الفصل الثامن عشر
إلى أين أنت ذاهبة يا ماما؟)) سألت سميحة والدتها
قالت نبيلة هانما وهي تتهيأ للانصراف: سأذهب لأرى نورهان
سألتها سلوى في اهتمام: أما زالت مصرة على الطلاق؟
تنهدت نبيلة هانما قائلة في آسى: أتمنى العكس... ربنا يهديها
ثم غادرت المستشفى
فقالت سلوى في حسرة: دائما ما تفوتني الأحداث الساخنة
سألتها سميحة: ماذا تقصدين بذلك؟
إجابتها سلوى: تلك المشاجرة بين سامح ونورهان... لا بد أنه كان مشهدا مثيرا للغاية
تأملتها سميحة لحظات ثم قالت: هل أنت شامتة فيها يا سلوى؟
تأملتها سلوى فى استنكار ثم قالت فى عتاب: شامتة فيها؟ هكذا يا سميحة؟ كيف تقولين ذلك؟؟
قالت سميحة فى أسفا: أنا آسفة يا سلوى لم أقصد ذلك حرفيا ولكن حدة الخلافات بينكما فى الآونة الأخيرة جعلتنى
قاطعتها سلوى قائلة: جعلتك ماذا؟ مهما كان الخلافات بينى وبينها لا يجعلنى أشمت فيها أبدا فأنا أعلم جيدا انها منفوشة ومغرورة مثل الطاووس ولكنها تمتلك قلبا طيبا وأنا لا أكرهها أبدا يا سميحة
هزت سميحة رأسها قائلة فى اشفاق: لو رأيتها يا سلوى فى هذا الموقف لأشفقتى عليها بشدة فقد تحول هذا الطاووس المغرور كما تقولين إلى كتلة من الضعف والانكسار والحزن بعد أن انقلبت كل الأمور ضدها فى لحظة واحدة
قالت سلوى فى تعجبا: اننى أشعر بالدهشة كلما تذكرت هذا الموقف فلم أكن اتصور أن يحدث هذا يوما بين سامح ونورهان
غمغمت سميحة: هذا ما حدث أتمنى أن تعود الأمور بينهما كما كانت فكلاهما يحب الآخر
تابعت سلوى: هذا ما أتمناه أيضا من أجل الأولاد ومن أجلى أنا أيضا فأنا لا أتصور نفسى دون مشاكسات نورهان
ابتسمت سميحة وقالت: ما رأيك لو ذهبنا إليها غدا؟؟ لو رأتك لجعلها الحنين إليك تتراجع عم فى رأسها
ضحكت سلوى وقالت: بالفعل هذا ما سيحدث بالتأكيد
قامت سميحة وهى تقول: هيا معى إذن
قالت سلوى فى دهشة: إلى أين؟ ألم تقولى غدا؟
قالت سميحة فى حنان وهى تنظر إلى ملك: لأشترى هدية فعيد ميلاد ملك بعد أسبوعين وأريد أن أشترى لها أرق هدية
قالت سلوى وهى تقوم معها: كما تشائين وهى فرصة لتغيير جو الملل هذا
أيمكننا أن أعرف لماذا تطلبين الطلاق وتصرين عليه بهذا الشكل يا نورهان؟)) هتفت نبيلة هانما بنورهان التي قالت بلهجة منكسرة: أرجوك يا طنطا لا داعي للخوض في هذا الآن فأنا متعبة ولا أريد التحدث في هذا الموضوع
قالت نبيلة هانما في إصرار: بل يجب أن أعلم والآن فهذا من حقي
عقدت نورهان ساعديها أمام صدرها وقالت: أظن أنك تعلمين فما حدث كان على مرأى ومسمع من الجميع
قالت نبيلة هانما في استنكار: ألانه صفعك؟ هل تهدمين حياتك وتحطمين كل شيء من أجل لحظة غضب يا نورهان؟
قالت نورهان في مرارة: وهل هناك ما هو أكثر من هذا إهانة لكي أطلب من أجلها الطلاق يا طنطا نبيلة أم أنك ترين أن ما حدث شيء هين يمكنني التغاضي عنه؟
