الفصل الحادي عشر
أجابتها سعاد:- بإذن الله-... مع السلامة
استيقظ ملك متأخرة من نومها فأخذ تتثاءب ثم قامت من فراشها بتكاسل واضح وألقت نظرة متراخية على الساعة فوجدتها الحادية عشرة ظهرا فاتسعت عيناها في دهشة وغمغمت: يا إلهي لقد نمت كثيرا جدا كأنني لم أنم من قبل ودون كوابيس أو أرق
ثم هزت كتفيها في تعجب واتجهت إلى الحمام حيث اغتسلت ثم نزلت إلى الردهة ولم تجد أحدا كان المنزل ساكنا هادئا فتساءلت: ألا يوجد أحد هنا أم ماذا؟ ثم نادت على نجوى التي أتت مرتدية مريلة المطبخ فقالت لها في خشونة: أين ما... أقصد أين ذهبت سيدتك؟
أجابتها نجوى: لست أدري ولكنها أخبرتني أنها لن تتأخر على أية حال هل تودين أن أعد لك الإفطار؟؟
قالت لها ملك باستخفاف: لا وعندما أريد سأخبرك أم تريدين أن أكرر ثانية؟
تأملتها نجوى في دهشة ثم غمغمت في استسلام: حسني يا بنيتي كما تشائين
راقبها ملك وهي تعود ثانية إلى المطبخ وقالت: سخيفة
ثم أخذت تتجول في المنزل بشيء من الملل حتى وجدت نفسها أمام حجرة سلمى فدفعها الفضول لأن ترى ما بها فدخلتها وهي تقول لنفسها: ترى حجرة من هذه؟
وأخذت تتأمل محتوياتها ثم لفت انتباهها صورة سلمى المعلقة على الحائط فتطلعت إليها برهة من الوقت: من هذه الفتاة يا ترى؟؟ شكلها لا يبدون غريبا على
((إنها سلمى ابنة خالتك سعاد)) ارتفع صوت سميحة بهذا القول في مزيج من الرقة والحنان فالتفتت ملك إلى أمها في حدة فابتسمت سميحة في حنان وقالت: هل أفزعتك؟
أجابها ملك في سرعة: نعم
ابتسمت سميحة قائلة: لقد أتيت على التو من الخارج وقد أخبرتني نجوى إنك الأخرى مستيقظة حالا وإنك لم تتناولي إفطارك بعد وبما أنني لم أتناول إفطاري أيضا فقررت أن نفطر سويا ولقد بحثت عنك حتى وجدتك هنا فقررت أن أفاجئك
تجاهلت ملك قول أمها المرح وقالت وهي تشير إلى الصورة: وهل تقيم سلمى هذه هنا؟
جلست سميحة على طرف الفراش وقالت: نعم ولكن في أيام الدراسة فقط حيث إن منزلي قريب من كليتها فهي في هذا العام ستكون في بكالوريوس الهندسة وقد تمت خطبتها يوم الخميس الماضي قبل مجيئك بيوم واحد وهي كما تدل ملامحها الرقيقة فتاة شديدة الرقة والطيبة والهدوء
لم تدر ملكا لماذا شعرت بهذا الضيق ولكنها قالت في تهكم: حق؟ يبدون أنك تحبينها للغاية
ابتسمت سميحة وقالت في حنان متجاهلة رنة التهكم الواضحة في كلمات ابنتها: نعم يا ملك إننا أحبها جدا فهي لا تمثل لي ابنة أختي فقط ولكنها تمثل لي ابنة وأخت وصديقة أيضا فسلمي تمتلك قلبا كبيرا وعقلا راجحا يفوق سنوات عمرها بكثير كما تمتلك حنانا غامرا يشعرك وأنت معها بحنان الأم مثلها في ذلك مثل أمها سعاد ليت كل الفتيات مثلها
كانت سميحة تتكلم بمنتهى الجدية ولم تدر أن قولها هذا أثار ضيق ملك البالغ وإن شئنا الدقة غضبها وغيرتها فهتفت في عصبية: سأذهب لأبدل ملابسي
اندهشت سميحة لعصبيتها المفاجئة ولكنها قالت في حنان: ألن تفطرين معي؟
صاح ملك في عصبية غير مبررة: لقد قلت للمدعوة نجوى إننا لا أريد إفطارا هل سأقضي وقتي كله في قول هذا؟
أثارت عصبيتها الزائدة سميحة فأطلقت ضحكة قصيرة وهتفت: لماذا أنت عصبية هكذا؟ على العموم لن نتناول إفطار نجوى سنجلس معا في الحديقة نتناول بعض سندويتشات الفول والطعمية التي أشك إنك تذوقتها في أمريكا لقد أرسلت في طلبها من أحد المطاعم المجاورة هيا
أرادت ملكا أن تعترض أو ترفض كعادتها ولكن شيء ما بداخلها أراد أن تبقى مع والدتها أنها على الرغم مما تبديه من عدوانية وجفاء تجاهها إلا أنها تشعر بارتياح ودفء لا حدود عندما تكون معها عندما تنظر إلى وجهها المليء بالحنان كمْ تتمنى أن تنام على صدرها الحنون فتعوض الأيام الجافة الباردة التي عاشتها بعيدا عنها كمْ تتمنى أن تعتذر لها عما بدر منها تجاهها الأيام الماضية وتبكي بين ذراعيها ولكنها لن تنسى أبدا ما فعلته بها كل ما عانته وما قاسته كان بسببها هي... لن تسامحها أبدا... ومن جديد نشئت روح العناد بداخلها فأرادت أن ترفض بحزم
