الفصل الثاني والعشرين
وفى منزل سامح ..كان محمود يجلس على مكتبه ومنهمك فى المذاكرة حين دلف كريم الى غرفتيهما وأخذ يتامله لحظات قبل ان يهتف فى سخط:-أتعلم ؟ أشعر بدهشة كبيرة من قوة اعصابك التى تمكنك من التركيز فى المذاكرة مع كل مايحدث حولنا
سأله محمود فى هدوء دون أن ينظر اليه:- وما الذى يحدث حولنا؟
أجابه كريم فى ضيق عصبى:- تلك الاوضاع المقلوبة فى الخارج وانقطاع النت والاتصالات ..وبابا غاضب جدا من انقطاع الاتصالات وقرر ان يمكث فى المستشفى لمتابعة الاوضاع وماما ترفض بشدة خروج ايا منا فى ظل هذة الظروف وانا لم اعد اطيق المكوث هنا بتلك الطريقة لا ادرى ما الذى يحدث بالخارج
قال محمود بنفس الهدوء:- وما الذى بيدنا لنفعله؟ انت واخذت اجازتك ولكن بالنسبة لى فليس عندى اى اجازات بالعكس لدى امتحانات اعمال سنة بعد اسبوعين
هتف كريم محنقا:- وهل لديك رغبة فى المذاكرة فى كل هذا؟
قال محمود ببساطة:- وهل بيدنا شىء اخر لنفعله؟
هتف كريم:- نعم..نخرج مثل هؤلاء الشباب الذين خرجوا
قال محمود فى هدوء:- لست مهتما بالسياسة ياكريم والا لدخلت سياسة واقتصاد ولكن اهتمامى الوحيد هو هذا...الطب ياكريم
قال كريم بحرارة:- لو شاهدت الاخبار لعلمت ان كل من بالخارج شباب عاديون مثلنا لاينتمون الى اى فصيل سياسى
طوى محمود كتابه وقال:- انت قلت بنفسك ان ماما ترفض الخروج بشدة فى ظل تلك الظروف فما بالك لو علمت برغبتك المشاركة فى الظاهرات ايضا فماذا ستفعل؟
عقد كريم حاجبيه وهم بقول شىء الا أن نرمين أقتحمت الغرفة هاتفة فى انفعال:- هل علمتما بما حدث؟
تطلع اليها الاثنان فى دهشة وسالها محمود فى دهشة:-ماذا حدث؟
قالت فى انفعال كبير وهى تشيح بذراعها:- ملك..نزلت المظاهرات ..لقد اتصلت بهم منذ قليل على التلفون الارضى فاجابتنى ام محمد أنها وطنط سميحة غادرو منذ الصباح ..نزلوا المظاهرات هل تصدقون هذا؟
أرتفع حاجبا محمود وهو يقول فى دهشة:- وطنط سميحة ايضا؟ كيف هذا
بينما قال كريم فى صوت ملؤه الحب والتقدير:- هذا متوقع منها
ثم اندفع مغادرا فساله محمود :- الى أين؟
قال كريم بلهجة قاطعة:- سأشارك مع الناس يامحمود
هتفت نرمين فى ذعر وهى تمسك بذراعه:- هل جننت ياكريم؟
قال فى حسم:- يجب أن نكون مع هؤلاء الشباب يانرمين لسنا بأقل منهم
تشبثت به وهى تقول فى رجاء:- أرجوك لاتفعل ..لاتخرج ياكريم
رمقها كريم بنظرة حانية وربت على يدها وهو يقول :- سانزل يانرمين ..من اجل مصر ومن أجل حبيبتى واندفع مغادرا فى سرعة وسط هتاف نرمين ومحمود الذى هتف:- انتظر ايها المجنون...ولكن كريم غادر المنزل دون أن يلتفت وراؤه فأجهشت نرمين بالبكاء الحار
التفت اليها محمود وربت على كتفها فى حنان:- لاتقلقى عليه يانرمين سيعود سالما ان شاء الله ..لاتقلقى
قال هذا وهو يشعر بقلق لا حدود له على اخيه الوحيد
******************
الجمعة صباحا
أنهت سلوى مكالمتها ثم التفتت الى أمها هاتفة:- مجنونة هى ابنتك سميحة ..ما الذى دعاها للخروج فى المظاهرات هى وابنتها؟ أهذا معقول؟
صمتت نبيلة هانم ولم تجيب بينما بدا على وجهها كل معانى القلق
فتابعت سلوى فى سخط:- الدنيا مقلوبة فى الخارج ياماما...فى طريقنا من بورسعيد الى هنا وجدنا عشرات من عربات الامن المركزى ..هناك استنفار أمنى كما لم أرى من قبل
غمغمت نبيلة هانم فى لهجة حاولت جعلها متماسكة:- لست ادرى كيف فكرت أختك بالامر ولكن كل مانملكه أن ندعوا لها بان تعود سالمة
تدخل حازم قائلا فى لوم:- سلوى لاتقلقى طنط سميحة بكلامك ولا تبالغى فى الامر هذا طبيعى وجود الامن المركزى لوجود المظاهرات وطالما هى مظاهرات سلمية لن يتعرضوا لهم
هتفت سلوى فى عصبية:- حقا؟ وماذا عن صديقة ملك التى قتلوها وعشرات غيرها من خيرة الشباب..
