الفصل الثامن
(( ماذا حدث يا ماما ؟ )) هتف سمير فى قلق بالغ
اجابته والدته فى هلع وهى تتجه لغرفتها فى سرعة : سميحة ابنتى لست أدرى ما أصابها إنها منهارة للغاية
لحق بها سمير ورآها وهى تندفع إلى دولابها وتأخذ منه بعض الملابس وتضعها فى حقيبة سفر كبيرة وهى تقول : يا إلهى أى أم أنا ؟كيف أهملها إلى هذا الحد وأنا اعلم تماماً ما تمر به من ظروف
فكرر سؤاله فى توتر بالغ :
ماذا حدث يا ماما ما الذى حدث لسميحة ؟؟
اجابته وهى ترتب الملابس بداخل الحقيبة فى ألم : لم يحدث جديد يا سمير إنها تعانى مما حدث بالفعل ولكننا ننسى ذلك لأنها دائماً تبدوا متماسكة وراضية تتظاهر بالصلابة وكل كيانها ممزق لفراق ابنتها الوحيدة ولا يمكن لأحد لومكم فكل منكم مشغول بعائلته ومشاكله ولكن أنا ما الذى فعلته لها ؟؟ ما الذى فعلته لكى أخفف عنها عذابها؟ لا شئ لم أفعل أى شئ وأنا أمها وأقرب الناس إليها أراها تنزوى أمامى والحزن يمزقها وأنا لا أفعل شيئاً ما فائدة أمومتى إذن إذا لم أفعل شيئاً لأبنائى وامنحهم ما أستطيع من سعادة لقد نسيتها كما قالت ولن أسامح نفسى أبداً
هتف سمير فى حدة عصبية : هى التى فعلت ذلك بنفسها
رمقته والدته بنظرة مستنكرة وهى تقول : ما الذى تقوله يا سمير
واصل سمير حدته قائلاً : نعم يا ماما هى التى فعلت هذا بنفسها قولى لى سبباً واحداً يجعلها ترفض شخصاً مثل صلاح لقد كدت أجن عندما علمت من سعاد أنها رفضته فشخص كهذا كان يمكنه تعويضها ما قاسته مع هذا المدعو خالد وستجد فيه كل ما افتقدته مع خالد وكل هذا من أجل أوهام قولى لى سبباً يجعلها تمكث طوال اليوم بالمنزل دون أن تحاول الخروج أو زيارة صديقاتها أو الترفيه عن نفسها قولى لى سبباً واحداً لإصرارها على المكوث وحدها فى منزلها وقد ألححنا عليها أكثر من مرة أن تقيم معنا هنا فى هذا المنزل الواسع قولى لى سبباً واحداً لكل ما تفعله بنفسها
قالت له فى حدة : وهل تتصور أن كل ما ذكرته سيجعلها تنسى ابنتها ؟
هز كتفيه قائلاً : سيخفف عنها على الأقل
أغلقت الحقيبة قبل أن تجلس على طرف الفراش قائلة فى حزن : لن يمكنك تصور شعور أم تفتقد ابنتها الوحيدة ولا تعلم عنها شيئاً يا سمير لن يمكنك تخيل هذا الشعور لأنك لم تمر به يوماً إنه احساس مؤلم يتضاءل بجانبه أى عذاب وتهون معه أية آلام إن الإنسان يمكنه أن يتأقلم مع أية ظروف قاسية يمر بها إلا فراق ابناءه هذا هو الشئ الوحيد الذى لا يستطيع التعايش معه ولا يمكنه تحمله وسميحة لم ترى ابنتها الوحيدة منذ ست سنوات هل تدرك هذا هل تستطيع أنت تحمل فراق لبنى أو هانى يوماً واحداً ؟
هز رأسه نفياً وغمغم فى تأثر : بالطبع لا يا ماما فهما حياتى كلها
اجابته فى حزم صارم : إذن أجب عن سؤالك بنفسك ثم أخذت حقيبتها وهمت بمغادرة الحجرة
فقال لها سمير : هل ستذهبين إليها ؟
أجابته وهى تغادر الغرفة بالفعل : نعم سأذهب إليها لعلى أستطيع أن أفعل أى شئ لها كى أخفف عنها
قال فى سرعة : إذن انتظرى سأوصلك
التفتت إليه قائلة فى جدية : إذا كنت تريد أن توصلنى حقاً فلا داعى لسيارتك فلن أركبها ولو اضطررت للسير على قدمى
حاول الابتسام قائلاً : حسناً يا ماما سنستقل تاكسياً على الرغم من إننى قد أصلحتها حتى أصبحت جديدة تماماً
واصلت طريقها قائلة : ولو لن أركبها فقد فاض بى الكيل منها
نظر خالد إلى ابنته ملك فى شك وهو يقول : عجباً كنت منذ يومين فقط تستنكرين تماماً فكرة الإقامة مع والدتك والآن تخبريننى بكل بساطة إنك موافقة على الإقامة معها فماذا يعنى هذا ؟؟؟
تراجعت ملك فى مقعدها وقالت وهى تقضم قطعة من الشيكولاته : يعنى إننى قد وافقت على شرطك وبقى أن توافق على سفرى
قال فى هدوء : هل يعنى هذا إنكِ قد اقتنعت بكلامى ؟
رفعت ملك حاجبيها باستمتاع قبل أن تنظر للشيكولاته التى بيدها وتقول : أتعلم يا دادى أن هذه الشيكولاته لذيذة جداً أهو نوع جديد ؟
قال فى حزم : دعينا من الشيكولا الآن وأجيبى سؤالى
قضمت قطعة أخرى قبل أن تقول : فعلاً لذيذة لو قارنا هذا الشيكولاته بتلك التى أحضرتها لى البارحة فإن هذا النوع ممتاز جداً
اتجه إليها فى سرعة واختطف منها الشيكولاته ليقذفها بعيداً قبل ان يقول غاضباً : قلت دعينا من الشيكولا وأجيبى سؤالى
تطلعت إلى أبيها فى دهشة للحظة ثم هزت كتفيها فى لا مبالاة قبل أن تقول : فى الحقيقة لم أقتنع ولكن هذا لا يمنع أن أتحامل على نفسى قليلاً وأقبل هذا الشرط فأنا أريد السفر وبشدة