هتفت نبيلة هانما قائلة: لا أقصد هذا بالطبع يا نورهان فما فعله سامح كان خطئا كبيرا ولكن يجب أن تلتمسي له العذر فما حدث كان أكبر من أي احتمالا وخاصة أنك تتحملين جزءا كبيرا منه
قالت نورهان بجفاء وهي تشيح بوجهها: لن أندهش لقولك هذا فلم أكن أتوقع أن تقفي بجانبي
قالت نبيلة هانما بلهجة أكثر رقة: لست أدري لماذا تعاملينني بتلك العدوانية يا نورهان على الرغم من أننا لم أفعل ما يبرر هذه المعاملة ولكن يجب أن تعلمي إننا أتعامل معكم جميعا بصفة واحدة وهي أنكم جميعا أبنائي وليس في هذا أدنى مبالغة وأنا بقولي السابق لك لا أعفى سامح من مسئولية ما حدث لابنتكم وصدقيني لو قلت لك إننا هاجمته بمنتهى القسوة على الرغم من مشاعره الجريحة لحادث ابنته وطلبك الطلاق في ذات الوقت ولكنك تتحملين الجزء الأكبر من هذه المسئولية فأنت الأم أتعلمين معنى هذه الكلمة؟ أنها احتواء ورعاية وحب وحنان وتضحية بلا حدود معنى لا يعرف أنانية ولا ذاتية فهو يسمو عليهما
قالت نورهان في برود: هل تقصدين إننا كنت أنانية مع أولادي؟
قالت نبيلة هانما في حدة: نعم والدليل على ذلك ما حدث لنرمين فلو أنك كنت متفرغة لها قليلا لتتابعيها وتعلمي ما الذي تفعله وأين تخرج ومن تصادق لما حدث كل هذا وليس نرمين فقط ومحمود وكريم أيضا يا نورهان فكل وقتك تقضيه ما بين المستشفى والعيادة وكل ما يهمك هو نجاحك وطموحك وتفوقك على زوجك وكأنكما خصما في حلبة صراع وليس زوجان محبا نجاحه من نجاحك ونسيتا تماما دورك كأم وزوجة نعم يا نورهان لقد كنت أنانية وها أنت تثبتين ذلك الآن فبدلا من أن تقفي إلى جانب ابنتك في أزمتها هذه تفكرين في مشكلتك مع زوجك وتطلبين الطلاق في وقت لا يحتمله
قالت نورهان: اطمئني يا طنطا ابنتي سأقف بجانبها ولن أتخلى عنها أبدا ولكن قراري بالطلاق لن يتغير تحت أي ظرف
عقدت نبيلة هانم حاجبيها لحظة ثم قالت في دهشة: يا إلهي يا نورهان هل طغى تفكيرك في نفسك على التفكير في ابنتك لهذه الدرجة؟ ألا تريدين التخلي ولو لمرة واحدة عن عنادك وذاتيتك ألا تحتملين هذا الخطأ الذي صدر في لحظة غضب من أجل نرمين وأنت تعلمين جيدا أنها لو علمت بموضوع الطلاق هذا ستتأثر بشدة بدلا من أن تحاولي مساعدتها؟ كيف تفكرين بالله عليك أيا أم أنت
هتفت نورهان في انفعال: أرجوك يا طنطا لا داعي للإهانة إننا أفعل ما من شأنه الحفاظ على كرامتي وأعتقد أن هذا من حقي وليس له علاقة بالأولاد.قالت نبيلة هانم فى سخط وهى تشيح بذراعيها: كفى بالله عليك كلام لا طائل منه ولا يفيد عن الكرامة والكبرياء وهذه الكلمات الفارغة ما حدث من سامح يحدث ويتكرر كثيرا فى كل مكان ولو تحدثت كل الزوجات عن الكرامة والكبرياء وفعلت مثلك ما عمر بيت أبدا وليس معنى قولى هذا اننى أؤيد هذا او انه شئ طبيعى ولكن كل ما أردت قوله اننى أريدك أن تتخذى أى موقف يناسبك ويرد اعتبارك ولكن ضعى مصلحة الأولاد فوق كل اعتبار أفعلى كل شئ وأى شئ إلا الطلاق يا نورهان لأنك بذلك تهدمين كل شئ وستكونين أول من يخسر صدقينى