قاطعت سميحة أفكارها قائلة: ألن تأتي معى؟
إجابتها ملك وقد استعادت عنادها: لن أفطر الآن
جذبتها سميحة من ذراعها وهي تغادر الغرفة قائلة في حزم: بل ستفطرين الآن كفاك عنادا سخيف علاقتنا معا شيء والطعام شيء آخر وأراهنك لو أكلت ساندويتش فول واحد لن تمليه أبدا فهو أكل مصري مائة بالمائة هيا
ولم تقاوم ملكا
أطلق حازم صفيرا طويلا وهو يتطلع إلى سلوى التي أتمت زينتها وبدت في كامل استعدادها للخروج معه وهتف في انبهار: يا للجمال
ابتسمت وقالت في دلال: هل أعجبتك حقا؟
مال إليها وهمس: وهل أصابني الجنون حتى لا تعجبيني؟؟ قولي لي أي مكان تحبين أن نذهب إليه الآن؟
أجابته في سعادة: ما رأيك في أن نذهب إلى نفس النادي الذي كنا نذهب إليه عند بدء زواجنا؟
هتف في حماس: أوافق أنا أيضا أفضل ذلك هيا بنا
تأبطت ذراعه وخرجا من غرفتهما فوجدا فدوى وأحمد وعلي واقفين ويتأملونهم في سعادة واضحة
فقال لهم أبوهم: اعتنوا بأنفسكم جيدا يا أولاد حتى نعود
هتف على في احتجاج: لماذا لا تأخذوننا معكم؟
أشار إليه حازم وقال: هذه النزهة خاصة بنا أنا وماما فقط يا على وأعدكم أن نذهب جميعا في نزهة جميلة قبل انتهاء الإجازة اتفقنا؟
هتفت فدوى في سعادة: اتفقنا يا بابي لا تقلقون من أجلنا وتمتعوا بوقتكم
أشار إليهم والداهم مودعين
وبعد أن أستقر بهم المقام في هذا المكان الرائع جلس حازما يتأمل سلوى طويلا فقطعت تأمله هذا قائلا: لماذا تنظر إلى هكذا؟؟ ألا تقل شيئا؟
مال إليها وهمس: أوحشتني
قالت في دهشة: أوحشتك؟ وهل ابتعدت عنك يوما واحدا منذ تزوجنا؟
أجابها: نعم لقد ابتعدت عني طويلا جدا منذ أن أصبحت أما وأخذت تترقى في عملك وأصبح اهتمامك موزعا ما بين عملك وأولادك لقد تبدلت حينذاك وأصبحت سلوى أخرى غير التي عرفتها أصبحت سلوى المرهقة دائما والعصبية ألمت
والتي لا تطيق مجرد الحديث معها ذات المزاج الحاد دائما والتي لا تجد أي وقت لديها للاهتمام بزوجها صدقيني يا سلوى لقد أوحشتني كثيرا
قالت وهي تتأمله في دهشة: لهذه الدرجة؟ لماذا كنت تبدون إذنا راضيا طوال الوقت ولم تشك يوما واحدا؟
أجابها في بساطة: لأنني كنت أعلم أنك لن تتركي عملك بأي حال من الأحوال وبما إننا تزوجتك وأنا أعلم تماما أنك ستعملين ووافقت على ذلك فقد رأيت أنه من الأفضل أن أحاول التأقلم مع الوضع والتعايش معه وحاولت الانغماس في عملي لعلى أتناسى تلك الحياة التي أصبحت خالية فاترة
رمقته بنظرة خاصة وقالت: حياة فاترة؟؟ حسن حسنا أخرج كل ما لديك فيبدون أنك تحمل الكثير بداخلك
ابتسم وواصل قوله: لم أكن أعلم أن حبكا لي وغيرتك على ستكون سببا في حدوث هذا التغيير
ثم مال عليها وقال في خبث: ليتني قابلت تلك السيدة منذ زمن
ابتسمت وقالت: كفاك عبثا لم تعد مراهقا بعد
تراجع وهو ينظر إليها بخبث: أتعنين أنك لم تعودي تحبينني
قالت في جدية: صدقني يا حازم لم أشعر بالارتياح لاتخاذي قرارا من قبل مثلما شعرت به بعد استقالتي من عملي رغم خوفي في بداية الأمر من عاقبة هذا ولكنني اكتشفت أشياء كثيرة جعلتني أجزم أن قراري هذا كان مناسبا للغاية
سألها في اهتمام: مثل ماذا؟
أجابته بنفس الجدية: الأولاد مثلا
هتف في دهشة: الأولاد؟ ثم تظاهر بالتماسكن وهو يقول: كنت أظنك ستقولين من أجل زوجي المسكين الذي أهملته وأريد أن أعبر له عن ندمى عما ألحقته به من أذى وإهمال و....
