الفصل الثاني عشر
تنهدت سميحة وقالت :
سأخبركِ يا سلمى عن كل شئ بعد العشاء وفى حجرة نوم سميحة كانت سميحة تقول لسلمى فى حنان : أخبرينى الآن هل استقرت مشاعركِ تجاه نديم أم مازال هناك بعض القلق والتوتر ؟
خفضت سلمى عيناها فى حياء وقالت : لست أدرى ما الذى يمكن أن أقوله لكِ يا طنط سميحة ولكننى أصبحت اشعر بارتياح شديد معه وفى الحقيقة لقد اكتشفت فيه ما جعلنى أشعر أنه الشخص المناسب لى
ابتسمت سميحة وهى تتأملها وقالت : مثل ماذا ؟
تابعت سلمى : وجدت فيه ما كنت أتمناه فهو إنسان مثقف جداً ذو عقلية متفتحة ومستنيرة وحنون ورقيق لأقصى درجة
قالت سميحة فى حنان : من الصعب ألا يكون حنون ورقيق مع ملاك مثلكِ يا حبيبتى
ابتسمت سلمى وقالت : طبعاً من يشهد للعروس ولكن نديم حنون بطبعه تصورى أنه يعاملنى كالطفلة الصغيرة فى بعض الأحيان أو انه يعطينى هذا الاحساس بخوفه الشديد علّى واحساسى معه بالأمان
قالت سميحة بابتسامة حنون :
وهل يسعدكِ أنه يعاملكِ كالطفلة ؟
قالت سلمى فى حياء : ستشعرين بالدهشة يا طنط سميحة لو قلت لك اننى كنت دائماً اتمنى إنساناً يعطينى هذا الاحساس أشعر معه اننى طفلة اريد ان اتعلم الكثير وهو يعلمنى ما لا أعلمه ويأخذنى إلى دنيا جديدة لا أعلمها إنسان أشعر معه بضعفى وفى الحقيقة كنت استبعد أن أجد شخصاً كهذا عندما كنت أنظر حولى ولكن نديم إنسان مختلف كما قلت حضرتك عنه قبل ذلك فهو على الرغم من تفوقه الدراسى يهتم بتنمية ثقافته ويقرأ كثيراً فى كل المجالات بحيث لا أسأله أى سؤال إلا ويجيبنى عليه باستفاضة هذا إلى جانب تدينه وخلقه النبيل ولقد وجدت فيه كل ما أتمناه والحمد لله
اتسعت ابتسامة سميحة وهى تتأمل سلمى فى حنان ثم مالت إليها وطبعت قبلة على خدها وقالت : هذه القبلة لأنكِ بكل بساطة أوجزتِ ما تتمناه أى امرأة فى من تريد أن ت أن يشعرها معه بضعفها لأنه لا يمكن لأى سيدة أن تشعر بالضعف إلا أمام الرجل الحق وفقكِ الله معه يا حبيبتى لا يمكنكِ تصور سعادتى الآن من أجلك وأتمنى أن يجعلكِ هذا تتفوقين هذا العام فوظيفتك فى الشركة عندنا محفوظة بإذن الله وهذا ليس لأنكِ ابنة اختى بل لأنكِ متفوقة والشركة تحتاج للمتفوقين مثلك
غمغمت سلمى فى سعادة : بإذن الله والآن لننتقل إليكِ كيف تسير الأحوال هنا بعد عودة ملك أعتقد أنكِ فى قمة سعادتكِ الآن
تنهدت سميحة وقالت فى آسى : بالطبع يا سلمى شعورى الآن لا يوصف لوجودها بجانبى على الرغم مما يحدث منها فهذا يهون كثيراً عن ابتعادها عنى ولكن ما يؤلمنى حقاً هو اعتقادها الراسخ بأننى أهملتها وتخليت عنها ومعاملتها لى على هذا الأساس كما تقربت منها خطوة ابتعدت هى خطوات ولا أدرى ما الذى أفعله حتى تقتنع بالعكس
قالت سلمى : ولكنكِ كنت تتوقعين حدوث ذلك عندما ستأتى وأن الأمر لن يكون سهلاً لعودة الأمور بينكما طبيعية يا طنط سميحة وهى لم تأتِ سوى من أسبوعين
أومأت سميحة برأسها موافقة وقالت : نعم يا سلمى كنت أتوقع هذا وأنا أعلم أن المسألة تحتاج لوقت وصبر ولكن التوقع شئ ومعايشة هذا الوضع القاسى شئ آخر فأنا لا أحتمل نظرات العداء التى ترمقنى بها ولا عنادها المستمر لى وأحياناً أرى فى عينيها نظرات عتاب شديد وكأنها تعاقبنى على ذنب لم أقترفه وليت الأمر يقتصر على هذا بلل تتعمد إثارتى أيضاً واستفزازى إذا قلت يمين فعلت هى شمال وإذا قلت شمال قالت هى يمين لمجرد العناد فحسب وأنتِ تعلمين جيداً لا أحتمل العناد ولا أحبه وصبرى قليل فى هذا الشأن وهذا يدفعنى للثورة عليها على الرغم من خطأ هذا الآن
اسرعت سلمى تقول : لا يا طنط سميحة لا تفعلى هذا تحمليها قليلاً مادام الأمر محصوراً على عنادها لك فهذا ما كان متوقعاً وحتى لو فعلتِ خطئاً بحكم كونها عاشت فى امريكا عدة سنوات فيجب أن توجهيها بهدوء
قالت سميحة بارتياح : هذا هو الشئ الذى يريحنى فى الموضوع يا سلمى فملك الآن فتاة أكثر تحملاً للمسئولية وأكثر هدوءاً وعقلاً وطيبة عكس ما كانت عليه وهى صغيرة أنا أشعر بهذا على الرغم من أنها تحاول أن تبدى أمامى استهتارها وعنادها لتثيرنى وأنا التى كنت أتوقع العكس وذلك لتغير الأمور للأسوأ بعد سفرها لأمريكا مع والدها وعيشها فى مجتمع أبعد ما يكون عن مجتمعنا ولكن الحمد الله
قاطعتهم ملك وهى تدلف إلى الحجرة قائلة فى لهجة متهكمة : معذرة لمقاطعة هذا الحديث الهام ولكننى كنت أبحث عن ( بيوتى ) فهى ليست بالغرفة هل يمكننى أن أبحث عنها هنا ؟
تساءلت سلمى : من بيوتى هذه ؟
أجابتها سميحة وهى ترمق ملك غاضبة لأنها دلفت إلى الغرفة دون أن تطرقها بطريقة منافية للذوق : انها سلحفاة شديدة الجمال على نحو ينافس هند رستم أو مارلين مونرو ولذلك ملك تسميها ( بيوتى )
عقدت ملك حاجبيها وقالت فى غضب : لا أسمح بالتهكم ولا السخرية من ( بيوتى )
أجابتها سميحة بغضب مماثل : وأنا لا أسمح بأن يدلف أحد غرفتى دون استئذان وهذا أبسط قواعد الذوق والآن هيا ابحثى عنها
