١- - اللَّوْحَةُ
صدمَتْها كلماتُه وصُراخه وهو يُلقي عليها اللوم بتدخلِّها في حياته، وملاحقتِه في علاقاتِه بأصدقائه ومُعلميه، متعجبًا لمُحاولة إقحام نفسِها في كلِّ ما يخصُّ حياته وحياة أشقَّائه، دون أن تترك له ولهم مساحتهم الخاصَّة في التعامُل مع الآخرين، أو في تحديد اختياراتهم المُلائمة لشخصيَّتهم، لينضمَّ له والده موجهًا حديثه لها قائلًا:
- بالفعل، أنتِ تتدخلين في كلِّ الأمور دون أن يطلب أحدٌ منكِ شيئًا. أنتِ لا تعلمين ما هو دوركِ الفعلي تجاه أسرتكِ.
حاولَتْ أن تدافع عن نفسها وهي متعجبةٌ من اتِّهاماتهم الموجَّهة إليها، وهي تردِّدُ على مسامعهم:
- أنا أستيقظ كلَّ يوم فجرًا قبل موعد استيقاظكم؛ لإعداد الطعام المُفضَّل لكلٍّ منكم، وإعداد الحقائب المدرسيَّة، ثم أنتظر عربة المدرسة، وأظلُّ أتابع مع المُشرفة حتى أطمئنَّ على وصولكم إلى المدرسة، ثم أبدأ مرةً أخرى مراسم الاستعداد لطلباتك أنتَ، حتى يحين موعدُ ذهابك إلى العمل.. واليوم تتَّهمني بعدم معرفتي بمهامِّي داخل المنزل، ودوري تجاه أسرتي؟!
يُثبِّت نظراته في حدقتَيْ عينيها، ثم يُلقي عليها سؤاله بنبرته الصَّارمة:
- مَن أنتِ في الحياة؟
ثم أجابها قبل أن تستوعب كلماته ليقصِل رُوحها قائلًا:
لا أنتِ بصاحبة مركزٍ أو مهنةٍ أو مالٍ.. فما هو وجهُ أهمِّيتكِ بالنسبة لنا؟
ثم أدار ظهره لها دون أن ينتظر إجابتها، مُوجهًا حديثه إلى ولده، وعلى وَجْهه علاماتُ الضِّيق والضَّجر قائلًا:
- لا أمل في أن تتفهَّم ما نعانيه جميعًا معها. ستظلُّ تردِّدُ على مسامعنا نفس الكلمات كلما اعترضنا على تصرُّفاتها.
وقفَتْ وحيدةً تنظر إليهما يتأبَّط أحدُهما الآخر، وهو يهمس في أذن ولدها، ويُربِّت على كتفه، وكأنه يُصبِّره على صنيع والدته، تاركيْن المنزل لها، لا تعلم أين وجهتهما.
تحرَّكا تاركين إيَّاها تقف وحيدةً ضائعةً بين سهام كلماته المُتراشقة في القلب، وبين ضجيجٍ يجثو فوق رُوحها، يحثُّها على التغاضي عن كلماته الحادَّة من أجل استقرار الحياة.
ظلَّت لساعاتٍ تبكي، ولا تعلم هل يرجع بكاؤها لعدم إرضائهما.. أم لإهانته لها والتقليل من شأنها.. أم لعدم مُدافعة ابنها عنها.. أم لتركها وحيدةً بالساعات تترك العِنان للآلام وللحزن ينهش قلبها!
وفي مساء أحد الأيام، أثناء مُتابعة صفحات التواصل الاجتماعي، وقع نظرها عليها في قائمة الأشخاص الذين من المُحتمل معرفتك بهم. كانت هي بلا شكٍّ.. صديقة الطفولة..
أرسلَتْ لها طلب صداقةٍ بعد أن أرسلَتْ لها رسالة تعريف، لأنها كانت تتوارى خلف اسمٍ وهمي خوفًا من انتقاداتهم الدائمة.
