قراءة الفصل الأول من رواية الجدة


 الفصل الأول


بعد زواج سلمى بعامين:

راقبت سميحة  بنظرات قلقة  ملك وهى تعبر الشارع الى البوابة  الرئيسية للجامعة وسط رايح شديدة تهزها بعنف  والشارع يبدوا مخيفا  بخلوه من المارة وهذة الظلمة التى تملؤه  وأخذ الوقت يمضى ببطء ومشاعر القلق  تتزايد بداخل سميحة
وفجأه ظهر ذلك الرجل الضخم الجثة والمخيف الملامح  الذى تقدم بسرعة تجاه أبنتها حاملا مسدسا ضخما ...فأرتجف قلبها فى عنف وغادرت سيارتها  بثقل وهى تهتف فى لوعة :  ملك   ملك
ولكن ملك لم تسمعها  والرجل يتقدم منها بسرعة  مصوبا اليها مسدسه  فأرادت  ان تجرى بكل قوتها تجاه ابنتها ولكن خطواتها كانت ثقيلة   ثقيلة  وارادت ان تصرخ  محذرة اياها  ولكن لسانها رفض النطق  ...وانطلقت رصاصة   وانطلق معها صراخ سميحة  الذى حمل كل  لوعتها  ولهفتها  وحزنها : ملك  ..لا..لاااااااااااااا
ومع صرختها تلك  أنتفضت سميحة فوق فراشها والعرق يتصبب منها  وهى تردد  : ملك ..يالهى  يا الهى
وفى تلك اللحظة أندفعت ملك اليها  هاتفة فى قلق : مامى  ماذا حدث؟  ماذا بك؟
قالت سميحة لاهثة : لاشىء ياحبيبتى  أطمئنى
قالت ملك وهى تتأملها فى قلق : أهو ذلك الكابوس ثانية؟
اومأت سميحة برأسها  ايجابا والدموع تتساقط منها غزيرة  فقالت ملك وهى تجلس  بجوارها وتربت على كتفها فى حنان مشفق: مامى   يجب أن تستشيرى طبيب نفسى فى ذلك فقد تكرر كثيرا
مسحت سميحة دموعها بيدها وهى تقول ببعض الهدوء :  لا   اننى  اعلم مابى جيدا  ولا احتاج  لطبيب
قالت ملك مشفقة : أذن على الاقل  أحكى لى ...يمكننى أن اساعدك
أبتسمت سميحة فى حنان وقالت وهى تضمها  الى صدرها: لا تقلقى يا حبيبتى أننى بخير ...لا تشغلى نفسك بى  أنه بعض  التوتر فحسب
بدا على ملك عدم الاقتناع وهمت بقول شىء ولكن سميحة اسرعت تسالها : كم الساعة الان؟ أشعر اننى نمت كثيرا ؟
قالت ملك مبتسمة:  أنها العاشرة بالظبط
هتفت سميحة وهى تقوم من فراشها مسرعة: ماذا؟ لماذا لم توقظينى قبل هذا ؟
هزت ملك كتفيها قائلة: كنت أريد ايقاظك فأنا متعجلة ولكن شعرت انك بحاجة الى الراحة بعد ارهاق البارحة فتركتك قليلا
قالت سميحة وهى تاخذ منشفة وتتجه الى الحمام: أذن  بدلى ملابسك بسرعة حتى نذهب الى جدتك فهى ستغضب منا اذا تأخرنا هذا اول يوم رمضان
قالت ملك متحمسة وهى تشير الى نفسها:  أنا جاهزة تماما  المهم أنت
قالت سميحة :أنا لا أخذ وقت فى هذا كما تعلمين
وخلال ربع ساعة بالظبط كانت كلا منهما فى السيارة  فهتفت ملك قائلة فى استمتاع : كم هو جميل رمضان فى بلدنا
أبتسمت سميحة قائلة: نعم  كل عام و أنتى بخير ياحبيبتى
ابتسمت ملك قائلة : وانتى بخير يا احلى ام بالدنيا
ثم التقطت هاتف والدتها المحمول وهى تهتف بمرح : هل يمكننى أن استخدم هاتفك ؟ فهاتفى فاصل شحن
وقبل أن تبدى سميحة موافقة او رفض طلبت ملك بسرعة رقم والدها وبعد أن اتاها صوته هتفت فى اشتياق: دادى كيف حالك؟ كل عام وانت بخير
قال فى حنان وهو يشير الى سكيرتيرته بالانصراف : أهلا يا صغيرتى ..هل تذكرتى والدك  الان فقط؟
قالت ملك فى أسف : لا بالطبع يا دادى  لقد حاولت الاتصال بك أكثر من مرة ولكن هاتفك كان مغلقا وانا الان اتحدث اليك من هاتف مامى وهى على فكرة ترسل اليك تحياتها وتهنئتها
رمقتها امها بنظرة محذرة فى حين سألها والدها فى دهشة: حقا؟ ارسلى لها تحياتى ايضا وخذى بالك من نفسك
قالت ملك: حسنا  ولكن هل ستفطر وحدك اليوم يادادى؟
قال: لا تقلقى على ابوك يا ملك ...سنقيم هنا افطار جماعى مع بعض العائلات المصرية والعربية ..المهم أهتمى انتى بنفسك وبوالدتك ولا اريد اى مشاكل مثل التى تثيرينها من وقت لأخر
قالت ملك بلهجة مرحة: لم اعد اثير اى مشاكل واسأل مامى  لقد عقلت تماما
ألقت سميحة نظرة متعجبة عليها ولم تعلق فقال خالد : حسنا ياحبيبتى هل تريدين أى شىء من هنا؟
قالت فى سرعة : نعم يادادى...أرجوك خصص من وقتك لقراءة أذكار الصباح والمساء  فهى ستحفظك وكذلك قراءة القرأن فهذا مهم جدا فى رمضان
قال : أه...سأفعل ان شاء الله
تابعت فى إلحاح: وصلاة التراويح يادادى مهما كانت اعمالك فهى مهمة جداً.
زفر وقال: حسنا ياملك هل أصبحتى واعظة دينية بعد؟
أجابته متعجبة: لا يادادى ..ما علاقة ذلك بما أقوله لك؟
قال مبتسما: لا شىء ياحبيبتى  هل تريدين اى شىء احضره لك؟
قالت : لا يادادى شكرا اعتن بنفسك جيدا  ..مع السلامة
أغلقت الهاتف ثم تنهدت قائلة فى اشفاق: كم أشعر بالقلق عليه فهو يعيش وحيداً.
قالت سميحة: والدك ياملك يعشق عمله ويقضى فيه كل وقته ولا وقت لديه لكى يشعر بأى وحدة.
قالت ملك مشفقة: ولكنه يفتقد جو الاسرة ودفئها ..وكم هو شىء مهم للانسان ..أه لو يعود الى مصر ويعيش بيننا ..سأكون فى غاية السعادة.
لم تعلق سميحة على قولها فاعتدلت ملك قائلة فى أهتمام: مامى هل أخبرتك انه طلق سارة من قبل؟
زفرت سميحة قائلة: مرارا وتكرارا ياملك ولكن يبدو انك نسيتى
ضربت ملك رأسها بيدها قائلة: يا الهى يبدوا اننى بالفعل نسيت ...ولكن ما علينا  يبدوا ان دادى لم يجد فيها مايريده  ثم همست وكانها تحدث نفسها : فى الحقيقة لم يجد فيمن قابلهن ما يريده
القت سميحة نظرة متعجبة عليها ثم هزت راسها وواصلت قيادتها  السيارة دون تعليق.