رمقها حازم بنظرة محذرة بينما زفرت نبيلة هانم فى قلق فأشاحت سلوى بذراعها فى سخط وقامت قائلة:- هكذا هى سميحة تفعل كل ما برأسها دون الرجوع الى أحد وكذلك ابنتها مثلها..سأذهب لأستريح من عناء الطريق
تابعها حازم فى غضب بينما التفت الى حماته وقال:- أطمئنى يا طنط نبيلة الوضع ليس بهذا السوء..لا تسمعى لكلام سلوى
قالت نبيلة هانم فى توتر:- لا احتاج لكلام سلوى لكى أشعر بالقلق على سميحة وابنتها ياحازم...خصوصا بعد انقطاع الاتصالات وعدم معرفتى بما يحدث لهما الان...لقد خرجا منذ صباح البارحة
قال فى ثقة:- لن يدوم قطع الاتصالات كثيرا أنه اجراء عقيم يدل على عدم حكمة وياس النظام وقرب انهياره أيضا
اتى سمير وقال فى تعجل:- هيا يا حازم ..حان موعد الصلاة
هتفت سلوى من الخارج:- لما لاتصلوا هنا؟ ...الدنيا بالخارج مقلوبة
هتف سمير فى سخط:- سلوى أصمتى قليلا ..منذ اتيتى وانتى تثرثرين وتصرخين وكأن الحرب على الابواب .ماذا هناك .؟هل سنمتنع عن الصلاة ايضا حتى تستريحين؟
اتاه صوتها الغاضب :- انتم احرار
التفت هو الى حازم وقال فى غضب:- هيا ياحازم قبل ان تفقدنى زوجتك صوابى..ياللنساء
قال حازم مبتسما:- حتى تعلم ما اعانيه منها
هتف سمير:- كلهم كذلك حتى مديحة منذ الصباح وهى تحذر وتولول وكأننا على شفا حرب..ماهذا التفكير
قالت امه مؤنبة:- من الطبيعى أن نشعر بالقلق ياسمير ..هل أنت مطمئن واختك وابنتها لا نعلم عنهما اى شىء؟
قال سمير فى ضيق عصبى:- لا بالطبع ياماما ولكن سميحة ليست صغيرة ومادامت قد قررت الخروج فهذا شأنها وليس بيدنا مانفعله ...
ثم غادر هو وحازم بينما جلست نبيلة هانم وقلبها يمتلىء قلق على ابنتها
******
بالطبع كان يوم الجمعة يوما فاصلا فى تاريخ الثورة المصرية سمى فيما بعد بجمعة الغضب..بعد صلاة الجمعة خرجت الجماهير الغفيرة يهتفون وينددون وتزايدت الاعداد وأزداد الكر والفر بين المتظاهرين وقوات الامن وسقط الشهداء بالعشرات وأمتلىء الجو بدخان القنابل المسيلة للدموع
ووسط كل هذة الفوضى أفاقت سميحة وأخذت تتطلع ألى الوجوه التى تحيط بها وتعرفت وجه ابنتها التى تهتف وهى تهزها بقلق بالغ ووجه صديقتها نهلة التى ارقدتها على قدمها فسعلت بشدة قبل ان تهتف:- ماذا حدث بالظبط؟
أبتسمت نهلة وقالت مطمئنة:- الحمد لله انك بخير..لقد قذف احد جنود الامن المركزى قنبلة مسيلة للدموع فى اتجاهنا وفقدتى الوعى
وضعت ملك كمامة مبللة بالكولا على انفها وفمها وهى تقول فى قلق بالغ :- هذة ستقلل من اعراض تلك القنابل الدخانية
هتفت سميحة وهى تسعل :- اى جحيم هذا؟ أننى اشعر ان صدرى وعيناى يحترقان
قالت صديقتها نهلة وهى تسندها:- ستزول هذة الاعراض أطمئنى والحمد لله اننا بخير حتى هذة اللحظة
قالت سميحة فى انفعال غاضب:- أهى حرب؟ اننى لم اكن اتصور الوضع هكذا؟
اومأت نهلة برأسها ايجابا فى أسف:- نعم انها كذلك يا سميحة ورغم ان المظاهرات سلمية تماما الا أن الامن يتعامل كالعادة بعنف شديد ...لقد نزلت من البداية ورأيت بعينى شباب مثل الورد يسقطون بالرصاص الحى والخرطوش وهناك من تم سحقه تحت عجلات السيارات المصفحة
وجمت ملك وهى تتذكر صديقتها الشهيدة منى وانهمرت الدموع من عينيها فتطلعت اليها نهلة فى دهشة الى التفتت الى سميحة فى تساؤل فقالت سميحة بحزن:- لقد أستشهدت صديقتها المقربة اول البارحة برصاصة وهذا سبب نزولها ونزولى معها
التفتت نهلة الى ملك وربتت على يدها مواسية وهى تقول:- لا تحزنى عليها ياحبيبتى ..انها شهيدة ولو صدق أحساسى بتلك المظاهرات فسيزول بها ذلك النظام الفاسد وسناخذ بثارها هى وكل الشهداء
مسحت ملك دموعها بيدها فقالت سميحة وهى تشير الى نهلة:- طنط نهلة ياملك صحفية جريئة ذات قلم صادق محايد طول عمرها ..هى التى قامت بتلك الحملة الصحفية ضد النادى الذى تم فيه الاعتداء عليك بالضرب واقامت الدنيا عليه بسبب مقالاتها
قالت ملك بتقدير:- تشرفت بمعرفتك
ربتت نهلة على كتفها قائلة فى اعجاب:- أنا التى تشرفت بك ..ومعجبة كثيرا بشخصيتك ياملك وكنت اتمنى لو أن لى أبنة مثلك ولكن الصحافة أخذت كل حياتى ولم تترك لى الوقت لحياة أسرية مستقرة
قالت سميحة:- هذة ضريبة النجاح
أبتسمت نهلة قائلة:- على رأيك...عموما ماذا سنفعل الان؟ هل سنقضى الوقت كله فى المسجد؟
قالت ملك:- سنخرج ثانية بعد أن نطمئن على مامى
قالت سميحة فى هدوء:- لا ياملك نحتاج الى الراحة قليلا ثم أننى أريد الاتصال بجدتك لأطمئنها علينا لابد أنها فى شدة القلق الان
قالت نهلة:- بالفعل ..مارأيكم نعود الى منزلى فهو قريب من هنا ..فانا احتاج لأن أخذ حمام وابدل ملابسى لأذهب الى الجريدة وانتى ياسميحة قومى بالاتصال بطنط نبيلة من هناك وارتاحى قليلا
صمتت سميحة لحظات فى تفكير بينما قالت ملك:- حسنا أذهبوا أنتم وانا سأبقى هنا مع الناس
قالت سميحة فى حزم:- لا لقد وافقت على نزولك بشرط واحد وهو أن أرافقك طوال الوقت ولن اتركك هنا وحدك مهما حدث؟ سنذهب الى منزل طنط نهلة نستريح قليلا ونتصل بجدتك وسننزل ثانية
قالت نهلة ضاحكة بطريقة لاتتناسب مع الموقف:- لسنا شباب مثلك ياملك .نحن عظمة كبيرة تحتاج الى الراحة لابد ان تراعى ذلك
أبتسمت ملك على الرغم منها وقالت:- حسنا سنذهب معا
وقاموا مغادرين
*****
عصر الجمعة
رن جرس الهاتف فى منزل نبيلة هانم فأسرعت اليه سلوى وماأن سمعت صوت محدثتها حتى هتفت فى لهفة:- سميحة؟
أشرأبت اعناق الجميع الى الهاتف فى ترقب وخصوصا نبيلة هانم فى حين هتفت سلوى فى قلق:- من اين تتحدثين ياسميحة واين انتى؟
اجابتها سميحة مطمئنة:- اننى اتحدث من منزل نهلة صديقتى
سألتها سلوى:- نهلة الصحفية؟
قالت سميحة :- نعم هى ...