شعرت ملك بغضب حقيقى وحنق فى ذات الوقت لأنها تعلم أن ما فعلته فعلاً منافى للذوق ولكنها لم تفكر وأيضاً لوجود سلمى ولكنها تظاهرت باللامبالاة وهى تبحث عن سلحفاتها هنا وهناك حتى وجدتها ترقد تحت السرير فحملتها ثم هتفت فيها وكأنها تؤدب طفلاً صغيراً : هيا يا بيوتى ولا تفعلى ذلك ثانية أتفهمين ؟ ثم اتجهت لتغادر الغرفة فى حين شعرت سلمى بالتعاطف مع ملك التى بدت كالطفلة وهى تحادث السلحفاة فقالت : لما لا تأتى لتنامى معنا يا ملك
رمقتها ملك بنظرة فاحصة ثم قالت فى برود : لم أعتاد النوم بجانب أحد ثم غادرت الغرفة وأغلقتها خلفها بقوة
تبادلت سلمى مع سميحة النظر وقالت سميحة : لا عليك يا سلمى فهذا هو أسلوبها معى وأرجو ألا تغضبى من أسلوبها الجاف فهى فى الحقيقة رقيقة جداً ألم ترى طريقتها مع سلحفاتها ؟ ثم أطلقت ضحكة قصيرة وقالت : أتعلمين انها ذات مرة اندفعت مذعورة قلقة وأخذت تهتف وتولول وتطلب منى أن أحضر طبيب للسلحفاة لأنها ترى أنها مريضة وكأنها تظن نفسها مازالت فى أمريكا بحيث عندما يصاب الكلب بصداع خفيف يسارع صاحبه بإحضار لفيف من الأطباء البيطريين إليه
ضحكت سلمى قائلة : وماذا فعلتِ إزاء هذا الموضوع ؟
أجابتها سميحة ضاحكة : ما الذى كنت تتوقعينه لقد كنا فى منتصف الليل هل كنت تتوقعين أن آخذها وأجرى إلى أقرب مستشفى كالتى ستلد عاجلاً حتى يعتقد الناس اننى قد جننت أم أتصل بأحد الأطباء البيطريين لأخبره عن انزعاجى بشأن سلحفاتى المدللة حتى يغلق السماعة فى وجهى دون حتى أن يكلف نفسه عناء الرد علّى ؟ لم أفعل شئ سوى أن اتصلت بصديقة لى تهتم بتربية السلاحف وتحبها واستشرتها فى هذه المشكلة وهى مشكورة أعطتنى النصيحة ولكن طريقة حديثها كانت تفصح عما يدور بذهنها عنى ربما ظنت اننى مجنونة المهم أن ملك نفدت هذه النصيحة ولكنها كانت متبرمة على عدم توافر عيادات ومراكز لخدمة الحيوان مثل أمريكا هل رأيتِ أكثر من هذا الجنون ؟
ضحكت سلمى وقالت : من حقها تغضب فالفرق بين هناك وهنا شاسع بالنسبة لهذا الموضوع
قالت سميحة فى حزم : بالطبع يا سلمى شاسع جداً فلقد أمرنا ديننا الحنيف أن نرحم الحيوان وألا نؤذيه من غير مبرر ولكنه لم يأمرنا أبداً بأن ننشئ مراكز متخصصة لرعاية القطط والكلاب وحمايتهم وعلاجهم وإقامة جمعيات خاصة بهم تنفق عليها بالملايين فى الوقت الذى يموت فيه الأطفال جوعاً هنا وهناك ولعدم توافر الدواء والرعاية فلقد كرّم الإنسان وفضله على سائر الخلائق وما يحدث فى أمريكا هو العكس فحياة الحيوان هناك أثمن من حياة الإنسان وهذا هو الفرق بيننا وبينهم وعلى فكرة لقد قلت هذا لملك حين وجدتها ساخطة
قالت سلمى بتقدير : وهذا رأيى أيضاً أتعلمين يا طنط سميحة اننى فى بعض الأحيان اتمنى لو عشت فى العصور الماضية فى عصور الفرسان العرب حيث كانت كل المعانى الجميلة والأخلاق النبيلة والمعنى الحق للفروسية وعلى الرغم من إيمانى بوجود الخير والشر فى كل مكان وزمان إلا أننى اشعر أن فى هذا الوقت كان الخير والعدل يسودان المجتمع أكثر من أى وقت آخر و ....
ثم حانت منها التفاتة إلى خالتها ثم ما لبثت أن هتفت فى دهشة : طنط سميحة يا إلهى لقد نامت واستغرقت فى النوم ثم هزت رأسها فى تعجب وقالت : حسناً أنا الأخرى تحتاج للنوم ثم جذبت الغطاء ونامت .
وفى صباح اليوم التالى :
جلست كلاً من سميحة وسلمى وملك يتناولون افطارهم عندما ابتسمت سلمى وبدت وكأنها ستضحك ولاحظت سميحة ذلك فسألتها : ما الذى تذكرتيه الآن يا سلمى جعلكِ تبتسمين هكذا فأنا أعرفك جيداً
ضحكت سلمى قائلة : كنت أتذكر ما حدث البارحة ثم التفتت إلى ملك قائلة : تصورى يا ملك اننى كنت اتحدث مع طنط سميحة بانهماك عن العصور الماضية وعن عصر الفرسان وفجأة وجدتها مستغرقة فى النوم ودون سابق انذار
قالت سميحة مبتسمة : ماذا أفعل ؟ لقد كنت متعبة وأنت لا تملين التحدث عن العصور القديمة وهذه كانت المرة العاشرة التى تحدثينى فى هذا الموضوع فاستسلمت للنوم
قالت سلمى فى تبرم وهى تشير إلى سميحة : ما رأيك يا ملك ؟ هل أخاصمها من أجل هذا القول ؟
أجابتها ملك وهى ترمق والدتها متهكمة : لا أنصحك بهذا فمن الواضح انها تحبك جداً ولا تحتمل خصامك لها ولا فراقك يوماً واحداً في نفس الوقت الذى تحملت فيه فراق ابنتها الوحيدة لسنوات .. هل ترين الفارق ؟
رمقتها سميحة بنظرة غاضبة فى حين هتفت سلمى فى ذهول وقد اصابتها كلمات ملك بالصدمة : ماذا تقولين يا ملك ؟
قالت ملك ببرود : ما سمعتيه بالضبط يا باشمهندسة سلمى يبدوا أن سميحة هانم وجدت فيكِ بديلاً عن ابنتها المزعجة الشريرة التى تملأ الدنيا ضجيجاً فى حين وجدت فيكِ الفتاة الهادئة الرقيقة التى تذكرها بنفسها والتى ....
هدر صوت سميحة صائحة فى غضب : ولا كلمة زائدة يا ملك كفى ..يكفيما قلتيه الآن
فى حين قامت سلمى التى احمر وجهها مغمغمة فى احراج : بعد اذنك يا طنط سميحة سأذهب لأجرى بعض الاتصالات بصديقاتى لنلتقى غداً و ...