                             *********

وفى منزل نبيلة هانم وكالمعتاد ألتف الجميع فى أول يوم من ايام رمضان المبارك وامتلىء المنزل  بالضجيج بعد ان ازداد عدد العائلة بسيف أبن سمير ذو العامين ونونا أبنة سلمى ذات العام والتى ملئت المنزل بالصرخاتها العصبية وكأنما اثارها الزحام الشديد حولها
مماجعل نديم يهتف :  سلمى نونا تبكى
هتفت سلمى وهى تقلب الطعام بالمطبخ : أعطها لماما يا نديم ..أنا مشغولة
هتف ثانية : أنها جائعة ..تعالى واطعميها
غمغمت سلمى فى سخط: ماذا  أفعل ياربى فى كل هذا ...لقد مللت
تبادلت فدوى ونرمين النظرات الباسمة وقالت نرمين :أذهبى اليها يا سلمى وسأقوم أنا بهذا العمل بدلا منك
قالت سلمى فى تهكم عصبى : أه حتى تفسدينه ويكمل الامر ..ابتعدى عن طعامى تماما  وافعلى شيئا اخر
تعالى هتاف نديم مصحوبا بصراخ نونا  وهتاف الجدة الغاضب : ما الذى يبكيها هكذا أين سلمى؟
هتفت سلمى فى عصبية : ها أنا أتية ثم التفتت الى نرمين وفدوى  اللتين انفجرتا ضاحكتين وقالت: هل رايتم مزايا الزواج؟ حتى تفكر كل واحدة منكن ألف مرة قبل ان تقدم على هذة الخطوة  ثم غادرت المكان
فعقبت نرمين فى ميوعة: كيف تقول ذلك ... ماباله الزواج ليت احدهم يتقدم لى وساوافق على الفور
قالت فدوى مسرعة: هكذا؟ ثم اندفعت الى الخارج هاتفة: يا تيتة هل رأيتى ماذا تقول نرمين؟ انها تقول.....
جذبتها نرمين وصاحت ساخطة وهى تضع يدها على فمها: هل جننتى ؟
ضحكت فدوى وقالت : لقد كنت امزح معك ...لم اكن انوى اخبارها فعلا
قالت نرمين فى سخط: حقا؟ مارأيك لو أخبرت طنط سلوى بسرك؟
قالت فدوى جادة: أياك والمزاح فى ذلك يا نرمين والا والله لن اخبرك بشىء بعد الان