هتفت سلوى مؤنبة:- حسنا ماالذى دعاك الى النزول فى المظاهرات؟ كيف تفعلين هذا ؟ الا تعلمين مانحن فيه من القلق الان؟ وخصوصا ماما؟كيف تفكرين ياسميحة بالله عليكى
قالت سميحة فى هدوء:- اننى بخير ياسلوى لاتقلقوا علينا لقد اتصلت لأطمئن ماما ..أخبريها اننا بخير وسلمى لى عليها مع السلامة
هتفت سلوى:- انتظرى ..الن تعودى الى المنزل؟ هل ابعث اليك حازم وسمير ليأخذوكى؟
قالت سميحة بحزم:- لا لن اعود الان سأنزل الى الميدان ثانية لقد اتيت فقط لاطمئن ماما...
هتفت سلوى:-ماذا قلتى؟ هل ستنزلين ثانية؟ هل جننتى
قالت سميحة فى حزم:- بالطبع ياسلوى..لن اتراجع عن هذا مهما حدث فقط اخبرى ماما اننى ساتصل كل يوم لأطمئنها مع السلامة
وقبل ان تهتف سلوى ثانية وضعت سميحة سماعة الهاتف
فالتفتت سلوى اليهم مشدوهة قبل ان تهتف بها امها :- اعطينى اياها يا سلوى
قالت سلوى:- لقد اغلقت الهاتف ...سميحة جنت بالتأكيد
سألتها امها:- من اين تتحدث ؟
اجابتها سلوى وهى تجلس:- من منزل صديقتها نهلة...تقول انها ستنزل ثانية
سألتها امها ثانية فى قلق:- أهى بخير هى وملك؟
اجابتها سلوى :- نعم ياماما هى بخير وتقول انها ستقوم بالاتصال بك يوميا ولا تريدك ان تقلقى ..ولكننى اريد ان افهم ما الذى تنتوى فعله؟؟ هذا جنون
زفرت نبيلة فى قلق بينما تدخلت مديحة قائلة:- فى الحقيقة ماتفعله سميحة ليس جنون بل هو عين العقل...لا بد من خروج الجميع مع هؤلاء الشباب
رمقتها سلوى مستنكرة وقالت:- انتى ايضا يا مديحة؟
قالت مديحة فى حسم:- نعم انا ايضا اليست هذة بلدنا ونحبها ؟ ام انك راضية عن هذة الاوضاع المتردية حولنا؟
هزت سلوى كتفيها وقالت:- بالطبع لست راضية ولكن ماذا ستفعل المظاهرات؟ كل ماسيحدث هو اعتقال الشباب وضربهم وقمعهم وسميحة جربت هذا سابقا مع ابنتها فهل من العقل ان تكرره ثانية
قالت فى مديحة فى ثقة:- ليس هذة المرة يا سلوى الامر يختلف ...اليومين السابقين اوضحا أن المظاهرات هذة المرة ليست مثل كل مرة..صدقينى
غمغمت سلوى:- ربنا يسترها يامديحة...ربنا يسترها
*******
وعلى مائدة الغذاء جلست سعاد تتامل سلمى التى نظرت الى الطعام فى شرود وبلا شهية فسألتها:- سلمى أن تتناولى شيئا؟ هل ستنظرين فقط الى الطعام هكذا؟
قالت سلمى وهى تشير بيدها:- ماما تعلمين اننى اشعر بالغثيان ولا ارغب فى تناول الطعام
قالت سعاد معترضة:- وماذا عنى؟ هل ساكل وحدى؟ يكفى ان والدك واخيك منذ خرجا للصلاة لم يعودا الى الان لست ادرى لماذا تأخرا هكذا
مطت سلمى شفتيها قائلة:- ماما..أشعر بقلق كبير على طنط سميحة وملك
زفرت سعاد وقالت :- انا ايضا اشعر بقلق عليهما ولكن بعد اتصالها بجدتك اطمئننت قليلا
خالتك سميحة غريبة يا سلمى طوال عمرها تفعل مايطلع برأسها حتى ولو كان غريبا دون استشارة احد...وملك ابنتها ورثت كل طباعها...يومين كاملين خارج منزلها هى وابنتها ويجريان فى الشوراع اهذا معقول
قالت سلمى فى لهجة تحمل لوما:- لا اعتقد ان ماتفعله طنط سميحة غريبا او خطئا يا ماما ...بل تصرف جرىء تحمد عليه وكنت اتمنى لو استطعت ان افعل مثلهما
هتفت سعاد بانفعال :- بل تصرفت برعونة كعادتها دون التفكير فى العواقب او فى مشاعر احد ..جدتك تكاد تموت من القلق عليها وهى تتصرف كالمراهقين ..صدق خالك سامح فى قوله اخر مرة
قالت سلمى فى اصرار:- ولكننى لا أرى ذلك ياماما
قالت سعاد فى حنق عصبى:- هذا لأن خالتك سميحة دوما فى نظرك مثالية لا يمكن أن تخطأ أبدا ..اليس كذلك؟
تأملت سلمى أمها فى دهشة ثم قالت:- لماذا أنتى عصبية هكذا؟
هتفت سعاد وهى ترفع الاطباق :- لاشىء ومادمتى لن تأكلى معى فليس لى انا الاخرى رغبة فى الاكل ثم اسرعت الى المطبخ فراقبتها سلمى لحظات فى دهشة قبل أن تلحق بها قائلة:- ماذا بك ياماما؟
هزت سعاد رأسها قائلة:- لاشىء
قالت سلمى فى رفق:- لا شىء كيف؟ الااعرفك؟ أنتى قلقة عليها اليس كذلك؟
زفرت سعاد وقالت فى توتر:- وهل يحتاج هذا الى كلام؟ سميحة لديها ازامة تنفس تأتيها من حين لأخر دون معرفة السبب قيل انه نفسى ولكن مع هذا الدخان الذى يملأ الجو لن تحتمل...ماذا لو حدث لها شىء ؟ وما يزيد الامر سوءا أنها التصقت بصديقتها الصحفية وهذة صحفية تلاحقها المشاكل فى كل مكان واينما ذهبت فبما بالك بظروف كهذة؟ ماذا لو حدث لها شىء ..اننى لن أحتمل هذا
تهدج صوتها وهى تنطق هذة الكلمة فوضعت سلمى يدها على كتفها وقالت :- لن يحدث لها شىء ان شاء الله ياماما..ستعود سالمة..لاتقلقى
قالت سعاد وهى تقاوم دموعها:- حين تعود سيكون لى معها كلام
أبتسمت سلمى قائلة:- كم أنتى حنونة ياماما ..حتى فى عصبيتك؟ حسنا ما رأيك ان نتناول كوبين من الشى معا لتهدئى اعصابك مادمنا لم نفطر؟