قاطعتها سميحة قائلة : اجلسى يا سلمى لتواصلى إفطارك وملك يجب أن تعتذر عما بدر منها من سخافة
أشاحت ملك بوجهها قائلة : لن أعتذر فلم أُخطئ
قالت سلمى بسرعة : لا يا طنط لست غاضبة منها صدقينى ثم غادرت المكان فى سرعة
بينما هتفت سميحة بملك فى صرامة غاضبة : ألا ترين أنكِ تجاوزت حدودك كثيراً هذه المرة ما الذى فعلته لكِ سلمى لتحدثيها بهذه الصفاقة أم أنكِ اعتدتِي عليها ؟
قالت ملك بتحدى : اعتقد اننى قلت الحقيقة وليس مهم الأسلوب الذى قلتها به ثم اننى لم أطلب منها محادثتى هى التى أصرت على ذلك فلتحتمل إذن
لم تتمالك سميحة نفسها وهى تهتف : أنتِ قليلة الذوق
شعرت ملك بالغضب لقول أمها وبدا عليها هذا ثم قالت فى لهجة حاولت جعلها هادئة : هذا هو أسلوبى ولا أعتقد اننى سأغيره كان أسلوبها مستفزاً لسميحة ولذا كادت أن تهتف فيها غاضبة لولا ارتفع صوت رنين الهاتف فألقت نظرة ساخطة على ابنتها قبل أن تذهب إليه وترفع السماعة قائلة فى انفعال : آلو أهلاً يا ماما كيف حالك ؟
اجابتها والدتها قائلة : كيف حالك أنتِ يا سميحة
وكيف حال ملك .... أهى بخير ؟
زفرت سميحة محاولة أن يبدوا صوتها طبيعياً : بخير يا ماما والحمد لله نعم سنأتى يوم الخميس القادم بإذن الله
قالت والدتها فى قلق : لماذا لا يبدوا صوتك طبيعياً يا سميحة هل حدث شئ بينكما ثانية ؟
زفرت سميحة مرة ثانية وهى تقول : نعم يا ماما هذا يحدث كل يوم
أومأت والدتها برأسها متفهمة وقالت : بهدوء يا سميحة تصرفى معها بهدوء لا تكررى خطأ الماضى يا بنيتى أين هى أريد أن أتحدث معها .. أعطينى إياها
قالت سميحة : حسناً يا ماما سأناديها ثم اتجهت إلى حيث تجلس ملك وقالت فى صرامة : جدتك تريد أن تتحدث معكِ
هزت ملك رأسها قائلة فى لهجة استفزازية : جدتى من ؟
قالت سميحة فى نفاذ صبر : جدتك نبيلة..وتحدثى معها بأدب
رمقتها ملك بنظرات باردة قبل أن تقوم ببطء وتتجه إلى الهاتف فى الوقت الذى ضغطت فيه سميحة على أسنانها وقالت لنفسها فى غيظ : لن يمكننى تحمل هذا طويلاً
بينما رفعت ملك السماعة على أذنها وقالت فى فتور : أهلاً يا تيتة تُرى هل مازلتِ تذكريننى ؟
اجابتها جدتها بحنان دافق : وهل أنسى قرة عينى يا حبيبتى كيف حالك ؟ لقد أوحشتنى جداً يا ملك وأنا غاضبة منك جداً
كانت لهجتها حانية جداً جعلت ملك تنسى برودها وتسأل فى اهتمام : لماذا تغضبين منى ؟
اجابتها جدتها بنفس اللهجة : لأنك لم تفكرى حتى فى مجرد الاتصال بجدتك لتطمئنى عليها وكأنك نسيت تماماً تيتة نبيلة التى كانت ومازالت تحبك مثل نور عينيها هل نسيتى الأقاصيص التى كنت أقصها عليكِ وأنت تسكنين بين أحضانى عندما كنتِ صغيرة والتى كنتِ تطلبين منى اعادتها لكِ مرة واثنين ؟ هل نسيتِ بيت تيتة نبيلة الذى كنتِ تلعبين فيه مع أولاد خالاتك وأخوالك ؟ هل نسيتِ صدرى الذى كنتِ ترتمين فيه باكية عندما كانت والدتك تزجرك ؟ هل نسيتِ يا ملك ؟
شعرت ملك بالتأثر لهذه الكلمات الحنونة الرقيقة فترقرقت الدموع فى عينيها وقالت فى خفوت : لم أنسى يا تيتة ولكن لماذا لم تتصلى بى مادمت قد أوحشتكِ هكذا ؟
قالت جدتها بكل حب : لم يكن ليمنعنى شئ عن الاتصال بك يا حبيبتى والاطمئنان عليكِ لولا اننى كنت اجهل عنوانك فى أمريكا أو حتى رقم تليفونك قولى لى هل تشعرين بالارتياح ؟ هل تحتاجين شيئاً يا حبيبتى ؟
اجابتها ملك بتأثر : لا يا تيتة شكراً
تابعت جدتها : هل أغضبتكِ سميحة فى شئ ؟ لو أغضبتكِ أو ضايقتكِ فى أى شئ لا تترددى فى أن تخبرينى وسأخذ لك حقك منها كاملاً اتفقنا ؟
كانت ملك متأثرة بشدة بلهجة جدتها الحنون ولذلك قالت فى رقة أدهشت سميحة التى كانت تراقبها من أول المكالمة : اتفقنا
قالت لها جدتها : حسناً يا حبيبتى خالك سمير يريد أن يحدثك
أخذ سمير السماعة وهتف بمرح : كيف حال ملاكى الصغير ؟ اعتقد أنكِ لم تنسى خالك سمير بعد أم أنكِ نسيته ؟
ابتسمت ملك وقالت : بلى يا أونكل سمير اننى أذكرك بالطبع
قال سمير ضاحكاً : عال إذن هل تذكرين الفستان الأحمر ذو والوردة البيضاء الذى اشتريته لكِ عندما ولدت عارية بشكل مخجل وكان هذا الفستان هو أول شئ ترتدينه وتلك القبعة الصغيرة التى اشتريتها خصيصاً لتغطى رأسك التى كانت مثل الصحراء خالية تماماً من الشعر بشكل مضحك ؟
عقدت ملك حاجبيها فى غضب ثم قالت فى غيظ : هذا الذى لا أذكره فى الحقيقة ولكن يبدوا انك لم تتغير بعد
ضحك وقد ادرك انه نجح فى إثارتها وقال : كيف حال ( بيوتى ) هل وجدتِ من يؤنس وحدتها لا تندهشى فوالدتك اخبرتنا فى التليفون عن هذه السلحفاة الجميلة التى تحوز اهتمامك ولذلك قررت أن احضر لها سلحفاً حتى يستطيعا تكوين أسرة
رفعت حاجبيها فى دهشة وهتفت : حقاً ؟ هل أحضرت سلحفاة أخرى ؟
أجابها سمير : بالطبع وها هو يجلس أمامى يتوق لرؤية سلحفاته
هتفت ملك فى سعادة : يا إلهى كم أشكرك يا أونكل سمير
قال سمير فى حنان : لا تشكريننى على شئ يا حبيبتى نحن ننتظرك يوم الخميس القادم فجدتك وأنا والجميع نريد رؤيتك وستأخذيه وأوعدك اننى سأخذك رحلة إلى الأهرامات فهى بجانبنا لن تنسيها هل ستأتين ؟
قالت ملك متحمسة : نعم سآتى
قال سمير جاداً : هناك شئ آخر اريدك أن تهتمى بمذاكرتك فأنت الآن بالصف الثانى الثانوى وهذا العام هنا فى حكم الثانوية العامة ولذلك إذا أردت أى شئ يتعلق بالكيمياء العضوية سأساعدك فيها فهى مادة دسمة حتى تحصلين على مجموع عالِ اتفقنا ؟؟
قالت ملك فى امتنان : اتفقنا
قال سمير فى مرح : حسناً يا ملاكى مع السلامة وقّبلى لى بيوتى إلى أن اراك
أحست سميحة أن ملك ستبكى وهى تقول فى خفوت : مع السلامة ثم أغلقت الهاتف لتندفع إلى غرفتها واغلقتها خلفها وأخذت تبكى بشدة لتخرج كل مشاعرها التى أثارتها هذه الكلمات الحنون من جدتها وخالها فلم تحتمل تلك الشحنة من العاطفة التى حملتها كلماتهم والتى لم تكن تتصورها أو تتوقعها كانت تتصور أن الجميع قد نسيها ولم تكن تتصور هذا القدر من الحب لم تكن تتصوره أبداً وفى نفس الوقت قالت سميحة فى امتنان وهى تحدث نفسها : يا إلهى يا ماما وأنت يا سمير كم أحبكما.
