الفصل السابع عشر
هل أعجبك ما حدث بسبب تأخيرك؟)) هتفت نورهان غاضبة في ابنتها بدورها: وما الذي حدث يا ماما؟
أشاحت نورهان بيدها قائلة في غضب: والدك استغلها فرصة كالعادة ليتهمني بالتقصير وبأن عمليا هو السبب فيما يحدث
هتفت نرمين في استنكار وغضب: أهذا كل ما يضايقك يا ماما في تأخيري؟ اتهام بابي لك بالتقصير؟ ألا يهمك أن تعلمي سبب تأخيري ولا الذي كنت أفعله بالخارج؟ هل كل ما يهمك أن تبدى أمام بابي غير مقصرة؟
تجاهلت نورهان هذا القول وهتفت غاضبة: اسمعيني جيدا يا نرمين هذه أول وآخر مرة تتأخرين فيها بهذا الشكل وما بررت به تأخيرك بكل تبجح والذي اعتبره والدك مبررا لا أعتبره أنا كذلك وهذه آخر مرة أنبهك للانتباه لدروسك ومذاكرتك وإلا سأتخذ معك إجراء لن تتوقعيه
هتفت نرمين في تهكم غاضب: ترى أي إجراء هذا الذي ستتخذينه وهل ستجدين الوقت له فوقتك كله مشغول تقريبا
كانت هذه هي أول مرة تتحدث فيها نرمين مع أمها بتلك الطريقة الخارجة عن اللياقة ولذلك اتسعت عينا نورهان في دهشة قبل أن تهتف في ثورة وهي تجذب ابنتها من ذراعها: كيف تحدثينني بتلك الطريقة يا بنت هل جننتا؟
تفجر كل الغضب الكامن بداخل نرمين وهي تهتف: نعم يا مامي جننت... أصبحت مريضة هلا اهتممتى بي قليلا مثل بقية المرضى الذين تعطينهم كل وقتك؟ ما دام كوني ابنتك لا يثير أي اهتمام لديك وما دمت قد نسيتا تماما وجودنا فلأكون مريضة إذن.
صرخت نورهان في ثورة: اخرسي أيتها الوقحة
ورفعت يدها لتصفعها ولكن سامح اقتحم الغرفة هاتفا: كفاك يا نورهان كفاك ألا توجد لديك طريقة أخرى لمعالجة أي أمر ألا تحاولين ولو لمرة واحدة حل المشكلة من جذورها بدلا من اهتمامك بفروعها بدلا من صراخك في وجهها هكذا حاولي فهمها ومعرفة أسبابها حاولي أن تفهمي مشكلتها وحليها بهدوء فطريقتك لن تفيد وخير دليل على ذلك ما حدث مع كريم فقد نفذ ما أراده ولكنه ترك المنزل في النهاية
صرخت فيه نورهان غاضبة: وما هو الحل المناسب الذي تراه لكل هذه المشاكل المتفاقمة أفصح لي عما تريده... عملي أليس كذلك؟؟ تريد أن تقول إن عملي هو السبب في كل هذا حسن خذ كلمتي الأخيرة في هذا الشأن لن أترك أيا من العيادة أو المستشفى أما بالنسبة لهذه المشاكل التي تتحدث عنها فسأحلها بطريقتي
ثم التفتت إلى ابنتها التي تبكي وقالت: أما بالنسبة لك فهذا التدليل الذي أفسدك سألغيه وسترين من الآن مني وجها لم تريه من قبل
ثم اندفعت مغادرة الغرفة وتهاوت نرمين باكية في حرارة فاتجه إليها والدها وقال في حنان وهو يمسح بيده على رأسها: كفى يا نرمين كفى... لا يمكنني لومك أبدا فأنا أعلم ما بداخلك وأتفهم موقفك ولكن أعدك أن هذا لن يستمر طويلا هذا الوضع الخاطئ الذي كنت أنا السبب فيه من البداية وأنا سأغيره
ثم التمع الغضب في عينيه وهو يقول: أعدك بذلك
رن جرس الباب في منزل سميحة فاتجهت هي لتفتحه ففوجئت بنرمين التي اندفعت داخلة وقالت وهي تلتفت حولها: أين ميمي؟
ابتسمت سميحة في تعجب وقالت: هكذا؟ ألا تقولين مساء الخير يا طنطا على الأقل؟
عادت إليها نرمين بسرعة وقبلتها وهي تقول: مساء الخير يا طنطا والآن أين ميمي؟ فأنا أريدها بشدة
قالت سميحة في حنان: هل أصبحتما صديقتين؟
هتفت نرمين في حماس: بالطبع ولو أنها معقدة الأمور بعض الشيء ولكنني أحتملها فقط لأجل خاطرك
ضحكت سميحة وقالت: شكرا يا سيدتي على العموم هي بالمطبخ سلمى تعلمها كيفية عمل الحمام بالفريك
هتفت نرمين في إحباط: ماذا؟ بالمطبخ وتعد حماما بالفريك أيضا؟ أهذا وقته؟؟ سنتأخر هكذا
قالت لها سميحة مبتسمة: هل أتت متعجلة دوما هكذا؟
قالت نرمين في سرعة: نعم فلدى مشغوليات كثيرة كما تعلمين والآن سأذهب لأرى صاحبة الحمام المحشو لا بد إننا سأجد ملابسها مثيرة للضحك ورائحتها بشعة
ثم اندفعت إلى المطبخ مسرعة تاركة سميحة تضحك
وفي المطبخ كانت سلمى تشرح لملك في حماس وهي ممسكة بالحمامة قائلة: والآن بعد أن عرفتا طريقة عمل الحشو سننتقل الآن إلى طريقة تنظيف الحمامة نفسها و....
