وَعْدُ غَريبَة
أمسكَتْ بهاتفها ونظرت له في ضجرٍ وهي تتصفَّحه، وأطلقت زفيرًا قويًّا وهي تُحدث نفسها وتقول: لقد تأخرت الرسالة. لماذا لم تردَّ على رسالتي حتى الآن؟
ألقت الهاتف جانبٍا، وجذبت جهاز الكمبيوتر المحمول، وشرعت في قراءة ما كتبته وهي تعدِّل فيه بالحذف تارةً والإضافة تارةً أخرى. أخذت تُعيد قراءة ما كتبت مراتٍ عديدة وهي مندمجةٌ معه، حتى إنها تناست أمر الرسالة المُنتظرة. كانت سعيدةً متحمسة، تكاد لا تصدِّق نفسها بأنها كتبت مثل هذه الأشياء الجميلة، فلقد أعادت إليها الكتابة ما فقدت من ثقةٍ جرَّاء ما حدث معها. كانت متنفَّسها عن غضبها، وشفاء لألمها، ومَنفذها إلى الحياة. لم تكن الكتابة في الأصل فكرتها، لكنْ كانت فكرة تلك الغريبة التي عرفتها مصادفةً من إحدى قنوات "اليوتيوب"، حينما كانت في أسوأ حالاتها؛ حيث كتبت تعليقًا يائسًا على فيديو كان يعبِّر عن حالتها، لتتلقى الكثير من التعليقات ردًّا على ما كتبت، ولكن تعليق تلك الغريبة هو ما لَفتَ نظرها. كانت تدعوها إلى أن تصبح قويةً، وأن تواصل حياتها، وأن تتمسَّك بها ولا تضيع لحظةً منها. أخبرتها أن الحياة ثمينةٌ ولا شيء يستحقُّ أن يجعلها تضيعها هباءً، حزنًا على أشياء لا تستحقُّ، أو أشخاص لا يستحقون. أخبرتها أن تجعل لحياتها قيمة.
سألتها حينها في يأسٍ: كيف لها أن تكون قويةً بعد ما حدث لها؟ وكيف لها أن تُعطي قيمة لحياتها؟!
فأجابتها الغريبة: إن الحياة مليئة بالعَثرات والانتكاسات، فما لها إلا أن تنهض من كَبْوتها، وأن تنفض الغُبار من عليها، وتواصل بابتسامةٍ على وجهها، حتى وإن كانت مُصطنعة، فسيأتي يوم تتحوَّل إلى ابتسامةٍ حقيقية نابعةٍ من القلب، ما دامت لم تستسلم للحُزن واليأس، ولم تدعهما يأكلان قلبها، فكثيرًا ما يتحوَّل الزيف إلى حقيقة، والحُلم إلى واقع، إذا ما لبثنا نغذِّيهما بالأمل والعزيمة، فَلْتتظاهري حتى تتمكني. أمَّا عن قيمة الحياة فَلْتحاولي أن تساعدي الآخرين، أو أن تفعلي شيئًا مفيدًا للمجتمع.. فلتّحدثي فارقًا. لا ترحلي من الحياة دون أن تتركي علامةً بها ولو كان شيئًا بسيطًا.
- الكلام سهلٌ والفِعل صعب؛ فالذي يده بالماء ليس كمثل الذي يده في النار. أنتِ لا تشعرين بألمي.
- لستِ الوحيدة المبتلاة، ولستِ الوحيدة التي تعاني، فهناك مَن يعانون أكثر منكِ. سوف تنسين بمرور الوقت. ولكن هناك غيركِ مَن لن يستطيعوا أبدًا تجاوز مِحنهم، ومع ذلك فهم يحاولون وراضون وقانعون.
- أنتِ لا تعرفين معاناتي حتى تتحدثي معي هكذا، وتُقللي منها؟
- تعليقكِ على هذا الفيديو أوضحَ كل شيءٍ، فأنتِ تعانين من خيانة صديقة.
- الأمر لا يتوقَّف على هذا فقط.
- لا أريد أن أعرف أكثر، ولكنْ أريد شيئًا آخر منكِ.
- مني أنا؟! ما هو؟!
- وعد.
- وعد؟! أيُّ وعد؟!
- عِديني بأنكِ ستنسين وستواصلين حياتكِ كما يجب.. ستتغلبين على ألمكِ وستنتصرين. لا تنهزمي فتصبح الهزيمة هذه المرَّة أكبر وأشد وطأةً؛ لأنها هزيمة أمام النفس.