تأمل سامح نورهان التى تستعد للخروج وهتف فى سخط : ألم نتفق أن نأخذ اجازة اليوم لنقضيه مع الأولاد يا نورهان ؟ فهذا آخر يوم فى الاجازة
تطلعت نورهان إلى نفسها فى المرآة لتتأكد انها لا ينقصنها أى شئ وقالت فى هدوء وهى تضع عطراً : لم نتفق يا سامح تذكر هذا وليس معنى أنك أخذت اجازة اليوم أن أفعل مثلك
هتف فى احتجاج : ولماذا لا تأخذين اجازة يوماً واحداً لنجتمع معاً كأسرة اننا لم نفعل هذا منذ مدة طويلة أنا أفتقد الأولاد بشدة
رفعت حاجبيها وهزت كتفيها فى تعجب وقالت : عجبت لك حقاً يا سامح اين هم هؤلاء الأولاد ؟
نرمين خرجت منذ نصف ساعة كاملة لتذهب إلى النادى مع صديقاتها وكريم عند جدته كالعادة ومحمود نائم واعتقد أنه سيخرج بعد استيقاظه مباشرة ليذهب لجدته ولن يبقى سوانا فى المنزل
قال سامح فى ضيق : هذا الوضع الذى ترينه يعبر عن ما يعانونه لعدم وجودنا بجانبهم ولذلك فهم يقضون معظم وقتهم خارج المنزل ومادمت مصرة ألا تتركى العيادة التى تأخذ كل وقتك وتكتفى بالمستشفى لتتفرغى لهم فالتأخذى إذن اجازة ولو ليوم واحد نقضيه معهم نتحدث ونشاركهم مشاكلهم
قالت فى حدة : لما لا تقول أن هذا الوضع الذى تراه يرجع لأنهم كبروا وأصبحوا أكثر اعتماداً على أنفسهم وأصبح كلاً منهم له حياته وشئونه التى لا يريد لأحد أن يتدخل فيها أم أنك تتحين أى فرصة لتدس فيها موضوع عملى الذى تحدثنا فيه كثيراً وحسمته أنا ؟؟
زفر فى قوة وهتف فى نفاذ صبر : يا إلهى ألن تنتهى من هذا أبداً ؟ كلما تحدثت معك فى موضوع يخص الأولاد تصرخين متهمة إياى اننى أريد من هذه المناورة هو تركك لعملك ومحاربة نجاحك وطموحك و .... و .... و..... وكأننى خلقت خصيصاً من أجل مهمة واحدة فى الحياة ألا وهى تحطيمك والتحكم فيكِ وكل هذه الأفكار السخيفة التى لا أدرى لماذا تسيطر على فكرك دائماً أريد مرة واحدة اتحدث فيها معك ونتناقش بهدوء لنصل إلى حل أو على الأقل اقنعك أو تقنعيننى إننا لسنا أعداء يا نورهان لنتصارع انتِ زوجتى ونجاحك هو نجاحى وأنا حريص عليه أكثر منكِ ولكن بشرط ألا يكون على حساب الأولاد يجب أن نفكر فيهم كما نفكر فى أنفسنا
قالت نورهان بسرعة وهى تلتقط حقيبتها : ليس لدى وقت لنتناقش فى هذا الآن يا سامح ولكن ما يجب أن تتأكد منه اننى لم أفشل فى تربية أولادى قط ولا يوجد من هم أفضل من أولادى نجاحاً وتفوقاً
راقبها سامح وهى تغادر المنزل فى هدوء ثم هز رأسه وهو يغمغم فى غضب ساخط : لا فائدة لن تتغير أبداً ثم أسند رأسه على المقعد الذى يجلس عليه وشرد بعيداً وهو يفكر لم يعُد يدرى كيف يتعامل معها وكيف يجعلها تتخلى عن أفكارها فمنذ أن تزوجها وهى تولى اهتمامها الأكبر لعملها وتعطيه كل فكرها وجهدها ولم يهتم بذلك فى البداية فقد أرجع ذلك إلى طموحها الواسع الذى عرفه عنها قبل زواجهما لم يتبرم أو يشكو رغم انها كانت تسلبه حقوقاً كثيرة بسبب هذا بل ساعدها على النجاح كان يريد أن يسعدها ولكنه بمرور الوقت اكتشف أن اهتمامها الزائد بعملها وإهمالها له على هذا النحو ليس لطموحها فحسب ولكن لاعتقاد راسخ فى عقلها لا يتغير بأن لا تتنازل وألا تتخلى عن عملها مهما حدث وجد أنها تسعى للتفوق عليه بكل الطرق ولم يكن نجاحه يسعدها بقدر ما كان يثيرها ويدفعها لمزيد من بذل الجهد للتفوق عليه وكأن الأمر منافسة بينهما وفى غمرة هذه المنافسة الغريبة اهملت اهم حقوقه وحقوق ابناءها وكلما لامها بكلمات رقيقة ثارت فى وجهه واتهمته بأنه يغار من نجاحها ويريد أن يحبطها و إلى آخر هذا واحتمل على أمل أن تتغير واحتمل ولكن لا يبدوا انها ستتغير لا يبدوا ذلك أبداً .