((ماذا تفعلان؟)) هتفت نرمين وهي تأتي من ورائهما
التفتت كلا من ملك وسلمى خلفهما وهتفت كلا منهما في دهشة: نرمين ما هذه المفاجأة
أشارت إليهما محذرة وقالت: من بعيد... رحبا بي من بعيد لا تلمساني بأيديكما المتسخة بالحمام فبلوزتي جديدة ولدى مشوار مهم على فكرة رائحتكما بشعة
أخذت كلا منهما تتأملها وقالت ملك متهكمة: ما كل هذه الأناقة؟؟ أين ستذهبين اليوم يا ترى؟
وتابعت سلمى بتعجب: لست أدري من أين تأتين بأحذيتك وحقائبك العجيبة هذه يا نرمين فأنا لا أرى مثلها في الأسواق
جلست نرمين في زهو ووضعت ساقا فوق الأخرى وهي تقول: إننا دائما أنيقات يا فتياتي ودائما اشترى ملابسي بعد تأنى وبعد أن أرى كل المحال وهذا الحذاء اشتريته بعد أن دخلت على الأقل مائة محل حتى تورمت قدماي
قالت ملكا: على العكس منى تماما فأنا أحب أن أشترى احتياجاتي في أسرع وقت وبأقل تعب ممكن
قالت نرمين: لأنك كسولة ولست أدري كيف تمارسين الجودو وأنت بهذا الكسل
اقتربت منها ملك وهي ممسكة ببعض الحشو وقالت: ما رأيك لو أكملنا أناقتك هذه ببعض الحشو؟
ابتعدت عنها نرمين بسرعة وهي تهتف: إياك... كفى ما تفعله معى فدوى ليس لدى وقت لعبثك أخبريني هل ستأتين معى أم لا؟
قالت ملكا بتعجب: ألا تخبرينني أولا إلى أين؟
إجابتها نرمين في سرعة: حفلة
هتف ملك مستنكرة: حفلة؟ ثانية؟ بينما وضعت سلمى يدها على رأسها وهي تقول: يا إلهي سأصاب بقرحة مزمنة 00 ألا تكفي عن الحفلات أبدا؟ ألا تهدئين قليلا؟ أشعر في بعض الأحيان أن كل شياطين الدنيا تجرى وراءك فلا تجعلك تجلسين بضع دقائق ساكنة هادئة
قالت نرمين في بساطة: لماذا تندهشون هكذا أما وصديقاتي نحب استغلال كل فرصة لنرفه عن أنفسنا قليلا وهذا ليس عيبا ثم إنها ليست حفلة بالمعنى المعروف بل سهرة فقد قررنا أن نسهر سويا سهرة جميلة قبل أن نزدحم بالمذاكرة والامتحانات
قالت ملكا في جدية: في الحقيقة يا نرمين أنا أشعر بالدهشة فقد شعرت بعد حضوري معك مرة أنه لا يوجد عامل مشترك بينكم أو وشيء يجمعكم كل واحدة فيكم مختلفة عن الأخرى تماما في الطباع والسلوك وكل شيء وأشعر أنه لا تربطكم صداقة حقيقية رغم حرصكم على السهر سويا من وقت لآخر
تنهدت نرمين وهي تقول في آسى غريب: هناك شيء مهم يجمع بيننا يا ملك... الوحدة فكل منا يشعر بها مع اختلاف ظروفه
وجم ملك وسلمى وهما تتأملانها وقالت سلمى في دهشة: هل تشعرين بالوحدة يا نرمين؟
جلست نرمين الثانية وقالت في حزن: وكيف لا أشعر بها وأنا أعيشها في كل لحظة بابي وماما طوال الوقت خارج المنزل وكريم ومحمود كذلك والوحيدة ماما التي يمكن أن تفهمني وتشعر بي والتي يمكن أن أفضى لها بكل ما بداخلي لا أجدها طوال الوقت فهي مشغولة دائما ولا تهتم سوى بمذاكرتي ودراستي حتى أتفوق وأبدو هي غير مقصرة أمام بابي وكأن المذاكرة والتفوق هما كل شيء في الوجود حتى كرهتهما وأصبحت أتمنى لو ورسبت هذا العام لكي يستريح الجميع هل علمتم الآن لماذا لا أطيق الجلوس فى المنزل؟
صمت ملك وهى تتأملها فى تعاطف فقد ذاقت هى الأخرى مرارة الوحدة بينما اتجهت إليها سلمى وقالت فى إشفاقا: والدتك لديها عذرها فى ذلك يا نرمين فهى طبيبة وهذه مهنة شاقة وتحتاج للتفرغ
