١٣- عازفٌ بلا قِيثارةٍ
استيقظ الزَّوج صباحًا. لم يجد زوجته بجانبه كعادتها كلَّ يوم.. توقَّع أنْ يجدها تعدُّ طعام الفطور.. إلَّا أنه لم يجد لها أثرًا في جميع أركان المنزل.. فتح خِزانة الملابس يستعدُّ للذَّهاب إلى عمله، لكن هاله ما رأى عند فتح ضلفة الخِزانة الخالية من ملابس زوجته..
رفع هاتفه يحدِّثها، لكنَّه وجد هاتفها مغلقًا. ذهب إلى ابنته الصُّغرى في غُرفتها فلم يجدها أيضًا، ولم يجد ملابسها هي الأخرى!
اتَّصل بابنه الأكبر فلم يجد عنده علمًا بأي شيءٍ. جُنَّ جنونه، يتساءل: لماذا تركَتْ زوجته الحبيبة وابنته المُدللة منزله دون إخباره؟ ماذا حدث بينهما أدَّى لذلك؟
كانت ودودةً الليلة الماضية؛ أعدَّت طعام العشاء بما لذَّ وطاب، وهي تتدلَّل بابتسامتها الصافية المعتادة. ضحكا وتسامرا لساعاتٍ حتى ثمُل الرَّأس من الضَّحكات.
ذهبَ إلى مكان عَملها فلم يجدْها قد داومت اليوم. نظر إليه زملاؤها في العمل نظرةً لم يفهمها جيدًا. هل هي نظرةُ لومٍ، أم تشفٍّ، أم شفقةٍ...؟ لا يعلم. قرَّر أن يحدِّث صديقتها المُقربة على انفرادٍ؛ فهو لا يريدُ أن يُثير تساؤلاتهم أكثر..
سألها والقلقُ ينهشُ قلبه:
- هل تعلمين أين ذهبت؟
أومأتْ برأسها قائلةً:
- نعم، أعلمُ مكانها..
فتساءل: لماذا ذهبَتْ وتركتْني؟ وأين ذهبت؟
أجابَتْه بسؤالٍ:
- تسألُ الآن لماذا ذهبت؟... مَن يُمكنه الرَّد على هذا السؤال هو أنت.. لكنْ قبل أن تُجيب، عندي لك سؤالٌ:
ماذا أضفتَ لها طوال الثلاثين عامًا الماضية؟
وقف الزَّوج متعجبًا من هذا السؤال.. وقف يفكِّر فيما ألمحتْ إليه تلك المرأة.. ما الذي تعلمُه ولا يعلمُ هو عنه شيئًا؟..
ألم يكن هو الزَّوج الحنونُ المُحب.. ما هو المطلوبُ من الزَّوج ليقدِّمه أو يُضيفه لزوجته؟.. فنظر إليها وتمتم قائلًا: "الأمان".
فسخرَتْ منه قائلةً: حقًّا الأمان!.. محتمل!!
تركها وذهب إلى منزلِه بعد أنْ أصابته رجفةٌ قويةٌ؛ رجفةٌ تُشبه تلك التي أصابته يومَ أنْ فَقدَ أمَّه.. نعم، كانت له أمٌّ وابنةٌ وزوجةٌ.. كيف هانت عليها العِشرة؟!
تدثَّر بالأغطية داخل فِراشه كما لو كان في شهر ديسمبر المُثلَّج وليس أول أغسطس الحارِّ.
***
وقف يطرُق الباب قلقًا ممَّا حدث بين والديه، فاستقبلَتْه شقيقتُه الوسطى. اندفع إلى والدته متسائلًا:
- ماذا حدث يا أمِّي؟ لماذا تركتِ بيتكِ؟
تبادلَتِ الأمُّ النظرات بين أبنائها، ثم بدأَتْ حديثها بحِدَّة وانفعالٍ قائلةً:
عندما التقيتُ به أوَّل مرةٍ كنتُ أعمل.. كنتُ شخصيةً ناضجةً تستطيعُ أن تعول نفسها. كان يكبُرني بخمسة أعوامٍ.. وجد فيَّ كلَّ مواصفات الزوجة الذي تمنَّاها يومًا،
ولم أجد به ما يجعلُني أتردَّد في الزَّواج منه.. وفي غُضون عدة شهورٍ تزوَّجنا.. وجدتُه رجلًا يقدِّس الحياة الزَّوجية.. منظمًا ودقيقًا في كلِّ تصرُّفاته.. لم يمضِ العامُ إلَّا وقد رزقنا الله بكَ.