رفعت نورهان حاجبيها وقالت فى غضبا وكأنها تستعيد ذكرى أليمة: لن أخسر شيئا فقد قررت منذ زمن طويل ومن قبل أن أتزوج ألا أتنازل أبدا وألا أتسامح فى أى حق من حقوقى ولو كان بسيطا مهما حدث فالتنازل يبدأ بخطوة كما يقولون لم يكن هذا القرار من فراغ بل كان عن تجربة أكيدة عشتها ذقت منها الكثير من الألم والعذاب وأيضا تعلمت منها الكثير والكثير تعلمت منها أنك إذا تنازلتى مرة ستتنازلين وتتنازلين حتى تخسرى كل شئ وهذا ما حدث لوالدتى مع أبي الذى كان إنسان أناني ظالم لا يعرف فى هذه الدنيا سوى نفسه فقط ولا يهتم سوى بتحقيق رغباته دون النظر إلى أى اعتبارات أخرى فقد بدأ تنازلها معه بترك عملها الذى أقنعها بتركه لتتفرغ له ولنا وقد فعلت هذا لترضيه فقد كانت تحبه وبعد ذلك بدأ يتحكم فيها ويقهرها ويتعمد إذلالها ولكنها تحملت هذا وصبرت لعله يتغير ولكن هذا لم يحدث فقد ظل على طبعه ولم يتغير وتحملت هى منه كل الإهانات بدءا من السب والضرب وانتهاءا بالطرد من المنزل فى نصف الليل أمامنا وبالطبع كان الجميع ينصحونها بالصبر والتحمل من أجلنا بدلا من أن ينصحوه هو بمراعاة الله فيها والكف عن غيه وظلمه ولكن فى النهاية صبرت وواصلت حياتها معه رغم إهاناته لها ولم يكتف بذلك بل تزوج عليها فجأة ودون أى أسباب واضحة ودون أى وجه حق ودون أى مراعاة لنا ولمشاعرنا وثارت هى وقد فاض بها الكيل وبدلا من أن يتوجه إليه أحد باللوم مجرد اللوم توجه إليها الجميع من أصحاب الخير كالعادة مرددين كالنشيد (يجب أن تضحى من أجل الأولاد يجب أن تتحملى قليلا يجب أن...) ومعللين ما فعله بأنه استخدم حقه الشرعى هكذا بكل بساطة وبكل جهل وغباء يفسرون الأمور ونسوا أن إنسانة تعرضت لهذا القدر من الظلم لن يكن فى مقدورها العطاء ولا الحنان فقد كانت حطاما وفى النهاية بعد أن قررت أن تواصل وتحتمل أكثر أتدرين ماذا فعل؟ لقد طلقها غيابيا فجأة وكان هذا نهاية صبرها وتحملها وتنازلاتها المستمرة خسرت كل شئ فلا هى احتفظت بعملها ولا كرامتها ولا حتى احتفظت به ولا نحن تمتعنا بحبها وحنانها فقد كان كمية الحزن والانكسار بداخلها تفوق كل تصور ولم يعد لها شئ كنت أنظر إليها فأجدها شاردة حزينة دائما تبتسم بصعوبة بالغة كنت أتمنى احضانها فلا أجدها كنت أشعر باليتم وهى بجانبى لأنها كانت بقايا إنسانة ثم التفتت إلى نبيلة هانم وهتفت ثورة: قولى لى أى عدل وأى شرع يجعل زوجة تتحمل دائما أخطأ زوجها من أجل الحفاظ على أسرتها وأولادها بدلا من أن يحاسب هو على اخطاؤه أى شرع يجعل الرجل يفعل ما يحلو له ضارب بكل شئ عرض الحائط وزوجته وأولاده يدفعون الثمن اى عدل يترك الجانى يفعل ما يشاء ويطالب ضحيته فى نفس الوقت بالتحمل بدلا من معاقبته هو على هذا الخطأ ولماذا لا يفكر الزوج فى أولاده ومصلحتهم قبل أن يقدم على أى فعل لماذا يجب على وعلى غيرى تحمل أفكار متخلفة غبية لا تستند إلى أى منطق ولا عدل ولا شرع أخبرينى