هتفت نرمين فى انفعال ساخط: وماذا عنا؟ ألسنا لنا نفس الأهمية لديها؟ ألسنا أولادها؟ لقد مللت حقا هذه الحياة 0
وقبل أن تعقب سلمى أو ملك على قولها هتفت نرمين الثانية فى حنق: هل رأيتم لقد عكرتم مزاجى هل اعجبكم ذلك؟
ابتسمت سلمى وقالت وهى تربت على كتفها: ما رأيك لو ألغيتى فكرة الذهاب إلى هذا الحفل وجلستى معنا لتتعلمى كيفية عمل الحمام المحشو بالفريك فهذا أكثر نفعا لك من الحفل
هتفت نرمين وهى تنظر إليها فى استنكار: أنا؟ أنا أتعلم الحمام المحشو بالفريك؟ لا بد أنك تمزحين نرمين عزمى تجلس فى المطبخ؟ هذا ما ينقصنى
غمغم ملك: يا للغرور
بينما قالت سلمى وهى تدفعها: حسن اذهبى... اذهبى
قالت نرمين: سأذهب ولا داعى للمس بيدك هل ستأتين معى يا ملك أم أنك تفضلين الحمام بالفريك؟
اجابتها ملك مبتسمة: فى الحقيقة أفضل الحمام المحشو فليست بى رغبة للخروج اليوم
قالت نرمين فى سخطا: سأذهب أنا يبدون أن العلقة الساخنة التى أخذتيها من ذلك الولد قد أصابتك بعقدة ولم أستفد منك شيئا سوى إضاعة الوقت يلا باى ثم غادرت المطبخ فى سرعة
عقدت ملك حاجبيها وهى تتابعها فى غضب حقيقى بينما قالت سلمى فى تعجب: ستظل مجنونة ولن تفعل أبدا ثم التفتت إلى ملك ولاحظت غضبها فقالت لها: لا تغضبى مما قالته يا ملك فهذه هى نرمين ولكنها لا تقصد شيئا
زفر ملك ثم قالت بعصبية: دعيك منها ودعينا نواصل عملنا
قالت سلمى وهى تمسكا بالحمامة الثانية: يجب إن تتعلمى كيف تنظفين الحمامة دون أن تتركى بها أية فتحات حتى لا يخرج منها.
أعطني الناي وغنى فالغنى سر الوجود وأنين ليبقى بعد أن يفنى الوجود))
جلست سميحة في شرفة حجرتها تتأمل النجوم في السماء الصافية وهي تستمع إلى أغنية فيروز وترتشف كوبها باستمتاع كانت تشعر بارتياح يملأ كيانها بعد أن شعرت باستقرار الأمور حولها فقد أصبحت علاقة ملك مع سلمى على ما يرام وتحسنت علاقتها بنجوى ولم تعد تثير معها أية مشاكل وفي نفس الوقت أخبرها الشيخ حسين بسعادته لأن ملكا تستوعب بسهولة كل ما يشرحه لها وتقرأ كثيرا في الكتب التي أعطاها إياها ولم يعد هناك شيء يقلقها تجاه ابنتها سوى علاقتهما الفاترة ولكنها متفائلة فعلي الأقل أصبحت غير جافة كما كانت في البداية وبينما هي في أفكارها شعرت بسلمى التي دلفت الغرفة وجلست بجوارها وهي تقول في مرح: يا سلام ما هذا الجو الرومانسي الحالم
قالت سميحة مواصلة تأملها في السماء باستمتاع: بالفعل يا سلمى أشعر أن الجو اليوم شديد الروعة والجمال والسماء شديدة الصفاء والسواد بشكل يثير الإعجاب والرهبة في آن واحد أجلسي معى إذا لم يكن وراؤك مذاكرة
جلست سلمى بجوارها وهي تقول: أرى أنك اليوم في أحسن حالاتك المعنوية أليس كذلك؟
إجابتها سميحة في استرخاء: هو كذلك يا سلمى أشعر بارتياح غريب يملؤني وهدوء بال لم أشعر بهما منذ مدة طويلة للغاية
قالت سلمى في حب: أتمنى أن يدوم هذا طويلا يا طنطا سميحة فأنا أشعر بسعادة بالغة حين أراك سعيدة هكذا
قالت سميحة في حنان: أبقاك الله لي يا حبيبتي هل نام ملك بعد؟
إجابتها سلمى: إنها مندسة الآن في فراشها تقرأ رواية وتتهيأ للنوم فقد أصابها الحمام بالتخمة يبدو أنها ليست معتادة على هذا الأكل الدسم المسبك
ابتسمت سميحة وقالت: ستعتاده قريبا دعينا الآن نستمتع بهذا الجو الجميل وفي تلك اللحظة أتت نجوى وقالت: سميحة هانم دكتور سمير على الهاتف يريد أن يحدثك