نظر إليها طويلاً قبل أن يجلس على إحدى المقاعد ويضع إحدى ساقيه فوق الأخرى وقال : كيف يمكننى أن أفهم أنك توافقين على العيش مع والدتك وأنت تحملين لها هذه المشاعر التى أقل ما توصف به إنها سلبية وعدوانية ؟
أشارت إليه قائلة فى خبث : قولك هذا يا دادى يدل على إنك اشترطت هذا الشرط لسفرى وأنت مدرك تماماً إننى لن أوافق وبالتالى لن أسافر وبذلك لن تكون الملوم ولكننى خالفت توقعاتك أليس كذلك ؟
أشار إليها بدوره قائلاً فى هدوء : خطأ يا ملك أنا لم أضع هذا الشرط لمنعك من السفر كما تتصورين ولكننى فقط أردت الاطمئنان عليكِ ولن أجد فى هذه الدنيا من أطمئن عليكِ معها غير والدتك كما إننى وجدت الفرصة سانحة لتقتربى من والدتك وتفهميها وتتخلى عن أفكارك الخاطئة عنها ولكننى أرى إنك ليس لديك أدنى استعداد لذلك فكيف ستعيشين معها وأنت تحملين هذه المشاعر تجاهها ؟
هزت كتفيها مرة أخرى وهى تقول فى استهتار : بالضبط كما عشت مع سارة
هتف غاضباً : أتقارنين والدتك بسارة يا ملك
التمع فى عينيها غضب مكبوت وهى تقول : لا يوجد فارق بينهما على الأقل بالنسبة لى
هتف فى حدة : بل هناك فارق ضخم فالعلاقة الوحيدة التى تربطك بسارة هى أنا أما سميحة فهى والدتك وأنت ابنتها ولن يمكنك تغيير ذلك كما أن هناك فارق ضخم فى الشخصية فسميحة تمتلك عناداً لا مثيل له وقد أخذت عنها هذا العناد ولا ترضى قط بالأمر الواقع ولن يمكنك أبداً أن تفعلى معها مثلما تفعلين مع سارة
رفعت ملك حاجبيها فى تحدى وهى تقول : سنرى يا دادى .. سنرى
تأملها لحظة قبل أن يقول : مادمت قد قررت السفر فسأضطر إلى إنهاء بعض الأعمال العاجلة خلال هذا الاسبوع حتى يمكننى السفر معكِ
هتفت فى دهشة : ستسافر معى ؟
قال : ما الذى كنت تتوقعينه ؟ هناك بعض الأمور التى يجب أن نتفق فيها أنا وسميحة بشأنك
مالت إليه وقالت فى فضول : وما هذه الأمور يا دادى ؟؟؟
ابتسم وهو يشير إليها قائلاً : ليس هذا من شأنك والآن اذهبى للنوم فالساعة الآن الواحدة صباحاً وأنا ورائى أعمالاً كثيرة غداً
وتركها ليذهب إلى غرفته فى سرعة وبداخله يدور سؤال : كيف أصبحت سميحة الآن ؟
بكت سميحة كثيراً بين أحضان والدتها التى أخذت تربت على ظهرها فى حنان وقالت من وسط دموعها : أنا آسفة يا ماما لم أكن أقصد ما قلته ولكننى كنت ...
قاطعتها أمها وهى تقول فى حنان : أعلم يا حبيبتى أعلم
انهمرت دموعها فى حرارة وهى تقول : لم أعد أحتمل بعدها عنى أكثر من ذلك يا ماما لم أعد أحتمل
قالت أمها فى حزن : أعلم يا سميحة وأشعر بك جيداً ولكن تذرعى بالصبر يا حبيبتى كونى قوية مثلما كنت دوماً اننى لا أستطيع رؤيتك بتلك الحالة أبداً
ابتعدت سميحة عن صدر أمها لتقول باكية : فى بعض الأوقات أشعر كأننى سأفقد عقلى وأعجز حتى عن مجرد التفكير وفى أوقات أخرى أشعر برغبة مجنونة للسفر إلى أمريكا لأنتزعها من خالد على الرغم منه ولكننى أشعر بالعجز فهى لا تريدنى ويبدوا أنها قد نسيتنى ولا يبقى لدى سوى الأمل .. الأمل الذى بدأت أفقده
قالت أمها فى حنان : لا تقولى ذلك يا سميحة لا تفقدى الأمل أبداً صدقينى يا سميحة إننى أشعر إنها ستأتيك قريباً قلبى يشعر بهذا وأنا قلبى لا يخطئ أبداً
غمغمت سميحة فى ألم : يبدوا أنها قد وجدت فى زوجة أبيها بديلاً عنى
هزت أمها رأسها قائلة فى لهجة قاطعة : أبداًلن يعوضها أحد حنانك مهما فعل كونى متأكدة من ذلك
تأملت سميحة أمها لحظة قبل أن تدفن رأسها فى أحضانها ثانية وهى تقول بصوت متهدج : كم أحبك يا ماما كم أشعر بالراحة تملأ كيانى عندما ارتمى فى أحضانك وأرتوى من حنانك الكبير وكم أتمنى أن تظلى بجانبى دوماً على الرغم من أنانية هذا المطلب
ابتسمت أمها وهى تقول فى حنان : وأنا لن أتركك أبداً ومادمت مصرة ألا تعيشى معنا فى المنزل فلن أضغط عليكِ ولكننى فكرت فى حل يريحك وفى نفس الوقت يجعلنى مطمئنة عليك سأبحث لك على مسكن قريب منى حتى تكونين بجانبى وبذلك نكون قد امسكنا العصا من المنتصف فهل يرضيك هذا الحل ؟
قالت سميحة فى حب : وأنا أوافق يا ماما أوافق تماماً
قالت أمها فى ارتياح : عظيم سأخبر سمير ليبدأ البحث وإلى أن يحدث ذلك سأظل معك ما رأيك ؟
تأملتها سميحة فى تقدير وقد ارتفعت معنوياتها كثيراً : أرى انك أعظم أم فى الوجود .