قالت سعاد:- ما رأيك أنتى لو ذهبنا الى جدتك لنطمئن عليها مادام ليس لدينا عمل اعتقد أننى ساخد اجازة هذة الايام
قالت سلمى :- فكرة جيدة..أريد رؤية فدوى وطنط سلوى ايضا
قالت سعاد:- حسنا اذهبى لتبدلى ملابسك وانا سأغير لنونا ملابسها
*******
مساء الجمعة:28 يناير
سادت البلاد حالة من الفوضى الامنية بعدما أنهار الامن وحدث مايشبه انفلات امنى متعمد بعدما فتحت السجون على مصراعيها أمام المساجين وخرج مئات البلطجية لترويع الامنين والسرقة والنهب ...كانت خطة شيطانية لترويع الناس والهاؤهم عن المظاهرات وايضا كانت عقاب لهم...ربما كانت اخر كروت النظام الفاشل وساد حالة من الفزع بين الناس فلأول مرة فى مصر يحدث هذا ولكن الشباب المصرى الرائع قدم نموذج نادر للعالم كله بتكوين لجان شعبية فى كل مكان لحماية الممتلكات وبسرعة خرافية وبتنظيم مذهل ...ومثل كل البيوت المصرية وفى منزل سامح كانت اصوات الطلقات النارية قريبة منهم مماجعل نرمين تطلق صيحة فزع فهتفت نورهان فى عصبية وتوتر بالغين وهى تتحدث فى الهاتف مع زوجها:- سامح ماالذى تفعله عندك؟؟؟عد الى المنزل الان
هتف سامح فى تعجل:- ليس الان يانورهان هناك اصابات كثيرة تصل الى المستشفى ولا بد من متابعة الحالات..ساتصل بك لاحقا اننى مشغول الان
همت بالاعتراض ولكنه أغلق الخط بوضعت السماعة ثم التفتت الى محمود ونرمين وهى تهتف فى غضب:- اريد ان اعرف اين أخوكم ؟اين ذهب؟ألم أنبه على الجميع بعدم الخروج من المنزل؟ ولكن بالطبع لقد أصبحتم تسمعون كلامى من أذن وتخرجونه من الاذن الاخرى
قال محمود ببعض التوتر محاولا تهدئتها:- أهدئى ياماما ..لقد خرج لشراء بعض المستلزمات ولابد انه فى الطريق الى المنزل.سيكون كل شىء على مايرام
صرخت فى ثورة:- تقول لى هذا منذ ساعتين ..أين أخوكم؟
سمعوا الطلقات النارية مجددا فهتفت نورهان وهى تتجه الى غرفتها:- ما هذا الذى يحدث..هذا جنون
زفر محمود وهو يقول فى توتر:- ما العمل الان؟ ترى ماالذى يفعله كريم وكيف حاله...لو عرفت ماما بنزوله المظاهرات ستنهار
هتفت نرمين فى ذعر:- أننى قلقة عليه جدا يامحمود ماذا سنفعل؟
هز كتفيه وقال فى قلق:- ما الذى بيدنا لنفعله ؟ربما لو عادت الاتصالات لعرفنا اين هو
اتجه الى الباب فهتفت مذعورة وهى تسرع اليه:- الى اين انت ذاهب؟
غمغم فى عصبى:- سأتأكد من اغلاق البوابة والنوافذ الخارجية لا تقلقى
قالت فى خوف وهى تلتصق به:- ساذهب معك..انا خائفة
قال فى ضيق:- مما انتى خائفة؟ يا الهى
وقبل ان يكمل جملته رن جرس الباب فأسرعت تقول:- لاتفتح..لاتفتح لأحد
فى حين اتت نورهان فى سرعة ولهفة لترى القادم وانعقد حاجباها حين وجدت عمر الذى اسرع اليهم قائلا:- مساء الخير
تهللت اسارير نرمين وغمغمت بارتياح:- عمر
بينما رحب محمود به قائلا:- اهلا وسهلا ياعمر..تفضل
جلس عمر ببساطة على احدى المقاعد وهو يسألهم فى اهتمام:- كيف حالكم؟
قالت نرمين فى لهفة:- الحمد لله أنك أتيت
ابتسم لها فى حنان بينما رمقتها امها بنظرة نارية قبل ان تقول فى توتر:- الحمد لله ..كيف حالك انت
قال عمر:- فى الحقيقة بعد تداعى الاحداث وهروب المساجين شعرت بالقلق عليكم فقلت امر لأطمئن
ابتسمت نرمين فى سعادة بينما قالت نورهان فى حزم:- ليس هناك مايدعوك للقلق
قال عمر فى دهشة:- كيف هذا ياطنط نورهان؟ الم تسمعى صوت الرصاص؟ البلطجية فى كل مكان يسرقون وينهبون وقد قام الشباب بعمل لجان شعبية لحماية الممتلكات
زفرت نورهان هاتفة:- هذة فوضى ..فوضى كبيرة
قال عمر:- فكرت أن اخذكم الى منزل تيتة نبيلة فهنالك المنطقة عامرة بالسكان كما ان المنزل فى شارع طويل له بداية ونهاية وسهل حمايته بعكس هنا ما رأيكم؟
هتفت نرمين فى حرارة :- اوافق على ذلك
بينما قالت نورهان فى ضيق:- لا داعى لتعبك لن أغادر منزلى
قال محمود معترضا:- ماما هذا قرار صائب..بابا ايضا طلب منى هذا
قالت نورهان فى اصرار:- لن أغادر المنزل قبل رجوع أخيكم من الخارج
سألهم عمر فى اهتمام:- هل خرج كريم
قالت نرمين :- نعم منذ الصباح ولم يعود الى الان
ظهر القلق على ملامح نورهان فقال عمر مطمئنا:- حسنا ياطنط نورهان ان شاء الله سأذهب لابحث عنه ولكن لن يفيد وجودكم هنا شيئا ..أرجوكى وافقى فالفيلا هنا منعزلة نوعا ما ومن السهل مهاجمتها
صمتت نورهان فى تفكير لولا ارتفع صوت اطلاق النار ثانية فهتفت نرمين فى فزع:- مامى ارجوك هيا نغادر الان
غمغمت نورهان:- حسنا ..سأعد حقيبتى..قامت الى غرفتها
التفت عمر الى محمود قائلا:- سأذهب لادير السيارة وتأكد انت من احكام اغلاق المنزل
سأله محمود فى قلق:- ماذا لو تعرض لنا احد فى الطريق؟
قال عمر فى ثقة وهو يشير الى جيبه:- اطمئن فمعنا هذا...مرخص على فكرة