جاءها الردُّ سريعًا من صديقتها بقبول الصداقة، ثم أرسلَتْ لها رسالةً فحواها:
"عزيزتي لبنى، لم أتعرَّف عليكِ من خلال الاسم المُستخدم، لكن بمجرَّد إرسالك رسالةً انتابتني سعادةٌ جارفةٌ للقائنا مرةً أخرى، بعد مرور كلِّ تلك الأعوام.. أتمنى أن نلتقي قريبًا فعليًّا.. ليس من خلال شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضية".
تغاضَتْ عن الكلمات المسطورة في نهاية الرسالة، واكتفَتْ بمُبادلتها الفرحَ لاستئناف علاقةٍ انقطعت منذ أكثر من سبعة عشر عامًا، منذ ارتباطها بزوجها.
تبادلا أرقام هواتفهما النقَّالة.. وبدأت المُكالمة، ولم تنتهِ إلا بعد سماعها صوت زوجها قادمًا من الخارج..
أصابتها تلك الرجفة المُعتادة كلما عاد إلى المنزل.. تلعثمَتْ قائلةً وهي تبحث عن كلماتٍ تنهي بها حديثها:
- سالي، أعتذر منكِ.. هناك أمر جللٌ، وسوف أعاود الاتصال بكِ مرةً أخرى.
ظلَّت تفكر في هذا الأمر الجلل الذي من المُفترض أن تقصَّه عليها في مكالمتها القادمة. تساءل وهو يرى حيرتها:
- ماذا بكِ؟ هل حدث شيءٌ؟
أصابتها حيرةٌ أخرى في اتخاذ قرار أن تقصَّ عليه ما حدث معها، خوفًا من ردَّة فعله تجاهها.. جذبها من ذراعها وحدَّق بها متسائلًا وهو يجزُّ على أسنانه:
- ماذا حدث؟
أجابته مرتبكةً بعد أن خلَّصت ذراعها من أصابعه المغروسة فيها قائلةً:
- لا شيء. كنت أتحدَّث مع إحدى صديقاتي، وأغلقتُ المكالمة بشكلٍ غير لائقٍ..
ثم بدأَتْ في قصِّ كلِّ ما حدث بينها وبين صديقتها..
لطمها بسؤاله قائلًا:
- هل ستلتقين بها أم مجرَّد مكالماتٍ مُتبادلة؟
كانت تعلم جيدًا ضِيقه من العَلاقات والصداقات، فتمتمت قائلةً:
- من المؤكَّد أنني سأكتفي بالمكالمة.
تركها منسحبًا دون أن يُعلق على ردِّها..
بعد عدَّة مكالماتٍ، أصبح إلحاح صديقتها في اللقاء أمرًا لا يليق أن تعتذر عنه. بادلتها الطلب بطلبٍ آخر قائلةً:
- سالي، بما أنكِ أصبح لديكِ باعٌ وصيتٌ عالٍ في مجال الديكور، هل يُمكنكِ الحضور إلى منزلي لتقييم ما قمتُ به من ديكوراتٍ وإضافةِ ملاحظاتك عليه؟
لا يمكنكِ التقييم من خلال الصور، وأيضًا ستكون فرصةً عظيمةً لتناول قطعةٍ من كعكة جوز الهند المفضلة لكِ.
ضحكت سالي قائلةً:
- ما زِلْت تذكرين نِقاط ضعفي.. سنوات وأنا أحاول إعدادها مثل والدتكِ، لكني لم أوفَّق. هل استطعتِ إتقانها مثل والدتكِ؟
- عليكِ أنتِ أن تحكمي.
وفي وقت احتسائه قهوةَ المساء، جلسَتْ بجانبه تبحث عن كلماتٍ تبدأ بها إخباره عن رغبة صديقتها في زيارتها للمنزل.. كانت تهاب ردَّة فِعله، لكنه على غير توقُّعها رحَّب بالأمر، على أن تختار وقت الصباح أثناء تواجده بالعمل..
وفي غضون أيامٍ في الصباح، كان موعد لقائهما المُنتظر في منزل لبنى.
وقفَتْ لبنى أمام المرآة، تحاول أن تخفي بدانتها الملحوظة خلف ملابسها الفضفاضة..
تضع القليل من مُستحضرات التجميل على وجهها، محاوِلةً أن تداري علامات السنين البادية جليةً عليها..