ومنذ هذه اللحظة تغيَّرتْ طريقة تفكيره، فما كان منه إلَّا أنَّه طلب مني راتبي كاملًا، بعد أن داومتُ عملي بعد انقضاء إجازة الوَضْع، وعند استفساري عن السَّبب كانت إجابتُه بكلِّ هدوءٍ وصرامةٍ في آنٍ واحدٍ:
- أصبح الآن لدينا ابنٌ يحتاج إلى ادِّخار المال.
لم يكن هناك مجالٌ للنقاش بيننا يسمح لي بمعرفة آلية الادخار.. فرضختُ لما طلبه دون أنْ أعترِض.. ودون قلقٍ؛ فأنا أعرفُه.. أو كنتُ أعرفُه!
تكفَّل هو بكافة مصاريف المنزل ومصاريفي الشَّخصية، ولكن بالطَّبع في أضيق الحدود، فكان مصروفُ يومي يكفي المواصلات وكوبًا من المشروبات في مقرِّ العمل. كنتُ أقف يوميًّا أمامه كالطِّفلة في انتظار المصروف.. لم أتبرَّم ولم أغضب؛ فهو منظمٌ ودقيقٌ ويتصرَّف بحكمةٍ..
كان هو من يقومُ بكلِّ شيءٍ.. كلِّ شيءٍ، يُحضر لي كسوةً محدودةً كلَّ عامٍ، وبالطَّبع لا أملكُ رفاهية الاختيار.. يختارُ لي ويحدِّد، وأنا أطيعُه بحُب ورضا.. ظللتُ على هذا الوضع سنواتٍ وسنواتٍ.
كانت صديقاتُ العمل يتَّهمْنني بالحرص الشديد وعدم مُشاركتي لهم في أي احتفالٍ أو مناسبةٍ؛ فأنا دائمًا خارج مُجاملاتهم أو التزاماتهم. كما تعلم.. في العمل، الزُّملاء يتعاونون، ويتشاركون مُناسباتهم وظروفهم الصعبة.. دائمًا أنا خارج كل ذلك، ولم أشرح أو أفسِّر سبب بُعدي عن تكافُلهم.
لم أذهب إليه يومًا شاكيةً من أثر كلماتهم عليَّ.. لم أتوقَّف شهرًا عن إعطائه راتبي، حتى تخرَّجتَ من جامعتك.. وتسلَّمتَ وظيفتك..
وجدتُه يومًا ينفردُ بي في غرفتنا، ليُخبرني برغبته في البحث لكَ عن زوجةٍ تلائمك، وكان يتلاعبُ بي قائلًا:
- ابحثي له عن زوجةٍ تُشبهكِ، وإن كنتُ أشكُّ أن هناك مَن تُشبهكِ.
إطراؤه أسعدني، لكني في نفس الوقت تعجَّبتُ من حديثه، واستنكرتُه قائلةً:
- هل تريدُه أن يتزوَّج في هذا العُمر، قبل أنْ يُعدَّ نفسه لمصاريف الزَّواج ومسؤولياته؟
فلطمني ما صرَّح به حينها عندما قال:
- لا تقلقي؛ فقد أعددتُ كلَّ شيءٍ. منذ أنْ رزقنا الله به وأنا أدَّخر مبلغًا من المال في حسابٍ يخصُّه كلَّ شهرٍ، وقبل أن يكتمل السنُّ القانوني، قمتُ بسحب رصيده من البريد وشراء شقةٍ صغيرةٍ بالقُرب من منزلنا، حتى لا تشعري ببُعده عنكِ وتسعدي بحمل أحفادكِ، وها هو العَقد..