عقدت حاجبيها وقالت مصطنعة الغضب: أتعلم يا حازم سأفكر جديا في العودة الثانية إلى عملي لو داومت على أسلوبك هذا
أطلق ضحكة قصيرة ثم قال: إننا أعني ما أقول يا سلوى لقد كان اهتمامك موزعا بين عملك والأولاد فقط وكنت أنا أمثل آخر القائمة بالفعل فلماذا تقولين ما تقولين إذنا؟
قالت سلوى: لم يكن اهتمامي بالأولاد يا حازما بالشكل المطلوب فقد كان اهتمامي موجها نحو مأكلهم وملبسهم ومذاكرتهم بطريقة رسمية بحتة وبعصبية فرضتها ظروف العمل المرهقة لم أقترب منهم كصديقة وعندما استقلت وتفرغت تماما لهم وتعاملت معهم عن قرب وكصديقة قبل كوني أما وجدت أن هناك أشياء كثيرة في حياتهم لم أكن أدركها وخاصة فدوى عندما جلست معها وتحدثت واقتربت منها وأزلت كل الحواجز بيننا شعرت بمدى سعادتها لذلك وأفضت لي بما داخلها من أفكار ومشاعر وأحلام وحتى مشاكل وأدركت حينذاك كم كنت بعيدة عنها رغم كوني بجانبها وكمْ شعرت بالارتياح لقرارى هذا
قال حازم بتقدير: صدقينى يا سلوى لقد احترمت قرارك هذا كثيرا
ابتسمت وقالت فى حنان: لم أكن لأفعل هذا لولاك
قال: لولاى أنا؟
أجابته: نعم فعندما تشعر الزوجة بكل الآمان مع زوجها وعندما يكون زوجا محبا وحنونا ورائعا مثلك وعندما تكون ذاته هى آخر ما يفكر فيه فإن الزوجة تفعل أى شئ وكل شئ من أجله
ارتفع حاجباه وهو ينظر إليها فى حنان ثم قال: أتعنين هذا حقا
قالت فى خفوت: بالطبع أعني كل حرف فيه
رمقها بنظرات حانية طويلة ودام بينهما صمت طويل قطعه هو وبقوله الجاد: معنى قولك هذا أن الفيصل فى عمل المرأة أو عدم عملها هو الرجل؟
قالت فى حماس: بالطبع ما الذى جعل المرأة تخرج من مملكتها الجميلة ومنزلها الذى تعتز به كثيرا وتغير طبيعتها وتخرج إلى العمل وتنافس الرجل فيه وتكافح لإثبات وجودها وذاتها؟؟ من الذى دفعها لأن تقاسى فى محاولة التوفيق بين متاعب العمل ومتاعب المنزل؟؟؟ أليس ظلم الرجل وقهره لها وإذلاله لها والتحكم فيها بماله؟؟ صدقنى يا حازم لو فعل كل رجل ما أمره الله به وراعى زوجته كما أمرت الشريعة الإسلامية لما فكرت سيدة واحدة فى العمل بدعوى إثبات الوجود والذات وكل هذا أبدا
هتف فى إعجاب: عندك حق فى هذه يا سلوى أتعلمين أن اعترافك السابق لى رائع لدرجة اننى سأفعل أى شئ تطلبينه منى مهما كان
قالت فى جدية: سأسألك سؤالا واحدا وتجيبنى عليه بكل صراحة
قال فى اهتمام: ما هو؟
قالت: هل هذه أجمل منى؟ أعنى السيدة ذات القضية
تطلع إليها حازم فى دهشة ثم انطلق يقهقه ضاحكا وهتف: يا للنساء
الشيخ حسين موجود؟)) قالت سميحة في لهجة مهذبة
تأملتها هذه الفتاة السمراء لحظة في فضول ثم قالت: نعم جدي موجود ولكن من حضرتك؟
أجابتها سميحة: قولي له سميحة فاضل عزمي
أشارت إليها الفتاة بالدخول وقالت بأدب: تفضلي... لحظة واحدة سأخبره