تسدل شعرها على ظهرها، ثم تُعاود عقصه لأعلى بعد أن تتعرَّق منه.. ثم تقرِّر ارتداء حجابها كي يلائم مظهرها الحالي وبدانتها المُفرطة..
لم تنتبه لمرور الوقت، حتى سمعَتْ صوت جرس المنزل في الخارج معلنًا عن وصول صديقتها..
تشعر بدقَّات قلبها تتسارع، كما لو كانت في مقابلةٍ رسميةٍ. أدارت مقبض الباب لاستقبالها..
ابتسمَتْ سالي لها، واقتربت منها تُعانقها وهي تردِّد:
- كما كنتِ يا لبنى، لم يتغير بكِ شيءٌ.
حاولَتْ لبنى أن تُثنيها عن رأيها قائلةً:
- بل تغيرتُ كثيرًا وأصبحت بدينةً جدًّا. أصبحتُ أُشبه الجدَّات.
اقتربَتْ سالي منها مبتسمةً وتمتمت قائلةً:
- ما زال صفاء قلبكِ ينعكس جليًّا على ملامح وجهكِ الملائكية..
ثم ألقَتْ بنظرها إلى نهاية غرفة الاستقبال، لترى لوحةً ضخمةً تشدُّ البصر إليها، فتقدمَتْ منها وهي تتكهن قائلةً:
- تلك اللوحة من أعمالكِ يا لبنى، صحيح؟
- بل هي عملي الوحيد.
تقتربُ منها أكثر وهي تتساءل:
- ليست لوحةً عاديةً. تبدو وكأنها مرسومةٌ على الحائط.
بدأت لبنى تسترسل في وصف الخامات المُستخدمة، كي تستطيع أن تُخرج تلك اللوحة على هذا الشكل، ثم أنهت حديثها قائلةً:
- بدأت فكرة هذه اللوحة أثناء مشروع التخرُّج، لكني تراجعتُ عن تقديمها آنذاك لشعوري بعدم جودتها، واستكملتها بعد الزواج بأعوامٍ..
جلسَتْ سالي أمام اللوحة وهي تتعجب من حديث صديقتها، بعد أن انسحبَتْ لدقائق لإحضار الشاي والكيك.
ثم واجهتها بالسؤال قائلةً:
- كم من الوقت تستغرقينه لإعداد لوحةٍ أخرى مطابقةٍ لتلك اللوحة، ولكن بمقياس مُضاعف؟
- من شهرٍ إلى شهرٍ ونصف تقريبًا. لكن لماذا تسألين؟
- ممتاز. أهمُّ شيءٍ أن تحرصي على استخدام نفس الخامات.
أومأت لبنى برأسها موافقةً على طلب صديقتها، وقالت:
- في خلال أيامٍ سأطلب الخامات وأبدأ فيها.. لكن أريد أن أفهم سبب طلبك لها..
أخذت سالي نفسًا عميقًا وبدأت في شرح الأمر للبنى قائلةً:
- منذ ثلاثة أيامٍ، بدأ الإعلان عن مسابقةٍ للوحاتٍ حصريةٍ لأحد البنوك العملاقة في الدولة، ولكن لوحاتٌ بخاماتٍ وأشكالٍ غير تقليديةٍ، وكما تعلمين، فإن الفوز بهذه المسابقة يعني حفر اسم الرسَّام على العمل في كلِّ فروع البنك.. ومنذ لحظة رؤية اللوحة، شعرت أنها اللوحة الملائمة، فقررتُ أن أقدِّمها باسمكِ من خلال مكتبي..
وفي حالة الفوز، سيتولَّى المكتب توفير كلِّ الخامات وكلِّ المساعدات للانتهاء من العدد المطلوب.
أصاب لبنى شعورٌ بالخوف والرفض، بعد أن استمعت لحديث صديقتها مليًّا، وهي تؤكد عليها قائلةً:
- رأيكِ يرجع فقط لحبكِ لي، لكنها لوحةٌ لا تستحق كلَّ هذا الثناء، حتى زوجي يوم أن أعددتُها أصابته خيبة أملٍ منها، ثم بدأت تتندَّر بكلماته وقتها قائلةً:
- كان يحمد الله أنَّني لم أعمل بمهنتي بعد التخرج؛ خوفًا من دفع تكاليف التعويضات الناتجة عن عملي السيئ.