كادت الأرضُ أن تَميد بي.. لماذا لم يُخبرْني بهذا الأمر من قبل؟ لماذا لم يُشركني به؟ أليس المالُ مالي؟!! أليس من حقِّي معرفةُ ما يُخطِّطه لحياة ابني؟
لكني تغاضيتُ عن الأمر وقرَّرت أن أعبر معه الحياة، وأبحث لك عن زوجة المستقبل، وسَخِرتُ من حالي قائلةً:
- الحمد لله أنَّه ترك لي أمرًا في الحياة، كاختيار زوجةٍ لابني، لكنك أيضًا لم تترك لي أي حقٍّ، بل عارضتَني بقوةٍ، لم ترضَ عن أيٍّ ممن عرضتهنَّ عليك من فتياتٍ، وقررتَ أنْ تتزوَّج زميلتَك.
ولم يُحاول أنْ يُساندني ويُثنيك عن اختيارك، بل باركه دون إرادتي.. لم أكن يومًا أُمًّا متحكمةً، لكنَّها فرحة مَن وجدا أخيرًا حقَّ الاختيار والمشاركة.. لم يكن اختيار زوجتك بالنسبة لي سوى فرصةٍ منحني إياها لأُشاركه برأيي، بعد أن سلبني مالي وإرادتي..
وتزوجْتَ أنت بمَن أردتها، وبعد فترةٍ، علمتُ من زوجتك أنَّها تدَّخر كلَّ راتبها في حسابها البنكي، حتى بعد أنْ رزقكم الله بالأبناء.. ولم تصنع صَنيعة والدك..
ثم مرَّت الأيام وتخرجَتْ شقيقتك، وبدأ يتهافت علينا العِرسان طالبين الزواج، حتى رزقها الله بالزَّوج الصالح.
وقتها تساءلتُ في حيْرةٍ قائلةً:
- كيف لنا أن نتدبَّر تكاليف الزواج؟
ابتسم كعادته قائلًا:
- سيدبِّر الله أمر كلِّ شيءٍ، لا تقلقي..
تمرُّ الأيام والشهور، ويزداد القلق بداخلي، أريد أنْ أعلم كيف سنتدبَّر الأمر؟
حتى اقترب وقت الزَّواج، وعلينا الوفاء بما تمَّ الاتفاق عليه.
وفي ظهيرة أحد الأيام أثناء فترة الدَّوام هاتفني قائلًا:
- استعدي مساءً أنت وابنتك لشراء كلِّ طلبات زواجها.
ثم أغلق الهاتف وتركني في ذهولٍ، كيف تدبَّر الأمر؟!
لم أطق صبرًا حتى ينتهي وقت العمل.. فتركتُه وذهبتُ إلى المنزل لأجد والدك ومعه حقيبةٌ بها مبلغٌ كبيرٌ من المال.. اندفعتُ متسائلةً:
- هل أخذت قرضًا بضمان عملك؟
ابتسم غير مُبالٍ:
- ولماذا أقترض؟
- إذن، من أين لك هذا؟
أجابني مبتسمًا:
- من حُسن التدبير.
وهنا صارحني أنَّه كان يدَّخر جزءًا آخر من راتبي في شهادات طويلة الأجل باسم شقيقتك من أجل تلك اللحظة، وقد حان اليوم موعد استردادها.. شعرتُ بخيبة أملٍ لم تصبني من قبل. لم أتفهَّم حقيقة مشاعري وقتها! هل من المفترض أن أكون سعيدةً لسِتر الله لي ولأسرتي بزواج أبنائي؟.. أم أحزن على عدم مُشاركتي لزوجي في أي أمرٍ يخصُّ حياتنا؟!
كيف جرؤ على أن يحصرني في هذا الدَّور؟! يسلبني إرادتي وحقِّي في مالي دون أن يرفَّ له جفنٌ.. وهل هو كما وصف نفسه أحسنَ التدبير، أم هو أخبث التفكير؟!..
كلُّ أصدقائنا وزملائنا كانوا يحسدونني على أبيكم، ذلك الرَّجل الحكيم الرَّزين، الذي استطاع أن يزوِّج اثنين من أبنائه وهو ما زال شابًّا.. لا أحد يراني.. لا أحد يقدِّر لي دوري.. حتى هو لم يُثن يومًا على تضحيتي وعلى رضائي!