- لا أستطيع أن أعدكِ، فما حدث لي كان صعبًا وفوق قُدرة احتمالي. فكيف أنسى بهذه السهولة والبساطة؟!
- فلتتوقفي عن ذِكر ما حدث وتذكُّره. إذا ما دأبتِ على تذكُّره فلن تنسي. فَلْتملئي وقتكِ ولا تدعي فراغًا يذكِّركِ. فلتفعلي أشياء تُحبينها وتبرعين بها.
- أحبُّ الكتابة، ولكني توقفتُ عنها منذ زمنٍ.
- فَلْتعودي إذن لها مرةً أخرى، ولتكتبي..
- حسنًا، سوف أحاول.
- كلَّا، بل عِديني بأنكِ ستفعلين ولن تقومي بالمحاولة فقط. ستقاومين كل يأسٍ وكل شعورٍ بالهزيمة، وستكتبين.
- أعدكِ بأنني سوف أكتب مرةً أخرى، بل أعدكِ بأنني سوف أكتب وأنشر. سوف أدع العالَم يقرأ ما أكتب.
- بالتوفيق إذًا.
- مهلًا، نحن لم نتعرَّف على بعضنا. أنتِ تعرفين اسمي، وأنا لا أعرف اسمكِ، فاسمكِ هنا غريبة في الحياة. يُمكننا أن نصبح صديقتين ونتبادل دائمًا الرسائل على الإيميل أو الفيسبوك، وربَّما على الواتس أيضًا.
- لا داعي لكلِّ هذا.
- لِمَ؟!
- ألم تخذلكِ صديقةٌ وتخُنكِ؟! كما أن الحديث مع الغُرباء أحيانًا يكون أكثر راحة وصدقًا وصراحة من الحديث مع الأقرباء. فلتدعينا كما نحن لنكون أكثر صدقًا مع بعضنا.
- ولكنْ إذا أردتُ أن أتواصل معكِ مرةً أخرى، فكيف؟
- هنا على هذا الفيديو، وعلى هذه المحادثة، ولكنْ لا تفعلي هذا إلا بعد أن تكتبي وتنتهي ممَّا كتبتِ.
- حسنًا.
- فَلْتتذكري دائمًا.. أكبر هزيمة هي التي تحدث أمام النفس، غير هذا فهي مجرد وقعات لنُصبح أقوى.
- حسنًا.
- إلى اللقاء.
- إلى اللقاء.
كانت تلك هي المحادثة والوعد الذي غيَّر حياتها، وجعلها تنظر لها من منظورٍ آخر. كانت كلما تألمتْ أو بكتْ، أو كلما حاولت ذاكرتُها جرَّها إلى ذكرياتها.. تذكَّرت حديث تلك الغريبة.. تذكرت مقولتها بألَّا تنهزم أمام نفسها. كانت كلما أُحبطت وبدأ اليأس يتسلل إلى قلبها ليجعلها تُلقي بقلمها جانبًا، تذكرت الوعد الذي قطعته على نفسها لها.. لتلك الغريبة التي أخذت على عاتقها الوقوف بجانبها، دون أن تعرفها، ودون أن يكون لها أيُّ مصلحة خفيةٍ قد تكون غابت عنها، وهي التي رفضت أن تعرف أي شيءٍ عنها، أو أن تتواصل معها بأيِّ طريقة أخرى، فقد أرادت أن تبقى غريبةً بالنسبة لها.
كانت لها تلك الغريبة أفضل من تلك الصديقة التي باعت وخانت دون أيِّ إحساس بذنبٍ أو تأنيب ضميرٍ. كانت صديقتها التي أمنت جانبها واستأمنتها على أسرارها وحياتها.. هي مَن هدمتها وبعثرتها، وكان الوعد لتلك الغريبة هو ما ساعدها وبناها لتقف على قدميها مرةً أخرى، وتواصل حياتها. باتت مُصممةً الآن على إحداث فارقٍ في الحياة. سوف تكتب وستنشر. ستوصِّل تجاربها وأفكارها إلى الآخرين، فلربما تقع في يد شخصٍ ما هو في أمسِّ الحاجة للمساعدة، كما وقع تعليقها في يد مَن ساعدتها ووقفت بجانبها واستطاعت أن تغيِّر تفكيرها.. فقط بكلمات بسيطة، ولكنها كانت نابعةً من القلب فاخترقت القلب مباشرةً كسهم مارق.