كان وقعُ كلماتها كالصَّدمة على نفس سالي، فقالت لها بهدوءٍ:
- لبنى، زوجكِ يعمل في مجال الحسابات، ومن المُحتمل أنه لا يستوعب جمال تلك اللوحة، لكن ماذا ستخسرين إذا قررتِ أن تخوضي تلك التجربة؟ أعتقد أنكِ متفرغةٌ، والعمل لا يتطلب منكِ الخروج من المنزل. دعينا نخوض معًا هذا التحدي..
وفي كلِّ الأحوال، أنا في حاجةٍ إلى هذه اللوحة في عملي، هذا إن كنتِ تثقين في رأيي.
وافقت لبنى على طلب صديقتها على مضض..
وبعد انتهاء الزيارة، ظلَّت الفكرة تدور في رأسها، وحُلم الفوز يداعبها، بعدما تذكَّرت كلمات زوجها الجارحة عن كونها لا تملك كُنية في الحياة.. لا تملك مهنةً أو منصبًا أو مالًا..
كان وقعُ كلماته القاسيةِ عليها يزيد من إصرارها على النجاح.
أيامٌ قليلة، وبدأَتْ لبنى في شراء الخامات المطلوبة، وبدأَتْ في إعداد أولى مراحل العمل على اللوحة..
قررَتْ ألَّا تُخبر زوجها بحديث صديقتها خوفًا من الفشل، لكنَّها فقط قررت أن تخبره بأنَّها تنوي أن تهدي صديقتها لوحةً من رسمها، بعد أن استشعرَتْ إعجابها بلوحتها، لكنَّه أجابها ساخرًا:
- الأفضل أن تبتاعي شيئًا ذا قيمة، بدلًا من تلك اللوحة الخرقاء.. كانت تحاول أن تجاملكِ فلا تأخذي الأمر جديًّا.
صمتت لبنى لفترةٍ طويلةٍ. لم تجد من الأحرف والكلمات ما يعبِّر عن وقعِ كلماته عليها..
انسحبَتْ من جلستهما وجلست منفردةً تعمل على لوحتها..
أحضرت هاتفها وسمَّاعتها اللاسلكية، وبدأت تستمع إلى موسيقى هادئةٍ كي تغوص مع فُرشاتها داخل اللوحة.
لم تشعر بمرور الوقت إلَّا بعد أن انضمَّت إليها صغيرتها قائلةً:
- ألم تنتهِ بعدُ يا أمي؟ أنا أتضوَّر جوعًا، ولا أريد أنا وسليم أن نتناول طعامنا بمفردنا.
لم تنتبه لبنى أنَّها لم تبرح مكانها منذ أكثر من ست ساعاتٍ، ولم تنتبه لألاعيب طفلتها المدللة، فهي لم تعد طعامًا للعشاء كي يتناولاه بمفردهما، لكنها مجرد حيلةٍ لإعداده.
التفتت إليها تضمُّها إلى صدرها، وهي تستمدُّ من عناقها الحنان قائلةً:
- وأنا أيضًا أشعر بالجوع الشديد. ما رأيكِ في طلب طعامٍ جاهزٍ من الخارج؟
صاحت رقيةُ بصوتٍ عالٍ وهي تنادي على سليم قائلةً:
- ستطلب أمي طعامًا جاهزًا يا سليم، هيا.. هيا!
ابتسمت لبنى من براءة صغيرتها وسعادتها من مجرد إحضار وجبة طعامٍ من الخارج..
انضمَّت لهما في غرفة المعيشة، وبدأ سليم في أخذ الآراء لطلب الطعام المفضَّل لكلٍّ منهم، بعد أن انضمَّ والدهم إليهم..
ذهبت رقية في سُباتٍ عميقٍ في حضن والدتها، أثناء مشاهدة فيلمٍ في التلفزيون.