دلفت سميحة إلى الداخل واتجهت إلى الردهة حيث جلست وأخذت تتأمل هذا المنزل الذي لم يطرأ عليه أي تغيير منذ زمن منذ أن كانت صغيرة أخذت تستعيد ذكرياتها في هذا المنزل الذي كانت تأتيه صغيرة لحفظ القرآن وبينما هي في ذكرياتها انتبهت على صوت الشيخ حسين الذي قال في هدوء وقور: مرحب يا بنيتي
قالت سميحة في سرعة وقالت في احترام بالغ وهي تصافحه: أهل يا فضيلة الشيخ
أشار إليها بالجلوس قائلا: تفضلي يا بنيتي كيف حالك؟
قالت سميحة في ارتباك: ترى هل ما زلت تذكريني يا فضيلة الشيخ؟
قال في لهجة تحمل العتاب: طبعا فقط لأنك ابنة أحد أصدق أصدقائي وليس لشيء آخر
كانت تدرك ما يلمح إليه ولكنها صمتت في خجل فلم تكن تدري ما تقول فقال هو: على العموم أنا كنت أعلم أخبارك من سعاد وسمير الذين لم ينقطعوا عن زيارتي دونكم أنت وبقية إخوتك
غمغمت في خجل: معذرة يا فضيلة الشيخ حضرتك تعلم الظروف فأنا أعيش خارج الجيزة وسلوى تعيش في بور سعيد وسامح أيضا مشغول طوال الوقت بعمله
قال في صرامة: إننا التمس العذر فقط لسلوى أما أنتم فلا عذر لكم فمهما كانت الظروف والمشاغل لا يمنعكم هذا من زيارة معلمكم وصديق والدكم والذي في منزلة والدكم
شعرت سميحة بالحرج فهي بالفعل مقصرة ولكن بغض النظر عن الظروف التي تعيشها والمشاغل التي تتعلل بها فهي عموما لم تكن اجتماعية بعض الشيء مثل أختها سعاد فهي لا تحب الخروج من المنزل كثيرا وكذلك ليست من النوع الذي يواصل علاقته بأساتذته ومعلميه وإن كانت تشعر تجاههم بكل حب واحترام وامتنان
ولكنه مال إلى الأمام قليلا وقال في لهجة أكثر رقة: يا بنيتي قد لا تتصورين كيف كانت العلاقة بيني وبين والدك- رحمه الله- كان أكثر من أخ لي... وبعد وفاته تمنيت لو أمكنني أن أفعل أي شيء من أجلكم لكي أرد له ولو جزء بسيط مما كان يفعله معى وكنت أتمنى لو لجأتم لي في مشاكلكم مثلما كنتم تفعلون معه وكمْ أشعر بالسعادة عندما تلجأ إلى سعاد لتستشيرني في مشكلة ما وكنت أتمنى أن تكونوا مثلها
شعرت سميحة بالتأثر لتلك الكلمات فقالت في ارتباك: في الحقيقة لقد جئت الآن في هذا الخصوص فلدى مشكلة ولن يمكن لأحد أن يحلها سواك
قال في حسم: وأنا سأفعل كلا ما في استطاعتي من أجل ذلك- بإذن الله-
ترددت سميحة لحظة ثم ما لبثت أن شرحت له الموقف كاملا بالتفصيل في حين كان يستمع بكل اهتمام وبعد انتهائها من سرد المشكلة أخذت تنظر إليه مترقبة لرد الفعل بينما تراجع هو في مقعده وأخذ يحك ذقنه وبدا على وجهه علامات الإحباط والحزن للحظات ثم أشار إليها قائلا في صرامة غاضبة: أتعلمين أنك تستحقين أن أعلق لك الفلقة ولكن للأسف لم يعد هذا مفيدا الآن إنني لا أصدق أن حفيدة الدكتور فاضل عزمي أستاذ الفقه والحديث والذي كان يحرص أشد الحرص تثقيف أولاده دينيا وليس أولاده فقط بل كل طلبته بالكاد تتحدث العربية
لم تندهش سميحة لقوله هذا فقد كانت تعلم أن شيئا كهذا سيغضبه بشدة وقالت في مزيج من الحزن والخجل: صدقيني يا فضيلة الشيخ لقد كانت كل الأمور خارجة عن إرادتي ولقد كانت الظروف...
