الفصل الثالث من رواية أمومة مع وقف التنفيذ


               الفصل الثالث

بعد ثلاثة أعوام أخرى 

جلست سميحة فى حديقة منزلها تستمع كعادتها إلى أم كلثوم وهى شاردة بذهنها بعيدا ،٠٠٠ولم تفق من شرودها إلا على صوت نجوى وهى تقول (( سميحة هانم )) 

التفتت إليها سميحة فى تساؤل فابتسمت نجوى وهى تضع فنجان قهوة أمامها وقالت فى رقة عجيبة : هذه القهوة التى طلبتها منى يا سميحة هانم 

أومأت سميحة برأسها دون أن تتحدث فتنحنحت نجوى وهى   تقول : معذرة يا سميحة هانم ألن تستعدى لحفل عيد ميلاد     الآنسة ملك ؟ 

ردت سميحة فى وجوم : عيد ميلاد ملك ؟ 

قالت نجوى فى سرعة : نعم يا سميحة هانم  هل نسيتى ؟ 

ارتشفت سميحة من فنجان القهوة وهى تقول بصوت خفيض لا يخلو من الحزن : لا يا نجوى لم أنسى ولكننى أشعر ببعض التعب سأستريح قليلا ثم أرى ما يمكننى فعله 

تأملتها نجوى لحظة فى حين عادت سميحة إلى شرودها مرة أخرى وهى تستمع إلى الأغنية ترددت نجوى لحظة ولكنها قطعت ترددها بحزم وهى تتجه مرة أخرى إلى سميحة قائلة بلهجة حنون : سميحة هانم هل تسميحن لى بسؤال ؟ 

عادت سميحة تلتفت إليها مرة أخرى وقالت : اسألى يا نجوى كما تريدين ؟ 

قالت نجوى بعطف : ماذا بك يا سيدتى ؟ 

ردت سميحة وهى تقول بدهشة : ماذا بى ؟ لماذا هذا السؤال ؟ 

قالت نجوى فى سرعة : سامحينى يا سيدتى ولا تعتبرى هذا تدخلا منى ولكن الله وحده يعلم أننى أحبك جدا ويحزننى أن أراك بهذه الحالة  حضرتك لا تأكلين سوى القليل ودائما ما تشربين القهوة والشاى ويبدوا على وجهك علامات الحزن العميق حتى نحلت وأصابك الضعف فلما كل هذا ؟

نظرت إليها سميحة طويلا دون أن تتكلم وإن تكلمت عيناها بما يعتمل بداخلها فتابعت نجوى قائلة : أود لو استطعت أن أفعل أى شئ من أجلك حتى لا أراك حزينة هكذا 

قالت سميحة فى تقدير : أعلم ذلك يا نجوى وصدقينى لو قلت لك إننى أحمل نفس الشعور تجاهك ولولا وجودك فى هذا المنزل لما احتملته 

تشجعت نجوى وهتفت : إذا كان الأمر كذلك لما لا تخبرينى عما بداخلك فربما استطعت أن اخفف عنك قليلا فأفضالك على كثيرة

أشارت إليها سميحة قائلة : لا تقولى ذلك يا نجوى ثم صمتت لحظة وقالت : أنت تعيشين داخل هذه الفيلا منذ سنين وتعلمين كل ما يحدث بداخلها ولذلك فأنت تعلمين سبب همومى

أومأت نجوى برأسها موافقة : أعلم .. إنها تصرفات أمينة هانم الغريبة ولكننى كنت أظن إنك اندماجت معها . 

هزت سميحة برأسها نافية وهى تقول : لم يعد يهمنى تصرفاتها يا نجوى فقد اندماجت عليها كما قلت وعرفت كيف أتعامل معها أيضاولكن ما يهمنى الآن هى ابنتى ملك  

قالت نجوى متفهمة : ملك مازالت فى العاشرة من عمرها يا سيدتى  ولا تغضبى منى لو قلت لك إنك تقسين عليها وهى مازالت صغيرة 

ظهر الحزن واضحا فى عين سميحة وهى تقول : ليس بإرادتى يا نجوى ولكننى أحاول اصلاح ما أفسده تدليل أبوها وجدتها الزائد 

فيها  فقد أكثروا تدليلها حتى اصابتها الأنانية والغرور وكم أكره أن تتربى ابنتى بتلك الطريقة وأنت رأيت بنفسك ما حدث منذ يومين عندما ادعت أنها مريضة لكيلا تذهب إلى المدرسة كيف قام البيت ولم يقعد وكيف امتلأ المنزل بالأطباء للتأكد تماما من أنها فى تمام الصحة والعافية حتى كدت أجن فلا أحب لابنتى أن تنشأ على هذه التربية ولكن ليس بيدى ما أفعله 