عقدت سميحة حاجبيها في دهشة وهي تقول: عجب سمير يتصل بي مرتين في أقل من ساعة؟ ماذا حدث؟
قالت سلمى: ربما نسى أن يخبرك بشيء
قالت سميحة وهي تتجه للهاتف: سنرى
ثم التقطت السماعة قائلة: آلووأيوه يا سمير
ولم تكد تستمع إليه حتى اتسعت عيناها في ذعر وهي تهتف: ما الذي تقوله يا سمير نرمين ابنة سامح؟ كيف؟ لقد كانت عندي حتى الخامسة عصرا يا إلهي وأين هي؟ حسن سنأتي على الفور مع السلامة وضعت السماعة ثم قامت بسرعة إلى دولابها وسلمى تهتف في قلق: ماذا حدث يا طنطا سميحة؟ ما الذي قاله لك أونكول سمير؟
ارتدت سميحة ملابسها بأقصى سرعة وهي تهتف بكل جزع الدنيا: نرمين أصيبت في حادث سيارة إننا لا أصدق
اندفعت خارجة وورائها سلمى التي هتفت: انتظريني يا طنطا سميحة سآتي معك
خرجت ملكا من غرفتها وهي تقول: ماذا حدث يا سلمى؟
قالت سلمى والدموع تتفجر من عينيها: نرمين أصيبت في حادث سيارة
هتف ملك في ارتياع: ماذا؟
وفي المستشفى جلس الجميع ينتظرون تعلوان وجوههم علامات الجزع والألم والقلق كانت سلمى وملك تبكيان في حرارة وكريم ومحمود مذهولين لا يصدقان أن أختهما مصابة وفي حالة حرجة ونورهان تبكي في انهيار غير واعية لما حولها ونبيلة هانم كانت تبتهل إلى الله بالدعاء محاولة التماسك وسمير كان يقطع الممر القصير جيئة وذهابا ليغالب قلقه بينما جلست كلا من سميحة وسعاد ومديحة ودموعهم تنساب في صمت
مسحت سميحة دموعها وهي تسأل سعاد في ألم: كيف حدث هذا يا سعاد؟
قالت سعاد في حزن: كل ما علمته أنها كانت عائدة في سيارة إحدى صديقاتها لتوصيلها وكان شقيق صديقتها يقود السيارة ويبدوا أنه كان يقود السيارة بسرعة كبيرة فحدث ما حدث وحالتهم الثلاثة حرجة
أغمضت سميحة عينيها في ألم وقالت: يا حبيبتي يا نرمين يا رب تكون العواقب خير
وفي هذه اللحظة خرج سامح من غرفة العمليات فاتجه الجميع نحوه وسألته والدته في لهفة: كيف حالها يا سامح طمئني يا ولدى
قاوم دموعه في صعوبة وهو يقول في ألم: ستكون بخير يا أمي ولكن ستحتاج بعض الوقت لتعود كما كانت
ربتت والدته على كتفه وهي تقول بصوت متهدج: ستقوم بالسلامة- بإذن الله- يا بني لن يخذلني الله فهو أرحم الراحمين
هتفت نورهان: ماذا بها؟ ماذا حدث لابنتي يا سامح؟
التفت إليها وقال بلهجة قاسية: هل تريدين معرفة ما بها يا نورهان؟ حسنا بها كسور مضاعفة بالساقين وكسر بعظمة الحوض وبضعة كدمات وجروح وستحتاج لثلاثة عمليات جراحية وبضع شهور حتى يمكنها الوقوف على قدميها ثانية كان يحدثها بلهجة قاسية أدهشتهم وكلماته اخترقت صدرها كالخنجر فتهاوت على مقعدها وهتفت وهي تنتحب في حرارة: ابنتي حبيبتي ستضيع منى وأخذت نبيلة هانم تهدئها
وهتف بهم سامح بكل ما استطاع التظاهر به من صرامة: هيا عودوا للمنزل جميعا فلا فائدة لوجودكم هنا الآن هيا يا نورهان
هزت رأسها قائلة وهي تبكي: لن أتركها سأبقى بجوارها
جذبها من يدها وهو يقول في صرامة غاضبة: بل ستعودين للمنزل فلدى ما أقواه لك
وفي المنزل: كان سامح يهتف في ثورة: هل يمكنك أن تفسري لي ما حدث؟ هل يمكنك أن تخبريني أين كانت ابنتك حين عادت في هذا الوقت المتأخر مع صديقتها وشقيقها المخمور الذي تسبب في الحادث أجيبيني يا دكتورة يا ناجحة يا مشهورة