 لكزتها نرمين وهى تقول بخبث: لا احتاج لأن تخبريننى يا عزيزتى  فأنا افهمك دون أن تتحدثى وفى الحقيقة لقد كنت اعرف قبل أن تخبريننى بوقت طويل فانا شديدة الملاحظة
لوحت لها فدوى بمغرفة الطعام فى وجهها محذرة وقالت : لو نطق لسان الثرثار هذا بشىء فلن يحدث لك طيب وانتى تعرفيننى هة؟
هتفت نرمين متظاهرة بالذعر: لن افعل شيئا ولكن لاتقتليننى يا فدوى ارجوك اتوسل اليك ثم أنفجرت ضاحكة فقالت فدوى مبتسمة : يالك من عابثة ..لست ادرى لماذا لم تأت ملك الى الان؟فالاكل كثير ونحتاج الى المساعدة
مطت نرمين شفتيها وقالت وهى تمسك بالخضار وتغسله : قد تكون فى الطريق ولكن لا تأملين فى مساعدتها كثيرا فلن تغادر أحضان تيتة قبل المغرب
رمقتها فدوى بنظرة متعجبة وقالت : ليس لهذة الدرجة  ولكن هل تغارين منها يانرمين؟
هزت نرمين كتفيها وقالت بلامبالاة : أننى لا اغار منها بالطبع ولكن هذا مايحدث فى كل مرة تاتى فيها الى هنا ..فجدتك تحبها كثيرا
لم تعقب فدوى  وفى تلك اللحظة دخلت سلمى قائلة:وهى تتاملهم: كنت اعرف أنكم ستقضون الوقت فى الثرثرة ولن تنجزوا شيئا اليس كذلك؟

                                    *****

أسترخى حازم فى مقعده وقال وهو يتابع شاشة التلفاز: تلك التمثيلة الهزلية الخاصة بانتخابات الرئاسة مثيرة للضحك..يقومون  بعمل حملة لدعم جمال مبارك  وكأنه يخوض منافسة عادلة ياعينى بينه وبين البرادعى ونور  يالها من تمثيلية
قال جمال فى هدوء لايخفى انفعاله  وهو يتابع الاخبار: انتقال الحكم لجمال امر مخطط له ومعد مسبقا والتعديلات الدستورية الاخيرة تمت خصيصا للتمهيد لهذا الشان
تنهد حازم وهو يقول متعجبا : أذن مادام الامر كذلك فلما يقومون بتلك اللفة الطويلة فليوفروا الاموال الطائلة فى الحملات والدعاية
قال جمال متهكما : أنها ليست اموالهم أنها اموال الشعب فلينفقوها ببذخ ..
غمغم حازم متاففا : على رايك  ليست من جيوبهم..ماذا نقول  اللهم أنى صائم
ابتسم جمال قائلا : هذا بالظبط
قال حازم مسترخيا :ولكن اتعلم  قضاء الوقت هنا من غير سمير ممتع فهزاره سخيف
لم يكد يتم عبارته حتى أتاه صوت سمير المرح هاتفا: كل عام وانتم جميعا بخير ...رغم أن تجمعكم هذا من وقت لأخر يكلفنى الكثير  ولكن رمضان كريم
أطلق جمال ضحكة قصيرة وقال: هل أتيت على ذكره؟ ها قد اتى
زفر حازم  بينما سمع سمير يقول: سلوى  اين زوجك العزيز ذو الكرش الضخمة  هل استطاع المجىء بها الى هنا أم أصبحت ثقيلى عليه
عقد حازم حاجبيه فى غيظ بينما قالت سلوى: أنه بغرفة الجلوس يا سمير ولاداعى لمزاحك السخيف معه فمزاجه عصبى خصوصا فى الصيام
اشار اليها وقال ضاحكا : لا تقلقى سأذهب اليه
وأقتحم الغرفة هاتفا فى ود: حازم ياعزيزى  اوحشتنى  شهر كامل ولا اراك فيه ماذا حدث؟
تناسى حازم حنقه وقام مصافحا ايه فى حرارة وهو يقول: انت ايضا يا سمير ولكن ماذا افعل مشاغلى كثيرة
قال سمير ممازحا وهو يشير اليه : لقد تغيرت كثيرا يارجل  لست أدرى كيف تحتمل سلوى اختى رؤيتك يوميا بهذا الرأس الاصلع والكرش الضخمة
قال حازم مسرعا: مثلما تحتمل أم سيف دمك الثقيل
ضحك جمال قائلا : ها قد تبادلتم التحية  هلا جلستم لنتابع الاخبار