ومنذ شهور بعد أن حصلتُ على إرثي، قررتُ أن أقتطع جزءًا منه لقضاء مناسك الحجِّ، بعد أن قررتُ ألَّا أصارحه بالقيمة الفعليَّة لما آل لي من ميراثٍ؛ حتى لا يفكر بالسفر معي، أو يتطرَّق ذهنه للحصول عليه لغرضٍ آخر لا علم لي به كعادته.
وواجهته قائلةً وأنا سعيدةٌ أنني أخيرًا سأتخذ قرارًا يخصُّني وحدي ولا يد له فيه:
- قررتُ أن أسافر لقضاء مناسك الحجِّ هذا العام..
نظر إليَّ مبتسمًا بهدوئه المستفز قائلًا:
- فكرتُ في هذا الأمر منذ أسبوعين قبل أن تقرري ذلك، بعد أن علمتُ أنكِ ستحصلين على إرثكِ، وعلمت أنَّه يكفي ويفيض؛ لذا فقد قدَّمت لكِ أوراق حصولكِ على جواز سفر كي تتمكني من التقديم على تأشيرة الحجِّ.. ها هو جواز سفرك يا حبيبتي.
أصابني غضبٌ شديدٌ وثورةٌ تملَّكت كل أوصالي. لم يترك لي أي فرصةٍ لاتخاذ أي قرارٍ بمفردي.. أنا لست عروسًا من الماريونيت يحرِّكها بأطراف أصابعه.. قررت تأجيل السفر للعام القادم ولكنْ لن أُعلمه.. وانتظرت حتى تنتهي شقيقتك من امتحاناتها، وبعد أن التحقت بكُلية الطب كما كانت تأمُل، التمعت الفكرة في رأسي.
نعم، سأحظى بحقِّي في الحياة كما أريد.. لن أتركه يدير لي حياتي كما كان بعد الآن. قررتُ أن أتعلَّم ممَّا مضى.
ذهبتُ إلى أحد البنوك ووضعتُ قيمة إرثي بالكامل في وديعةٍ بعائدٍ شهريٍّ، ثم استأجرتُ بهذا العائد شقةً صغيرةً بالقرب من الجامعة، جهزتُها ببعض قطع الأثاث كما ترى أمامك الآن؛ كي تصلح للانتقال إليها.. وتقدَّمت بطلب نقلي إلى العمل هنا في المدينة.
استطعتُ أن أخدعه كما خدعني طيلة الأعوام السَّابقة، وبعد أن نفَّذت خطتي، كنت أفيض دلالًا عليه، وأغدق عليه كلماتٍ حانيةً تفوق كل ما سبق من أعوام.. حتى لا يشكَّ في مُخططي.. وفي مساء الأمس بعد أن أعددتُ له طعام العشاء، وضعت له القليل من المنوِّم في كوب الشاي.. ذهب في سُباتٍ عميقٍ أتاح لي أن أُلملم كل أشيائنا أنا وشقيقتك في حقائب سفرٍ، ثم استعنتُ بأحد صديقات العمل التي حضرت بسيارتها أسفل المنزل؛ لتقلَّنا إلى منزلنا الجديد، بعد أن تركتُ حياة التحكُّم والتجبُّر، لأبدأ حياةً جديدةً مليئةً بالحرية والانطلاق.. أنا سيدةُ نفسي، والقرار قراري.. ليس من السَّهل يا بني على إنسان أن يعيش وكأنَّه ظلٌّ بعد أن كان شخصًا مؤثرًا صاحب قراره. أبوك قتل روحي وجعلني صورةً لامرأةٍ بلا ملامح أو روح..
أنهت الأمُّ حديثها بدقات قلبٍ عنيفةٍ تخترق صَدرها.. أنهت حديثها كنهاية العدَّاءة في ماراثون للجري.