تأملتها نبيلة هانم مشدوهة للحظات ثم هزت رأسها وهى تقول فى آسى: فى الحقيقة لا أدرى ما الذى أقوله لك يا نورهان انها بالفعل تجربة قاسية وأنا أشعر بغاية الأسف لهذا ولكنها ليست قاعدة تحدث كل يوم وليس كل الرجال مثل والدك ولكن كان يجب عليك أن تستفيدى من هذه التجربة جيدا وتحرصى ألا يتعرض أولادك لما تعرضتى له وتعملى على ذلك بكل طاقتك ولكنك للأسف تكررينه ثانية
هتفت نورهان فى غضب: بل أحاول منع حدوثه مرة ثانية
قالت نبيلة هانم فى إصرار: بل تكررينه ثانية يا نورهان مع الفارق الضخم فبدلا من أن يكون الأب هو الظالم اصبحت الأم هى الظالمة وياله من فارق للأسوأ فصدمة الأولاد فيك ستكون أكبر بكثير من صدمتك فى والدك لأنه عندما يكون الأب أنانى فحنان الأم يعوضه أما أنانية الأم فلا يعوضها أى شئ لأنه أشد قسوة بكثير للأسف يا نورهان بدلا من أن تواجهى هذه المشكلة وتمنعينها أن تؤثر على حياتك جعلتيها عقدة تتحكم فيك وتسيطر عليك
هتفت نورهان مستنكرة ما الذى تقولينه يا طنط؟
قالت نبيلة هانم فى حزم: نعم يا نورهان لقد تكونت بداخلك عقدة جعلتك تظلمين زوجك وكأنك تنتقمين من والدك فى صورته عقدة جعلتك تنسين دورك كزوجة محبة مخلصة لزوجها تدفعه دائما للنجاح وتشاركه هذا النجاح وتعطيه حبها ورعايتها وتتحولين إلى خصم عنيد يتنافس معه وكأنكما فى صراع إذا نجح هو فى شئ سارعتى أنت إلى بذل مزيد من الجهد للتفوق عليه ونسيتى دورك كأم نسيتى أولادك ورفضتى أى نداء للعقل بالتفرغ لهم قليلا فقد كان هذا من وجهة نظرك تنازلا لا يجب أن تقدمى عليه ونسيتى أن قمة النجاح الذى تحوزه أى امرأة ايا كانت هو نجاحها فى منزلها أولا كزوجة وأم لأن هذا هو دورها الأساسى الذى خلقت من أجله وأن نجاح الدنيا لا يمكن أن يفوق هذا النجاح ولا يمكن لأى نجاح أن يبرر فشلها فى منزلها أو يغطيه فأنت مثلا مهم نجحتى فى عملك وتفوقت واصبحت طبيبة ناجحة لن يمكنك اكتساب احترام الآخرين إذا ما فشلت فى تربية ابناءك وأصبح أحدهم لا قدر الله مجرما أو مدمنا ولن يسامحك المجتمع على هذا لأنك لم تقدمى له فرد صالح
اغرورقت عينا نورهان بالدموع وأشاحت بوجهها صامتة فاتجهت إليها نبيلة هانم وقالت فى حنان: نورهان يا حبيبتى هذه نصيحة لك منى كأم تخلى عن عنادك هذا الذى لن تستفيدى منه شيء وعودى إلى زوجك الذى يحبك وأولادك الذين يحتاجون إليك وفى هذا الوقت بالذات دون أى وقت مضى وصدقينى يا نورهان سامح يحبك ولا يريد أن يتخلى عنك أنا أمة وأشعر به جيدا فلم أره يوما مكسورا وحزينا مثلما رأيته طوال هذا الشهر الماضي بعد طلبك الطلاق ولم يكن ليحتمل ما فعلتيه معه طوال هذه السنوات الماضية لولا حبه لك فهو ابني وأنا أعرفه جيدا ليس ضعيفا ولا انهزاميا ولكنك نقطة ضعفه فلا تهدمين كل شيء بإصرارك هذا فهو يحتاجك يا نورهان يحتاج نورهان الحقيقية التي أنا متأكدة أنها إنسانة رقيقة القلب طيبة من داخلها يحتاجك كزوجة مخلصة ومحبة وحنونة وليس كند عنيد له كل همه أن يتفوق عليه ويسبقه وأولادك يحتاجون نورهان الأم العطوف عودي يا نورهان
