٢-الطريق


 

٢-الطريق

في احد أيام الخريف الرائعة، وأنا جالسةٌ علَى الأَرِيكةِ الخشبيةِ الكبيرة.. تُظَلِّلُني غصونُ الشجرةِ العتيقةِ المتشابكة وكأنها ايادي ممسكة ببعضها البعض، وتُداعِبُنِي بعض النَّسماتُ الخريفية العليلةُ.. أتأملُ أوراقَ الشجرةِ الذابلة، وهي تتساقطُ تحتَ أقدامِنا بعد أنْ جَفَّ نَبعُها، وتَغيَّرَ شكلُها..

فجأة رأيتُ رجلًا يركُضُ على الطريقِ، يرتدي حُلَّةً رياضيةً كاملةً، ولكنْه يبدو كمن خرج مندفعًا مِن منزلِه، فَلَم ينتبِه لِعَدَمِ ارتداءِ حذائِه.

تعجّبتُ مِن رَكضِهِ بتلك الهيئة، وتساءلتُ بيني وبين نفْسِي: تُرَي ماذا حَلَّ به كي يركُضَ مُهَروِلًا هكذا!!

أَدَرْتُ نظري مرةً أخري، فَوجدتُ رجلًا آخرَ قادِمًا مُرتَدِيًا نَفسَ الحُلَّةِ الرياضيةِ، ولكن مما زادَ دهشَتي وتَعَجُّبِي، أنه أيضًا بلا حذاء!

تساءلت في حيرة هل هو سِباقٌ، ومن شروطِه أنْ يكونَ المتسابِقُ حافيَ القدمين، أَمْ أَنَّ هناك شيئًا آخرَ لا أفهمُه؟!

تمَلَّكَنِيَ الفُضولُ الجارف، فترَكتُ جِلستي الهادئة، وركضتُ خلفَهما في حماس شديد، وفي أثناءِ رَكْضِي حاولتُ أنْ أَستبصر وِجهتَهما، فشاهدتُ على مسافةٍ بعيدةٍ طريقَينِ، أحدُهُما عَكسُ الآخَر، وعلَى كُلٍّ منهما لافِتَةٌ، ولكنّي لم أستطيعُ تميز ما دُوِّنَ عليهما مِن هذه المسافةِ البعيدة.

ازدادت سرعةُ الرجلِ الأولِ وكأنَّهُ يسابِقُ الزمنَ كَي يَمُرَّ مِن الطريقِ الأَوّلِ، وازدادَ لُهَاثُ الآخَرِ كَي يَلحَقَ به. ولكن بَعدَ أنْ اختفَي الرجلُ الأَولُ عن ناظرِي سمِعْتُ صَرخةً مُدَويّةً قد قَدِمَ صَداها من بعيد (مِن الطريقِ الذي اتخذَهُ ذلك الرَّجلُ!)

في نَفسِ اللحظةِ وجدتُ الرجلَ الآخَرَ قد مالَ بكلِّ جسدِه مُتَوَجِّهًا إلى الطريقِ المُعاكِس وهو يَرفعُ يديه إلى الأعلَى مُلَوِّحًا بعلامةِ النَّصرِ.

تَمَهَّلْتُ في رَكضِي حتى توقفتُ في مكاني؛ لِأُلَمْلِمَ أنفاسيَ المُتلاحقةَ، وأُرَتِّبَ أفكاريَ الحائرةَ، ماذا أنا فاعلة؟! هل أتقدّمُ إلى الطريقِ الأَوَّلِ لِإنقاذِ صاحب الصرخة المدوية؟

 ولكني تذكرتُ تلك اللافتةَ، فاقتربت كي أتمكَّنَ مِن قراءتِها، فوجدتُ مكتوبًا عليها:

"احذَر؛ طريقُ الحياةِ مَلِئٌ بالحَصَوات، فإذا تَرَيَّثْتَ الخُطَى سوف تَصِلُ ناجيًا، وإذا اندفعتَ سوف تَصِلُ، ولكن بالنَّدَباتِ حاملًا".

فتقدمْتُ قليلًا أبحثُ عن الرَّجُلِ الأَوَّلِ، فشاهدته يحاوِلُ النهوض وهو يَئِنُّ مُتَأَلِّمًا مِن جُروحٍ قد أصابتْ جبهتَه.

فتذكّرتُ الآخَرَ وهو يَرفَع يديه بِعلامةِ النصرِ مُبتَهجًا.

 مسرعة تركت مكاني وركضتُ لاهثةً إلى لافتةِ الطريقِ المُعاكِسِ، وأنا خائفةُ علَى مصيرِ ذلك الرَّجُلِ، فَهالَنِي ما قرأتُ على تلك اللافتةِ:

 "إذا سَبَقك أحدُهُم في طريقٍ ما، وسَمِعتَ صُراخَه، فَقِفْ وتَمَهَّلِ الخُطَى كَي تعلمَ ماذا أصابه.. هل أَخطَأَ الطريقَ، أم أَخطَأَ في المسير!

تعليقات