باغتها الابن متسائلًا بهدوئه الموروث من والده:
- وهل وجدتها يا أمِّي؟
عاتبته شقيقته الكبرى بالنَّظرات قبل أن تجيبه الصُّغرى مندفعةً قائلةً:
- ستجدها في أيَّامها القادمة بالتأكيد.. لم يراعِ أبي ما قدَّمته أمي لنا وله من قبلنا على مدار كلِّ تلك الأعوام.. كان يقف مزهوًّا بما فعل ولم يذكُرها يومًا... لكنْ للأسف لا يشعر الرِّجال بما يفعلونه من أذًى للنساء بتهميشهم هكذا.. من حقِّها أن يقول ماذا قدَّمت لنا؛ لأنها قدَّمت الكثير..
اكتفى شقيقها بالنَّظر إليها دون أن يردَّ عليها، والتفت إلى شقيقته الوسطى متسائلًا:
- هل ستقضين اليوم هنا أم ستذهبين إلى منزلك؟
فأجابت مندفعةً:
- بل سأذهب معك، فلن أُخبر زوجي بما حدث.
عاتبتها والدتها قائلةً:
- لن تخبريه!! لماذا؟ هل تخجلين ممَّا فعلت؟
أجابتها ابنتها بخوفٍ:
- ماذا أقول له يا أمِّي؟ تركت أمي المنزل لأنَّ والدي كان يحصل على راتبها منذ ثلاثين عامًا!!
فتمتم الأخ قائلًا:
- أمي، لن نقول شيئًا حتى يتسنَّى لنا ولك إعادة التفكير مرةً أخرى.. لم يكن تسلُّلك مساءً بالأمر الهيِّن يا أمي، ولا يجب أن يعلم به أحد..
سأمرُّ عليك غدًا صباحًا.
****
سمع صوت باب المنزل، ظنَّ أنها رجعت.. نظر إلى الباب منتظرًا إقبالها عليه.. لم تكن هي، بل كان ابنه هو من جاء.. اقترب منه يطمئنُّ عليها..
فسأله:
- هل علمتَ بمكانها؟
فأجابه:
- نعم، وقابلتها.
أزاح الأبُ غطاءه ونهض قائلًا: سأرتدي ملابسي وأذهب إليها..
فأوقفه ابنه قائلًا:
- ليس اليوم يا أبي.. اتركها تهدأ قليلًا.
تنهَّد الأب متسائلًا:
- تهدأ قليلًا!!.. من ماذا؟
ظلَّ الابن صامتًا.
فصاح الأب قائلًا:
ماذا قالت لك؟ أجبني!!!
أجابه متلعثمًا: تريد الطَّلاق.
- والسبب؟
- تتهمك بعدم مُراعاة وجودها على مدار كلِّ تلك الرحلة.
- كيف؟
بدأ يقصُّ على مسامعه كل ما حدَّثته به والدته منذ قليل.
صمت الأب قليلًا.. ثم نهض من مكانه متوجهًا إلى المطبخ، فلحقه الابن متعجبًا وهو يراه يفتح البرَّاد ويُخرج منه قطعةً من اللحم المفروم، ثم أشعل الموقد، ووضع وعاءً كبيرًا عليه، وتركه حتى يسخن جيدًا، ثم وضع قطعة اللحم داخله، فتصاعدَتْ منه أدخنةٌ قويةٌ ناتجةٌ عن صدمة اللحم بسبب الحرارة المرتفعة، كتلك الصدمة التي تلقَّاها والده اليوم.. ثم بدأ بتقطيع البصل إلى شرائح صغيرةٍ فتفيض عيونه بالدَّمع، وكأنَّه يبكي ألمًا على ما أصابه.
كانت حركاتُه بطيئةً يبدو عليه الإنهاك والوهن.. تقدَّم الابن إلى والده محاولًا مساعدته، لكنه أوقفه بيده وأكمل إعداد تلك الوجبة المفضَّلة لديهم.. ثم وضع صحنين على الطَّاولة، وأشار لولده أن يشاركه الطَّعام..
جلس كلٌّ منهما في مكانه المعتاد، وبدآ يتناولان الطَّعام في صمتٍ، حتى اخترقه الابن قائلًا:
- لم تستطع زوجتي أنْ تطهو تلك الوجبة مثلما اعتدناها منك يا أبي..