ارتسم القلق على ملامح سميحة وهى تمسك سماعة التليفون وقالت فى توتر : اهدئى قليلاً يا سعاد حتى يمكننى فهمك لا ماما نائمة الآن أرجومنك كفى عصبية فأنا لا أفهم منك شيئاً حسناً سآتى على الفور
ووضعت السماعة قبل أن تزفر فى قوة وهى سألت : ترى ما الذى حدث عند سعاد ثم قامت واتجهت إلى غرفتها فى سرعة حيث استبدلت ملابسها وأخذت حقيبة يدها وقبل أن تغادر المنزل اتجهت إلى المطبخ حيث وجدت نجوى منهمكة فى إعداد الإفطار فقالت لها فى سرعة : نجوى سأذهب الآن لقضاء أمر مهم وإذا استيقظت ماما أخبريها إننى لن أتأخر
قالت نجوى فى دهشة : ألن تتناولى إفطارك يا سميحة هانم ؟
أجابتها سميحة فى سرعة : لا ليس لدى وقت إلى اللقاء
وطول الطريق لم يفارق القلق سميحة التى ظلت سألت عن السبب الذى دعا سعاد للاتصال بها فى هذا الوقت المبكر وبكل تلك العصبية : لابد أن هناك مشكلة كبيرة فسعاد نادراً ما تكون عصبية ولم تكف سميحة عن التساؤل طول الطريق حتى وصلت منزل سعاد التى استقبلتها قائلة فى عصبية : تفضلى يا سميحة حاولى لأن تجدى حلاً مع سلمى قبل أن أصاب بالجنون
قالت سميحة فى مزيج من الدهشة والقلق : ماذا حدث يا سعاد ما الذى حدث لسلمى
أشاحت سعاد بذراعها وهى تقول فى غضب : بل قولى ما الذى حدث لى منها
قالت سميحة :حسناً يا سعاد ما الذى فعلته سلمى ؟
أشاحت سعاد بذراعها مرة أخرى قائلة فى غضب أشد : دعيها تخبرك بنفسها فأنا لا أصدق ما قالته لا أصدق ما ستفعله لى
تساءلت سميحة فى أعماقها عما ستفعله سلمى ولكنها قالت : وأين هى الآن ؟
أشارت سعاد إلى غرفة سلمى قائلة : إنها بغرفتها ثم أشارت بيدها محذرة وقالت لسميحة : سميحة حاولى أن تجدى حلاً لتلك المشكلة وإلا سأتصرف بطريقة لن تعجبها على الإطلاق
نظرت إليها سميحة فى دهشة ثم قالت فى هدوء محاولة السيطرة على أعصابها : سيحدث ذلك يا سعاد عندما أفهم المشكلة فأنا إلى الآن لم أفهم شيئاً سوى أن سلمى مقدمة على فعل شئ سيغضبك بشدة أليس كذلك ؟ والآن دعينى أذهب إليها لعلى أعرف شيئاً
واتجهت إلى غرفة سلمى فوجدتها تبكى فى حرارة فهتفت فى قلق وهى تتجه إليها : ماذا حدث يا سلمى ما الذى يبكيكِ هكذا؟
ارتفع صوت سعاد قائلة فى حدة : هيا أخبرى خالتك ما تنوين فعله اقنعيها فربما كنت أنا التى أصابها خلل ما ربما كنت أعجز عن فهمك
لم تجب سلمى وإن ارتفع حدة بكاءها فى حين قالت سميحة بنفاذ صبر : سعاد إننى هذه الأيام على شفا انهيار عصبى ولا أتصور إنك اتصلت بى فى هذا الوقت المبكر دون إفطار أو كوب من الشاى لأشاهدك تصرخين فى أذنى بعصبية بينما تبكى ابنتك فى حرقة فهذا كفيل بانهيار البقية الباقية من أعصابى هلا هدأت وتركتينى اتحدث معها حتى يمكننا أن نصل لحل ؟
هزت سعاد كتفيها وهى تقول وقد هدأت حدتها : لما لا تقولين إنك تريدين إفطاراً وكوباً من الشاى بدلاً من تلك المحاضرة التى لا تفيد فأنا أعلمك جيداً لا تستطيعين التركيز فى شئ عندما تكونين جائعة
عقدت سميحة حاجبيها فى غضب قائلة : أنا يا سعاد ؟ هل تقولين هذا لى ؟ حسناً مادمت قد قلت ذلك فسأخبر سلمى ما فعلتيه عندما كنا فى المدينة الجامعية معاً
ثم التفتت إلى سلمى قائلة وهى تشير إلى سعاد : هل تتصورين يا سلمى انها قد تركت محاضرة مهمة وعندما سألتها عن سبب عودتها مبكراً من الكلية وتركها للمحاضرة أخبرتنى أنها شعرت بالجوع فلم تستطع إكمال المحاضرة هل رأيت أكثر من ذلك شراهة
هتفت سعاد فى حنق : خطأ لقد كنت مريضة فقط وهذا ما دعانى لترك المحاضرة لأننى لست مثلك ولا تنكرى إنك ذات مرة التهمت دجاجة كاملة
ضحكت سميحة قائلة : فى هذه بالذات لن أنكر فأنا أحب الدجاج جداً ولا أمل منه أبداً
قالت سعاد مبتسمة : بالطبع لن تستطيعى الإنكار فمعى شهادات مؤكدة من الأسرة بهذا الشأن
شعرت سميحة بأن جو التوتر قد زال قليلاً فقالت فى هدوء لسعاد : والآن يا سعاد ماذا حدث ؟
قالت سعاد وقد استعادت غضبها وهى تشير لسلمى : سلمى يا سميحة جاءت لتخبرنى بكل بساطة إنها لا تريد إتمام الخطبة ومتى ؟ قبل يوم واحد من الخطبة هل تتصورين هذا ؟
التفتت سميحة إلى سلمى التى انهمرت دموعها فى صمت وقالت فى دهشة : لماذا يا سلمى ؟ ما الذى حدث حتى تغيرين رأيك ؟ هل أساء نديم إليك فى شئ ؟
هزت سلمى رأسها نفياً بينما قالت سعاد فى حدة : ليته فعل ليت هناك سبباً واضحاً لهذا القرار الغريب الذى ظهر فجأة ليتها تقنعنى بشئ ولكنها كما ترين لا تفعل شيئاً سوى البكاء حتى كدت أصاب بالجنون
هتفت سميحة : ماذا دهاك يا سعاد لم يحدث أن رأيتك تتحدثين بكل هذه العصبية والحدة من قبل وبالذات مع سلمى فلماذا تفعلين هذا الآن فى موضوع بهذه الأهمية والحساسية ؟