قاطعها قائل في غضب: لا تقولين الظروف فلن يعفيك أي قول أو أي عذر من مسئولية هذا الخطأ الجسيم لا أدري ما الذي دهاكم يا أبناء هذا الجيل أصبحتم تبررون كل شيء بالظروف كيف ستلقين ربك وأنت لم تؤد دورك الذي خلقك من أجله؟ ولم تؤد الأمانة التي يجب عليك تأديتها تجاه ابنتك؟؟؟ كيف ستتحملين هذا الذنب أمام الله يا بنيتي أنهم يقولون إن الأم مدرسة إذا أعددتها أعدت شعبا طيب الأعراق أي أن الجزء الأعظم من التهذيب والتربية والتعليم يقع على عاتق الأم قبل الأب وإلا لماذا جعل الله الجنة تحت أقدام الأمهات في نظرك؟ هل لأنها تحملت تسعة شهور حمل وغير ذلك؟ خطأ وإلا لتساوت كل النساء بما في ذلك الأم الصالحة والأم المهملة بل جعل الجنة التي تحت أقدام الأم الحقة التي ربت وعلمت وغرست الفضائل في عقول أبنائها وغرست تعاليم دينهم فيهم من صغرهم فهذا هو الفضل العظيم لها والتي تستحق عليه المكافأة من الله- عز وجل- وليس لأنها حملت ووضعت فكل النساء يفعلن
غمغمت سميحة في ارتباك: ما الذي كان بيدي أن أفعله وقد شرحت لحضرتك كل شيء؟
أشار بيده قائلا في لهجة قاسية: كان بيدك أن تفعلي الكثير لو تخليت عن صراعك مع جدتها وزوجك وفعلت ما يجب عليك فعله تجاهها وعدم استسلامك للضغوط التي حولك لقد أخبرتني أنك تحملت عشر سنوات مع زوجك من أجلها فما الذي فعلتيه خلال تلك السنوات؟ لا شيء لم تفعلي أي شيء لم تفعلي معها مثلما فعل والدك معك للأسف كلكم يفهم معنى الأمومة والتضحية خطأ الكل يعتقد أن دوره يقتصر على العناية بالمأكل والمشرب والملبس ولا بأس من بعض الأمور والنهى الذي لا مبرر له سوى إبداء بعض السلطة ولا شيء أكثر من هذا ونسوا أهم شيئا وهي تربية عقول الأبناء وتهذيب نفوسهم وتقويم سلوكهم بالإرشاد والهداية وغرس الفضائل ومتابعتهم
قالت سميحة في اعتراض: صدقيني يا فضيلة الشيخ إنني لا أعفى نفسي من المسئولية ولكنني أؤكد لك أن اهتمامي بعملي ليس هو السبب في ذلك لقد كانت هناك ظروف كثيرة وقد شرحتها لحضرتك
ابتسم في سخرية مريرة وقال: ومن قال إن غير العاملات قد أفلحت في تربية أبنائهن أنهن فقط قد تبالغ في العناية بالمنزل والمأكل والملبس والتنظيف دون أن يهتموا بتنقية عقول أبنائهن من الملوثات التي تدخلها من مصادر بعيدة كل البعد عن أصالة مجتمعنا الشرقي العربي وأسس ديننا القويم
أطرقت سميحة برأسها وقد شعرت أنها ستنفجر باكية فقال هو في لهجة أكثر رقة: سامحيني يا بنيتي إن كنت قد قسوت عليك في حديثي ولكن ما أراه كل يوم بسبب أنانية الآباء وتصرفاتهم الخاطئة لا يسر أبدا فمنهم من يبالغ في القسوة ومنهم من يبالغ في التدليل ومنهم من لا
ومنهم من لا يهتم أساس بما يحدث لأبنائه فهو مشغول عنهم إما بزيجة أخرى أو وبعمل يأخذ كل وقته أو بسفر وغيره وغيره ومنهم من يفعل مثل زوجك الثرى يرون أن قمة عطائهم تتمثل في إعطاء أبنائهم كل ما يطلبونه دون مناقشة وتعليماتهم أفضل تعليما والذي يكون من وجهة نظرهم بإدخالهم أفضل المدارس وأكثرها غلوا ليتعلموا لغات أجنبية قبل أن يتقنوا لغتهم العربية ورمز انتمائهم والنتيجة ما ترين حولك إما شباب متطرف يرى أنه حامي حمى الإسلام وراعيه ويرتكب أفعالا أبعد ما تكون عن الإسلام وإما شباب تافه يخلو عقله من أي فكر أو ثقافة وكل ما يحوز على اهتمامه وسيطر على تفكيره كيف يمكنه لفت انتباه تلك الفتاة التي يتهافت عليها الجميع أو شيء من هذا القبيل وإما شباب يجد في كل ما هو غربيا رمز للتقدم والمدنية