١٧- جفَّتِ العُيونُ


 

١٧- جفَّتِ العُيونُ

داخل أروقة الجامعة، التقى بها لأوَّل مرةٍ.. جذبته أنوثتها الناعمة.. رائحتها الفوَّاحة كزهرةٍ عطرةٍ في فصل الرَّبيع، تتبَّع خطواتها حتى تحين فرصةٌ تجمعهما. 

حتى حانت اللحظة المُنتظرة.. اجتماع اتحاد الطَّلبة للترحيب بالطَّلبة الجدد، ومحاولة إشراكهم في بعض الأنشطة والأسر المتنوعة. 

ابتسامةٌ ثم إيماءةٌ.. فتشجع قائلًا: 

- صباح الخير يا آنسة. 

وكأنَّها كانت في الانتظار.. 

أجابته بخجلٍ وبضربات قلبٍ صاخبةٍ: 

- صباح الخير.

- أنا أحمد زميلك في سنة رابعة.

اكتفت بالابتسامة.

استكمل حديثه قائلًا: 

- دفعة سنة أولى تحتاج إلى معرفةٍ بقواعد الجامعة، من أوراقٍ وكشفٍ طبي وغيره من الإجراءات، أنا هنا تحت أمرك. 

- يا ترى بتهتموا بكل الدفعة؟

- يقوم عمل اتحاد الطَّلبة في الاساس على ذلك، هناك العديد من الأسر لخدمة الطَّلبه، تقدم رحلاتٍ وخدماتٍ أخرى عديدة.

أتمنى أن تستطيعي الحضور يومًا ما، فمن الممكن أن تنضمي إلى إحدى تلك الأسر.

- إن شاء الله.. 

- لم تخبريني بالاسم.

- ندى.

مرَّ شهر.. اتنين.. ٦ شهور..

ظلَّ يسهر الليالي على نغمات الأغاني، يتغنَّى بكلمات الحب والهيام.. يكمل باقي الحكاية في حلم كل ليلةٍ.. ثم اعترف لها: أنا بحبك. 

ابتسمت بفرحةٍ وتلعثمت قليلًا قائلةٍ: كنت أعلم. 

لم يبدُ عليكِ أنكِ تلاحظينني قط.

ابتسمت في حياءٍ وقالت: الحبُّ يكشف نفسه دائمًا.

- هل لقلبي فرصةٌ معكِ؟

- ألم أقل لك إنَّ الحب يكشف نفسه؟

مرَّت شهور وعاد يسألها كي يطمئنَّ قلبه:

- هل ستنتظرينني؟

- العمر كله. 

- بعد انتهاء هذا العام.. وبعد أن أستلم أوَّل وظيفةٍ، سأتقدَّم للأسرة. 

وبعد مرور ثلاث سنواتٍ.. وقف ينظر إليها قائلًا: 

- أخيرًا اجتمعنا خلف بابٍ واحدٍ وتحت سقفٍ واحدٍ. 

نظرت إليه بنظراتٍ مليئةٍ بالعشق متمتمةً:

- اليوم فقط تحقَّقت أحلامي.. 

- أعدكِ بالسَّعادة.. لن نفترق أبدًا. 

- لن أعيش إلَّا بقربك. 

(بعد ٣ سنوات)

استقبلته على باب منزلهم بلهفةٍ وهي تحمل ابنها على يدها، وآثار الحمل من تعبٍ وإجهادٍ باديةٌ عليها.. 

بشَّرها قائلًا: 

- الحمد لله.. حصلت على عقد عملٍ.

ضمَّته بسعادةٍ وفرحةٍ كبيرةٍ: 

- أخيرًا.. الحمد لله، متى سنسافر؟

- تقصدين متى سأسافر؟

نظرت إليه مصدومةً وتساءلت: 

- هل ستبعد عنِّي وتتركني؟

أجابها: 

- لم يكن الأمر بيدي، فقط لمدة عامٍ واحدٍ.. حتى تلدي ثم نجتمع معًا. 

- ستتركني بالأبناءِ بمفردي!!

- عليكِ أن تتحملي قليلًا، فمن الصعب عليَّ ترككم، لكن ما باليد حيلة.. لا تصعبيها عليَّ. 