نظرت إليها نورهان طويلا وما لبثت أن انفجرت باكية في حرارة فاحتضنتها نبيلة هانم بقوة وهي تقول في حنان: ليس من العيب أن يخطأ الإنسان مرة ولكن يجب عليه ألا يتمادى في هذا الخطأ ويحاول تصحيحه بقدر إمكانه وأنا أعلم جيدا أنك تحبينه بنفس القدر ولا تستطيعين التخلي عنه ولكنك توازنين بين قلبك وكرامتك وصدقيني يا نورهان لم يحدث ما يجرح كرامتك صدقيني أردك أن تعديني بأن تتراجعي عن طلبك هذا وتعودين إلى منزلك وتحاولين إصلاح الأمر بقدر إمكانك هل تعدينني
أومأت نورهان برأسها إيجابا وقالت وهي تمسح دموعها: أعدك ولكنني أحتاج بعض الوقت لكي أستعيد هدوئي واتزاني ثانية
قالت نبيلة هانما في تفهم: أعلم هذا يا نورهان وهذا حقك
نظرت إليها نورهان في امتنان وقالت: كم أنت حنون وقلبك كبير أنا آسفة لأنني كنت أفهمك بطريقة خاطئة وظلمتك كثيرا
ضمتها نبيلة هانم إلى صدرها ثانية وهي تقول: لا عليك يا بنيتي فلا توجد أم تغضب من ابنتها مهما حدث منها.
بعد أسبوع:
((كيف حالك يلي حبيبتي؟)) قال سامح في حنان لنرمين وهو يمسح على شعرها
قالت نرمين مبتسمة: بخير يا بابي والحمد لله
أشار إلى كريم ومحمود وهو يقول: هل أغضبك أيا من هذين الولدين في أي شيء؟
هزت رأسها نفيا وقالت: لا يا بابي فهم يفعلان كل ما أطلبه منهم
ثم تابعت ممازحة: لقد اكتشفت فجأة أنهم يحبونني
فقال محمود: هل رأيت يا بابي نحن هنا ندللها كثيرا
فتابع كريم في مرح: ولكن هذا التدليل فقط إلى أن يتم شفاؤها ولكن بعد ذلك سيعود كل شيء على ما هو عليه
ابتسم سامح وقال في حنان: المهم إن تنفذي كل ما يقله لك الأطباء وتأكلين جيدا فجدتك تقول إنك لا تأكلين جيدا وهذا يغضبني
سألته نرمين في جدية: بابي كنت أريد أن أسألك سؤالا
قال: ما هو يا حبيبتي؟
سألته وهي تتأمله بإمعان: هل هناك شيء بينك وبين ماما؟
كان السؤال مفاجئا ولذلك قال سامح في ارتباك: شيء؟ أي شيء تقصدين؟
قالت في حيرة: لست أدري أشعر أن هناك شيئا بينك وبين ماما فمنذ الحادثة وأنا لا أراكما معا فالوقت الذي تتواجد هي فيه لا تتواجد حضرتك والعكس وفي الحقيقة أنا مندهشة لذلك
قال في سرعة: لا يا حبيبتي لا يوجد شيء كل ما هنالك أن مواعيدنا غير منتظمة ليس أكثر
بدا عليها الاقتناع وهي تنظر إليه وشعرت أنه يخفى عنها شيء ما وقبل أن تسأل ثانية دلفت نورهان إلى الحجرة قائلة: صباح الخير
. التفت سامح نحوها في دهشة بينما تبادل محمود وكريم النظرات وهتفت نرمين في سرور: ماما؟
اتجهت إليها نورهان وقبلتها من جبينها وهي تقول: كيف حال حبيبتي اليوم؟