***********************

((قصيدة رائعة ياكريم )) قال نديم مبتسما فى اعجاب فقال كريم فى اهتمام: حقا؟ هل اعجبتك؟
قال نديم مؤكدا: بالطبع انها رائعة واحساسك فيها عال جدا ..لما لاتنشرها؟
قال كريم مبتسما فى رضا: اننى بالفعل  ابعث بقصائدى وقصصى القصيرة لمجلة الاصدقاء
قال محمود متهكما: لماذا فعلت هذا يا نديم؟ مادمت قد أبديت له باعجابك بقصائده فسيظل طوال الوقت يلاحقنا بها وكأنه عنتر زمانه ولن نجد مكانا نختبىء فيه منه
ضحك سراج وقال : على رأيك فهو لا يكاد يكتب احداها حتى يتتبعنى هنا وهناك ملحا على أن اقرأها وابدى له رأيى فيها
قال كريم فى زهو: أننى اكرمك يا فتى  واعطيك فخر القراءة الاولى يجب ان تشكرنى على ذلك
اشاح كلا من محمود وسراج بيده  بينما قال نديم بجدية: حقيقى أننى اجد فى قصائده بداية موهبة أدبية رائعة ربما لو تعمق قليلا فى اللغة العربية سيصبح له شأن
قال كريم فى سعادة: قولك هذا يشجعنى يا نديم  شكرا لك
وضع محمود يده فوق رأسه هاتفا: ألم أقل لكم؟ ستأتى فوق رؤسنا نحن
أبتسم نديم وقال له: وانت يامحمود  اليس لديك هواية ما؟
قال محمود : انا؟ أه  انا وضعى يختلف قليلا عن هذا العابث فدراسة الطب تأخذ معظم وقتى ولكن وقت فراغى أقضيه فى القراءة او الخروج مع هذين الشخصين للتنزه  واحيانا اذهب مع عمى سمير فى رحلاته للصيد فهذا شىء ممتع
التف نديم الى سراج وقال : وانت ياسراج؟
قال سراج فى جدية:  أننى اهوى القراءة  والسباحة والرماية  واتمنى لو وجدت فرصة لتعلم ركوب الخيل عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: علموا اولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل
صمت الثلاثة وهم يتأملونه فسأل محمود نديم فى اهتمام : وماهى هوايتك يا نديم لم تخبرنا
أعتدل نديم وهم بقول شىء الا أن سلمى أندفعت حاملة نونا التى تصرخ بعصبية كبيرة وهتفت وهى تدفعها اليه: هلا أخذت ابنتك قليلا حتى يمكننى أن انتهى من الطعام؟ لقد فاض بى الكيل منها ثم غادرت المكان مسرعة
فأبتسم نديم وهو يضم اليه ابنته فى حنان وقال: هذة هى هوايتى المفضلة الان...نونا
                        