تركته باكيةً لا تستطيع أن تتخيَّل أن تبتعد عنه لساعاتٍ وليس لشهورٍ وسنواتٍ. 

وجاء يوم السفر.. ودَّعته قائلةً: 

- ستتصل بي كلَّ يومٍ وكلَّ ساعةٍ. 

- أعدكِ.. 

بعد مرور خمسة عشر عامًا من الغربة وحيدًا..

انتهى وقت الدَّوام في تمام الساعة الثانية.. لكن كانت هناك أعمالٌ أخرى عليه أن ينتهي منها اليوم.. استمرَّ في الدَّوام حتى الساعة السابعة مساءً.. ثلاثة أيَّام على هذا النَّحو، ينتهي من العمل في السَّاعة السَّابعة. 

وصل منزله منهكًا ومرهقًا لا يقوى على القيام بأي شيءٍ.. يتضوَّر جوعًا، ولا يملك أن يطهو طعام اليوم، ولا يقوى على الذَّهاب إلى أي مطعمٍ ينتظر الطَّعام ثم يأكل ثم يذهب مرةً أخرى إلى البيت.. يشعر بالتَّعب.. يريد أن يصل إلى البيت فقط..

ينظر حوله، ما هذا البيت الكئيب؟ لم يكن يومًا بيتًا، فهو صحراءُ من دون حبيبة العمر ورفيقة الدَّرب وصغاره.. يفتقدها كلَّ يومٍ.. يتألَّم في صمتٍ فالوحدة قاتلةٌ، فما بال الوحيد الذي حرم نفسه من حبيبته! منذ خمسة عشر عامًا ولم يجتمعا كما كان يرسم ويتصوَّر حياته.. خمسة عشر عامًا منذ أن وعدها بالقرب ولم يفِ بوعده.. 

ماذا لو كانت معه؟ كانت الحياة ستصبح جنةً على الأرض و.. و..

قطع حديث النَّفس رسالةٌ على شبكة التَّواصل الاجتماعي (الواتس آب):

- بابا حبيبي، وحشتني.. 

- أفتقدك يا حبيبي..

- أريد أن أشكو لك من أمرٍ يغضبني؟

- ما هو؟

- المدرسة تعدُّ رحلة نصف العام إلى مدينة شرم الشيخ لمدة خمس ليالٍ فقط مقابل ٣٠٠٠ جنيه للفرد، وأمي ترفض اشتراكي أنا ونهى.. أرجو منك إقناعها. 

أغلق الرَّسائل دون أن يجيبه.. يرى ابنه يرسل أكثر من رسالةٍ ينتظر الرَّد.. تلحقها رسالةٌ من ابنته لنفس الأمر. 

ترك الهاتف وذهب إلى غرفته يفكِّر فيما قدَّمه منذ أعوامٍ وأعوامٍ.. 

شقَّة فاخرة.. مدارس دوليَّة وسيارة تحت المنزل.. لكنَّه حرم من أهمِّ شيءٍ في حياته، أسرته ودفئها.. 

ذهب إلى هاتفه واتَّصل بها مكالمةً مرئيةً.. يريد أن يعاتبها..

فتحت المكالمة.. نظر إليها فوجدها في غرفتهما وحيدةً حزينةً.

سألها: ما بكِ؟ أرى عيونك ذابلةً..

بكت دون صوتٍ.. ثم ابتسمتْ بسخريةٍ وقالت:

عيوني ذابلةٌ!!.. 

خمسة عشر عامًا وأنا عيوني ذابلةٌ.. خمسة عشر عامًا وأنا أعيش على أمل أن نجتمع معًا.. 

خمسة عشر عامًا وأنا وحيدةٌ على فراشي.. خمسة عشر عامًا من العمر تناثرت أشلاؤها في وحدتي.. ذهب الشباب وبدأ الشِّيب يزحف إلى شعري.. شابَ الشَّعر قبل أن يعيش شبابه مع من اختاره قلبي.. ذبلت العيون قبل أن تتفتَّح.. جفَّت العيون قبل أن ترتوي.. مات العمر قبل أن يبدأ..

لكنَّه لم يردَّ على حزنها المسموع، فهو يتَّصل ليعاتبها، لكنَّه عاب على الزَّمن وعلى الحياة وعلى الغربة.. ونسي أنَّه من فعل وبإرادته.

تعليقات