قالت نجوى : أوافقك يا سيدتى فهم يبالغون فى رعايتها وتدليلها ولكن ما ذنبها هى فى هذا  على رأى المثل (( ابنك على ما تربيه وجوزك على ما تعوديه )) ولكن يجب ألا تتعاملى معها بهذه الطريقة إنها ستبتعد عنك هكذا  

قالت سميحة فى شرود : لقد ابتعدت عنى بالفعل والمسافة بينى وبينها زادت جداً 

وقبل أن تستكمل نجوى حوارها سمعت أمينة هانم تناديها فنظرت إلى سميحة فى اشفاق وأسرعت إلى الداخل تاركة سميحة تواصل شرودها وقد التمع الدمع فى عيناها .


أين سميحة يا خالد ؟ تساءلت أمينة هانم 

قال خالد وهو يلبس الجاكت بسرعة : لا أدرى لقد كانت فى الحديقة منذ فترة. 

قالت أمينة هانم : الساعة الآن السابعة وهى يجب أن تستعد 

فالمعازيم على وشك الحضور.

قال : سأذهب لأراها وأخذ يبحث عنها هنا وهناك إلى أن وجدها فى غرفة النوم لم تبدل ملابسها بعد.

فهتف فى تعجل : سميحة  الساعة الآن السابعة لماذا لم تستعدى إلى الآن ؟ 

ألقت عليه نظرة خالية من أى تعبير وقالت فى فتور : سأجهز خلال دقائق أنت تعلم أننى لا أستغرق وقت فى هذا. 

 أطلق سعالاً قصيراً وقال فى لهجة بها شئ من الرجاء : سميحة هناك بعض الضيوف الهامين سيأتون اليوم وأريدك أن تهتمى بهم منهم.

قاطعته سميحة قائلة فى تهكم : مثل تلك السيدة التى حضرت آخر حفل وكانت ترتع فى الفيلا هنا وهناك وكأنها ولدت فيها وهى تمزح مع هذا وذاك فى ميوعة وكأنها فى .... لا أريد ذكر الاسم وزجها يبتسم ملئ شدقيه وكأن لا شئ يحدث حوله ؟ أهؤلاء هم ضيوفك المهمين ؟ آسفة يا خالد لن استطيع الاهتمام بهم فهذا عيد ميلاد ابنتى وسيكون اهتمامى بها وبصديقاتها لا تنسى هذا.

أمسك خالد كتفيها برفق وهو يقول : سميحة إننى رجل أعمال يهمنى بالمقام الأول العلاقات الاجتماعية والمجاملات المهذبة مع من حولى من شخصيات اجتماعية ورجال أعمال آخرين يهمنى توطيد العلاقات معهم ولكننى لست مسئولا عما يصدر من أحد .

منهم فلا يعنينى ما فعلته هذه السيدة أو غيرها المهم هو عملى ولا تنسى أيضا انك تعاملت معها بكل برود مما أحرجنى أنا في المقام الأول .

ابتعدت عنه وهى تسأله : قل يا خالد هل تهتم بهذا الحفل من أجل ابنتك فقط أم أن هناك سببا آخر ؟

هتف فى ثقة : بالطبع  اعندك شك فى هذا ؟

قالت فى تهكم : مالى أرى عكس ذلك إذن ؟

 وفجأة رن جرس التليفون فاتجهت إليه مسرعة ورفعت السماعة وما لبثت أن هتفت بقلق : سمير ؟ لماذا لم تأت كما أخبرتنى ثم .... ماذا ؟ ماما ؟ ماذا حدث لا يا سمير قل لى ؟ 

قال سمير فى توتر : لقد سقطت مغشيا عليها فى المطبخ وقد قال سامح إنها تعانى ارتفاعاً شديداً فى الضغط  

صاحت فى جزع : يا إلهى متى حدث هذا ؟ 

قال سمير : هذا الصباح  معذرة يا سميحة لن أستطيع الحضور فأنت تعلمين .

قاطعته قائلة فى استنكار : ما الذى تقوله يا سمير سأحضر أنا لرؤيتها فوراً .

 ثم وضعت السماعة واتجهت إلى دولابها فى سرعة وأخذت تبدل ملابسها.

فهتف خالد : ماذا حدث ؟ 

قالت سميحة قلقة : ماما مريضة جداً .

قال فى توتر : هل ستذهبين إليها الآن ؟ 

قالت فى حزم : بالطبع .