                               **********

ما ان توقفت السيارة امام المنزل حتى فتحت ملك بابها واندفعت الى الداخل حاملة الفوانيس لتوزعها على الاطفال فأبتسمت سميحة فى حنان ثم ركنت سيارتها واحكمت اغلاقها واتجهت بدورها للداخل بخطوات رصينة فاستقبلها هانى ولبنى واحمد وعلى وسيف وهم يتقافزون حاملين الفوانيس : طنط سميحة أتت  ..طنط سميحة أتت  ...طنط سميحة أتت
هتفت وهى تشير اليهم بالصمت : ياللفضائح هل ستزفوننى الى الداخل؟
جرى اليها هانى هاتفا: لماذا تأخرتى ياطنط سميحة؟
قبتله سميحة وقالت: الطريق مزدحم يا هانى  ثم قبلت على واحمد وسالتهم: أين امكم؟
قال أحمد:  انها بالداخل
تقافزت لبنى وهى تهتف فى مرح: الجميع بالداخل ...الجميع بالداخل ..الجميع بالداخل
ضحكت سميحة وقالت : ولماذا أنتى سعيدة هكذا؟ لو رأتك امك وملابسك متسخة هكذا ستضربك يالبنى
قالت لبنى وهى تلقى نظرة على ملابسها بلامبالاة: ماذا افعل؟ الحديقة متسخة ومليئة بالطين اذن لاذنب لى
ضحكت سميحة وهى تقبلها ثم حملت سيف الذى صرخ معترضا واخذ يتلوى يريد أن تتركه يلعب وقالت : اما أنت فأنا متأكدة أن مديحة ستسقط مغشيا عليها لو رأت وجهك وملابسك المليئة بالتراب  هيا الى الداخل

                            **********

ما ان دخلت ملك حتى التصقت قطعة من العجين بوجهها فهتفت فى مزيج من الدهشة والحنق وهى تزيلها: ماهذا السخف ؟ من الذى
قاطعتها ضحكة نرمين المرحة : يا الهى ..لقد التصقت قطعة العجين بك كنت اقصد بها فدوى
قالت فدوى ضاحكة: شكلك يبدوا طريفا بالعجين ياملك
قالت ملك ساخطة: حقا ؟ هل ترون هذا طريفا؟
كورت نرمين قطعة اخرى من العجين وهى تقول : سنرى وجهك انتى الاخرى به
هتفت فدوى محذرة: نرمين اياك أن تفعليها
ارتفع صوت نرمين ممازحة: بل سأفعلها حتى لا تمزحى معى ثانية
نقلت ملك بصرها بينهم وهى تغمغم : يالهم من مجانين
هدر صوت جدتهم التى أتت من غرفة جانبية قائلة فى صرامة: نرمين ماهذا العبث؟ أننى لم استطع ان اتبادل كلمة واحدة مع والدك من صوتك العالى فى التلفون وقد غضب حين علم أنه انت وقال قولى لها عيب
قالت نرمين معترضة: لقد كنا نمزح ماذا فى هذا؟
هتفت جدتها غاضبة: فيه انك كبرتى على هذا العبث ولا يصح أن يرتفع صوتك هكذا امام الجميع
تغير وجه نرمين وامتلأ بالضيق وهى تقول: أننى اعلم بأننى كبرت يا تيتة فلا داعى لأن تذكريننى بهذا طوال الوقت
قالت جدتها فى صرامة: ولكنك تنسين هذا دائما ..هيا الى المطبخ لتساعدى سلمى فهى وحدها
أندفعت نرمين الى المطبخ غاضبة فالتفتت الجدة الى فدوى قائلة فى لهجة أقل حدة: وانتى ياست فدوى هذا العام ستحصلين على الليسانس .. ما الذى تفعلينه؟
هتفت فدوى : بريئة والله يا تيتة  انها نرمين التى تضايقنى ..ثم أننى ضيفة يومين وسأعود الى منزلى الا تحتملون وجودى قليلا؟
أبتسمت جدتها على الرغم منها وقالت : لا فائدة مثل اسلوب سلوى بالظبط
تقدمت فدوى من جدتها وقالت وهى تقبلها : هذة حتى لا تغضبى منى وسأعد لك صينية سمك بورسعيدى ستأكلين اصابعك وراءه ثم اسرعت  الى المطبخ هاتفة: هيا ياملك ورائى
تابعتها جدتها بنظرها ثم التفتت الى ملك قائلة فى عتاب حنون : وانتى ياملك لماذا تأخرتى هكذا؟ لقد ظننت انك اول من سيحضر ليقول لى كل عام وانتى بخير
قالت ملك بأسف : أنا أسفة جدا ياتيتة ..كنت اتمنى هذا ايضا ولكن مامى استيقظت متأخرة اليوم  على العموم كل عام وانتى بخير يا أاعز تيتة بالدنيا   ثم أتجهت اليها لتقبلها فربتت جدتها على ظهرها فى حنان وقالت : وانتى طيبة يا حبيبة تيتة ..كيف حال ظهرك؟ هل مازال يؤلمك؟
قالت ملك:  لا لقد اصبحت على خير مايرام
قالت جدتها فى حنان : الحمد لله ...حسنا ياحبيبتى سأذهب لارى والدتك وانتى اذهبى لتساعدى فى اعداد الطعام  فقد تركت اعداده اليوم عليكم فلم تعودوا صغارا اليس كذلك؟
قالت ملك فى حماس: بلى ...سنعد احلى افطار بأذن الله  واتجهت الى المطبخ فى حين اتجهت الجدة الى حيث بناتها