نظر إليه الجميع في ذهول وهتفت نبيلة هانما في استنكار: ما الذي تقوله يا سامح هل كان الولد مخمورا؟
هتف سامح غاضبا وهو يركز بصره على نورهان: نعم يا ماما الذين رأوا الحادث أكدوا أنه كان يقود بطريقة غير طبيعية وبسرعة كبيرة وتحليل الدم أثبت وجود نسبة من الكحوليات في دمه وكذلك صديقة نرمين بنسبة أقل وهذا يجعلني أتساءل عما كانت نرمين تفعله وأين كانت بالضبط؟
كانت نورهان تبكي في حرارة فقالت نبيلة هانما في صرامة: هذا ليس وقته يا سامح ضع التفسيرات والاتهامات جانبا
صاح غاضبا: بل هو وقته يا ماما وأنا أريد توضيحا الآن
همست سميحة لسعاد قائلة: ماذا دهاه هل يريد شجارا الآن؟
غمغمت سعاد وهي تراقبهم: أشعر أن سامح على حافة الانفجار.
قال له سمير مهدئ: اهدأ يا سامح وتمالك أعصابك فما حدث لم يكن لإحدى أياد فيه
هتف في ثورة: بل حدث بسبب أنانيتها واستهتارها حبها لذاتها وطموحها جنونها لنجاحها أنساها كل شيء حتى أولادها وها هي نرمين دفعت ثمنه غاليا لماذا لا تجيبين على؟ لماذا أنت صامتة؟ هل أنت سعيدة الآن بنجاحك؟ هل تريدين المزيد؟
صرخت في انهيار: كفى... كفى لماذا تتهمني دائما بالتقصير والأنانية كلما حدث شيء لماذا تلقى المسئولية دائما على أكتافي دون أن تتحمل جزءا منها ولماذا لا تسأل نفسك أيضا أين كنت وقت ما حدث ما حدث ولماذا لا تسأل نفسك هل قمت بدورك كما ينبغي كأب أم لا أم أنك تتصور نفسك ملاكا لا يخطئ؟؟ كل أفق من أوهامك هذه وتأمل في الواقع ستجد أنك قد فشلت في القيام بدورك كأب أتفهم لقد فشلت
وبكل ثورته وغضبه وحنقه وهوى على وجهها بصفعة قوية وهو يصرخ: كفى كفى شهق الجميع في ذعر وهم يشاهدون هذا أما نورهان فبقدر ما آلمتها الصفعة بقدر ما أذهلتها وبكل استنكار الدنيا هتفت: أتضربنى أنا؟ ثم صرخت في ثورة: هل جننت؟
جذبها من ذراعها في قوة وهو يهتف وشياطين الغضب تتقافز في عينيه: بل فاض بي الكيل ولم أعد احتمل أنانيتك واستهتارك وغرورك لم أعد احتمل تعاليك وتكبرك لقد تحملتك كثيرا على أمل أن تتغيري ولكن لا فائدة وها هي النتيجة ابنتنا الوحيدة ستضيع منا وكل هذا بسبك ولو حدث شيء لنرمين ستكونين أنت المسئولة أتفهمين؟
جذبت يدها منه وهي تهتف في انهيار: ستدفع ثمنا ما فعلته غاليا يا سامح ستدفع الثمن ثم اندفعت مغادرة المكان واندفع كريم ورائها يناديها وكذلك سعاد أما محمود فقد هتف متألما: لماذا فعلت هذا يا بابي لماذا؟ ثم اتجه خارجا بدوره أما سامح فقد جلس وقد أحس أنه أفرغ كل انفعالاته فهتفت به والدته غاضبة: ما الذي فعلته؟
لم يجبها فصاحت به: من أين أتيت بهذه القسوة لماذا لم ترحم حزنها على ابنتها وضعفها؟ لماذا فعلت هذا يا سامح؟
قال في وجوم: لأنها كانت السبب في كل ما حدث يا ماما وأنا لم أعد أحتمل أكثر من هذا
هتفت في لهجة قاسية: وأنت أيضا لا تهرب من مسئوليتك فما حدث لنرمين كنتما سببا فيه ونورهان لديها حق فيما قالته لك الآن لماذا لا تسأل نفسك أنت أيضا هل قمت بدورك كأب كما ينبغي أم لا أم أن أسهل شيئا بالنسبة لك هو إلقاء المسئولية عليها ومحاسبتها بدلا من أن تحاسب نفسك أولا
هتف: ما الذي كان ينبغي على فعله يا ماما؟