هتفت سعاد وهى ترتجف غضباً وانفعالاً : لنفس السبب الذى قلتيه الآن يا سميحة لأهمية الموضوع وحساسيته إنه ليس لعبة حتى تقبل ثم ترفض دون إبداء أية أسباب واضحة والذى يثير غضبى أكثر أن هذا الشاب أكثر من مؤدب ومحترم ومن عائلة محترمة ويفوق غيره من الشاب عقلاً وأخلاقاً وهى بنفسها كانت سعيدة جداً ولا أدرى ما الذى حدث جعلها تقرر فجأة هذا القرار
هتفت سلمى باكية : قلت لك يا ماما إننى لا أشعر بالارتياح لا أشعر بالارتياح لهذا الموضوع كله لماذا لا تفهمينى
صاحت فيها أمها وقد ازداد غضبها : ماذا ؟ لا تشعرين بالارتياح ؟ اسمعى جيداً يا سميحة إنها لا تشعر بالارتياح أهذا جزء من فيلم عربى أم ماذا ؟ ما الذى سنقوله لعائلة نديم ؟ إنها لا تشعر بالارتياح ؟ بل ما الذى سأقوله للمدعوين للحفل ما الذى سأقوله لزملائى فى المركز هل سأعتذر لهم بكل أدب وأقول معذرة لن يكون هناك أى حفا فابنتى لا تشعر بالارتياح ؟ اجيبى
ارتفع صوت بكاءها فى حين التفتت سميحة إلى سعاد قائلة فى عصبية : أرجوكِ يا سعاد أعطينى فرصة لأتحدث معها لماذا اتصلت بى إذن
زفرت سعاد فى قوة وقالت غاضبة : حسناً يا سميحة سأترك الغرفة ولكن لتعلم جيداً إننى لن أسمح لها بوضعى فى هذا الموقف الحرج أبداً مهما حدث ثم غادرت الغرفة وأغلقت بابها خلفها فى قوة فتنهدت سميحة قبل أن تقول لسلمى فى هدوء : يجب أن تقدرى موقف ماما يا سلمى فأنت بذلك تضعينها فى موقف بالغ الحرج ودون سبب واضح لها الحق أن تنفعل هكذا 0
لم تجب سلمى فتابعت سميحة : سلمى إنكِ لم تخفى عنى شيئاً قبل ذلك أخبرينى بسبب رفضك الخطبة وأوعدك ان أقف بجانبك إذا اقتنعت بوجهة نظرك هل حدث شئ بينك وبين نديم ؟
هزت رأسها نفياً فقالت سميحة :
إذن ماذا حدث يا حبيبتى أخبرينى ؟
قالت سلمى وهى تجفف دموعها : إننى خائفة
تطلعت إليها سميحة فى دهشة وقالت : خائفة ؟ من ماذا ؟
قالت سلمى فى عصبية : من الزواج إننى لا أعترض على نديم كشخص ولكننى أخاف من الموضوع ككل
هتفت سميحة فى دهشة أكبر : وما الذى يجعلك تخافين من الزواج ؟
قالت سلمى فى عصبية : قولى لى يا طنط إننى أعيش مع أبوين حنونين وبيت دافئ أحبه كثيراً وأحب حياتى فيه ولا ينقصنى أى شئ سوى طموحى الذى أريد أن أحققه كاملاً فما الذى يجعلنى أن أجازف وأتزوج شخصاً قد يقلب حياتى جحيماً بعد ذلك ما الذى يجعلنى أقدم على خطوة لا أعرف ما ورائها
ارتفع حاجبا سميحة فى ذهول وهتفت :
ماذا ؟ تخاطرين وتجازفين ؟ أى قول هذا
ثم هزت رأسها قائلة : سلمى يا حبيبتى أعلم أن قرار الارتباط فى حد ذاته قرار صعب ويحتاج الكثير من التفكير وأيضاً القلق لأنه قرار يترتب عليه حياة كاملة وقد يُسمى أيضاً مجازفة ولكن لابد من تلك المجازفة حتى تعمر الحياة وإلا لو خاف الجميع فلن يتزوج أحد ولن تعمر حياة وليس الزواج فقط هو من يحتاج إلى المجازفة بل كل شئ فى هذه الحياة يحتاج إليها فإذا أردت أن تعيشين حياتك فيجب أن تجازفى
هتفت سلمى فى عصبية : هذا لمن يحتاج الزواج فهو مضطر للمجازفة أما أنا فلست مضطرة لهذا
عقدت سميحة حاجبيها فى دهشة وهى تتأمل سلمى وقالت : لو سمعت هذا الكلام من فتاة تعيش حياة ممزقة بين أبوين تطحنهما الخلافات لما اندهشت ولكن العكس تماماً هل أصبحتِ معقدة وأنا لا أدرى أم ماذا ؟ أنت كما قلت تعيشين بين أبوين حنونين متفاهمين وبيت هادئ دافئ وهذا كله لا يجعلك ترهبين الزواج بل بالعكس يشجعك ويدفعك لاتخاذ قرارك
نظرت إليها سلمى لحظة فى تردد ثم قالت فى حسم : وماذا عنكِ ؟ ماذا عن زواجك هل وجدت فيه ما تأملين ؟
تسمرت سميحة للحظات وبدت كالمصدومة وهى تتأمل سلمى التى أطرقت برأسها لتغمغم فى ارتباك : آسفة يا طنط سميحة لم أكن أقصد أن أسبب لك ضيقاً
أغلقت سميحة عينيها فى ألم ثم قالت : إذن فهذا هو سبب خوفك من الزواج تجربتى الفاشلة وحياتى هى السبب فيما يحدث لك من تخبط وتردد... أنا السبب
صمتت سلمى وإن بدا على ملامحها علامات الحرج والشفقة على خالتها فى نفس الوقت
فى حين غمغمت سميحة فى خفوت حزين : عندك حق يا سلمى فقد فشلت حياتى الزوجية ومن أول عام من الزواج وربما من أول شهر حين اكتشفت أنه لا يجمعنى بخالد شيئاً مشتركاً فشلت فشلاً لم أكن أتصوره يوماً لم أكن أتخيل أن هذا سيحدث لى أبداً فأنا يا سلمى كنت مثل أى فتاة أتمنى أن أتزوج شخصاً يملأ حياتى حباً وحناناً ويكون لى منه ابناءً يملأون حياتى ضجيجاً وأكون طوال اليوم مشغولة بمشاكلهم كنت دوماً احلم بأن أكون أماً مثالية وزوجة ناجحة فى بيتى وسيدة ناجحة فى عملى ولم أكن أتخيل العكس أبداً ولكن ...