(( بابا ؟ )) أفاق سامح من شروده على هذه الكلمة فالتفت إلى مصدرها ليجد محمود الذى واصل قوله فى دهشة : ألم تذهب اليوم إلى المستشفى؟؟؟
اعتدل سامح فى جلسته ثم زفر لينفض هذه الأفكار قبل أن يقول فى هدوء : بلى يا محمود لن أذهب اليوم فلقد كنت أنوى أن أقضى اليوم بينكم قبل انشغالكم بالدراسة ولكن يبدوا أن مخططى الهادف لجمع الأسرة قد فشل فلم يبقى سوانا فى المنزل بعد ذهاب والدتك إلى المستشفى ونرمين إلى النادى وكريم كالعادة عند جدته ولست أدرى ان كنت ستخرج أنت الآخر أم لا
جلس محمود وهو يهتف بحماس : كلا بالطبع لن أخرج مادمت موجوداً بالمنزل انها فرصة لا تتوافر كثيراً
تأمله سامح لحظة ثم سأله فى اهتمام : هل انت سعيد بوجودى اليوم فى المنزل يا محمود ؟
هتف محمود : بلا شك يا بابا ليت هذا يتكرر كثيراً فهناك اشياء كثيرة أريد ان اتحدث فيها مع حضرتك ولكن لا اجد الوقت لذلك
سأله سامح فى اهتمام : هل تعانى من مشكلة ما ؟
قال محمود فى سرعة : لا ليست لدى مشاكل ولكننى كنت اقصد اننى افتقد الجلوس والتحدث معك مثل أى أب وابنه ولست انا فقط بل كريم ونرمين ايضاً كلنا نفتقد هذا فحضرتك وماما مشغولان طوال الوقت
كان سامح يعلم ذلك جيداً ولذلك لم يدهشه الجواب فقال خذل : هل تقصد انكم تفتقدون تواجدنا معكم ؟
قال محمود فى آسى : نعم يا بابا هذا حقيقى نحن نفتقد وجودكم ولكننا اعتدنا على هذا الوضع بعد تأكدنا أنه لن يتغير
ولذلك تجد كلاً منا يقضى معظم وقته خارج المنزل مع اصدقاءه
شعر سامح بالدهشة لأن محمود قال كل ما بداخله وكرر كل ما قاله لنورهان ولكنه اخفى دهشته وهو يقول فى حنان ابوى : ولكننا نبذل قصارى جهدنا لنسعدكم يا محمود ولم نحرمكم من شئ يوماً ما وكل ما تحتاجون إليه يلبى لكم
أشاح محمود بوجهه وقال فى لهجة تدل عما يعتمل بداخله من غضب وحنق مكبوتين : ولكن هذا لا يسعدنا يا بابا فما فائدة أن توفروا لنا كل شئ وتحرموننا من اهم شئ وهو رعايتكم واهتمامكم وحبكم ؟؟ لا فائدة على الإطلاق
لم يشعر سامح بالغضب لقول ابنه بقدر ما شعر بالآسى لذلك فقال فى عتاب : هل تشك فى حبنا لكم يا محمود ؟
قال محمود فى أسف : لم أقصد ذلك يا بابا أنا آسف ولكننى أرى هذا الوضع الذى نعيشه ليس طبيعياً فلقد قضيت ما يقرب من اسبوع كامل عندما سافرت أنت وماما لحضور إحدى المؤتمرات الطبية عند احد اصدقائى وعنده ادركت الفارق الواضح بينى وبينه فعلى الرغم من أنه يحيا حياة بسيطة إلا أنه سعيد جداً بها فهى مليئة بالدفء والحنان فوالدته ربة منزل لا تعمل سيدة حنون للغاية تقضى كل وقتها فى رعايته والاهتمام به وخلال هذا الاسبوع احتوتنى بحنانها وحبها بطريقة عجيبة وشعرت معها بالأمومة الحقة والتى افتقدها مع ماما ووالده موظف بسيط يكافح ليلبى له احتياجاته ومتطلبات دراسته الباهظة يعود من عمله ليقضى باقى اليوم مع ابنه يتحدثان فى أمور كثيرة يلعبان معاً الشطرنج وكأنهما صديقين كم تمنيت ان تكون علاقتى بك مثل هذه العلاقة تمنيت لحظتها لو اننى ولدت لأبوين بسيطين لأتمتع بحبهما وحنانهما بدلاً من أبوين ناجحين مشهورين يقضيان كل وقتهما خارج المنزل بينما نمثل نحن فى حياتهما دوراً ثانوياً نعلم انكم تحبوننا ولكن ما فائدة هذا الحب إذا لم يترجم إلى فعل واقع يسعدنا ؟؟اننا نحتاج اليكم انتم يا بابا انتم وليس شيئاً آخر
وصمت سامح ولم يستطع أن يجيب فقد كان ما قاله محمود حقيقى وإلى آخر مدى .
(( هل ستأتين اليوم يا نرمين ؟ )) قالت سوزان صديقة نرمين وهى تقذف اليها كرة التنس
أجابتها نرمين وهى تقذف الكرة بدورها : بالطبع سأحضر ولكن بشرط ألا يحضر هذا الولد التافه المدعو وائل فأنا لا أطيقه
ضحكت صديقتها فى خبث وقالت : وما شأنكِ به ؟
قلبت نرمين شفتيها فى امتعاض وقالت : لست أدرى لماذا تصر كريمة على حضوره معنا كل مرة وكلنا فتيات انه يفسد الجو بثقل دمه ألا ترين نظراته لنجلاء وهى ترقص يا إلهى كم أكرهه
قالت سوزان فى سخرية : أى نظرات يا نرمين ؟ انه أبله ولا يفقه شيئاً دعيكِ منه فقد اعددت لكِ مفاجأة فى هذه السهرة ستعجبكِ جداً ستكون هذه السهرة هى أفضل سهرات الصيف على الإطلاق
قالت نرمين فى تهكم : لماذا ؟ هل ستأتين بمصطفى قمر أو عمرو دياب؟
هتفت صديقتها فى حماس متجاهلة تلك العبارة الساخرة : بل احضرت ما سيجعل السهرة تبدوا أكثر إثارة ومتعة ثم تلفتت حولها ومالت على أذن نرمين لتلقى إليها ببضع كلمات فاتسعت عينا نرمين فى دهشة وهى تقول : معقول ؟ كيف حصلتِ عليها ؟
قالت سوزان فى بساطة : من مكتب بابا استغليت سفره إلى الإمارات واحضرت هذه الشرائط فقد كان دوماً يغلق على نفسه وهو يشاهدها
قالت نرمين فى قرف : لا اننى لا أحب مشاهدة هذا يا سوزان ولن أتناول شيئاً من هذه المشروبات لست أدرى كيف تحتملون مذاقها الردئ
قالت سوزان فى تهكم : هل تظنين نفسك صغيرة كما يصور لكِ الجميع ؟ يا بنيتى البنات فى مثل سننا فى أوربا يستقلون بحياتهم بعيداً عن أبويهم وتستطيع البنت ان تحب وتتزوج هل تعرفين معنى الزواج ؟
هزت نرمين كتفيها وقالت : عرفينى به ايتها العالمة
مالت إليها صديقتها وقالت فى عبث : ستعرفينه بعد أن تشاهدين الشرائط
قالت نرمين فى إصرار : قلت لن أشاهدها وإلا لن أحضر الحفل على الإطلاق
هتفت سوزان بسرعة : حسناً لا تغضبى هكذا سأشاهدها وحدى ولكن يجب أن تحضرى فالجميع سيحضر بمناسبة اخر يوم فى الاجازة وقد احضرت نجلاء شريط رقص شرقى رائع لن تحافظى على توازنكِ مع نغماته
ضحكت نرمين وقالت وهى تلكزها بمرفقها : يا لكِ من عابثة ولكن هذا يعجبنى فعلاً فقد تفوقت على نجلاء فى الرقص الشرقى وهذا رأى الجميع أليس كذلك ؟
اطلقت سوزان ضحكة ساخرة وهى تقول : بلى انه كذلك حتى اننى اتصور انه فى يوم من الأيام سأستيقظ من النوم لأجد صورتك تتصدر إحدى الصحف وانتِ ترتدين زى الراقصات والعنوان يقول : ابنة طبيبين كبيرين تحترف الرقص
عقدت نرمين حاجبيها فى غضب وقالت : يا للظرف هل تعلمين انك تفوقين وائل سماجة ؟
اطلقت سوزان ضحكة قصيرة وقالت وهى تلتقط حقيبتها : سأعود الآن إلى المنزل لأستعد لا تتأخرى .