أشاح بذراعيه وهو يقول فى حدة : والحفل والمعازيم ؟ 

التفتت إليه وهى تقول مستنكرة : هل هذا كل ما يهمك الحفل والمعازيم ؟ وماما المريضة ألا يهمك هذا ؟ 

قال فى حدة : إنهم على وشك القدوم ولن أستطيع إلغاؤه الآن 

هتفت وهى تواصل ارتداء ملابسها : فليذهب كل شئ إلى الجحيم سأذهب إلى ماما الآن أما بخصوص الحفل الذى يهمك كثيراً والذى لاا أشك لحظة أن مصدر اهتمامك هذا هو مصلحتك وليس لأنه حفل عيد ميلاد ابنتك فلن أطالبك بإلغائه فسأذهب وحدى .

قال فى نفاذ صبر:ولكن وجودك معى مهم فسيحضر عدد من الشخصيات الهامة وأنا مقبل على الدخول معهم فى مشاريع مختلفة و......

قاطعته ساخطة : كنت أعلم دائما أنك أنانى ولا تهتم سوى بمصلحتك وأعمالك ولكن ليس لهذه الدرجة فلم أكن أتصورها 

صاح غاضبا وهو يجذبها من يدها : لماذا تعاملينى على هذا النحو لماذا تتجاهلين حقوقى دائما ؟ 

جذبت يدها منه وهى تهتف غاضبة : ألم أقل لك إنك أنانى ؟لماذا تتحدث عن حقوقك دائما  وأين حقوقى ؟ أليس من حقى الآن أن تلغى هذا الحفل اللعين وتأتى معى لتؤدى واجبا إنسانيا 

وسيقدر هؤلاء المعازيم ذلك مثل حازم وجمال أزواج اخواتى الذين لا يتركون أى مناسبة فى منزلنا دون الحضور والمشاركة فيها رغــم  مسئولياتهم أليس من حقى ذلك ؟ كم مرة ذهبت إلى منزلنا فى أى مناسبة ؟ صفر ؟ أين كنت وقت ولادتى لملك  أين ؟ ماذا سأقول لو جلست للصباح أسرد مواقفك النبيلة معى لما حصرتها  ولكننى لم أطالبك بأى حق أتذكر لماذا ؟ لأننى اتفقت معك من زمن أن نحافظ على علاقتنا فقط من أجل ملك ابنتنا فيجب عليك أنت أيضا عدم مطالبتى بحقوقك  

هتف : حسنا دعينا منى ماذا عن ابنتك ماذا ستقولين لها ؟ 

قالت سميحة وهى تحمل حقيبتها وتغادر الغرفة : إنها لن تشعر بعدم وجودى فقد استولت عليها والدتك كما استولت على كل شئ اطمئن 

أسرع ورائها قائلا : لما لا تنتظرين حتى ينتهى الحفل ونذهب معاً 

نظرت إليه لحظة فى اندهاش ثم هزت رأسها قائلة فى تعجب : يبدو أنك لم تفهم ما قلته الآن ثم نزلت السلالم فى سرعة فى حين دق هو على الحائط فى غيظ وهتف : يالك من مجنونة ما الذى سأف

أين " مامى " يا " بابى "

مال عليها خالد وهو يقول فى حنان : مامى ذهبت إلى تيتة نبيلة فهى مريضة  

قالت ملك : ألن تحضر حفل عيد ميلادى ؟ 

قال فى سرعة وهو ينظر فى ساعته : لن تستطيع يا حبيبتى كما قلت لك ولكنها أحضرت لك هديتك وستعطيها لك عند عودتها والآن هيا ارتدى فستانك الذى أحضرته لك فالساعة الآن تجاوزت السابعة 

بدا على ملك علامات التبرم فى حين هتفت أمينة هانم فى غضب : لماذا لم تنتظر حتى تطفئ الشموع على الأقل إنه حفل عيد ميلاد ابنتها الوحيدة  ألا تراعى مشاعر ابنتها 

قال خالد معترضا : ليس أمام ملك يا ماما أرجومنك  

قالت وهى تشير إلى ملك التى كانت تتابع الحوار باهتمام : ملك كبرت وهى تعلم كل ما يدور حولها وتشعر بجفاف أمها      نحوها  وقسوتها عليها إنها لم تعد صغيرة 

زفر فى ضيق دون أن يعقب فقالت ملك غاضبة : كلام تيتة صحيح يا بابى  إن مامى لا تحبنى 

أمسك ذراعيها فى رفق وهو يقول : ال تقولى ذلك يا حبيبتى مامى تحبك أكثر من أى شخص فى الدنيا  