صمتت لحظة قبل أن تتجه للنافذة وتلقى نظرة طويلة لتسيطر على أعصابها وقالت فى مرارة : ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن لم أحقق شيئاً مما تمنيت سوى النجاح فى عملى فقط وصدقينى يا سلمى لو قلت لكِ أن نجاحى فى عملى لم يحقق لى شيئاً من السعادة وكيف أشعر بالسعادة وابنتى الوحيدة بعيدة عنى ؟؟كيف يهنا لى بال وأنا لا أدرى عنها شيئاً كيف
شعرت بغصة فى حلقها ومرارة لا حدود لها فصمتت وأشاحت بوجهها فقامت سلمى فى بطء واتجهت إليها وأمسكت ذراعها
برقة وهى تقول : طنط سميحة لا تلومى نفسك على شئ فأنتِ لم تخطئى وكل ما حدث ليس باختيارك بل أنت أم عظيمة ومثلى الأعلى
عضت سميحة على شفتيها فى مرارة وهى تقول فى خفوت : ما الذى فعلته يا سلمى لكى أكون أماً عظيمة ما الذى فعلته ؟؟ لم أفعل شيئاً.. لم أفعل شيئاً
وقبل أن تعقب سلمى التفتت إليها سلمى قائلة فى حنان : دعيكِ منى الآن .. أتثقين بى ؟
قالت سلمى مؤكدة : بالطبع يا طنط سميحة
قالت سميحة فى حزم : نصيحتى لك لا تجعلى تجارب الآخرين تؤثر فيكِ أبداً سلباً بل اجعليها تؤثر فيكِ ايجاباً بأن تستفيدى منها وتأخذى عبرها وتتجنبى اخطاءها ليس فى الزواج فقط ولكن فى كل شئ هل فهمتى يا حبيبتى ؟
أومأت سلمى برأسها ايجاباً فقالت سميحة ضاحكة : أما بالنسبة لنديم فلا أعتقد أنه يخيف فلقد جلست معه مرة وأؤكد لكِ أنه شاب ممتاز فأنا استطيع الحكم على الأشخاص من جلسة واحدة ألم تقل لك والدتك اننى كنت أهوى علم النفس وكنت أفكر فى الالتحاق بهذا القسم
ابتسمت سلمى وهى تقول : فى الحقيقة هذه أول مرة أسمع فيها هذا الكلام
قالت سميحة فى حنان : والآن هل ستخبرين ماما بإقلاعك عن هذا القرار أم أنك تحتاجين مزيداً من الإقناع
هزت سلمى رأسها وقالت فى شئ من المرح : يبدوا إننى اقتنعت
قالت سميحة فى ارتياح : عظيم هيا بنا إذن لنفطر فقدت بدأت أشعر بالجوع.
وطوال الطريق أثناء عودتها إلى منزلها ظلت سميحة سألت : إذا كانت سلمى قد تأثرت بحياتها وقصتها الفاشلة وتأثرها هذا دفعها إلى الخوف من الزواج وهى التى تعيش حياة هادئة بين أبوين متفاهمين فكيف بابنتها التى عاشت فى بيت تسوده الكراهية والجمود بيت خلا من كل معانى الدفء والحب بين أبوين انقطع كل ود بينهما ثم عانت بعد ذلك من مرارة الانفصال كيف الحال بها وهى لم تعش أبداً مثل كل الأطفال هل ستصبح معقدة ؟
لقد كانت سميحة دوماً تكره أنانية الآباء الذين كانوا يفضلون سعادتهم دائماً وإن كان الثمن تعس الأبناء كانت دوماً تهز رأسها أسفاً عندما ترى زوجين انفصلا وكل منهم تزوج وعاش حياته تاركين الأبناء يعانون التشتت والضياع كانت دوماً سألت أى أم هذه وأى أب هذا الذين يفعلون ذلك بأبنائهم لا ريب أنهم حتى لا يعرفون معنى الأمومة ولا الأبوة فالأمومة والأبوة تضحية قبل أى شئ آخر لم تكن تعلم أنها ستكون أحد هؤلاء فى يوم ما وانها ستكون سبباً فى تعس أحب مخلوقة إلى قلبها ولكن ما الذى كان بيدها أن تفعله فى ظروفها التى كانت فيها ؟؟ هل كانت هناك اختيارات أفضل ؟ لقد استحالت الحياة بينها وبين خالد ولم يكن من الممكن أبداً مواصلة الحياة معه فهل اتخذت القرار السليم بالانفصال ؟ هل أصابت حين قررت ترك ابنتها لأبيها لقد كان هذا القرار يبدوا لها القرار الوحيد الذى يجب اتخاذه فى ذلك الموقف كان الاختيار المر الذى لابد منه فهل أخطأت ؟؟هل كانت هناك وسيلة أخرى ؟؟ربما تكون أخطأت وربما لا ولكن الذى لا يحتمل الجدل هو أن ابنتها دفعت الثمن دون ذنب وياله من ثمن ومن أعماقها هتفت سميحة فى مرارة لا حدود لها : سامحينى يا ملك لقد ظلمتك