تأملت سميحة سلمى التى تجلس فى الحديقة شاردة فاتجهت إليها فى هدوء ووضعت يدها على كتفها وهى تقول : هل يمكننى أن أعلم فيما أنتِ شاردة ؟
قالت سلمى فى هدوء : أبداً يا طنط سميحة لست شاردة ولكننى كنت اتأمل هذه الزهور الجميلة وأحاول الاستمتاع بهذا الجو الجميل قبل قدوم الدراسة ومتاعبها
جلست سميحة فى مواجهتها وقالت : هل اغضبتكِ كلمات ملك ؟
هزت سلمى رأسها نفياً وقالت وعلامات الضيق تبدوا على وجهها : لست غاضبة منها بل متألمة لأنها تضع فى رأسها هذه الفكرة وهى اننى احتللت مكانها وهذا سيجعلها بالتأكيد تتعامل معى بنّدية وعدوانية وهذا ما يضايقنى
ربتت سميحة على يدها وقالت : أتمنى ألا يحدث هذا يا سلمى كما اتمنى ألا تغضبى مما يصدر منها تحمليها قليلاً يا حبيبتى أنا اعتمد على سعة صدرك وقلبك الكبير فأنا لا أريد أية خلافات بينكم
قالت سلمى فى سرعة : اطمئنى يا طنط سميحة لن تحدث أية خلافات بإذن الله فملك بالنسبة لى اختى الصغيرة وأنا احبها وسأنسى كل ما قالته لا تقلقى
ابتسمت سميحة وقالت بامتنان : شكراً لكِ يا حبيبتى سأعود للداخل الآن ستظلين هكذا تشاهدين الزهور ؟
اجابتها سلمى : نعم سأظل هنا قليلاً
قالت سميحة فى حنان : كما تشائين يا حبيبتى ثم تركتها واتجهت إلى الداخل وهى تشعر بقلق بالغ من أن تنشأ حرباً باردة بين ملك وسلمى .
وفى النادى ارتفع حاجبا داليا وهى تحدّق فى وجه ملك التى تطلق ضحكاتها المرحة وهتفت : تبدين مرحة جداً اليوم يا ملك تُرى ما السبب ؟
انتهت ملك من ضحكتها وسألت داليا فى اهتمام : أحقاً ؟ هل أبدوا لكِ اليوم مرحة ؟
قالت داليا وهى تشير إليها : هذا يبدوا واضحاً هل لى أن أعرف السبب ؟
تراجعت ملك فى مقعدها وقالت مبتسمة : ربما لأننى أشعر بارتياح غريب يملئنى
تأملتها داليا بنظرة فاحصة وقالت: وما سر هذا الارتياح يا تُرى ؟
اجابتها ملك فى غموض : لست ادرى ربما لحدوث شئ لم أكن اتوقعه
قالت داليا فى حيرة : لم أفهم شيئاً
تابعت ملك : أتعلمين يا داليا عدما تتوقعين شيئاً وتبنين تصرفاتك على أساس هذا التوقع وفجأة يحدث عكس هذا الشئ هذا يربكك أليس كذلك ؟
قالت داليا فى حيرة وهى تتأمل ملك : بالتأكيد
اجابتها ملك : هذا ما حدث لى ولكننى أشعر بالارتياح لذلك
هتفت داليا فى غيظ : وهل فهمت شيئاً الآن ؟
ابتسمت ملك قائلة : ألم اخبركِ أن تيتة نبيلة وأونكل سمير اتصلوا بى صباح اليوم اننى لم أكن أتوقع هذا
هزت داليا رأسها فى دهشة وقالت : ماذا فى هذا ؟ أليس من الطبيعى أن يحدث ذلك لماذا لم تتوقعيه إذن ؟
اجابتها ملك فى تردد : كنت اظن انهم نسونى فقد كانت هناك خلافات بينهم وبين دادى لقد كانوا تقريباً يكرهونه وقد كنت ألاحظ ذلك فقد كان نادراً ما يذهب إلى بيت جدتى نبيلة وقد اخبرتنى تيتة امينة انهم يكرهوننى أنا أيضاً وكانت تنصحنى دوماً بألاّ اذهب إلى هناك
هتفت داليا فى دهشة مستنكرة : لست ادرى يا ملك لماذا تفترضين دوماً أن الجميع يكرهك ولماذا تستخدمين دوماً هذا المصطلح البغيض لماذا يكرهونكِ يا ملك وما علاقة ما يحدث بينهم وبين والدك بكِ ؟ ربما تكون علاقتهم بوالدكِ يشوبها الجفاف وذلك لخلافاته مع والدتكِ ولكن ليس معنى هذا انهم يكرهونه فهناك درجات كثير بين الحب والكره كما أنه من المستحيل أن تؤثر بوالدكِ علاقتهم بكِ فمن المؤكد أن جدتك تحبك أكثر من أى شئ وكذلك أخوالك وخالاتك فلماذا تقولين ذلك يا ملك لماذا ؟
ترقرقت الدموع فى عينى ملك ووضعت رأسها بين كفيها وقالت وهى تشعر أن صراعاً بداخلها : لست أدرى حقاً يا داليا ما الذى يحدث لى لست أدرى
تأملتها داليا فى إشفاق وقالت : انفضى عنكِ هذه الأفكار التى تملأ رأسك يا ملك وتخلصى من تأثير كلمات جدتك واتركى الفرصة لعقلك تذكرى عندما كنتِ صغيرة قبل سفرك هل كنتِ تشعرين أن هناك أحداً يكرهك فعلاً ؟
رفعت ملك رأسها لتلقى نظرة طويلة على داليا ثم قالت فى شرود : اننى لم أكن أذهب إلى بيت تيتة نبيلة إلا قليلاً لأن جدتى أمينة كانت تغضب منى عندما كنت أذهب إلى هناك وكانت دوماً تقول لى انهم لا يحبوننى ولكننى لم أكن أشعر بذلك عند ذهابى إلى هناك فقد كانت تيتة نبيلة تحبنى جداً أكثر من بقية الأطفال وكانت تسعد جداً بذهابى إلى هناك وكذلك أونكل سمير الذى كان يأخذنا فى رحلات جميلة ظريفة وكان يصنع لى ألعاباً غريبة من الكرتون والاسفنج مضحكة وكذلك طنط سلوى وسعاد ذكريات جميلة الوحيد الذى لم أكن أراه كثيراً هو أونكل سامح فقد كان كثير السفر ثم قبل انفصال دادى عن مامى بعام أو اثنين اصبحت العلاقات أكثر توتراً ولم أعد أذهب إلى منزل تيتة نبيلة وأيضاً هم لم يأتوا منزلنا حتى فى عيد ميلادى العاشر
قالت داليا : ارأيتِ إذن انهم لا يمكن أن يكرهونك أبداً ؟