ارتفع حاجبا محمود لحظة فى دهشة وهو يتأمل المسدس قبل ان يقول:- حسنا هيا بنا
*******
صباح السبت
رن جرس الهاتف فى منزل سميحة فاتجهت اليه نجوى فى لهفة وقالت:- الو
اتاها صوت خالد :- كيف حالك يانجوى
هتفت نجوى مبتهجة:- خالد بيه..اهلا وسهلا
اجابها فى تعجل:- أعطينى سميحة هانم
قالت فى تردد :- انها ليست موجودة
سألها فى اهتمام:- اين هى
أجابته:- لقد خرجت
سالها:- وملك اليست موجودة ايضا؟
صمتت نجوى لحظات قبل ان تقول:- لقد خرجت ايضا
سألها فى دهشة:- اين ذهبتا؟ الى طنط نبيلة؟
قالت :- لا
عقد حاجبيه وقال فى قلق:- اين هما أذن؟اجيبينى
قالت فى توتر وهى تبتلع ريقها:- لقد خرجتا فى المظاهرات من اول البارحة
انتفض واقفا من مقعده وهو يهتف:- ماذا؟ كيف هذا
قالت نجوى فى توتر:- نعم ياخالد بيه ولكن اطمئن سميحة هانم تتصل يوميا لتطمئنا ..هى بخير والانسة ملك ..هما تقيمان فى منزل صديقتها الاستاذة نهلة
هتف فى غضب:- ايضا؟ عال عال
همت بأن تقول شيئا ولكنه رضع سماعة الهاتف وهو يهتف :- مجنونتان..لقد تزوجت مجنونة وأنجبت مثلها
ثم التقط تليفونه المحمول وطلب مدير اعماله وما ان اته صوته حتى هتف فى لهجة أمرة:- أريد حجزا على اول طائرة الى القاهرة...لا وقت للشرح الان فقط نفذ ما أقوله
وضع السماعة وزفر فى قوة وفى غضب
****
ما أن أنهى سامح عملية القيصرية وخرج من غرفة العمليات حتى أستقبله الدكتور اسامة المدير الادارى للمستشفى الذى أبتدره هاتفا:- دكتور سامح أريدك فى الاستقبال الان
سأله سامح فى اهتمام:- لماذا؟ ماذا هناك؟
أشار الدكتور اسامة بيده فى توتر وهو يقول:- الاستقبال مقلوب تقريبا ..هناك حالات اصابات كثيرة اتت من الميدان ومن شوارع القاهرة ..أصابات بالرأس والصدر والعيون والمستشفى كما تعلم لجراحات اليوم الواحد والولادات وليست مؤهلة لهذا النوع من الاصابات
قال سامح وهو ينزل معه:- حسنا سنرى مايمكننى فعله
وما ان نزل الى الاستقبال حتى اتسعت عيناه..فقد كان مقلوبا بالفعل ..حالات كثيرة مصابة والدماء تملأ المكان مع صيحات الالم والحزن فغمغم:- يا الله
ثم التفت الى الدكتور اسامة وقال:- حسنا دعنا نقدم لهؤلاء الشباب كل مايمكننا من رعاية
هتف اسامة متعجبا:- كيف؟ كما أخبرتك امكانيات المستشفى لن تسمح
هتف سامح:-اعلم وسنفعل كل ما بيدنا ..فلو تم تحويل هذة الحالات لمستشفيات الحكومة سيتم القبض عليهم وسيتعرضون للايذاء وهذا هو سبب مجيئهم الى هنا ولذلك دعنا من الروتين الان ولنفعل ما يتوجب علينا فعله تجاههم وان خالف هذا كل القواعد والقوانين
قال اسامة مستسلما :- حسنا ماذا سنفعل
قال سامح فى حزم وفى لهجة امرة:- اريد فرقة من أمهر الممرضين والممرضات هنا طوال ال24 ساعة واطباء النواب لدينا لاستقبال الحالات وسأعطيك قائمة بأسماء اطباء اصدقاء لى فى عدة تخصصات جراحة العيون والقلب والصدروارقام تليفوناتهم اجعل اى احد من السكرتارية يقوموا بالاتصال بهم فورا كما اريد من كل العاملين هنا والاهالى التبرع بالدم فما لدينا من دم لن يكفى لمواجهة هذا الكم من الاصابات
قال اسامة:- وهل سيفلح هذا
أجابه سامح وهو يتجه لفحص أحد المصابين:- نأمل هذا..على الاقل نعمل على استقرار الحالة ومنع تدهورها
وما أن تم جملته حتى لمح كريم يهرول مع مجموعة من الشباب يحملون شابا مصابا فاسرع اليه وهتف فى قلق:- كريم؟حمدا لله على سلامتك يابنى هل انت بخير؟
هتف كريم متناسيا فرحة لقاؤه بأبيه:- نعم يا بابا انا بخير ولكن أرجوك أنقذه
هتف سامح وهو يشير اليهم :- حسنا أدخلوه الى هناك
*******
(الى اين انتى ذاهبة؟))
هتفت سميحة متسائلة وهى تتأمل نهلة التى أخذت حقيبتها تتهيأ للانصراف
أجابتها نهلة مبتسمة فى بساطة:- الى اين؟ الى جريدتى بالطبع هل نسيتى أننى صحفية واعلامية؟ ثم أن لدى اشرطة لابد أن افرغها ولقاءات ومقالة يجب ان ارسلها الى الجريدة ثم ان لدى لقاء على الهواء بعد عدة ساعات ولابد أن استعد لهذا
اومأت سميحة برأسها وقالت متفهمة:- نعم..كان الله معك أذهبى ولكن خذى بالك من نفسك
أعطتها نهلة مفتاحا وقالت:- خذى هذا...نسخة من مفتاح شقتى اذا اردتى العودة فى اى وقت للراحة ..أذهبى وانا حين انتهى سألحق بكم تصرفى كأنه منزلك يا سميحة تماما..أتفقنا
ابتسمت سميحة وقالت:- اتفقنا ولكن اذا سمحت لنا ملك اساسا بالعودة فهى تريد الاقامة هنا طوال الوقت
القت نهلة نظرة على ملك التى أفترشت الارض مع مجموعة من الشباب يتحدثون فى حماس وقالت فى حنان :- أنها تشعر بالحماس مثل بقية شبابنا الرائع ...ربنا يحفظها لك ياسميحة..خذى بالك منها
ابتسمت سميحة وقالت:- أننى افعل مابوسعى ..أذهبى انت ربنا معك ولا تنسى أن تذكرى ماتعرضنا له اليوم.