(( سميحة لن تصدقى من هنا )) هتفت نبيلة هانم فى انفعال بالغ وهى تستقبل سميحة التى عقدت حاجبيها وهى سألت فى توتر : من ؟
هتفت أمها مرة أخرى : انه خالد
ازداد انعقاد حاجبى سميحة وهى تسألها : خالد من يا ماما ؟
اجابتها بكل انفعال : خالد الهمشرى طليقك يا سميحة إنه ينتظرك منذ نصف ساعة
انتفضت سميحة وأحست برجفة قوية تشملها وهى تحدٌق فى أمها غير مصدقة وظلت هكذا للحظات قبل أن تقول بصوت مرتعش ولهفة لا حدود لها : هل آتى بملك ؟
هزت أمها رأسها نفياً وقالت : لا ولكن من المؤكد أنه اتى بشأنها ألم أقل لك يا سميحة انها ستأتى إليكِ قريباً هل صدقتنى الآن ؟
لم تجب سميحة وإن اندفعت بخطوات أقرب للعدو نحو غرفة الاستقبال مدفوعة بلهفة وقلق وخوف لا حدود لهم وانفعال جعل كل ذرة فى كيانها تهتز وبداخلها مئات الأسئلة تتزاحم فى رأسها وأمام الغرفة وقفت قليلاً لتلتقط انفاسها وتسيطر على انفعالاتها ثم دلفت إليها للتتأمل خالد فى انفعال الذى قام واقفاً عند رؤيتها وأخذ كل منهما يتأمل الآخر للحظات قبل أن يتجه إليها ويصافحها قائلاً فى لهجة تحمل اشتياقاً : كيف حالك يا سميحة ؟
حاولت التظاهر بالهدوء وهى تصافحه وقالت وهى تشير إليه بالجلوس : بخير تفضل
جلس كلاً منهما فى مقابلة الآخر وساد الصمت الغرفة للحظات كادت تصرخ فيه (( أين ابنتى )) ولكنها تماسكت بصعوبة فى حين أدرك هو ما يعتمل بداخلها فقال : لعلك تتساءلين عن سبب تلك الزيارة المفاجئة
قالت سميحة فى لهجة قاسية باردة : لا أعتقد أن شيئاً يربطنا سوى ابنتنا ولهذا أرى أن سبب قدومك هو شيئاً خاصاً بها
تراجع فى مقعده ووضع ساقاً فوق الأخرى قبل أن يقول : فى الحقيقة نعم لقد جئت بخصوص ملك لم تستطع إخفاء لهفتها وقلقها وهى تقول : هل أصابها سوء ؟
هز رأسه نفياً وهو يقول : لا اطمئنى إنها بخير
تساءلت مرة أخرى فى قلق : ماذا حدث إذن ؟
مط شفتيه قبل ان يقول : سأخبرك لقد طرأت عليها فجأة فكرة إكمال دراستها الثانوية والجامعية هنا فى مصر وفى الحقيقة لقد عارضتها فى البداية فقد كنت أريدها أن تكمل دراستها هناك فى أمريكا ثم تفعل بعد ذلك ما يحلو لها ولكنها أصرت ولذلك وافقت ولكننى كما تعلمين لن أستطيع ترك أعمالى هناك للإقامة معها هنا وأيضاً لا استطيع تركها وحدها تعيش بمفردها كما أرادت هى ولذلك قررت أن تعيش معكِ بل واشترطت عليها ذلك إذا كانت تريد السفر فأنا لن أكون مطمئناً عليها إلا معكِ وفى الحقيقة أيضاً انها كانت رافضة ذلك وبشدة فقد كانت تريد أن تعيش فى فيلا جدتها فأنت كما تعلمين
كانت سميحة تغلى غضباً وحنقاً وألماً ومرارة وبكل هذه الانفعالات هتفت مقاطعة إياه : رائع شئ جميل للغاية إذن فملخص تلك القصة المؤثرة أن فتاتك المدللة قررت أن تعود إلى مصر حتى تكمل دراستها وطبعاً أنت لا تستطيع التخلى عن أعمالك ومسئولياتك الجسيمة لمصاحبة ابنتك وفى نفس الوقت لا تستطيع رفض مطلبها فهى تأمر فتطاع إذن ما الحل ؟ ما الحل ؟ آهـ انها سميحة ذلك الكم المهمل كيف نسيناه انها ستحل تلك المشكلة فلتقيم معها البنت التى تكرهها ولكن ستقبل ذلك على مضض وبالنسبة لسميحة المسكينة المغلوبة على أمرها ستسقط مغشياً عليها من فرط البهجة وستُقبٌل الأيدى على هذا الكرم الحاتمى إذن فأنا كنت فى النهاية الحل الأخير لهذه الأزمة والاختيار الصعب الذى لابد منه لك ولابنتك.....
أليس كذلك ؟
نظر إليها خالد مشدوهاً ثم قال فى ارتباك : سميحة اننى لم أقصد ذلك اننى...