**************************
أخذت نرمين تزفر فى ضيق فسألتها سلمى فى اهتمام: نرمين ماذا بك؟
قالت نرمين فى ضيق: تيتة نبيلة أخذت تهتف فى وجهى وتزجرنى لأننى كنت امزح مع فدوى
سألتها سلمى فى دهشة: أكان هذا الصياح لك؟
هزت نرمين رأسها ايجابا فى سخط فضحكت فدوى قائلة: حتى تكفى عن تصرفاتك الصبيانية تلك
قالت نرمين فى حنق غاضب: لقد أصبحت تيتة تسىء معاملتى هذة الايام لست ادرى لماذا؟
قالت فدوى فى جدية: ليس لهذة الدرجة ثم انها لم تعنفك وحدك لقد عنفتنى أنا ايضا ولكن بلطف لأننى شبه ضيفة عندها ولا تريد أغضابى ولكن انا متاكدة لو كنت مكانك لزجرتنى فى حدة
هزت نرمين رأسها بعدم أقتناع فعقبت ملك : فدوى لديها حق ..تيتة نبيلة طيبة جدا مثل الملاك وتحبنا كلنا ولا تستطيع اغضاب أحد
القت عليها نرمين نظرة حادة ثم قالت متهكمة : وهل ستقولين شيئا أخر؟ فتيتة نبيلة منذ أتيتى وهى تدللك وكأنه لا يوجد غيرك هنا
عقدت ملك حاجبيها فى ضيق ولم تجيب فقالت سلمى وهى تقلب الطعام: على العكس يانرمين ..تيتة نبيلة تحبك جدا وتدللك فانتى ابنة أبنها الكبير
هتفت نرمين محنقة: كان هذا فيما مضى أما الان فهى لا تكف عن القاء الاوامر وزجرى خاصة بعد أن اتينا الى هنا أنا وكريم ومحمود بعد سفر بابى ومامى الى السعودية
قالت فدوى فى بساطة: هذا طبيعى فقد اصبحت مسئولة عنكم طوال فترة غياب والديك ومن حقها ان تفعل هذا
هتفت نرمين فى ضيق وهى تشير بيدها: حسنا حسنا لينتهى هذا الحوار مادام الجميع ضدى ولنتحدث فى الطعام أنا اشعر اننا سنسوى الفعائل فيه
قالت سلمى متحمسة: بالعكس أشعر أنه سيكون رائعا وسنثبت للسيدات أننا أصبحنا ماهرات فى هذا المجال..ثم اشارت الى نرمين منبهة: ويجب ان تتبعى تعليماتى حتى نصل به لبر الامان
قالت فدوى فى زهو وهى تمسك بصنية السمك وتضعها فى الفرن: ثلث ساعة وسأريكم أحلى صينية سمك فيك يا مصر
قالت ملك وهى ترتدى مريلة المطبخ : دعى لى تنظيف الطيور وتتبيلها يا سلمى لقد أتقنت هذا
قالت سلمى مبتسمة: حسنا لقد اصبحت أثق بك وانا ساعد الخضار والمكرونة
هتفت نرمين محتجة: وانا ماذا سافعل بالظبط
ألتفت اليها الثلاثة ضاحكين وقالت سلمى وهى تدفع اليها بطبق من الخضراوات :  السلطة طبعا فهى الطبق الرئيسى