هتفت بنفس اللهجة القاسية: الكثير لماذا لم تحاول أنت أن تتقرب من ابنتك وتهتم بها وتفهمها عندما لاحظت كثرة خروجها وسهرها مع صديقاتها لماذا لم تحاول أنت أن تفعل شيئا بدلا من أن تنتظر ذلك من نورهان ولكنك للأسف فضلت أن تأخذ دور المتفرج إلى أن حدث ما حدث فأخذت تصرخ في نورهان ملقيا كل المسئولية عليها دون أن تحاول أن تتحمل جزء منها وما دمت قد قسوت عليها إلى هذا الحد ولم ترحم حالتها النفسية السيئة التي كانت عليها فسأقول لك ما عندي ابناك كريم ومحمود لن يعودا إلى المنزل وسيبقيان معى وعندما تغادر نرمين المستشفى بالسلامة ستأتي هي الأخرى لتبقى عندي إلى أن تدركا المعنى الحقيقي للأبوة والأمومة وتتعلما كيف تحافظان على النعمة التي أعطاها لكم الله وهذا قول نهائي يا سامح أتفهم؟
وصمت سامح فلم يعد هناك ما يقال.
دلفت سميحة إلى غرفة ملك فوجدتها جالسة علي فراشها في حالة وجوم كامل وعيناها محمرتين من البكاء فاتجهت إليها وجلست علي طرف الفراش وقالت بكل رفق: ألن تخرجي قليلا من غرفتك؟ ألن تتناولين معي الغذاء؟
أشاح ملك بوجهها وقد بدأ عليها الحزن والغضب فتابعت سميحة وهي تربت على كتفها: هوني عليك يا حبيبتي... نرمين حالتها مستقرة الآن الحمد لله... وهذا قدرها والحمد لله أن الأمور وصلت لهذا الحد فقط
هتف ملك في غضب: لكن لكل شيء سبب وما حدث لها كان بسبب أنانية والديها وانشغال كل منهم بعمله وطموحه ونرمين ليست الوحيدة التي يحدث لها هذا هناك الكثير
فهمت سميحة ما تعنيه ملك بقولها فقالت: تقصدينني بهذا القول يا ملك؟
صمت ملكا وكأنها تعلن أن هذا فعلا ما تعنيه فقالت سميحة في حزن: سيأتي الوقت الذي تدركين فيه إننا لم أكن أنانية معك أبدا أبدا يا ملك ثم قامت لتغادر الغرفة ولكنها التفتت ثانية إلى ملك وقالت: على فكرة سأذهب إلى المستشفى غدا لرؤيتها بعد عملي إذا كنت تريدين الذهاب إليها أخبريني ثم غادرت الغرفة بهدوء
بعد مرور شهر من الحادث:
رن جرس الباب في منزل سامح الذي كان يجلس شاردا فقام في تثاقل ليفتحه فوجد سمير الذي ما إن رآه حتى ارتفع حاجباه في إشفاق وهو يتأمل أخاه فقد كان سامح في حالة يرثى لها نمت لحيته كثير وتهدل شعره بعدم تنظيم على وجهه وامتلأت عيناه بالحزن وبدا وكأنه قد تقدم به الزمن عشر سنوات على الأقل وهو يشير إلى سمير بالدخول قائلا في انكسار: أهل تفضل يا سمير
دلف سمير إلى المنزل فوجده مظلما فقال في عطف: لماذا تجلس فى الظلام هكذا أين زر الإنارة؟
قال سامح فى سرعة: لا تنيره يا سمير أنا أشعر بالراحة هكذا
تنهد سمير قبل أن يتجه إليه ليجلس بجواره قائلا فى اشفاق: لماذا تفعل هذا بنفسك يا سامح اننى لا أصدق أن ما أراه الآن هو سامح أخى
غمغم سامح فى حزنا عميقا: ما الذى يجب أن أفعله إذن يا سميرا؟
قال سمير وهو يربت على كتفه: هون عليك يا أخى سيعود كل شئ على ما يرام- بإذن الله-
هز سامح رأسه نفيا وقال فى حزنا: لن تعود الأمور كما كانت أبدا يا سمير
قال سمير: لماذا تقول ذلك أنت طبيب يا سامح وليس بحاجة لأخبرك أنه حالة ابنتك مطمئنة للغاية فلقد جئتك من عندها وجميع الأطباء هناك يولونها عناية بالغة وكلهم أكدوا انها يلزمها شهران على الأكثر حتى تعود كما كانت وحالتها النفسية والمعنوية عالية وكل ما تحتاجه هو أن تشعر بوجودك أنت ووالدتها بجانبها طوال الوقت فهذا سيحدث فرقا كبيرا لديها