قاطعته وهى تشيح بذراعيها فى ثورة : أنت ماذا ؟ هل جئت بعد كل تلك السنوات بعد أن انتزعت ابنتى وسافرت بها دون حتى أن أعلم ودون أى مراعاة لشعورى وضارباً بكل شئ عرض الحائط لتخبرنى بكل صفاقة أنك اتيت بها ليس ندماً على ما فعلته بى ولا تعويضاً عن سنوات الألم والعذاب التى عشتما ولكن حلاً لمشكلة عارضة فأنت تريد الاطمئنان عليها وهى قبلت على مضض حتى يمكنها فعل ما تريد وكأننى لا شئ على الإطلاق وكأننى كمٌاً مهملاً ليس له أى قيمة أو شعور لست أدرى حقاً أى وصف يمكننى أن أصفك به لست أدرى أى وحش متبلد الشعور بداخلك
بُهت خالد وهو ينظر إليها فى ذهول ورد : وحش متبلد الشعور ؟
فى حين اقتحمت نبيلة هانم الغرفة وقالت وهى تنقل نظراتها بينهما قائلة فى قلق بالغ : ماذا حدث يا سميحة لماذا تصرخين هكذا ثم التفتت إلى خالد لتقول فى غضب عدوانى : ما الذى قلته لها ؟
أحست سميحة أن كل براكين الغضب تشتعل بداخلها فتجاهلت سؤال أمها وواصلت هتافها فى ثورة : قل لى ماذا لو أن فكرة السفر هذه لم تطرأ لحظة على ذهن ملك ماذا كان سيحدث أنا اخبرك لم تكن لتهتم قط بأى شئ آخر سوى أعمالك اللعينة كالمعتاد ولم تكن لتفكر لحظة فيما أعانيه فى بعدها عنى بل لن يمر هذا فى بالك لحظة وطبعاً هى لن تفكر فى أمها لحظة واحدة فأنا بالنسبة لها تلك الأم القاسية المتوحشة مثل إنسان الغاب كما صورتنى لها والدتك رحمها الله أليس كذلك ؟ أى اننى كنت بالنسبة لكم لا أعدوا كونى محطة أو ما شابه ولكن لا يا خالد لا ليس سميحة من يفعل بها هذا وليس سميحة التى تغلب على أمرها أو تستكين وتضعف وترضى بالأمر الواقع وأنت خير من يعلم هذا أما قلبى فسأسحقه بقدمى وسأظل قوية مهما حدث هل فهمت يا رجل الأعمال مهما حدث
ربتت أمها على كتفها وهى تقول مهدئة : اهدئى يا سميحة اهدئى يا حبيبتى لا يستطيع أحد أن ينكر أنك أمها ولن يستطيع أحد أن يعوضها عنكِ مهما فعل ثم رمقت خالد بنظرة قاسية وقالت فى جفاء : أرجو أن تلتمس لها العذر يا خالد فحرمان أم من ابنتها شئ صعب للغاية يصعب عليك حتى مجرد استيعابه
قال فى هدوء وهو ينظر إلى سميحة التى جلست تلهث من الانفعال : اننى أعذرها ولكنها لم تترك لى الفرصة لأشرح لها
عقدت سميحة ساعديها أمام صدرها لتقول فى خشونة : ما الذى ستقوله أو تشرحه أعتقد أنك قد قلت كل شئ
قال فى حزم : لم أقل كل شئ بعد اننى أحاول جاهداً أن أزيل ما بداخل ملك تجاهك حاولت أن أغير تصورها الخاطئ عنكِ ولكن للأسف لم أنجح فهى مازالت تصر على إنك تخليت عنها ثم وجدت موضوع السفر هذا فرصة لحدوث تقارب بينك وبينها ولذلك قررت أن تعيش معكِ وصدقينى يا سميحة إنه كان يمكننى ايجاد أكثر من حل لهذه المشكلة
قالت متهكمة : حقاً ؟ أشكرك على هذا الشعور النبيل ولقد تأثرت كثيراً
عقد حاجبيه فى غضب وقال وهو يشير إليها : رغم اننى لم أرتكب أى خطأ فى حقك كما تدعين دوماً فأنت التى اختارت الطلاق وشعور ابنتك نحوك هو ناتج طبيعى لمعاملتك الجافة نحوها
قالت سميحة فى سخرية : حقاً ؟ هل تصدق تلك الأكذوبة التى ابتدعتها والدتك وزرعتها فى ذهن ابنتى ؟
ثم تحول صوتها إلى الصرامة الغاضبة : لا توجد فى هذه الدنيا أماً تحب ابنتها مثلما أحب ملك وأكبر دليل على ذلك اننى قضيت من عمرى عشر سنوات كاملة فى منزل لم أكره حياتى مثلما كرهتها فيه عشر سنوات لم أعش اكثر منهم كآبة وإحباطاً مع سيدة تكرهنى أكثر مما تكره أى شئ آخر ومع زوج لا يرى فى هذه الدنيا سوى صورته فى المرآة وكل هذا من أجل سعادتها ولم أقرر الطلاق إلا بعد أن وجدت أن استمرارى ليس منه أى فائدة ولن يحقق لها أى سعادة وإنما أعاملها بخشونة فى بعض الأحيان لأعادل التدليل الزائد الذى تدللونها به أنت وجدتها ولم تمتد يدى عليها سوى تلك المرة التى سبٌت فيها نجوى لحظتها خرجت عن شعورى ولم أدرِ ما الذى أفعله فلم أكن أحتمل أن أرى ابنتى تتجاوز كل حدود الأدب وهى تتحدث مع إنسانة تكبر أمها سناً بكل هذا الاحتقار واللامبالاة لم أحتمل أن أرى ابنتى تنشأ على هذه الطريقة البغيضة التى أكرهها فأى قسوة تتحدث عنها وأى جفاء تقصده ؟
تنهد خالد وقال فى ضيق : سميحة لم آتِ إليكِ الآن لنتحدث فى الماضى ونتبادل الاتهامات واللوم ولكننى جئت لنتحدث فى أمور خاصة بابنتنا ومستقبلها فهل نتحدث بهدوء ؟ أرجوكِ ؟
قالت فى برود : ما المطلوب منى بالضبط ؟
قال : سأسافر غداً بعد أن أنهى اجراءات تحويل ملك لمدرستها الجديدة وستأتى هى بعد غد للإقامة معكِ وستكون لديكِ الفرصة لتبادل وجهات النظر وإزالة الخلافات بينكما أما بالنسبة للمصروفات فسأرسل لكِ شيكاً شهرياً سيغطى كل احتياجاتها و...