ويقلده وإن كان يتعارض مع أصالة مجتمعنا وهم لا يعلمون أن أجدادهم كانوا أعظم البشر وأشرفهم وأنبلهم وأن لغتهم الذين يتشدقون بغيرها بمناسبة ودون مناسبة هي أعظم اللغات وقد كرمها الله تعالى بإنزاله القرآن الكريم بها وهذا ليس ذنبهم للأسف فهم لم يجدوا من يغرس فيهم هذا لقد أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالاعتدال في كل شيء وخير الأمور الوسط وقال في حديث شريف (من تعلم لغة قوم أمن شرهم) فأنا لا أعارض أبدا فكرة تعليم أبناءنا لغات عديدة لينفتحوا على العالم الذي أصبح مثل القرية الصغيرة الآن ولكن بعد أن يدركوا ويتعلموا لغتهم ونغرس فيهم كيف يعتزوا بها وكيف يحفظونها حتى يحتفظون بهويتهم وانتماءهم ولكن هذا لا يحدث للأسف حقا يا بنيتي إننا أشعر بالأسف لكل ما أراه ثم صمت لحظة وقال: ولكن هذا لا يعنى إننا أشعر بالتقدير لك لأنك تحاولين إصلاح الأمر ولذلك سأساعدك بكل ما يمكنني
قالت سميحة في لهفة: حقا يا فضيلة الشيخ؟
قال في حزم: بالطبع يا بنيتي فهذا واجبي كعالم دين قبل أي شيء ومن أجل ابنتك التي هي حفيدة صديقي الذي أعلم تماما لو أنه كان حيا الآن لواصل دوره معها هي وبقية أحفاده مثلما فعل معكم
تساءلت سميحة قائلة: أيمكننا أن أعرف كيف ستقوم بهذا؟
قال في هدوء: سآتي إلى منزلكم فأنا أعلم صعوبة مجيئها إلى هنا وسأحاول أن أعلمها بطريقة مناسبة
قالت في حرج: ولكن هذا كثير يا فضيلة الشيخ
قال في لهجة رقيقة لكي يزيل أثر خشونة كلامه السابق معها: لا تقولي ذلك يا بنيتي إننا لست مشغولا فقد بلغت سن المعاش وتقاعدت عن العمل بالجامعة وليست لدى ارتباطات كثيرة
قالت سميحة في امتنان: لا أدري كيف أشكرك
قال في حنان: وهل تشكر الابنة أباها على شيء؟
شعرت سميحة بالارتياح وقد أحست أن تلك المشكلة التي كانت تؤرقها قد أوشكت على الانتهاء
((باقي على الدراسة يوم وعدة ساعات)) قالت داليا ذلك في مرح وهي تشير بيدها لملك التي قالت في سخط: يا سلا م مبتهجة جدا لذلك... أليس كذلك؟
قالت داليا في حماس: بالطبع أشعر بالبهجة لأنني سأتغلب على هذا الملل الذي أشعر به في الإجازة كما أننا سنتمكن من تكوين صداقات جديدة وحقيقية هنا وهذا شيء ممتع حقا
أشارت ملك بيدها قائلة في حنق: أنا على العكس أشعر بالحنق لذلك فقدوم الدراسة يعنى النوم مبكرا والصحو مبكرا كل يوم ونظام خانق ومذاكرة وامتحانات لا... لا الإجازة أفضل بكثير
ضحكت داليا قائلة: طبعا فإنسانة مثلك اعتادت على السهر كل يوم أمام التلفاز والصحو بعد الظهر لا بد من أن تغضب لأنها ستغير نظامها المفضل وإن كنت أشعر بالدهشة لأن هذا النظام يتعارض مع إنسانة رياضية مثلك وحاصلة على الحزام الأسود في الجودو
قالت ملك في استهتار: وهل تتصورين إننا قد تعلمت الجودو لكي أصبح رياضية أو أحوز على بطولات؟ لا طبعا لقد تعلمتها كنوع لملء الفراغ والملل الذي كنت أشعر به هناك كما إننا تعلمتها لأؤدب أوغاد نيويورك الذين تمتلئ بهم ولا يكفون عن الاستظراف
سألتها داليا في اهتمام: لماذا أشعر دائما عندما تتحدثين عن نيويورك أنك تكرهينها كما لم تكرهي أي بلد آخر؟
تبدلت ملامح ملك وامتلأت بالأسى والكره والغضب في آن واحد وهي تقول: لأنني قضيت فيها أكثر الأيام برودا وكآبة ومللا تقدري تقولي لقد كرهت حياتي التي عشتها فيها
تأملتها داليا لحظة في تعاطف ثم سألتها: إذن هل تشعرين هنا بالارتياح؟