قالت نرمين في سرور: في خير حال يا ماما لقد كنت أتحدث على التو عنك مع بابي
ألقت نورهان نظرة سريعة على سامح وقالت: في ماذا يا ترى؟
قالت نرمين: لقد كنت مندهشة لأنني منذ وقعت الحادثة لا أراكما معا في نفس الوقت
قالت نورهان في حنان وهي تمسح على شعرها: اطمئني يا حبيبتي سنكون بجانبك طوال الوقت ولن نتركك ثانية أبدا مهما حدث
ارتفع حاجبا سامح في مزيج من الدهشة والسرور وهو يتأملها وهمس محمود في أذن كريم: أشعر أن هناك تطورات كثيرة ستحدث
قال كريم في سعادة: أتمنى هذا
التفتت نورهان إلى سامح وقالت: سامح أريد التحدث معك قليلا هل تمانع؟
قال سامح في سرعة محاولا إخفاء لهفته: بالطبع لا... تفضلي
قالت نورهان لأولادها: نصف ساعة على الأكثر يا أولاد وسنعود إليكم اعتنوا بأختكم
وغادرت الغرفة هي وسامح
فهتفت نرمين في دهشة: ما هذا؟ لماذا يتحدثان بطريقة رسمية هكذا؟ أنا متأكدة أن هناك شيء يحدث حولي وأنا لا أعرفه
قال كريم في زهو: أنا أعرف ما حدث وما سيحدث
لكره محمود بمرفقه فقال في سرعة: أعني إننا أشعر أن هناك شيئا ما سيحدث ولكنني لا أدري ما هو بالضبط
ضغطت نرمين على أسنانها في غيظ وهي تقول: وهل أتيت بجديد الآن؟بعد أن أستقر المقام بهما دامت لحظات صمت طويلة بينهما كان سامح يتأملها في دهشة فقد بدت مختلفة وقد علا وجهها علامات الارتباك والحيرة والندم وزال كل ملامح العناد والكبرياء كانت بالفعل مختلفة
أما هي فقد بدت حائرة لا تدري من أين تبدأ حديثها كانت تدرك أنها أخطأت وأنها ظلمته ولكنها لم تعتد على الاعتذار لم تعتد أن تعترف بأخطائها ولذلك كانت تشعر بصعوبة الموقف عليها
((ما الذي كنت تريدين قوله يا نورهان؟)) سألها قاطعا أفكارها في اهتمام
ازداد ارتباكها من سؤاله ولم تشأ أن تفصح له عن إحساسها بالندم واعترافها بخطئها فما زال العناد يراودها
فسألته: لماذا رفضت تطليقي؟
دهش لسؤالها فقد كان يتوقع قولا آخر فقال في هدوء وهو يتأملها بنظرة فاحصة: أهذا ما أردت قوله الآن؟
هتفت في عصبية غاضبة: نعم لماذا رفضت أن تطلقني رغم أن ما حدث منك في الموقف الأخير يدل على أنك فاض بك الكيل منى وأنك لم تعد تطيق وجودي
كانت والدته قد شرحت له ما حدث في زيارتها الأخيرة لنورهان ولذلك كان يتوقع ما سوف تقوله له حينما طلبت التحدث معه ولأنه يفهمها جيدا ويعلم كمْ يملؤها الكبرياء أدرك أنها لن تعترف بخطئها مباشرة وتعتذر له عنه وخاصة أنها غاضبة لما حدث بينهما في آخر موقف بل ربما تهاجمه وهذا ما حدث ولذلك ابتسم وهو يتأملها فعقدت حاجبيها وهتفت غاضبة: لماذا تبتسم هكذا؟
اتسعت ابتسامته وهو يقول: لا شيء يا نورهان لا شيء