وها هي الآن وهي تضع نُقطة النهاية في أول أعمالها الأدبية، متشوقة بشدةٍ لأن تُخبر تلك الغريبة بأنها وفَّت بوعدها لها، وأنها كتبت وانتهت وسوف تنشر.. لتخبرها بأنه مع كل حرف كانت تضعُه.. وكل كلمة كانت تكتبها.. كانت تُعالج نفسها بنفسها، فكانت رُوحها تشفى مع كل حرفٍ يلفظه القلم. لا، لم تكن تلفظ حروفًا فقط، بل كانت تلفظ آلامًا وانكسارًا وهزيمة شعرت بها بعد الخيانة. مع كل جملةٍ كانت تُبنى.. كانت تبني شيئًا جديدًا في شخصيتها وفي ثقتها بنفسها.. باتت بعد أن انتهت شخصًا جديدًا بتفكير جديد ورؤية جديدة في الحياة. كانت الغريبة محقَّة.. هي لم تنهزم أبدًا، بل كانت مجرد وقعة صغيرة نهضت بعدها أقوى وأجمل. هي الآن سعيدة وفخورة بنفسها؛ فقد تصدَّت لحربها الشعواء مع نفسها.. تلك الحرب التي إذا انهزمت فيها كانت ستكلِّفها الكثير والكثير، ولكن لا.. لقد انتصرت على نفسها لتقوِّمها وتصنع منها نفسًا جديدة أقوى وأشجع.. مستعدة دائمًا أن تواجه الحياة بمعاركها وأسلحتها مهما كانت. لم تنهزم أمام نفسها. لم ترفع الراية البيضاء، وهذا يكفيها الآن لتعرف مدى قوة نفسها. هي لم تخسر أبدًا، بل على العكس تمامًا.. لقد كسبت، وكسبت الكثير، لقد انتصرت على صديقة خائنة.. لقد أضحت أديبة، وستصبح يومًا ما مشهورة. لقد أوفت بوعدها لغريبةٍ لا تعرفها، فأصبحت أفضل من صديقةٍ عَرفتها يومًا، ولكنها خانت وعدها معها.. وعد الصداقة، وكسبت نفسها واستعادتها مرةً أخرى. هي الرابحة في كلِّ هذا بالتأكيد.
والآن، سوف تعود لذلك الفيديو وتلك المحادثة، لتُخبر تلك الغريبة بانتصارها الكبير.
بعثتْ لها رسالةً على ذلك الفيديو وانتظرت الردَّ. أخبرتها فيها بأنها وفَّت بالوعد، وتغلَّبت على يأسها وحزنها وكتبت.. وها هي على أعتاب النشر. أخبرتها بأن أول كتابٍ ستُهديه لها، لتلك الفتاة التي عرفتها مصادفةً في لحظة يأسٍ.. تلك الفتاة التي انتشلتها من القاع. ستُخبر الجميع كم هي ممتنةٌ لها، وكيف أن حديثها معها قد أنقذها.
انتظرت ساعاتٍ امتدت لأيام وأيامٍ، ولم تتلقَّ جوابًا على رسالتها، وشعرت بالقلق الشديد عليها، وأخذت تضع السيناريوهات المحتمَلة تبريرًا لعدم ردِّها، فأخبرت نفسها مرةً بأنها ربما مشغولة بأشياء أخرى؛ فهي لن تكون متفرغة دائمًا للردِّ على غريبة لا تعرفها.. ألا يكفي أنها مدَّت لها يد العون مرة؟ فلماذا يجب عليها أن تفعل كلَّ مرة؟! ولكنها نحَّت هذا الخاطر جانبًا وهي تحدث نفسها وتقول: كلَّا.. مَن مدت يد العون مرةً، لا بد أن تكون ذات شخصيةٍ كريمة معطاءة، فلن تبخل على أحد بجزءٍ صغير من وقتها. ثم أخبرت نفسها مرةً أخرى بأن هاتفها ربما يكون معطلًا، فلم تستطع استلام رسالتها ولم ترها أصلًا. وخطر لها مرةً أخرى بأنها ربما تكون مريضةً.. وهنا توقفتْ عن التفكير، وأخذت نَفسًا عميقًا وهي تقول لنفسها: كلا.. كلا، لا تفكري هكذا، لا تستجلبي الحظَّ السيئ فيمن أحسنت إليكِ وساعدتكِ. لا تكوني سيئة الظنون..