قالت نهلة فى حماس وهى تشير الى رأسها:- أطمئنى ..كل شىء محفوظ هنا مع السلامة
ودعتها سميحة ثم التفتت الى حيث ملك واصدقاؤها قبل أن تتجه اليهم قائلة:- هل يمكنكم اعارتى لوحة بيضاء والوان
فهتف احدهم بحماس:- بالطبع
وماهى الا لحظات حتى اتى لها بمجموعة الواح بيضاء والوان فسألتها ملك فى فضول:- ماذا ستفعلين يامامى هل ستكتبين؟
أخذت سميحة الالوان واللوحات وجلست على الارض وقالت :- سامارس هوايتى القديمة فى رسوم الكاريكتير ..وسترين رسوم امك..وأنهمكت فى الرسم بكل حماس
******
بعد أن رفعت اطباق الافطار وقفت فدوى فى المطبخ تغسل الاطباق وهى تغمغم فى عدم رضا:- لست أدرى لماذا تطلب منا تيتية البدء فى اعداد الغذاء اذا كان الافطار لم يمسه أحد
قالت نرمين فى غيظ:- أنه الروتين فحسب كلما رأتنا تيتة امامها تأمرنا بفعل شىء ما وكأنه ليس من المفروض ان نجلس بدون عمل ...بعد ذلك سألبس طاقية الاخفاء حتى لاترانى
قالت فدوى مبتسمة:- انها تريد اعدادنا لنكون زوجات المستقبل ...لابد أن تكونى ممنونة لذلك
هزت نرمين كتفيها وقالت:- لا أحتاج الى ذلك فعمر حبيبى سعيد بى هكذا دون اى اضافات
رمقتها فدوى بنظرة غيظ:- فتابعت نرمين فى هيام:-اتعلمين يافدوى لقد أوحشنى كثيرا رغم أنه لم يمر على فراقنا سوى الليل فقط..ترى هل يفكر بى الان؟
قالت فدوى من بين أسنانها:- لا..من المؤكد أنه يغط فى نوم عميق بعد سهره طوال الليل فى اللجان الشعبية مع بابا واونكل سمير ومحمود
تنهدت نرمين قائلة:- أذن لابد أنه يحلم بى الان
هتفت فدوى مغتاظة:- اتعلمين أنه ليس لديك أى دم وهذا ليس وقتا مناسبا لميوعتك تلك؟ الدنيا مقلوبة بالخارج وتيتة تكاد تموت قلقا على طنط سميحة وملك وكريم ووالدتك عيناها منتفختين من السهر والبكاء لقلقها على كريم هذا غير طنط سعاد وقلقها لخروج سراج ايضا فى المظاهرات وانت وسط كل هذا لاتفكرين الا فى فارس احلامك؟
أشارت اليها نرمين قائلة:- شكرا جزيلا لك ..عرفتى كيف تعكرين صفوى جيدا
قالت فدوى:- أننى لا احاول تعكير صفوك ولكننى فقط أنبهك للواقع
هتفت نرمين :- ومن قال اننى لا اعرف ..أننى فقط احاول التركيز فى جانب أخر كيلا ينفجر رأسى وحضرتك بالطبع لم يرضيك هذا ...عموما أنا فى الشرفة حين تنتهى من اعمالك تلك وافينى هناك
هتفت فدوى محتجة:- انتظرى هنا..اننى لم انته بعد من غسيل الاطباق ألن تساعديننى
قالت نرمين وهى تغادر المطبخ:-هذة هى عقوبتك على مافعلتيه
رمقتها فدورى بنظرة سخط قبل ان تزفر وهى تعاود غسيلها ثانية وتغمغم فى قلق:- يارب اعد سراج الينا سالما وكل شاب بالخارج..يارب استرها على بلدنا
*****
وبينما جلست كلا من نورهان ومديحة وسعاد وسلوى مع نبيلة هانم يحتسون الشاى رن جرس الهاتف للمرة الخامسة على التوالى فقامت نرمين مسرعة اليه وما أن سمعت صوت محدثها حتى هتفت فى فرحة كبيرة:- كريم؟ أهو أنت ؟اخيرا...أين أنت .؟من اين تتحدث؟
ما أن سمعت نورهان كلمة كريم حتى هبت من مقعدها وأختطفت الهاتف من يد نرمين وهى تهتف:- كريم أين أنت؟ ..كيف حالك ؟اخبرنى من اين تتحدث ؟
اجابها فى هدوء:- أنا بخير ياماما أطمئنى
هتفت :- حسنا من أين تتحدث
أجابها:- من مستشفى بابا
هتفت فى قلق:- هل انت بخير أخبرنى بالحقيقة
قال:- أننى بخير ياماما أطمئنى أخبرنى بابا انك قلقة على فأتصلت لأطمئنك
هتفت به:- عد الى المنزل ..الان
قال فى حزم:- لن أستطيع ياماما ليس الان
هتفت به غاضبة:- ماذا تقول؟؟قلت لك عد الان يكفى انك غادرت المنزل بدون أذنى ...يكفى الى هذا الحد
قال فى لين:- أرجوك ياماما..لن أستطيع العودة ولا تغضبى منى لكن البلد فى حالة ثورة والشباب يسقطون وانا لست بأقل منهم ولن أتراجع..اننى مصرى مثلهم
أرادات ان تصرخ فى ثورة ولكن دموعها خانتها فقالت فى صوت مختنق:- أننى أخاف عليك ..هل تفهم هذا ..اخاف عليك ولا اريد أن افقدك الا تفهم ياكريم
قال فى رفق:- أفهم ولكن اريدك ايضا ان تتفهمى موقفى ..كل شاب يسقط شهيد امامى او مصاب يزيد من اصرارى على المواصلة ..لا تغضبى منى وسأتصل بك دوما لاطمئنك ان شاء الله
مع السلامة
صرخت نورهان:- كريم عد..قلت لك عد
كان قد أغلق الهاتف فأجهشت بالبكاء