قال سامح فى مرارة: نورهان تطلب الطلاق يا سمير
اطرق سميرا برأسه لحظات وقال فى حزنا: لقد علمت ولكن أعذرها فهى غاضبة فما فعلته معها جرحها بشدة وسرعان ما سيزول هذا الغضب وستقلع عن قرارها هذا
قال سامح فى وجوم: لن تتراجع عن طلبها هذا يا سمير أبدا فأنا أعرفها جيدا انها عنيدة للغاية وتضع كرامتها فوق أى اعتبار وما دامت قد طلبت الطلاق بهذا الإصرار فلن تتراجع عنه
قال سمير فى تعاطفا: هل تحبها إلى هذه الدرجة يا سامح؟
اجابه سامح: نعم يا سمير احبها ولا أتصور نفسى بدونها وحبى لها هو الذى جعلنى احتمل تصرفاتها كل تلك السنوات فمنذ أن تزوجتها وكل ما يشغلها هو عملها ونجاحها فقد كانت شديدة الطموح اثناء دراستنا وقد ساعدتها كثيرا وكنت دوما أتمنى لها النجاح مثلما اتمناه لنفسى ولكننى بعد فترة وجدت أن اهتمامها بعملها يزداد شيئا فشيئا ويزداد فى المقابل اهمالها لى ولكننى لم اتزمر أو أشكو فقد كنت أحبها وكنت أريد اسعادها بكل طريقة رغم اننى كنت أشعر فى كثير من الأحيان أن نجاحى فى عملى لا يسعدها بقدر ما يثير حماسها لتزداد اهتماما بعملها وتتفوق هى الأخرى وتنجح وكأننا فى سباق أو منافسة وفى غمرة هذه المنافسة تناست حقوقى كزوج وقد صبرت وقررت أن احتمل فعسى عندما تصبح أم تتغير ولكن ما حدث أن الأمر ازداد سوءا فقد ازدادت تمسكا بعملها وكأنها اقسمت ألا تتنازل عن شئ من طموحها حتى فى سبيل أولادها وكلما لمتها لتهتم بالأولاد قليلا صرخت فى وجهى واتهمتنى بأننى أغار من نجاحها وأريد أن احبطها واننى استغل كل فرصة للتحدث فى هذا الموضوع وهكذا كل يوم إلى الآن لم تتغير أبدا إلى أن حدث ما حدث فانفجرت كما رأيت ولم أدرى ما أفعله
ربت سمير على كتفه قائلا فى ود: اطمئن يا سامح لقد قررت ماما أن تذهب إليها لتتحدث معها وأنا واثق من قدرة ماما على اقناعها بأن تقلع عن طلبها هذا- بإذن الله-
صمت سامح فجذبه سمير من يده قائلا: والآن هيا إلى الحمام لتأخذ حماما سريعا وتحلق هذه اللحية وتبدل ملابسك حتى نذهب إلى نرمين فرغم أن كل العائلة الكريمة حولها إلا انها سألتنى عنك عدة مرات فأقسمت أن آتى بك لها فلا تخذلنى هيا
تأمله سامح لحظات ثم قال: أول مرة منذ زمن بعيد تحدثنى كأخ أكبر لك دون أن تتهكم وتسخر يا سمير
جلس سمير بجواره ثانية وقال فى حبا: ما الذى تقوله يا سامح أنت دوما بالنسبة لى أخ أكبر وقدوة وأنا دائما اعتز وأفخر بك فأنت مثال للطبيب المخلص فى عمله الشريف الذى يضع مصلحة مرضاه فوق أية اعتبارات أو مصالح كل ما هنالك اننى أجدك دائما مشغولا ومنعزلا عنا وعن مشاكلنا حتى عن أولادك وأنت أخونا الأكبر كما أنك تأخذ الأمور بجدية زائدة ورغم اننى التمس لك بعض العذر إلا أن هناك اعتبارات انسانية كثيرة يجب على الانسان أن يراعيها مهما كان مشغولا حتى يحافظ على التواصل بينه وبين من يحبهم ويحبونه وإلا أنقطع كل خيط يربطه بهم مع مرور الوقت وهذا ما كنت أريده منك وأنا كما تعلم على العكس منك تماما لا أحب الجدية طوال الوقت ولذلك اعبر عن رأيى ببعض التهكم على بضع كلمات طريفة وهكذا ولكنك ستظل بالنسبة لى دوما أخى الأكبر الذى أحبه كثيرا واحترمه
تأمله سامح لحظات فى تأثر قبل أن يعانق كلا منهما الآخر بكل حب .