تنهدت ملك وقالت: ستشعرين بالدهشة لو قلت لك إننا يجتاحني إحساس عجيب بالاطمئنان والراحة والإحساس بالأمان أي إن شعوري تغير على النقيض تماما كان عندك حق في قولك أن الإنسان لا يشعر بالراحة إلا في وطنه وقد تيقنت من هذا الآن
قالت لها داليا وهي ترمقها بنظرة مترقبة: وأعتقد أن هناك سببا آخر لشعورك بالارتياح وهو وجودك بجانب والدتك مثلا؟
رمقتها ملك بنظرة ضيق ثم صمتت ولم تجب فسألتها داليا في اهتمام: معنى صمتك هذا أنك لم يتغير موقفك تجاهها بعد؟
هتف ملك غاضبة: لست أدري يا داليا لماذا تدسين هذا الموضوع كلما تحدثنا؟
قالت داليا: لأنك صديقتي يا ملك وهذا الموضوع هو ما يقلقني بشأنك وأحب أن أطمئن عليك ولكن لست أدري لماذا تضعين دائما حاجزا بيني وبينك وكأنك لا تثقين بي وكأننا لسنا أصدقاء منذ أكثر من ثلاث سنوات حسن... حسنا لن أضغط إذا كنت لا تريدين الحديث في هذا الموضوع فلن نتحدث فيه ثانية
قالت ملكا في ضيق: صدقيني يا داليا ليس لهذا شأن بصداقتنا ولا بثقتي بك ولكن كل ما هنالك إننا أشعر بالضيق عندما أتحدث في هذا
قالت داليا في هدوء لا يخفى غضبها: حسنوا يا ملك لن نتحدث فيه ما دمت تشعرين بالضيق لهذا وأعدك ألا يتكرر هذا ثانيا فقد مللت أنا الأخرى من التحدث فيه
شعر ملك بما يعتمل في نفس صديقتها من المؤكد أنها تشعر بالغضب لأنها تعتقد أن ملكا لا تثق فيها ولذلك لا تتحدث معها كثيرا عن مشكلتها فقالت في حزن: أرجوك يا داليا لا تغضبين منى... أنت تعلمين كمْ أحبك وأثق بك ولكننى أشعر أنك دوما لا توافقيننى على تصرفاتى وتنتقدينى ولذلك لا أجد فائدة من التكرار
قالت داليا فى إخلاص: انتقدك لأنك صديقتى يا ملك كما قلت لك ولا أحب أن أراك تفعلين الخطأ بدافع العناد وأصمت بل يجب أن أتدخل وهذا واجب الصداقة وما تفعلينه مع والدتك لا أرى له أى تفسير فهى سيدة حنون جدا وطيبة وقد تأكدت من هذا من زيارتى لك عدة مرات ومن المؤكد أن الظروف التى جعلتها تتركك كانت أقوى منها وهى تحاول التقرب إليك وأنت تعاملينها ببرود غريب وجفاء غير مبرر ولست أدرى ما الذى تحاولين التوصل إليه من ذلك
قالت ملك: لأننى لن أنسى قسوتها معى أبدا ولن أنسى قسوة الأيام التى عشتها بعد أن تخلت عني وحرمتنى من الحنان الذى كنت فى أمس الحاجة إليه ولن ألتمس لها أى عذر فى هذا أبدا يا داليا
هتفت داليا: وما أدراك أنها لم تعش أياما أشد قسوة فى بعادك عنها سنين؟؟ لماذا تعاقبينها على ذنب لم تقترفه؟؟
قالت ملك فى غضب مكبوت: يبدوا أنك لن تفهمينى ولن أقتنع أنا بما تقولينه لذا فمن الأفضل أن نتحدث فى موضوع آخر
نظرت داليا فى إحباط إلى صديقتها وقد أدركت أنه لا فائدة من التحدث معها فى هذا ولا فائدة من اقناعها بشئ رسخ عكسه فى عقلها من سنين منذ أن كانت طفلة صغيرة
جلست سميحة تنظر إلى ساعتها فى قلق وقالت لنفسها: الساعة الآن العاشرة ونصف ولم تأتي إلى الآن ترى أين ذهبت؟؟ ثم هتفت فجأة تنادى نجوى التى أتت مسرعة قائلة فى تهذيب: هل تريدين شيئا يا سميحة هانم؟
قالت سميحة فى قلق بالغ: الم تقل لك ملك شيئا قبل خروجها؟؟ ألم تقل لك أين ستذهب؟
قالت نجوى بتوتر: لا يا سميحة هانم لم تقل لى شيئا ولم اسألها فأنت تعلمين كم تكرهنى
هتفت سميحة فى قلق بالغ: الساعة الآن العاشرة ونصف ولم تعد ترى أين ذهبت إنها لا تعرف أحد هنا لتذهب إليه سوى صديقتها داليا وأنا لا أعرف عنوانها لأذهب إليها ولا حتى رقم تليفونها
قالت نجوى مهدئة: اهدئى يا سميحة هانم لا بد أنها ذهبت إليها ستعود بعد قليل لا تقلقى