قالت ملك بتأثر : لا يمكنك أن تتصورى شعورى عندما حدثتنى تيتة نبيلة بصوتها الحنون الدافئ وأخذت تقول لى : هل نسيتى تيتة نبيلة يا ملك ؟ هل نسيتى أقاصيصها ؟هل نسيتى أحضانها ؟؟شعرت بتأثر شديد وأحسست اننى سأنفجر باكية وكذلك عندما حدثنى أونكل سمير الذى مازال مرحاً طيباً ازدادت رغبتى فى البكاء وما إن ذهبت إلى غرفتى حتى بكيت بالفعل قالت هذا وانحدرت الدموع من عينيها فقالت داليا فى عطف : هذا لأنكِ إنسانة رقيقة بطبعك يا ملك رغم ما تبدينه من عناد واستهتار أحياناً
(( أتسمحون لنا بمشاركتكم الشراب ؟ )) قاطعهم هذا الصوت الخشن فالتفتت كلاً من ملك وداليا إلى صاحب الصوت فوجدا شابين يرتدى كلاً منهما بندانة تغطى رأسه وتعطيه مظهراً سخيفاً بخلاف السلاسل الذهبية التى تتدلى من الأعناق والأساور التى تحيط شكل ببالمعاصم فج جعل ملك تقول باستخفاف : من انتم يا تُرى ؟
مال إليها صاحب الصوت الخشن وهو يقول فى عبث : أنا فادى وهذا فؤاد والآن قولى لى ما هذه الدموع ؟
قلبت شفتيها امتعاضاً وقالت وهى تتأمله فى قرف : قل لى أنت أولاً لماذا تتمايل هكذا مثل الراقصة المحترفة هل هناك ما يؤرقك ؟؟مغص مزمن مثلاً أو شئ من هذا القبيل ؟
اطلق زميله ضحكة عالية وهو يقول : دمها خفيف للغاية
بينما امسكت داليا بذراع ملك وهى تقول فى توتر : دعينا نذهب من هنا يا ملك ونترك لهم المكان
جذبت ملك ذراعها بهدوء وهى تقول فى عناد صارم : لن اذهب يا داليا سيتركون هم المكان بهدوء وإلا سيتركونه بطريقة أخرى
مال إليها فادى وهو يقول متهكماً : حقاً ؟ وما هى هذه الطريقة الأخرى ؟؟؟ هل ستقبليننى ؟
عضت داليا على شفتيها وهى تقول غاضبة : أيها الوقح
وقالت ملك باحتقار : بل سأجعلك تمشى أكثر تمايلاً مما كنت عليه ولكن من الألم هذه المرة
ارتفع حاجباه فى دهشة وتبادل مع صديقه النظرات وقال له ساخراً : تبدوا واثقة جداً من نفسها ثم التفت إلى ملك وقال ساخراً : وكيف ستفعلين ذلك يا جميلتى ؟
ارتفعت قدم ملك لتركله فى صدره ركلة قوية جعلته يفقد توازنه ويقع أرضاً وهى تقول : هكذا .. نسيت أن اخبرك اننى حاصلة على الحزام الأسود فى الجودو وتافه مثلك لن يخيفنى
هتف زميله فى دهشة : الحزام الأسود ؟ يالليوم الأسود لن أتدخل فى هذا
قام فادى وهتف غاضباً : ايتها اللعينة سأعرف كيف أؤدبك ثم اتجه إليها ثانية فدارت حول نفسها لتركله ثانية ركلة قوية اعادته للوضع الأول قائلة فى برود : هل تريد المزيد أو نكتفى بهذا القدر ؟
اتجهت داليا إليها وقالت فى توتر : كفى يا ملك ..هيا بنا نعود إلى المنزل
قالت ملك فى إصرار : قلت لن أذهب قبل أن أؤدب هذا الوغد .. ثم التفتت اليه قائلة : ماذا قلت هل ستعود من حيث أتيت ؟
نظر إليها فى حقد ثم أخرج من جيبه مطواة ورفعها فى وجهها وهو يهتف : قلت اننى سأؤدبكِ
صرخت داليا فى فزع بينما تراجعت ملك إلى الوراء وقد شعرت بالخطر فى نفس الوقت الذى هتف فيه زميله فى خوف : فادى رجال أمن النادى يتجهون إلينا
صرخ فادى غاضباً : لا يهمنى قلت سأؤدبها اتفهم
استغلت ملك انشغاله فأطاحت بيدها لتقذف بالمطواة بعيداً ثم لكمته فى وجهه قائلة فى سخرية : ستؤدب من ايها التافه هل اعتدت ان تلقى الكلام جزافاً هكذا ؟
وقبل أن يقوم ثانية امسك به رجلى الأمن وهو يقاومهم بشدة وسأل آخر الجميع فى اهتمام : ماذا حدث ؟
قالت ملك وهى تشير إلى الولدين : هذين الولدين كانا يريدان مغازلتنا و ..
تابعت إحدى الفتيات بالنادى وهى ترمقهم غاضبة : نعم لقد رأيت ذلك وهذه ليست أول مرة فهم يفعلون هذا
التفت رجل الأمن إلى فادى وسأله : أأنت عضو فى النادى ؟
اجابه فادى فى استهتار : نعم أنا ابن مكرم الجارحى أكبر رجل أعمال هنا ألا تعرفه؟؟؟
رمقه رجل الأمن بنظرة باردة وقال : وهل اعتدت على حمل المطواة معك هكذا ؟
اجابه فادى بقلة ذوق : لا شأن لك بهذاهل ستحاسبنى ؟
عقد رجل الأمن حاجبيه فى غضب وقال لرجاله : خذوا هذين الولدين خارجاً ولا تجعلوهما يدخلا النادى ثانية لا أريد لهذا أن يتكرر مرة أخرى
ابتعدا رجلى الأمن بالولدين بينما مالت داليا على ملك وقالت فى انفعال : هل شعرت بالارتياح الآن هل اعجبتكِ هذه الضجة التى أحدثتيها ؟
ابتسمت ملك فى جزل وقالت : بالطبع شعرت بالارتياح كان لابد أن يحدث هذا والآن هيا لنواصل حديثنا
هتفت داليا فى حنق : لن أجلس بعدما حدث ثم اتجهت إلى المائدة لتأخذ حقيبتها وهى تغمغم فى غيظ : وأنا التى كنت أقول عنكِ رقيقة منذ قليل يا إلهى أهذه تصرفات ابنة مليونير
تبعتها ملك هاتفة : حسناً انتظرى ثم غمغمت متهكمة : وأنا التى كنت اعتقد أن هذا يحدث فى نيويورك اللعينة فقط ها هو يحدث هنا ثم تبعت داليا فى سرعة .
(( سمير ...سمير )) هتفت مديحة فى استغاثة كان سمير يقرأ إحدى الصحف فنظر إلى والدته قائلاً فى تعجب : عجباً هذه أول مرة تنادينى مديحة لأذهب إليها فى المطبخ بدلاً من أن تطردنى منه
قالت والدته فى قلق : اذهب إليها يا سمير ربما كانت تريد شيئاً
قام وهو يقول : سأذهب إليها ولكن كونى شاهدة على انها هى التى نادتنى وليس انا من ذهب إليها حتى لا تصرخ وتقول الحقينى يا ماما واخرجى سمير من المطبخ و ...