ثم استرسل في حديثه قائلًا:
- لن أنسى فرحتنا كلَّ خميس عند قدومنا مساءً بعد زيارة جدتي، وقد وجدناك قد أعددتَ لنا تلك الوجبة الشهية.. أو ساندوتشات الكبدة الإسكندراني.. أو شطائر البيتزا التي كانت تعدُّ اختراعًا آنذاك.. كنت دائمًا أترك بعضًا منها كي أتناوله في المدرسة يوم السبت.. كنتُ أشعر بالزَّهو من نظرات أصدقائي لها.
هل تتذكَّر يا أبي عندما أُصبتَ إحدى المرَّات بتعبٍ أعاقك أن تعدَّ لنا طعامًا يوم الخميس، فتطوعت أمي بإعداده لنا، لكنَّه كان شيئًا آخر لا علاقة له بذلك..
ابتسم الأب بحزنٍ وظلَّ صامتًا؛ فقد كانت كلماته لها وقعٌ كالسَّهم النافذ في القلب..
فتحدَّث الأب قائلًا:
- كان قرار والدتك قرارًا صائبًا، جامعة شقيقتك تبعدُ عن مدينتنا أكثر من ساعةٍ ونصف، وهي جامعة عملية تحتاج الحضور يوميًّا، وليس مقبولًا أن نترك شقيقتك بمفردها في مدينةٍ أخرى.. القرار الصائب هو انتقال والدتك معها..
هل تتفهَّم ما أقصده؟!!
أشار الابن بالإيجاب، لكنَّه لم يفهم.. هل تلك الكلمات تعني مُوافقة الأب على الانفصال؟.. هل سيرضخ هكذا دون محاولةٍ؟ أسئلةٌ كثيرةٌ دارت في رأسه لا إجابة لها إلَّا عند والده.
***
مرَّت عدة أيامٍ لا يفارق الأب منزله..
يتناوب عليه الأبناء..
لا يترك لهم مجالًا للحديث فيما حدث.. طلب منهم إحضار شقيقتهم الصُّغرى..
وبعد أيامٍ اجتمعوا معًا..
ولأوَّل مرةٍ منذ أن وعوا الدُّنيا.. يرون الدَّمع يتلألأ في مُقلتيه..
لم يتحدَّث عن والدتهم..
أعدَّ لكل منهم الطَّعام المفضَّل له..
أراد أن يُخبرهم بالحقيقة الأخيرة المخفيَّة في حياته قائلًا:
- عندما تزوَّجنا أنا ووالدتكم، كنتُ لا أملك من الدُّنيا سوى تلك الشَّقة الصغيرة التي اجتهدت كثيرًا للحصول عليها.. وبعد شهورٍ قليلةٍ، وبعد أن رزقنا الله بأخيكم.. فكرت مليًّا،
كيف لي أن أوفِّر حياةً كريمةً لأسرتي وأنا لا أملك سوى تلك الجدران وراتبي المتواضع؟.. فانبثقت في رأسي تلك الفكرة، وهي فكرة ادِّخار راتب والدتكم..
كنت أنتظر منها أن تسألني أو تستفسر عن آلية الادِّخار، ولكنَّها لم تسأل.. وسعدت بعدم سؤالها آنذاك.. فقط كنت مشوشًا، أبحث عن أي وسيلةٍ للادِّخار.. ولأنِّي لا أملك فنون التِّجارة، لم أحاول أنْ أنشئ عملًا خاصًّا بي، وقررت أن أدَّخره بالطُّرق المأمونة، وهي الشَّهادات.. قدَّرت وقتها موقفها معي وعدم سؤالها عن راتبها.. فقد كانت وما زالت نعم الزَّوجة.. كنت أعطي القليل ولا تعترض.
كنتُ أخجل من جَميلها كل يوم.. أنا الرَّجل الذي أمره الله بالقوامة على الزوجة، وبدلًا من الالتزام بها، أحصل على مدَّخراتها.. في كثيرٍ من الأحيان كنت أفكر في التَّراجع عن فكرتي، وأنْ أردَّ لها أموالها، وأترك الأمر لله ثم لظروف الحياة وقتها.