نظمت لبنى وقتها بين عملها على اللوحة، وبين القيام بمتطلَّبات المنزل والأسرة.. خصَّصت الفترة الصباحية للعمل على اللوحة، ثم فترة الظهيرة لإعداد الطعام وغيره من متطلَّبات المنزل.. وفي الفترة المسائية كانت تجلس معهم بالجسد فقط، دون أن تسترسل في أحاديث، ودون التدخُّل في إبداء رأيها فيما يخصُّ أيًّا منهم.
أحيانًا كثيرةً كان سليم يتعجب من والدته، ويبدأ في مُمازحتها قائلًا:
- يبدو أن تلك اللوحة لها مكانةٌ خاصةٌ عندكِ، حتى إنكِ لم توجهي لي منذ فترةٍ سؤالك المعتاد عن أداء واجباتي المدرسية، ولم تتصلي بأيٍّ من المعلمين لمعرفة تطوُّر أدائي عن الشهر السابق.
تصمت لبنى قليلًا.. تستحضر إجابةً تبدو أنها منطقيةٌ لتقول له:
ليس للوحة علاقةٌ بسؤالي عنكَ ومتابعتي لمستواك التعليمي، لكنَّها كانت مرحلة تأسيس لك، وبما أنك قد تخطَّيتها بنجاحٍ، فلا خوف عليك في القادم. أنا كلِّي ثقةٌ في أدائك.. وواثقةٌ كلَّ الثقة أنك لن تتردَّد في اللجوء لي عند الحاجة.
رغم أن إجابتها كانت تبدو مثاليةً لسليم، فإنه شعر بقليلٍ من الغيرة لانشغال والدته عنه..
أحيانًا كثيرةً تتأرجح مشاعرنا بين الرَّفض والقبول في آنٍ واحدٍ..
كان زوجها يتابع حديثها مع سليم، وينتابه شعورٌ غريبٌ. هل كان ما ينقصه طَوال السبعة عشر عامًا هو انشغال زوجته قليلًا عنهم؟.. هل وجودها الدَّائم أفقده لذة الاشتياق؟.. وماذا بعد انتهائها من تلك اللوحة؟
تجلس صامتةً بجانبه.. لا تُبادره بالسُّؤال والتحقيق عن يومه. أين ثرثرتُها الدَّائمة عن عملٍ دراميٍّ شاهدته، ومحاولتُها أن تقصَّه عليه؟! كلُّ هذا جعله يتنفس قليلًا.. كان لأوَّل مرةٍ يشعر بالارتباك في تحديد مشاعره.
استغرقت اللوحة خمسة أسابيع. الحالة النفسيَّة التي بثَّتها فيها صديقتها، جعلتها تغيِّر في بعض تفاصيل اللوحة، بما يتناسب مع مشاعرها الحاليَّة..
وبعد انتهائها منها، طلبَتْ من صديقتها الحضور لرؤية اللوحة.
وفي الموعد المحدَّد بينهما، ذهبت سالي إلى منزل لبنى. كانت تثق أنها ستجد لوحةً تختلف عن الأولى، وأنها ستجدها على مستوًى أعلى من اللوحة الأولى، لكنَّها لم تتخيل أنها تفوَّقت على نفسها إلى هذا الحدِّ..
بمجرَّد أن رفعت لبنى السِّتار عن اللوحة، شهقَتْ سالي شهقةً عاليةً وهي تردِّد:
ما شاء الله.. ما شاء الله!
روعة.. حقًّا.. إنكِ تفوقتِ على الجميع..
كلُّ هذه البراعة أخفيتها كلَّ تلك الفترة يا لبنى؟!
تساقطَتْ بعض قطرات الدَّمع من عيونها وهي تتحدث هامسةً:
- لولاكِ يا سالي ما كنتُ اكتشفت نفسي.
تضمُّها صديقتها إليها وهي تربِّت على ظهرها بحنانٍ قائلةً:
- لكلِّ فترةٍ ظروفها. من المؤكَّد أن الفترة الأولى من الزواج وإنجاب الأطفال وتربيتهم تحتاج كلَّ هذا التفرُّغ..