يكفي هذا يا نيته)) قالت نرمين وهي تزيح الطعام من أمامها
قالت جدتها في حنان: يجب أن تأكلي يا نرمين جيدا ألا تريدون مغادرة المستشفى يا حبيبتي؟
قالت نرمين في إصرار: يكفي هذا سيزداد وزني مائة كيلو على الأقل لو ظللت أكلا هكذا طوال المدة الباقية لي في المستشفى وأنا لا أبذل في المقابل أي مجهود
زفرت جدتها وقالت: ليتك تزدادين قليلا فقد أصبحت مثل العصا هيا وأصلي طعامك وأريحي قلبي ألا يسمع أحد في هذه العائلة الكلام دون أن يتعب قلبي؟
قالت فدوى وهي تمسك بالطبق من يد جدتها: هاتي يا نيته سأعرف كيف أطعمها
أعطتها جدتها الطبق وذهبت لتجلس بجوار سميحة وسلوى في حين قالت فدوى: هيا يا نرمين وكفاك تدليلا هل أعجبك جو المستشفى ولا تريدين الخروج منها كما قالت نيته؟
قالت نرمين: إن أردتم الحقيقة نعم فأنا لا أريد مغادرة المستشفى
تأملتها سلمى وملك في دهشة وهتفت فدوى في دهشة: ما الذي تقولينه؟ يبدون أن الحادث أصاب عقلك بلطف
تساءل ملك: لطف؟ ما معنى هذه الكلمة؟
قالت فدوى: أخبريها يا سلمى
قالت سلمى في بساطة: أي أصابها خلل في عقلها يا ملك
عقدت نرمين حاجبيها وتراجع ملك قائلة في فهم: آه عندك حق يا فدوى فما من عاقل يحب الإقامة في المستشفى
قالت نرمين في استمتاع: ولما لا أحبها وكل من هنا يعاملونني كأميرة كلا طلباتي مجابة وواجبة التنفيذ والكل يتنافس على راحتي ثم أشارت إلى كريم ومحمود وقالت: حتى هذين الوليدان الذين كنت أتصور أنهما يضيقان بوجودي ذرعا أصبحا لا يفارقانني وكل ما أطلبه منهم يجاب دون مناقشة هذا بالإضافة إلى الأطباء والممرضات الذين يتفانى في خدمتي
قالت فدوى في تهكم: هذا فقط لأنك ابنة الدكتور سامح رئيس قسم النساء والتوليد هنا وليس لسواد عيونك فلا يأخذك الغرور بعيدا
تجاهلت نرمين قولها المتهكم وقالت في سرور: والأجمل من ذلك إننا استرحت من صداع المذاكرة والدراسة فلا أحد يطالبني بها.
قالت ملكا: ولو كل هذا لا يعنى شيء فأنا أكره المستشفيات وكلما دخلت إحداها شعرت بالدوار
قالت نرمين في جدية: في الحقيقة لقد أوضحت لي تلك التجربة أشياء كثيرة كانت غائبة عنى
سألتها سلمى في اهتمام: مثل ماذا؟
قالت نرمين: لقد أدركت كمْ كنت مخطئة فيما كنت أفعله كما ميزت لي من هم أصدقائي الحقيقيون ومن هم المزيفون
قالت ملكا في تساؤل: هل تقصدين هؤلاء الذين كنت تسهرين معهم؟
إجابتها نرمين بلهجة غاضبة: نعم لم تفكر واحدة فيهن أن ترفع سماعة التليفون حتى لتطمئن على
قالت سلمى: هذا طبيعي يا نرمين فقد جمعتكم ظروف ولم يجمعكم حب وأنتما فلتاها بنفسك أن ما يجمعكم هو وشعوركم بالوحدة أي لم تكن صداقة حقيقية
تنهدت نرمين وقالت: على العموم كانت تجربة ولن تتكرر ثانية- بإذن الله-
قالت فدوى في مرح: المهم إن تغادري هذا المستشفى بسرعة فقد أوحشتني قذائف الماء الذي تقذفينني به بشدة
ابتسمت نرمين وقالت: وهذا ثاني شيء اكتشفه هنا وهو إننا أحبكم جميعا جدا جدا ولا أستطيع العيش بدونكم أبدا
التفوا حولها وأخذوا يقبلونها بكل حب.