*********************
((يا الهى سيتوقف قلبى من شدة الضحك))
هتفت سلوى وهى تميل الى مديحة ضاحكة فهتفت مديحة بدورها وهى تضحك: كفى يا سلوى لم أعد احتمل المزيد
تبادالت سميحة مع سعاد النظرات مبتسمين فهتفت سلوى: اما سعاد فقد كانت تلتهم كميات كبيرة من الطعام وحين يدخل عليها احدنا المطبخ تدعى انها كانت تتذوقه فحسب لتعرف هل هو مظبوط ام لا ..وسميحة يالهى لو رأيتيها يا مديحة وهى تجلس القرفصاء تحت المنضدة لتأكل ثم تتظاهر بعد ذلك بالصيام
قالت سميحة متهكمة:  لاحظى معنا يامديحة أن سلوى كل رمضان تعيد وتزيد فى تلك الاسطوانة دون ان تشير مجرد اشارة الى فعائلها الشنعاء
قالت سلوى محتجة: فعائلى؟ ايه فعائل تلك ؟ هل ستؤلفين؟
قالت سميحة ضاحكة : قصة الفانوس مثلا ..كل رمضان يامديحة  تأخذ علقة ساخنة من ماما بسبب الفانوس فهى تخرج لتلعب بيه يوميا فى الشارع وتعود من غيره لتطلب أخر وتلح فى ذلك حتى لا تجد ماما بدا من جذبها من شعرها  هذا غير قصة الكنافة التى لو سردتها عليكى يا مديحة ستموتين من الضحك
تابعت سعاد ضاحكة: أتفقت سلوى مع سمير ان يقوما بعمل الكنافة ووضعاها فى الفرن وكادا يشعلان النار فى المنزل كله وأنتهى الامر بأن أخذت علقة ساخنة من ماما  اليس كذلك يا سلوى
هتفت سلوى مغتاظة وهى تستعيد هذة الذكرى: لقد كان سمير السخيف هو السبب فى هذا وقد افلت من العقاب كعادته
دخلت نبيلة هانم الغرفة وقالت وهى تجلس على احدى المقاعد:-  كعادتك دائما يا سلوى ..لا نجتمع حتى تتجادلين ويرتفع صوتك حتى عنان السماء..تحتاجين محاضرة كالتى أعطتيتها لنرمين منذ قليل
قالت سلوى متبرمة:- هكذا يا ماما؟ كلها يومين وسنعود الى منزلنا وتستريحين منا
قالت نبيلة فى عتاب:- كلما تحدثت معك او مع ابنتك قلتم لى ذلك كانكم تعاقبوننى..الا يكفى أننى لم اعد اراكم الا كل شهر او ثلاثة اسابيع مرة ؟ هل اعتدتى على فراقى ام ماذا ياسلوى
قالت سلوى فى جدية وأسف:- لا يا ماما بالطبع أننى حين اخرج من هنا اترقب مرور الايام  لأعود اليه ثانية  فانا افتقدكم بشدة ولكن كلما كبر حازم فى شغله وأزدادت مسؤلياته  أزداد ارتباطنا ببورسعيد وصعب عليا المجىء هنا
قالت امها فى حنان:- ربنا يوفقه يابنيتى ويسعدكم هذا ما اتمناه دوما لكم
ثم التفتت الى سميحة وقالت: - وانتى يا سميحة ماهو عذرك؟ أصبحتى مقلة جدا فى الحضور ..ملك لا تفوت يوم دون أن تاتى لترانى
قالت سميحة:-  لا تقلقى يا حبيبتى ..اننى انوى ان انتقل الى شقتى هنا أنا وملك لنكون بجواركم
تبادلوا النظرات المتعجبة وسألتها سعاد باهتمام: ماذا يا سميحة  هل تنوين ترك منزلك بالعباسية؟
قالت سميحة ببساطة:- وماذا فى هذا؟ لقد كنت اعيش فى العباسية لظروفى الخاصة وظروف عملى  الان الوضع تغير وأنا اريد أن اكون بجواركم أنا وملك
تأملتها امها فى دهشة فى حين هتفت سلوى فى تعجب:-  أنا متاكدة أن لذلك سببا تخفينه عنا وهو نفس السبب الذى يجعلك تتصرفين بغموض فى الفترة الاخيرة ..هل ما اقوله صحيح ام لا ؟
سألتها امها فى اهتمام: حقا يا سميحة ما سبب قرارك هذا؟ انا اعلم كم تعتزين كثيرا بمنزل العباسية وليس من السهل أن تتركيه فماذا حدث؟
تظاهرت سميحة بالدهشة وهى تقول: لاشىء يا ماما أنا لن اترك منزلى بالعباسية نهائيا فأنا احبه كما قلتى ولكن بصفة مؤقتة لأوفر على ملك مشقة التنقل من العباسية الى هنا فهى تريد دائما رؤيتك وزيارة سلمى فقررت ان انتقل هنا على الاقل حتى يشفى ظهرها تماما فكثرة الحركة تؤثر سلبا عليه
رمقتها سلوى بنظرة مرتابة فى حين قالت سعاد وهى ترمقها بنظرة فاحصة:- لم يختلف وضعك كثيرا يا سميحة بعد رجوع ملك اليك بل ربما أزددت هما وقلقا  وكنت أظن ان رجوعها اليك سيزيل كل متاعبك وهمومك
نظرت اليها سميحة وقالت ببعض الاسى: ساكون أما انانية يا سعاد لو ان همومى كلها انتهت بمجرد رجوعها الى  اننى الان أفكر كيف اوفر لها حياة سعيدة هادئة وأمنة  هذا ما يشغلنى ليل نهار
سألتها امها : اما زلتى تفكرين فى هذا الحادث؟
تنهدت سميحة وهى تقول فى ألم:- وكيف انساه يا ماما وهى مازالت تعانى من اثاره الى الان فألالام ظهرها تعاودها من ان لاخر
قالت امها مواسية :- بعض الوقت وسيعود كل شىء على مايرام  الحمد لله أن الامر وصل الى هذا الحد  نحمد الله على كل شىء
قالت سميحة بشرود :- نعم نحمد الله على كل حال