ظلَّت هكذا لفترة من الوقت، تراقب الإشعارات في هاتفها، حتى استسلمت تمامًا لهذا السكون، وتوقَّفت بداخلها الظنون والتبريرات، وواصلت حياتها ذات الرؤية الجديدة بأملٍ وتفاؤلٍ، تملؤها العزيمة والتصميم.
وذات يومٍ فتحت هاتفها، فوجدت إشعارًا ينبئُها بوصول رسالة على اليوتيوب.. فتحتها لتجدها منها
، فرحت كثيرًا وأخذت تقرؤها.. كان مكتوبًا فيها: أنا سعيدة جدًّا بالتقدم الذي أحرزتِه، وسعيدة أنكِ حافظتِ على وعدكِ.. ولتعلمي بأنكِ أنتِ مَن ساعدتِني ولستُ أنا مَن ساعدكِ.. أتمنى لكِ التوفيق.
كانت رسالةً مقتضبة ولكنها أثارت فضولها، فأخذت تقرؤها مرارًا وتكراراً وهي متعجبة، وهي تفكِّر في كلماتها الغريبة مثل صاحبتها، وتسأل نفسها: كيف ساعدَتْها وهي التي لم تنطق معها بكلمةٍ، بل على النقيض هي مَن قالت ونصحت، وقد أفلحت، وأمام رسالتها تلك قرَّرت أن تبعث لها برسالةٍ أخرى تستفسر فيها عن قَصدها وما تعنيه.
وتأخَّر الردُّ هذه المرة أيضًا، وهي تنتظر والفضول يأكلها كأكل النار في الهشيم، وأخيرًا جاءها الردُّ ولم يكن مقتضبًا كالمرة السابقة، قائلةً: حينما كتبتِ ذلك التعليق على ذلك الفيديو ورأيتُه أنا، كنتُ أمرُّ مثلك بمرحلة يأسٍ، وكنتُ على وشكِ الاستسلام، فبعثكِ الله وكتبتِ تعليقكِ ورددتُ عليكِ، أو بالأحرى رددتُ على نفسي التي كانت تحثُّني على الاستسلام والقنوط. في الحقيقة لم أكن أحدثكِ بل كنتُ أحدِّثها. كنت أقاومها وأذكِّرها بعدم التخلي عن الحياة. كنتُ في أشد الحاجة لأتحدَّث بصوت عالٍ إلى نفسي.. لأنصحها وأقوِّمها، وجئتِ أنتِ فجعلتِني أتحدث وأبوح وأصرِّح. جعلتِني أصرخ لها بألَّا تستسلم ولا تنهزم. وعندما بعثتِ لي تقولين إنكِ نجحتِ وانتصرتِ على نفسكِ.. فرحتُ كثيرًا؛ لأنكِ أعطيتِ قيمةً لحياتي قبل الرحيل. كنتِ أنتِ الفارق الذي صنعتُ.
- هل تمت خيانتكِ أنتِ أيضًا؟
- نعم، ولكن ليس من صديقةٍ مثلما حدث معكِ، فالخيانة التي تعرضتُ لها أكبر وأقسى.
- هل لي أن أسأل ممَّن؟
- من جَسدي.. من صِحتي.. من الحياة.. وتلك الخيانة لا يُمكن الانتصار عليها أو هزيمتها، ولكننا نقاوم لنطيل الأمد قليلًا فقط لا غير.
- أنتِ مريضة! ممَّ تعانين؟
- لا تسأليني أكثر من هذا، فلم أسألكِ عن سبب خيانتكِ أو كيف حدثت.. فدعينا ننتهي هنا، ولنكون غريبتين جمعتهما الحياة.. فقط لنساعد بعضنا، ولتظلي وفيَّة لوعدكِ لي (لا تنهزمي).
- انتظري، دعيني أساعدكِ.. أخبريني ما خطبكِ؟ فربما استطعتُ مساعدتكِ..
ولكنها لم تتلقَّ إجابة على سؤالها أبدًا، ليظلَّا غريبتين لا يعرفان بعضهما، ولا يربطهما ببعضهما سوى وعدٍ غريبٍ من نوعه.. هو وعد غريبة.