لكن كانت التزامات الحياة تزداد يومًا وراء يومٍ، ولا يمكنني التَّراجع.. وكنت أتساءل: ماذا لو تغيَّر القلب بين ليلةٍ وضحاها.. وانقلب الحبُّ إلى بغض؟.. ظللتُ أفكر وأفكر حتى لمعت الفكرة في رأسي، وتوصلتُ إلى قراري، وهو تنازُلي عن نصف الشقة إلى والدتكم.
وقتها فقط شعرت أنَّني مرتاح البال.. لم ينتابني شعورٌ بعدها أنَّني أحصل على راتبها دون حق، بل شعرت أنَّني أتصرَّف في مالي لصالح أبنائي كما يتراءى لي.
اعتدت التصرُّف منفردًا في كل أمور الحياة دون الرجوع إليها، كما كنتُ طوال حياتي قبل ارتباطي بها.. وهي لم تعترض أو تُظهر أي رفضٍ بالقول أو حتى بالنَّظرات، ولم أُدرك حينها أن الزَّواج معزوفةٌ موسيقيةٌ لا يمكننا الاستماع إليها دون التحام العازف مع قِيثارته.
***
أنهى الأب حديثه بصوتٍ متهدج منهكٍ يملؤه الحزن والشَّجن.. ودَّعه الأبناء وبداخلهم ألمٌ تجاه كلٍّ من والدهم ووالدتهم.. كم هي قاسيةٌ تلك الحياة.. تحمل قلوبًا نقيةً وعقولًا مظلمةً.. فينتصر العقل على القلب أحيانًا..
وبعد مرور أيامٍ قليلة.. بعد أن علمت الزَّوجة بما كان يدور في عقل زوجها.. ظلَّت في حالة ترددٍ، فهي تنتظر قدومه لها معتذرًا... لكنَّه لم يأتِ..
جرحته دون أن تشعر.. تركت نفسها لوساوس صديقتها بعد أن أفضت لها بسرِّ حياتها.. تركت نفسها لغيْرة الأنثى تجاه زوجة ابنها..
واليوم، تترك نفسها لتلك الكلمة اللعينة المسماة (كرامتي)..
تنتظر قدومه أو مكالمةً مفادها: ارجعي.. انتظرت عدَّة أيامٍ ثم لم تطق بعدها صبرًا.. اتصلت لكنَّه لم يُجب.. اتصلت مرةً تلو الأخرى.. لكنه لم يُجب..
قلقتْ.. ذهبت هي وأبناؤها لرؤيته، واستعادة حياتهم مرةً أخرى، لكنَّهم وجدوه ملقيًّا على الأرض بجانب فراشه.. متجمِّد الأطراف.. لا يحرك ساكنًا.. سكتت عن الكلام، وكأنَّها لم تعرف للحروف طريقًا..
أصابها الصَّمم.. كما لو لم تعرف للصوت رنينًا..
انعزلت عن الحياة.. لا تدري هل هي مَن قتلته يوم رحيلها..
أم هو مَن قتلها بعد موته!
فإن كان الزَّواج معزوفةً موسيقيةً.. فهل للقيثارة نغمٌ بعد رحيل عازفها؟!
وعلى الجانب الآخر، لم تكتفِ الصديقة بما وسوست به وعكَّرت صفو حياة صديقتها.. بل بدأت في إلقاء اللوم على الزَّوجة ناكرة الجَميل.. الزَّوجة التي تركت زوجها فقهرته حتى الممات..
فتحدَّث الابن للجميع.. أن قرار انتقال والدته لم يكن قرارها، بل كان قرار والده.. شعورًا منه بدنوِّ الأجل.. وحتى يتسنى لشقيقته أن تدرس ما تمناه لها يومًا دون مشقَّة السَّفر..
اليوم فقط، فهم الابن كلمة والده.. ظلَّ بحكمته وحسن تدبيره، يدير الحياة حتى بعد رحيله.. ودَّ أن يخبره أنَّه عازفٌ ماهرٌ، وقيثارته لم يفارقها ألحانه حتى بعد وفاته.
