١٨- - الإدراكُ


 ١٨- - الإدراكُ

في إحدى رحلاتنا التي اعتدنا أن نقوم بها كلَّ شهرٍ لزيارة الأهل، مستقلِّين القطار، وقفت أنا وزوجي في سلامٍ نتأمل حركة القطارات، وأتفكَّر كعادتي في حياة راكبي القطار.. الوجهة التي يقصدونها، الغرض من الرحلة.. وأتخيَّل أسبابها ومشاعر المسافرين، ومودِّعيهم، حيث تتعدَّد الوجهات التي سيقصدونها، وتتعدد نوعيات البشر من حيث الهيئة واللهجات.. فوراءَ كلِّ مسافرٍ قصةٌ كنت أنسجها في مخيلتي.. انتبهتُ من شرودي على صوت زوجي وهو يشير إلى أحد القطارات قائلًا: 

هذا القطار مسارُه خاطئٌ، لا بد أن شيئًا ما سيحدث له، دقَّقت النظر إلى صرامة وجهه وجدِّيته، وأنا أتعجَّب من رؤيته المظلمة دائمًا، وقلت له: لماذا تكهَّنت بذلك؟ يبدو وكأنَّه يسير مثل باقي القطارات، فأنا لا أرى به أي خللٍ ظاهرٍ. 

صمت قليلًا وبيقينٍ قال لي: 

- لن يسير هذا القطار في سلامٍ، لا بد أن يصطدم أو يحدث له شيءٌ. 

استهزأت برؤيته وتشاؤمه الدَّائم، ثم ابتسمت ابتسامة الشامتين وأنا أرى القطار يسير في طريقه بسلامٍ قائلةً:

- أراه مرَّ من المنحنى بثباتٍ دون أي خللٍ، قلت لك كثيرًا: قليلًا من التفاؤل في نظرتك ورؤيتك للأشياء، ذلك لن يضرَّك بشيءٍ. 

وبدأ يظهر جليًّا أمام ناظريَّ القطار الذي أشار إليه زوجي، لم تكن هيئة القطار كباقي القطارات، بل كان يبدو وكأنَّه عربةٌ مكشوفةٌ تحمل العديد من الأشخاص الكادحين.. عربة لا يقيدها عددٌ أو حمولةٌ، بلا مقاعد يقف فيها المسافر طوال الرِّحلة، يتلاصق كلٌّ منهم في الآخر.. يرفعون رؤوسهم بين فينةٍ وأخرى محاولين أن يستنشقوا قليلًا من الهواء.. فتلفحهم الشمس بأشعَّتها الحارقة، ليخفضوا رؤوسهم مرةً أخرى، محتمين بأجسادهم المتعرقة من نار الشَّمس الحارقة. 

وفجأةً بدأ القطار يزيد من سرعته قليلًا.. فسمعته بجانبي يردِّد برعبٍ: 

- الحاجز المعدِّني لم يفتح بعد، القطار سيصطدم بالحاجز المعدِّني.. بدأ يصرخ بصوتٍ أعلى، لعل هناك من ينتبه، دون أن أشعر وجدتُ نفسي أصرخ بجانبه كي يصل صوتنا معًا.. 

ورأيت مجموعةً من الأشخاص يعتلون سطح القطار، قد أصابهم الهلع من صوتنا، فألقوا بأنفسهم من فوق القطار خوفًا من احتراقه بهم.. ومنهم من قفز محاولًا أن يجد من يعينه على فتح الجدار المعدِّني، تلفَّت حولي.. لم أجده بجانبي، وجدتُه يهرع ناحية الجدار.. يصرخ بصوتٍ عالٍ: 

- افتحوا الجدار.. افتحوا الجدار.. 

أوقفوا القطار.. أوقفوا القطار.. 

حتى سمعنا جميعًا صوت مَكابح القطار الهوائيَّة، ليقف القطار ملامسًا الحائط المعدِّني.. 

هرعت إليه أطمئنُّ عليه وأعتذر، فوجدتُه ينظر إليَّ معاتبًا ويقول: 

- عزيزتي، الحياة لا تسير بالتَّفاؤل والتَّشاؤم.. الحياة تسير بالإدراك.. تسير بموازنة الأمور.. لن تستقيم حياةٌ كادحوها يُعاملون معاملة الأنعام.

تعليقات