قاطعته سميحة قائلة فى غضب : لا يا رجل الأعمال الناجح لست بيتاً للطالبات أو مدرسة داخلية مهمتها الحفاظ على البنت مقابل مبلغ من المال اننى أمها هل تدرك ذلك ؟ اننى أمها ومادامت ستعيش معى فسأتولى مسئوليتها كاملة وسأتحمل مصاريفها دون تدخل منك مثلما لم أتدخل أنا من قبل اتفقنا ؟
قال فى تهكم : اتفقنا ولكن هل تعلمين كم تنفق ملك شهرياً ؟
قالت فى حزم : اطمئن سأصلح ما أفسدته نقودك
هز رأسه وهو يقول متعجباً : لم تتغيرى أبداً يا سميحة
تجاهلت عبارته وهى تقول فى فتور : هل هناك شيئاً آخر ؟
قام فى سرعة ليقول : لا هذا كل شئ سأضطر للانصراف فملك بمفردها وسأراكِ بعد غد
قالت بجفاء : مع السلامة وأوصلته أمها إلى الخارج بينما جلست هى فى مكانها وهى لا تصدق أن ابنتها ستعود إليها أخيراً فعلى الرغم من الألم الذى تشعره لأنها لم تأتى إليها احتياجاً وانها جاءت مرغمة من أبيها وأنه سيمضى كثيراً حتى يحدث تقارب بينهما إلا أن ما تشعر به من فرحة اسطورية وسعادة لا يمكن وصفها يغطى هذا الألم ويتضاءل بجانبه أى عذاب يا إلهى أخيراً .. اخيراً
كان حفل خطبة سلمى جميلاً وبهيجاً لم يقتصر على الأسرتين بل امتد ليشمل جميع الأصدقاء سعاد وجمال وزملائهم فى العمل وأيضاً أصدقاء سلمى ونديم فكان أشبه إلى حفل زواج منه إلى حفل خطبة بسيط وقد ظلت سعاد طوال الوقت مشغولة باستقبال المدعوين والترحيب بهم وكذلك جمال فى حين جلست سلمى بجوار نديم وقد امتلأ وجهها خجلاً وارتباكاً بينما كان نديم يرمقها بنظرات الإعجاب والحنان كانت سميحة تتأمل ذلك فى سعادة غامرة وكم تعجب لحظتها من هذه السنين لاتى تمضى بسرعة كبيرة دون أن يشعر بها أحد انها لا تصدق أن سلمى طفلتها الصغيرة أصبحت عروساً جميلة قطع تأملاتها صوت سلوى اختها التى قالت : فيم أنت شاردة يا سميحة
أشارت مديحة باصبعها أمام فمها وهى تقول محذرة : لن نسمح لكِ بعد اليوم بالشرود فقد عادت إليكِ ابنتكِ وزالت متاعبكِ أليس كذلك ؟
التفتت سميحة إليهم وقالت بابتسامة حانية : لقد كنت أتامل سلمى وهى تجلس بجوار خطيبها: مازلت لا أصدق انها كبرت الآن وستتزوج
غمغمت سعاد فى آسى لا يتناسب مع الموقف : نعم لقد كبرت وستتزوج وستبعد عنى وينتهى دورى فى حياتها
قالت سميحة وهى تشير إلى أمها تجلس بجوار سلمى تعدٌل زينتها : وهل انتهى دور ماما بزواجنا يا سعاد ؟ لقد زادت مسئولياتها تجاهنا نحن وأولادنا
تابعت سلوى قائلة : دور الأم لا ينتهى أبداً يا سعاد
وجمت مديحة وقد تذكرت والدتها فى هذا الموقف وارتسم على وجهها بعض الحزن فربتت سميحة على يدها قائلة : لن نسمح لكِ بالشرود بعد الآن أنسيت قولك ؟
ابتسمت مديحة قائلة : ومن يمكنه الشرود وأنتم إلى جواره صدقينى يا سميحة أنتم أكثر من أهلى ارتفع صوت سمير يقول فى تهكم (( ياله من موقف مؤثر ...لن اتوقف عن البكاء ))
عقدت مديحة حاجبيها فى غضب وهى تتأمله فى حين قالت سلوى فى احتجاج : هذه جلسة نسائية يا سمير فلا تقحم نفسك فيها
قالت مديحة وهى ترمقه بنظرات ساخطة : لا تحاولى معه يا سلوى إنه يهوى ذلك لا يكاد يرانا مجتمعين حتى يفسد الجو بسخافاته
حاولت سميحة كتم ضحكاتها وهى تقول : حقيقى يا سمير لماذا تهوى الجلسات النسائية دوماً أهى عقدة أم ماذا ؟
جلس على إحدى المقاعد قبل أن يقول فى بساطة : ليست عقدة يا أختى العزيزة ولكننى لا احتمل الجلسات الجادة والمناقشات الحادة حول السياسة والحروب والاقتصاد والمال والمشاكل فأنا أرى كل ذلك يومياً فى الجرائد والتليفزيون كل يوم بصورة مكثفة وأنا دائماً أصاب بالتوتر منها تصورى معى إذن عندما أهرب من التليفزيون والجرائد إلى حفل أنيق كهذا ثم أجدنى فجأة وسط مناقشات حادة وهتافات وتحليلات لما يحدث حول العالم من حروب وقتل وقمع وجمال يتصور نفسه زعيماً لم يتوقف لحظة عن الهتاف وطبعاً زادت حدة الموقف بعد تدخل سامح واستفاضته فى وصف الأمراض المستعصية الحديثة والدخيلة علينا وكيف انها مشكلة المشاكل الآن وقد أخذت أنا أهتف فيهم وأستحلفهم بالله أن يتوقفوا عن هذا الحديث المثير وذكرتهم بالمثل القائل (( لكل مقام مقال )) واننا فى حفل وما يفعلونه بنا لا يصح أبداً ولا يعقل ولكن لم يستمع إلى أحد فما كان منى إلا أن فررت بجلدى من هذه الضجة قبل أن أفقد أعصابى
ابتسمت سعاد قائلة : فى هذه بالذات عندك حق يا سمير والآن سأترككم للترحيب بالمدعوين إننى أم العروس الآن
قال سمير وهو يقوم مقلداً إياها : وأنا سأترككم الآن لأمازح سلمى قليلاً
قالت له سعاد محنقة : سمير أترك سلمى الآن ولا تزيد ارتباكها وتوترها فهى لن تحتمل سخريتك اليوم بالذات
أشار إليها وهو يتجه بالفعل إلى حيث تجلس سلمى ونديم قائلاً : من قال هذا ؟
عضت سعاد على شفتيها فى غيظ فى حين انفجرت كلاً من سلوى وسميحة ومديحة فى الضحك .
(( تهانئى )).