تكرر هتاف مديحة ثانية فقامت والدته واتجهت إلى المطبخ فى سرعة وهى تقول فى نفاذ صبر : يا إلهى نفد صبرى منك واندفع هو ورائها
وفى المطبخ كانت مديحة تترنح ويبدوا على وجهها علامات الارهاق فهتفت نبيلة هانم فى قلق تسندها : ماذا هناك يا مديحة هل تشعرين بشئ ؟
قالت مديحة وهى تمسك برأسها فى وهن : أشعر بدوار شديد
قال سمير بقلق : هذه ثانى مرة تشعرين فيها بالدوار خلال يومين لابد أن نذهب للطبيب
قالت مديحة فى وهن : لا داعى فقط أوصلنى للفراش وسأتحسن
امسكت نبيلة هانم بيدها وقالت فى حنان : ألم أقل لكِ من قبل ألا ترهقى نفسك وسأفعل أنا كل شئ بدلاً منكِ
تضاعف القلق فى نفس سمير فقال : لماذا يا ماما .. ماذا بها ؟
قالت له والدته : سأخبرك ولكن ساعدنى أولاً أن أذهب بها إلى فراشها هيا
وفجأة سقطت مديحة مغشياً عليها فهتف سمير فى جزع : مديحة ثم انحنى ليحملها بينما هتفت نبيلة هانم فى جزع وهى تساعده : اخبرتها كثيراً ألا ترهق نفسها وهى ضعيفة هكذا ولكن لا فائدة ها هى النتيجة
احتقن وجه سمير بشدة وهو يحاول حملها وقال فى حنق : اخبرتها كثيراً ألا تزيد وزنها ولكن لا فائدة ها هى النتيجة سأصاب بانزلاق غضروفى
هتفت به والدته : احملها برفق وكفاها ما هى فيه
اسرع بها إلى غرفتها ليضعها على فراشها ثم أخذ يلهث بقوة وهو ينظر لوالدته التى تحاول افاقتها وقال : هى حامل أليس كذلك ؟
أومأت والدته برأسها ايجاباً وقالت : نعم ولقد قررت ان تفاجئك فى عيد زواجكما ولكن كيف عرفت ؟
قال مبتسماً وهو يراقب مديحة التى بدأت تفيق : لقد استيقظت ليلة البارحة على صوت قرضات فحسبت أن فأراً بالغرفة يقضم شيئاً ما ولكننى فوجئت بمديحة تقضم فى نهم شديد تفاحاً أخضراً نيئ لست أدرى من أين أتيت به فشككت أنه ربما تكون حامل فهذا يحدث فى كل حمل
فتحت مديحة عينيها فى ارهاق وقالت : كم أكره الحمل من أجل هذا الغثيان والدوار
قاطعها سمير قائلاً وهو يجلس بجوارها : حمداً لله على سلامتكِ يا زوجتى العزيزة ومبروك على طفلنا القادم سنحتفل اليوم مرتين من أجل عيد زواجنا وبمناسبة هذا الخبر السعيد
قالت له والدته : أعد لها كوباً من الليمون يا سمير حتى تتغلب على هذا الغثيان
قال فى سرعة : أى عصير يا ماما يجب أن تتغذى جيداً ألا ترين الضعف الذى هى فيه بسبب قلة الغذاء ؟ وأنا لا أريد طفلاً ضعيفاً سأعد لها دجاجة مسلوقة وبعض الأرز بالخلطة وشرائح اللحم البقرى المدعوك فى البصل و ...
قاطعته مديحة صارخة فى عصبية : كفى يا سمير سأفرغ محتويات معدتى
قالت له والدته فى غيظ : يا سمير يا بنى اتمنى ولو مرة واحدة ان تريحنى احضر لها كوب الليمون واترك لى امر غذائها وجعت قلبى
قام فى سرعة وهو ويقول متبرماً : حسناً .. حسناً لست أدرى لماذا تصرخان فى هكذا ثم اتجه إلى المطبخ ولكنه سمع مديحة تقول فى قلق : هذا ثالث شئ أكرهه فى الحمل فهو يجعل سمير يعيث فساداً فى المطبخ ولا أستطيع منعه
قالت نبيلة هانم مطمئنة إياها : لا تقلقى يا حبيبتى لن أجعله يدخل المطبخ أبداً إلا فى أضيق الحدود
فارتسم البؤس على وجهه وهو يقول بطريقة مسرحية : واضطهدتنى امرأتان .
عادت ملك إلى المنزل وهى تطلق صفيراً مرحاً ورأت والدتها تجلس فى الحديقة تحدث نجوى فقالت لنجوى وهى تشير إليها بلهجة آمرة : أعدى لى الغذاء حينما أكون أخذت حماماً على الفور فأنا فى عجلة من امرى
قالت نجوى : كما تشائين يا آنسة ملك
وتأملتها والدتها وقد ضايقها هذا الأسلوب الذى تحدثت به مع نجوى وقالت : هل ستخرجين ثانية ؟
وضعت ملك يدها فى جيبها وقالت : لا ولكننى جائعة ولا أحب أن اتناول طعامى قبل أن آخذ حماماً
تطلعت إليها سميحة لحظة ثم قالت فى حنان دافق : أنا أيضاً لم أتناول غذائى إلى الآن فقد كنت أنتظرك حتى نتناوله معاً وسلمى أيضاً
ابتسمت ملك فى سخرية وقالت وهى تجلس على المقعد : عجباً ولكننى كنت قليلة الذوق على الإفطار ولم يحتمل الجميع قلة ذوقى هذه فلماذا تنتظروننى ؟
تجاهلت سميحة هذا وقالت فى قلق وهى تشير إليها : ما هذا ؟ هل تشاجرتِ مع أحد ؟
قالت ملك متهكمة : هل يبدوا هذا على إلى هذا الحد ؟
تزايد القلق بداخل سميحة فقالت : إذن فقد تشاجرتى لماذا ؟
قالت ملك فى بساطة : لقد حاول أحد الشباب التافهين أن يغازلنا أنا وداليا عندما كنا فى النادى فأضطررت لضربه
ارتفع حاجبا سميحة وهى تهتف فى ذهول : ماذا ؟ هل ضربتيه ؟
هزت ملك كتفيها وهى تقول : هل تتوقعين منى أن أشكره من كل قلبى انه غازلنى أم ماذا ؟
قالت سميحة فى صرامة : بل أتوقع ان تتصرفى بحكمة أكثر من ذلك كان يجب ان تستدعى له رجال الأمن أو تتركى له المكان بأسره ولكن لا تتصرفى بهذا الشكل فهو أسلوب خاطئ
قالت ملك بتحدى : وأنا أرى أنه الأسلوب المثالى لتتعامل فى مثل هذا الموقف مع هؤلاء الأوغاد فتهاون الفتيات وتصرفهم كما تقولين الآن هو الذى يدفع هؤلاء التافهين إلى تكرار ما يفعلونه وأنا لم أعتاد الهروب من أى موقف أبداً
عقدت سميحة حاجبيها وقالت بلهجة غاضبة : أولاً ليست كل الفتيات تعلمن الجودو مثلك ثانياً ما قلته لكِ ليس هروباً كما تقولين بل هو التصرف المناسب المتوافق مع المنطق والحكمة والعقل فلا يمكنك تصور رد فعل هذا الولد الذى ضربتيه فقد يسبكِ بلفظ جارح أو بذئ وبالطبع لن يسعدكِ هذا وقد يتربص بكِ بعد ذلك ويتعرض لكِ فى أى مكان آخر ولن تكونى مستعدة حينئذ لردء اعتدائه أرجو أن تكونى قد فهمتى وجهة نظرى
قامت ملك من مقعدها وقالت بلامبالاة : على أية حال لا يهمنى كثيراً ما قد يحدث اننى لا أخاف
فاستوقفتها سميحة قائلة فى هدوء مثير : ملك هناك شئ آخر أود أن أقوله لكِ لا تتأثرى كثيراً بتلك الأفلام المثيرة التى تشاهدينها كل يوم والتى تعتمد على البطل الخارق الذى يدخل معركة ضد خمسمائة شخص على الأقل فيتغلب عليهم جميعاً دون أن يصاب بخدش واحد وقبل وصول الشرطة التى تأتى دائماً فى نهاية الأحداث ويخرج من المعركة مرفوع الرأس فهى أفلام ساذجة لا تتناسب مع الواقع الذى نعيشه أبداً
تأملتها ملك طويلاً قبل أن تستدير عائدة إلى الداخل تاركة سميحة تتابعها بنظرات ملؤها القلق والخوف .