فتبادلت سلوى مع مديحة النظرات بينما قامت نبيلة لتجلس الى جوارها قائلة:- أطمئنى يانورهان..لن يصيبه أذى ان شاء الله وسيعود سالما ...الوضع أصبح اكثر استقرارا الان
هتفت نورهان باكية:- كيف هذا والامن ليس موجود والبلطجية فى كل مكان لن أطمئن عليه حتى اراه امامى
ربتت نبيلة هانم على كتفها وقالت مغالبة قلقها:- يجب أن تفخرى به يانورهان فهو وغيره من شباب مصر يفعلون ماعجز عنه الجميع ...يكفى انهم كسروا حاجز الخوف الذى قيد المصريين كثيرا
هتفت نورهان:- ليس لى شأن بكل هذا اريد ابنى فقط
تدخلت سعاد قائلة:- احمدى ربنا انه بخير وطمئنك عليه..ماذا افعل انا يانورهان وانا لا اعلم شيئا عن ابنى
زفرت نبيلة هانم فى قلق بينما قالت سلوى:- على الاقل اطمئننا على سميحة بعدما اخبرنا زوجها انه ذاهب اليها...من المؤكد انه سيذهب بجيش من الحرس الخاص
التفتت اليها امها وقالت فى لوم:- هل سيغنى هذا من أمر الله شيئا ياسلوى؟
قالت سلوى:- لا اقصد ذلك ياماما على الاقل سيقنعها بالعودة الى المنزل
تابعت سعاد:- هذا ان نزلت سميحة على رغبته ولكن أحساسى انها ستتمسك بالبقاء وقد يتشاجرا ويكتمل الامر
قالت مديحة فى حيرة:- لست ادرى ما الذى نمر به..أهو خير بالفعل ام ان الامور تتدهور ..لم اعد أدرى
قالت سلمى :- بل هى صحوة عربية شاملة وثورة عظيمة لا بد ان نشجعها جميعا لايمكن أن يأتى أسوا مما مر بنا
رمقتها نورهان بنظرة مستنكرة قبل تقوم قائلة:- سأذهب الى غرفتى لاستريح لم أعد احتمل هذا
قابلتها نرمين هاتفة:- مامى طنط هند ستقوم بالاتصال بك بعد ساعة...انها تريد الاطمئنان عليك
هتفت بها نورهان:- أذهبى الى الجحيم انتى وطنطك هند لست رائقة لكم الان
عقدت نرمين حاجبيها فى حنق بينما وضعت فدوى يدها على فمها مانعة ضحكتها من الانفلات بينما التفتت نرمين الى جدتها وهتفت محتجة:- هل رأيتى ياتيتة تصرفات مامى؟ كم مرة تتصل طنط هند للاطمئنان عليها والسؤال وهى تتنصل فى كل مرة ولقد اصابنى هذا بالحرج
قالت جدتها مهدئة:- لا تغضبى منها يانرمين انها قلقة على اخيك وليست على طبيعتها التمسى لها العذر
هتفت نرمين فى سخط:- وما ذنبى انا فى هذا وما ذنبهم ايضا؟ انها تتعامل معهم منذ البداية بتلك الطريقة وانا لم اعد احتمل هذا ..قالت هذا وغادرت الغرفة محنقة
فالتفتت سعاد الى امها وقالت:- نرمين لديها حق ياماما..هذة ليست طريقة تعامل مهما كانت الظروف..لما لاتحدثيها ياماما فى هذا؟
اجابتها امها وهى تقوم بدورها:- ليس هذا وقتا مناسبا فهى لن تتقبل اى حوار ..هذة هى نورهان ما الذى سنفعله لها...
سالتها سعاد:- الى اين ياماما؟
قالت نبيلة هانم:- ساذهب الى غرفتى لأستريح قليلا
ثم غادرت فقالت سلوى متعجبة:- ماهذا؟
أجابتها مديحة:- هذة ليست عادة ماما ولكنها تشعر بالقلق مثلنا ولكنها لاتظهر هذا
هتفت سلوى:- حسنا لقد أصبح الوضع كئيبا ..اريد ان اخرج الان والا سانفجر
قالت سعاد متعجبة:- الى اين؟
قالت سلوى فى سرعة:- الى اى مكان
قالت سعاد:- حسنا ما رأيك لو ذهبنا لنشترى بعض الاشياء وامر الى المنزل لأطمئن عليه؟
قالت سلوى:- حسنا اوافق هيا بنا
******
((الى اين؟؟؟؟)) سألت سميحة زوجها فى دهشة
فاجابها فى حزم:- الى المنزل ياسميحة..يكفى ماقضيتيه هنا أنتى وابنتك
أجابته بلهجة قاطعة:- لا ياخالد..لن اعود ..ليس الان
قال فى ضيق:- لماذا؟اذا كان على ملك سأقنعها بالعودة
قالت فى حزم:- الموضوع لايتعلق بملك ..لا أنكر اننى نزلت فى البداية من أجلها ولكن بعدما رأيته لم يعد الموضوع بالنسبة لى ملك فقط..بل تعداه الى الاهم من ذلك..بلدى
هتف فى نفاذ صبر:- ماذا يعنى هذا؟أهو عنادك القديم؟
هتفت فى حرارة وهى تشير حولها:- ليس عنادا ياخالد ..ليس عنادا ..انظر حولك كل هؤلاء الشباب الرائع نزل ليطالب بأبسط حقوقه من حرية وكرامة وفى عيش كريم فماذا لقى؟ لقد تم التعامل معه بمنتهى العنف بالرصاص والقنص والدهس ..صديقة ابنتك المقربة تم اطلاق النار عليها واهانة اهلها واحتجاز جثمانها ..رأيت بعينى شباب يسقطون صرعى فقط لأنهم يطالبون بحقهم فى العيش الكريم ..هذا زادنى اصرارا على المكوث هنا ولن أرجع الا بعد أن تتحقق مطالبهم هل فهمت؟
هتف فى انفعال:- لا لم أفهم شيئا وكل ما افهمه الان اننا ليس لنا فى السياسة وليس لنا شأن بكل هذا وكل مايعنينى هو انتى وابنتى ولذلك ساخذكم ونسافر الى امريكا لحين انتهاء كل هذا
