقتله دون أي ترددٍ وهو ينبح بشدةٍ، ولما انتبهت أمك لما يحدث، أسرعت وحملتك، وقد أرعبتها الصَّدمة. لقد أنقذ لوتو حياتكَ ومنحنا أنا وأمك حياةً أخرى. فابتسم الطفل في براءةٍ وهو يقول في زهو: لوتو شجاعٌ لا يخاف. أتمنى أن أصبح شجاعًا مثله لا أخاف عندما أكبر، فأخذته أمه من حضن أبيه لتضمَّه وهي تقول: ستصبح شجاعًا مثله، بل أفضل منه.
نظر كلاهما إلى ابنهما الصغير الذي سعِد لمجرَّد ذِكر سيرة لوتو؛ فقد كان قادرًا على إسعادهم حتى وهو بعيدٌ عنهم.
نظرت الزوجة إلى زوجها في حنانٍ بالغ وهي تقول: هل تتذكَّر أيام خِطبتنا؟ كنتَ دائمًا تأتي إلى منزلنا معه.
ضحك الأب وهو يقول:
- كنتِ تغارين منه؛ لأني أحبُّه بشدةٍ، ولأننا لا نفترق.
- لم أكن أغار منه.
- بل كنتِ تفعلين. كنتِ تُثيرين المشاكل معي بسببه.
- لم أكن أفعل. كان مجرَّد كلب.
- لم يكن كأيِّ كلبٍ.. كان لوتو.
فهزَّت رأسها بالموافقة وهي تقول مؤيدةً: نعم، كان مميزًا.. كان لوتو. هل تتذكَّر كيف أمسك بذلك اللصِّ الذي حاول سرقة منزلنا يوم زفافنا؟
ضحك الزوج وهو يقول: وهل هذا شيءٌ يُنسى؟ لقد فَزع اللص من شدة نباحه وهجومه عليه، قبل أن أمسكه مع أهل القرية، كان اللصُّ حينها يصرخ ويقول: أبعدوا هذا الوحش عني.. أنقذوني.. فضحكا معًا حتى ترقرقت الدُّموع في عينيهما وقالت الزوجة في أسًى: نعم، كان لوتو. ليس كلبًا عاديًّا مَن هو قادرٌ على إسعادنا حتى وهو بعيدٌ عنا.
سالت الدُّموع من عيني الزوج وهو يقول في ألم: لا أعلم لماذا كُتب عليَّ الفِراق؟! لقد فارقتُ كل مَن أحببتهم.. كل مَن تعلقتُ بهم.. كل مَن كانوا مصدر قوتي وأماني، ثم نظر إلى بُقعة الأرض البعيدة التي تتضاءل أمامهم وأكمل: وها أنا ذا الآن أفارق أرضي وموطني وموطن أجدادي وتربة أبي وأمي، ومعها أفارق لوتو. أصبحت أخاف. أخاف من الحُب.. أخاف من التعلُّق.. أخاف من غدٍ لا أعلم ماذا يحمل.. بتُّ أحمل الكثير والكثير من الخوف. لم أعد أشعر بالأمان في الحياة.
أمسكَتْ بيده بشدةٍ وهي تقول مطمئنةً: لن تفارق أحدًا آخر. أنا وابنك لن نتركك أبدًا. سنكون معًا دائمًا ثلاثتنا. سنذهب الآن إلى أرضٍ جديدة، وننشئ مستقرًّا جديدًا لأحفادنا، سيكون بالنسبة لهم أرض أجدادهم، وسواء هذه الأرض التي فارقتَها أو تلك الأرض التي سنستقرُّ بها، فكلتاهما جزءٌ من وطننا. هذه المرة تُفارق من أجل مصلحة الوطن، وداخل الوطن لن يوجد سوى الشعور بالأمان والانتماء. سيتبدَّل خوفك اطمئنانًا، وَلْتدع الغد لخالقه.. فلا تخَفْ.
نظر إليها ثم قال وهو يمسح دموعه: هل تظنِّينه أوفَى منَّا؟ فقد قفز من القارب ورفض الرَّحيل معنا ليظلَّ في الأرض التي نشأ فيها!
هزَّت رأسها نفيًا ثم قالت: كلٌّ على قدر عقله، فلا مَجال للمقارنة بيننا. لوتو حيوانٌ لا يعي ولا يعرف سوى مَن حوله وبقُربه، فوفاؤه كان لأرضٍ تربَّى ونشأ عليها، أمَّا نحن فأوفياء لوطنٍ نستنشق نسيمه، ونعيش في أمنه، ونأكل من نعمه. لقد تخلَّينا عن الجزء من أجل الكل؛ فكلٌّ كان وفيًّا بطريقته، وسوف يذكر التاريخ دائمًا قصة وفائنا وتضحيتنا.
هزَّ رأسه مقتنعًا وقال: نعم، وفاؤنا سيُسطَّر تاريخًا، ويبني مستقبلًا.