تأملته غاضبة فتلاشت ابتسامته وقال في جدية وصدق: رغم دهشتي لسؤالك إلا إننا سأجيبك عليه لقد رفضت تطليقك لأسباب كثيرة أهمها إننا أحبك يا نورهان ومتمسك بك لآخر لحظة رغم كل ما حدث ورغم إصرارك على هدم كل ما بيننا أما بالنسبة لما حدث في آخر مرة فهو لا يعنى أي شيء لقد كنت غاضبا ثائرا فابنتنا كانت في خطر وتصرفت بطريقة خاطئة هذا كل ما هنالك وأنا أعتذر لك عما حدث فلم أكن أقصده صدقيني يا نورهان إننا أحبك أعشق كل شيء فيك عنادك كبريائك حتى غرورك اعشقه واحتاجك بجانبي ولا أتصور حياتي بدونك ولذلك رفضت تطليقك ما أريد أن تعلميه إننا لم أغر يوما من نجاحك ولم أحاول ذات مرة أن أقلل منه كما كنت تتصورين دوما وأنني كنت أتألم من تصورك هذا ومن وضعك حواجز دائما بيننا نورهان إننا أعلم جيدا ما تريدين قوله ولذلك لست بحاجة إلى قول أيا شيء لن نضيع وقتنا في حساب وعتاب واتهامات يكفي أن تعلمي إننا أنا والأولاد نحتاجك وهذا كل شيء فإن كنت تريدين العودة فلن أسألك أو أحاسبك عما مضي سنبدأ معا صفحة جديدة نتفادى فيها أخطاءنا السابقة فلم تكوني وحدك المخطئة لقد أخطأت أنا أيضا
شعرت بالتأثر لقوله هذا وشعرت كمْ كانت مخطئة معه فقالت في تأثر: ولكن هناك ما أود قوله لك يجب أن أعترف لك بأنني أخطأت في حقك وظلمتك كثيرا وبأنني كنت أنانية معك رغم حبي لك لقد أزالت طنطا نبيلة بحديثها معي غشاوة كبيرة كانت تغطى عين وقلبي فأدركت لحظتها كمْ كنت غبية وأنا أتصور إننا أفعل ما من شأنه الحفاظ على بيتي وأولادي وتصورت إننا امنع حدوث تجربة مريرة عشتها فإذا بي أكتشف إننا أعيد تكرارها أدركت إننا كنت أتصرف بأنانية وطيش مدفوعة بغضب مكبوت وعقدة قديمة حتى كدت أتسبب في ضياع كل شيء كدت أفقد ابنتي كدت أفقد بيتي كدت أخسرك أيضا وأدركت أيضا أن كل نجاح الدنيا لا يساوي لدى فقداني لأحد أبنائي خاصة بعد ما ذقت مرارة ما حدث لنرمين أدركت أن الضياع الحقيقي هو خسراني لبيتي وأبنائي وزوجي الذي أحبني بكل طاقته صدقني يا سامح إننا أشعر الآن بندم كبير لأنني قضيت أحلى سنوات عمري في صراع ومنافسة وتحفز معك بدون مبرر
حاول سامح أن يتكلم فأشارت إليه وهي تواصل: لقد أتيت الآن لأعترف لك بخطئي وأتمنى أن تسامحني فقد قابلت حبكا لي بأنانية واستهتار ولم أكن على مستوى عطائك لي ولك حرية الاختيار في النهاية ولن ألومك على أي قرار ستأخذه
قال في رفق: ألم أقل لك إننا أعلم جيدا ما تريدين قوله؟ لست أملك أية اختيارات يا نورهان لقد سامحتك من قبل أن تعتذري فقلبي لا يحمل لك سوى الحب فقط وأنا كما قلت لك من قبل متمسك بك إلى آخر لحظة دعينا الآن من التحدث فيما مضى ولنبدأ حياة جديدة يا نورهان
ثم ابتسم وهو يشير إلى ساعته قائلا: ألا تلاحظين شيئا لقد مضى أكثر من نصف ساعة ولا بد من أن نعود للأولاد حتى لا يقلقوا
ابتسمت بدورها وقالت في سعادة وهي تقوم: هيا بنا ثم تأبطت ذراعه قائلة: هناك شيئا أريدك أن تعلمه
قال مبتسما: ما هو؟
قالت في إعجاب وتقدير: طنطا نبيلة سيدة عظيمة أم حقيقية
قال في حب: ماما؟ ليت كل الأمهات مثلها