هتفت سميحة: كيف لا أقلق وأنا لا أعلم أين هى يا نجوى ولو كانت عند داليا كما نتوقع كيف ستعود وحدها فى هذا الوقت المتأخر اسمعى يا نجوى ابحثى فى مكتبها عن مذكرة أرقام الهواتف ربما أجد رقم داليا فيه هيا وقبل أن تفعل نجوى رن جرس الباب فاتجهت إليه فى سرعة لتفتحه لتجد ملك التى قالت فى تهكم: ما كل هذه السرعة؟؟ هل كنت تقفين بجوار الباب قبل مجيئى؟ شئ عجيب ثم اتجهت إلى غرفتها فاستوقفتها سميحة قائلة فى صرامة: أين كنت يا ملك؟
غمغمت ملك فى سخرية: لست أدرى لماذا يتكرر هذا الموقف دائما
كررت سميحة فى صرامة أكثر: لم تجيبى عن سؤالى بعد
قالت ملك فى برود: كنت مع داليا صديقتى وأعتقد أنك تعلمين ذلك
حاولت سميحة الحفاظ على هدوءها وهى تقول: وهل اعتدت على هذا التأخير عندما كنت مع والدك؟
جلست على إحدى المقاعد ووضعت ساق فوق الأخرى وهى تقول بطريقة مثيرة: وهل تأخرت؟ الساعة ما زالت العاشرة
تمالكت سميحة أعصابها بصعوبة وهى تقول: معنى قولك هذا انك كنت تتأخرين عن العاشرة؟
اجابت ملك ببرود متعمدة استفزاز والدتها: بالطبع فى بعض الاحيان كنت أسهر خارجا
اثارت كلماتها سميحة التى هتفت غاضبة: وإذا قلت أن هذا الاحيان لن تتكرر ثانية واننى لن اسمح لك بهذا التأخير فماذا ستقولين؟
قالت ملك بتحدى سأقول لك ليس من حقك هذا وسأفعل ما يحلو لى ولن يمكنك منعى
هتفت سميحة فى ثورة وهى تجذب ملك من يدها لتجعلها تقف: بل سأمنعك يا ملك وهذا حقى وأيام التسيب التى قضيتها فى أمريكا بسبب اهمال والدك لن تعود ولو اضطررت إلى تأديبك من اول وجديد
جذبت ملك يدها فى حدة من يد أمها وهى تقول فى غضب هادر: لا يا سميحة هانم... لا تحاولى تمثيل دور الأم معى فلن ينفع هذا... اننى لم اتذوق حنانك حتى تذيقينى قسوتك وتأمرين وتنهين وتصرخين فى فلم أعد تلك الصغيرة التى يمكنك ان تفعلى بها ما تشائين أما بالنسبة لى فلم أعش أبدا فى تسيب ودادى لم يهمل تربيتى فعلى مقدار حبه لى كان يثق فى ولم يهملنى يوما مثلما فعلت أنت
تألمت سميحة لقول ابنتها وشعرت بالندم لاندفاعها فى ثورتها وأخذت تلوم نفسها لأنها لم تتحكم فى مشاعرها فقد كانت منذ البداية تعلم أن الأمر لن يكون سهلا ويحتاج إلى الصبر فقالت فى أسف: انا آسفة يا ملك لم أكن أقصد ما قلته وأنا لا أحاول تمثيل دور الأم لأننى أمك يا حبيبتى وسواء تقبلت هذا أو لم تتقبليه لن يمكنك تغييره وصدقينى أن منبع ثورتى عليك الآن هو خوفى وقلقى البالغ عليك وليس لعدم ثقتى فيك بل بالعكس اننى أثق فيك أكثر من ثقتى بنفسى لأنك ابنتى وأنا أكثر الناس دراية بك وإن ابتعدت عنى لسنوات ولكننى لا أثق فيما قد يحدث لك بالخارج فى مثل هذا الوقت المتأخرقالت ملكا في إصرار: يمكنني أن أحمى نفسي فلم أعد صغيرة بعد
قالت سميحة في حنان وقد استعادت هدوءها: ملك استمعي إلى ولا داعي للعناد ولا تتصورين إننا أحاول التحكم فيك أو إلقاء الأوامر إليك إنني أحاول أن أنصحك وأوضح كل الأمور لك ثم سأترك لك كيفية التصرف في النهاية وأنا أثق في رجاحة عقلك إننا عندما أطلب منك عدم التأخير بالخارج وعندما يفعل أي أم أو أب هذا مع ابنتهم فهذا لا يعنى أنهم لا يثقون فيها أو لمجرد الحفاظ على تقاليد قديمة كما يتصور البعض أو ولمجرد التحكم وإلقاء الأوامر ولكن لأنهم يخافون عليها من مخاطر كثيرة قد تتعرض لها في هذا الوقت خاصة هذه الأيام والذي أصبح فيها كل شيء ممكن ومرعب ويمكنك أن تقرئي الصحف يوميا لتتأكدي بنفسك ولا أقصد من هذا أخافتك بل فقط أوضح لك أن الأم