والآن، حان وقت أن تستعيدي نفسكِ، قد أبليتِ بلاءً حسنًا في تأسيس الأكثر صعوبةً.. والآن، فترة الاستمتاع وحصد ما تمَّ زراعته على مدار أعوامٍ سابقةٍ..
وفي خلال أيامٍ تمَّ تقديم العمل في المسابقة..
وفي أثناء تلك الفترة، كانت لبنى تتابع كلَّ ما هو جديدٌ في عالم الفنِّ، محاوِلةً أنْ تتناسى أمر المُسابقة، وتبدأ في العمل من خلال صديقتِها، في توفير بعض اللوحاتِ والأعمال المطلوبة لديكور بعضِ المنازل.
وجاء وقتُ إعلان نتيجة المُسابقة..
كانت لبنى تعدُّ طاولة الطَّعام وذهنها كلُّه مشتت في انتظار نتيجة المُسابقة، ويوجد صراعٌ داخلها.. بين تحقيق أملها في الفوز، وبين كيفية إخبار أُسرتها عن أمر المُسابقة في حالةِ فوزها..
حتى رنَّ هاتفها النقَّال لحظةَ انضمام زوجها إليها في المطبخ..
أجابت عليه سريعًا، بعد أن رأَتْ رقم صديقتها. كانت أوَّل كلمةٍ استقبلتها:
- مبروك يا لبنى. كنتُ على يقينٍ وثقةٍ تامةٍ من فوز لوحتكِ منذ اللحظة الأولى.
لحظاتٌ فارقةٌ مرَّت عليها.. تقفزُ من مكانها فرحةً..
يتعجَّب زوجها من حالتها، لينضمَّ له سليم ورقية، على صوت صيحات والدتهم الفرحة، وهم يتبادلون النَّظرات فيما بينهم.. لتعلن لهم بعد إنهاء المُكالمة عن فوز لوحتها بالمركز الأوَّل في مُسابقة أحد البنوك الكُبرى، لتكون لوحتها هي اللوحة الرئيسيَّة في بهو كلِّ فروع هذا البنك..
يضمُّها زوجها فرحًا لفوزها، ومهنئًا لها..
لكنَّها تفاجأت من انفعال سليم قائلًا:
- كنت أشعر أنَّ وراء تلك اللوحة سرًّا آخر غير أنَّها مجرد هديةٍ لصديقتك.. كنتِ تخدعيننا في أمر اللوحة، وأنتِ تخطِّطين للدخول في المُسابقة؟!
فينهرُه والده قائلًا:
- تطالبنا أنْ نتيح لك حرِّية الرأي، وتعترض على تدخُّلها في كلِّ ما يخصُّك، واليومَ أراك تقف تُحاسب والدتك في أمرٍ يخصُّها بمفردها!.. لم أجد فيما قامت به أيَّ خطأ.. هي لم تخالف أيَّ شرعٍ أو تقاليد.
يخفض سليم نبرته قليلًا وهو يتحدَّث قائلًا:
- لماذا لم تُشاركنا الأمر؟
تقترب والدته منه قائلةً:
- سأصارحك دون خجلٍ.. كنتُ أخشى الفشل.
رأيتُ أنَّني قد أخطأت في تدخُّلي في كلِّ شئونكم على مدار فترةٍ طويلةٍ، ولم أنتبه إلى أن على كل أمٍّ أن تنسحب تدريجيًّا من حياة أبنائها بعد فترةٍ معينةٍ.. كنت أنتَ وأختك وأبوك محور حياتي الوحيد، وبعد أن شعرتُ بضيقكم مني قررتُ البحث لي عن حياةٍ أخرى أجد نفسي فيها بالقُرب منكم.
يعيد زوجها كلماتها مرةً أخرى قائلًا:
حياة أخرى يا لبنى! بل تقصدين البحث عن ذاتكِ برُفقتنا وبوجودنا.. لا ننكرُ ضيقنا في بعض الأوقات.. ليس لعيبٍ فيكِ، ولكنْ يحتاج كلٌّ منا مساحةً ولو قليلةً كي يتنفس فيها قليلًا، يستعيد شتاتَ نفسه أحيانًا، لكنْ إذا زادت المسافة فسينقلبُ الأمر إلى جفاءٍ..