                                  *******

وقبيل المغرب ..فى المطبخ
التقطت نرمين قطعة من الكنافة وقالت وهى تتذوقها فى استمتاع: لذيذة وسكرها مظبوط
لكزتها فدوى قائلة :- راعى مشاعرنا أيتها المفجوعة قليلا  وكفى عن تذوق الطعام
قالت نرمين معترضة:- ماذا ؟ أننى أقوم بعمل مهم فانا اتذوق الطعام لأدلكم  هل هو مظبوط ام لا
ضحكت ملك وقالت: - فعلا لقد قمتى اليوم بهذا الواجب على اكمل وجه الحقيقة
هتفت نرمين ساخطة:- وكأنكم لن تفطروا ايضا فى يوم ما ...اه بهذة المناسبة لا نريد أن تصلى السيدات مع الرجال لا أريد احراجا اليوم
سالتها ملك:- ومن قال أننا سنصلى معا ؟
اجابتها فدوى :- اونكل سمير كالمعتاد  سيظل يجمع فينا  فهو يفعل هذا كل عام
قالت سلمى متفهمة :-  سنخبره أننا سنصلى وحدنا لا تقلقى يانرمين
غمغمت نرمين فى سخط:- كريم السخيف  أصر على ايقاظى اليوم لصلاة الفجر  وظل يهتف بى ويذكرنى وكانه داعية ولم يصمت حتى استيقظ كل من بالمنزل وكانت فضيحة
لم تتمالك ثلاثتهن انفسهن وانفجرن ضاحكات وهتفت سلمى :-ياله من موقف وكيف تصرفتى؟
قالت نرمين محنقة :- تظاهرت باننى اصلى فى احدى الغرف ولكننى كنت اموت غيظا  ثم تنهدت قائلة : أين انتى يا مامى؟
ضربت فدوى كفها بكف ملك وهى تطلق ضحكة طويلة معقبة : ياله من موقف
رمقتها نرمين بنظرة محنقة فى حين دخلت عليهم سعاد المطبخ حاملة نونا وقالت:- هيا يافتيات هل انجزتم كل شىء؟
التقطت ملك نونا منها وقالت وهى تقبلها : هل استيقظتى اخيرا ايتها الشقية؟ اوحشتينى
فى حين قالت فدوى : كل شىء جاهز يا طنط سعاد لا تقلقوا
قالت سعاد مبتسمة:  على الله ترفعوا رؤسنا وتكونوا على قدر المسؤلية وهمت بأن تغادر  لولا أن استوقفتها نرمين قائلة فى حرج: طنط سعاد نريد ان تصلى السيدات  معا والرجال وحدهم
تساءلت سعاد فى دهشة:- لماذا يا حبيبتى
تابعت سلمى: ماما بعضنا لن تصلى اليوم فلا نريد احراجا قولى لبابا أننا سنصلى معا
ارتفع حاجبا سعاد فى فهم وقالت ضاحكة:- هكذا؟ لا تقلقوا سنتصرف
وقبل ان تغادر أقتحم سمير المطبخ قائلا: هيا يا سعاد هيا يافتيات  حان موعد الاذان هيا لنصلى   ..لم يكمل جملته حتى تبادلت سعاد النظرات مع الفتيات وانفجرن ضاحكات بينما عقد هو حاجبيه وهو يتاملهم فى دهشة.

                                 *****




تعليقات