تاملته ذاهلة لحظات قبل ان تهتف غير مصدقة:- أهذا هو ماتفكر فيه حقا؟ نسافر فى تلك الظروف؟
قال فى تصميم:- نعم بالذات فى هذة الظروف
هتفت فى قوة:- لا ياخالد ..اننى لم أغادر بلدى فى ظروف عادية ولن اغادرها ابدا فى تلك الظروف مهما حدث
هتف فى انفعال:- مازلتى كما أنت لم تتغيرى ابدا
هتفت غاضبة:- وأنت ايضا لم تتغير ولا يبدوا أنك ستفعل
تراجع وهو يتاملها لحظات فى غضب ثم قال:- أهذا هو قرارك النهائى؟؟
عقدت ساعديها امام صدرها وقالت فى تصميم:- نعم هذا هو قرارى النهائى خذ ملك معك اذا شئت ولو وافقت هى ولكننى لن اترك مكانى مهما حدث
صمت لحظات وقد عقد حاجبيه قبل ان يزفر فى غضب ويشير الى رجاله بالابتعاد ويبتعد معهم فزفرت سميحة فى قوة وغضب ...اقتربت منها ملك متسائلة :- مامى ماذا حدث؟هل تعاركتى مع دادى؟
زفرت سميحة قائلة فى غضب دون ان تنظر اليها:- نعم..فهو يريدنا ان نسافر معه الى امريكا وكأن شيئا هنا لم يحدث ..هذا لا يدهشنى فقد أعتدت منه على هذا
قالت ملك مهدئة :- حسنا ..لاتغضبى منه بالتفاهم سيحل كل شىء
التفتت اليها سميحة وقالت فى غضب:- لا اعتقد ذلك
همت ملك بقول شىء ولكنها فوجئت بقول والدها:- أذن فهذا هو قراركما النهائى؟
التفتتا اليه فى دهشة فتابع:- فليكن سابقى معكما هنا أذن اذا كان لابد من ذلك
تأملته كلا من ملك وسميحة فى دهشة اقرب الى الذهول بينما قال هو فى حنان وهو يضمهما اليه:- أنتما كل مالى فى هذة الدنيا واذا كان من المحتم بقاؤكما هنا فسأبقى معكما
هتفت ملك فى سعادة وهى تريح رأسها على صدر والدها :- الحمد لله ..كم انا سعيدة لهذا
بينما صمتت سميحة ولم تجد تعليقا فما فعله خالد أدهشها بحق والى اقصى درجة
******
أدار سامح بصره بين الاطباء والتمريض الذين جمعهم فى اجتماع سريع قبل أن يقول فى صرامة :- أختصار للوقت ايها السادة ساخبركم بما جمعتكم من أجله فى سرعة فلسنا نملك الوقت للاطالة...نظرا للظروف التى نمر بها وتزايد الاعداد الوافدة الى المستشفى فقد قررت ادارة المستشفى اولا:أخلاء اكبر عدد ممكن من الاسرة لتستقبل المصابين الجدد
وثانيا:-الغاء اى عملية غير ملحة او ضرورية
ثالثا:- قمنا بتجهيز ثلاث غرف عمليات بخلاف غرفة جهزناها فى الاستقبال لعلاج الحالات البسيطة او العمليات المتوسطة او تثبيت الحالة قبل نقلها
ستكون أحدى هذة الغرف تحت أمرة الدكتور محمد عزام استشارى العيون مع الدكتور طارق الفقى استاذ الرمد بالقصر العينى اللذين تبرعا مشكورين لعلاج حالات اصابات العيون الكثيرة
والغرفة الثانية تم تجهيزها لجراحات القلب والصدر والاوعية الدموية وستكون تحت امرة الدكتور طه محجوب ومحمود الشامى ومعهم فريق من النواب والتمريض
والغرفة الثالثة للجراحة العامة تحت امرة الدكتور يوسف مندور واسامة شديد وسامى الفهد وعلى فكرة كل هؤلاء الاطباء الاعزاء أتوا ليقدموا خدماتهم بدون اى مقابل بمجرد اتصالنا بهم وطلبنا للمساعدة وهذا شىء لا يحاسبهم عليه سوى الله ولذلك نريد نحن أيضا ان نفعل كل مابوسعنا لمساعدتهم فى هذا وافضل شىء نقدمه هو التنظيم والسرعة فى العمل
ولذلك ستقوم مس أمينة رئيسة التمريض بعمل جدول لتقسيم التمريض بين غرف العمليات والاستقبال بحيث يكون كل فريق منهم مسئول مسئولية كاملة عن المصاب قبل وبعد العملية والمتابعة والدكتور هشام النائب الادارى سيقسم النواب ايضا بنفس الطريقة اما بالنسبة للاسعاف فستبقى فى المستشفى ثلاث عربات فقط والباقى ستقوم بنقل المصابين من الميادين والشوارع الى هنا ومن هنا الى اى مستشفى كبيرة لو الحالة حرجة لا يمكن استقبالها هنا
ثم التفت الى رجال الامن وقال:- وبالنسبة للامن اريدكم متيقظين دوما واذا اردتم دعم اخبرونى لنأتى باعداد اخرى
ولو واجهت ايا منكم اى مشكلة ولو صغيرة لا تترددوا فى التبليغ عنها ..نريد أن نتكاتف جميعا للمرور من تلك الازمة ..أعلم انكم متعبون ومعظمكم لم يذهب الى بيته من ايام وانا مثلكم ولكن لن نعود الا بعد عودة الامور الى طبيعتها...الشباب يسقط ونحن يجب ان نكون موجودين هنا لننقذ اكبر عدد ممكن منهم ..بالتوفيق
بمجرد قوله انتشر الجميع فى كل مكان بحماس شديد وبروح جديدة
*****