ثم حاول تغيير الحديث قليلًا قائلًا:
- دعينا أولًا نعلم اسم البنك، ومتى سيتمُّ تسليم الجائزة؟
أخبرَتْه بكل التفاصيل.. عن الجائزة، وعن الحفل، وعن الأعمال المطلوبة منها الفترة القادمة..
ألقى نظرةً إلى طاولة الطعام ليجد أنها قد أعدَّت الطعام، فالتفتَ إليها قائلًا:
- هيَّا ننهي طعامنا سريعًا، كي نذهب معًا لشراء ملابس جديدةٍ لكِ تناسب الحدث.
وفي صباح يوم الحفل، بعد أن نظرَتْ لبنى إلى السَّاعة ووجدتها قد تخطَّت الثامنة والنصف صباحًا، نظرت إليه متسائلةً:
- لقد تأخَّرتَ عن موعد نزولك للعمل!
ابتسم لها قائلًا:
- لن أذهب، فقد اعتذرتُ عنه اليوم لمُرافقتكِ للحفل أنا والأولاد.
وقبل موعد الحفل بساعاتٍ، انفرد بسليم قائلًا:
- ما زلتُ أشعر بغضبك من الأمر، لكنْ كما اعتدتَ مني أن أصارحك بكلِّ شيءٍ.. فإنَّ ما قامت به والدتك كان ينقصني قبل أن ينقصها.. كادَتْ حياتنا تتدمَّر في الفترة الأخيرة. كنت أشعر بلومها الدَّائم لي بسببِ عدم الاهتمام بها، وعدم الاستماع إليها، وعدم أخْذ رأيها في كلِّ شيءٍ، حتى في ربطة العُنق قبل نزولي للعمل صباحًا.. وأحيانًا كثيرة، كنتُ ألطمها بكلماتٍ حادةٍ.. كلما تذكَّرتُها ألومُ نفسي عليها..
لكنَّها طبيعةُ البشر..
تساءل سليم:
- هل كانت جدَّتي تعمل؟
استعاد والده بعض الذِّكريات قائلًا:
- كانت تعمل ولا تعمل.. كانت مسئوليات الحياة فيما مضى تختلف عن هذا الزَّمان. أمي كانت تَحيكُ لنا ملابسنا، وتعدُّ الملابس الشتوية المصنوعة من الصوف. كانت هي وباقي سيدات البِناية يتباهين بأعمالهنَّ اليدوية، وإتقانهنَّ لها.. ممَّا كان يشغلها طَوال الوقت.
أومأ سليم برأسه محاولًا أنْ يتقبل كلام والده، وبدأ يستعدُّ لاختيار ملابس تُلائم الحفل.
وفي غرفة نومهم.. كانت تقف أمام المرآة تتزيَّن، وهو يقف بجانبها ينظر إليها ويتمِّم على مظهرها، وبعد أن انتهت، رأته يقف حائرًا في اختيار ملابسه، ثم لجأ إليها متسائلًا:
- أيُّ ربطة عنقٍ ملائمةٌ أكثر؟
أشارت له بالأصلح وهي تضحكُ، ولسان حالها يحدِّثها قائلًا:
"تستحقُّ الحياة أن نبحث عن سعادتنا..
ولا يُمكننا أنْ نحصل على سعادتنا من مَديح الآخرين..
السَّعادة الحقيقية سنجدُها في عيون الآخرين بعد تحقيق النجاح".
كانت ممتنَّةً لصنيع صديقتها لها، ومساندتها للوقوف على أوَّل الطريق.
لن تندم يومًا على حياتها الماضية؛ بل ستظلُّ مُمتنةً لما مضى بها.. فلكلِّ مرحلةٍ شكلٌ آخر للحياة.
لم تشعر بالزَّهو يومًا كما شعرت به في تلك اللحظة.. لحظة تسلُّمها شهادة فوزها، ورؤيتها له يتخلَّى عن رصانته المعهودة ويقف بين الحاضرين يصفِّق فرحًا بها، وعيونه تتلألأ من البهجة.