أفلتت منه وقالت وقد التمع الدمع فى عيناها : لماذا تزجرنى دوما ولماذا لم تحضر عيد ميلادى ؟؟

قال فى حنان : لا يعنى زجرها لك أنها لا تحبك يا ملك ولكنها عصبية بطبعها وهى لم تحضر عيد ميلادك لأن جدتك نبيلة مريضة وقد شعرت بالقلق عليها  

هتفت ملك فى عناد : لا  بل إنها لا تحبنى  وأنا كذلك لا أحبها...لا أحبها 

قالت هذا وأسرعت إلى غرفتها فتنهد خالد وقال فى عصبية لوالدته : لماذا يا ماما لماذا ترددين هذا أمامها دوما وأنت تعلمين تمام العلم أن سميحة لم تكن لتعيش فى هذا المنزل ولتواصل حياتها معى لولا حبها لملك ورغبتها فى إسعادها ؟ لماذا يا ماما ؟ هل تودين أن تكره البنت أمها أم ماذا ؟ 

هتفت والدته غاضبة: ما الذى تقوله يا خالد ...هل جننت كيف تقول ذلك ؟إننى لا أختلق شيئا من تلقاء نفسى  بل هذا ما يحدث فعلاً 

أشار خالد بذراعه فى عصبية وقال : طريقة سميحة فى التعامل مع ملك هى الطريقة المثلى للتربية من وجهة نظرها ولا يعنى هذا أنها لا تحبها وفى الحقيقة يا ماما لست أدرى لماذا تكرهين سميحة هكذا  ما الذى فعلته لك حتى تبغضينها هكذا  

هتفت أمينة وقد أصابها الذهول من أسلوب ابنها المفاجئ : ماذا دهاك يا خالد  كيف تتحدث معى بهذه الطريقة  أول مرة تتحدث معى بذلك الأسلوب ؟ 

تراجع وكأنما أحس بالندم وقال فى أسف : أنا أسف يا ماما لم أقصد شئ ولكنه التوتر 

هتفت وقد ازداد غضبها : إننى لا أكرهها دون أسباب  هى التى تثير دائما المشاكل وتتصرف كما يحلو لها متجاهلة حقوقك ومشاعرك والدليل على ذلك ما فعلته اليوم  لقد تركت الحفل وهى تعلم إنك تحتاج إليها بجانبك و أن شخصيات هامة ستحضر بكل استهتار ودون أى اعتبارات وقس على ذلك مواقف كثيرة أراها فيها تجحف حقوقك منذ تزوجتك وأنا لا أتكلم  وفى النهاية تقول لى إننى أكرهها دون سبب ؟ وكأننى إنسانة شريرة لا قلب لها  لن أسامحك على هذه الكلمة ثم تركته وانصرفت غاضبة 

بينما خفض هو عيناه وهو يقول فى مرارة : ولكننى أحبها يا ماما .... صدقينى أحبها ولا أريد أن أخسرها .


(( أين ماما يا مديحة )) قالت سميحة فى مزيج من اللهفة والقلق وهى تدلف إلى المنزل لمديحة زوجة سمير التى أشارت إلى غرفة النوم قائلة : إنها نائمة الآن 

اتجهت سميحة إلى الغرفة بسرعة فوجدت سعاد سلوى ونورهان 

تجلسن بجوار والدتها النائمة فهتفت فى قلق : كيف حالها الآن ؟

قالت سلوى فى همس : إنها بخير ولكنها تحتاج للراحة  

جلست سميحة إلى جوار أمها وانحنت عليها وهى تقبل رأسها وأخذت تتأملها فى حزن وقالت : لا أدرى لماذا ترهق نفسها إننا نحتاج إليها بشدة 

قالت نورهان فى بساطة : لا أدرى لماذا تعقدون الأمور هكذا طنط نبيلة تعانى ارتفاعا بسيطا فى الضغط وهذا شئ عادى بحكم السن ولا يدعوكم للقلق هكذا  

تأملتها سميحة شذراً ولم تجب وتبادلت سعاد مع مديحة النظرات المستنكرة فى حين قالت سلوى فى تهكم عصبى : لسنا أطباء مثلك يا نورهان لنحكم ... ولكن على العموم أى شئ مهما كان بسيطا يحدث لماما يجب أن نقلق بشدة من أجله فنحن نحبها ونحتاج إليها بشدة

رمقتها نورهان بنظرة طويلة ودلف سامح إلى الغرفة وقال فى  ضيق : لماذا تجلسون هكذا ان ماما تحتاج للراحة وجلوسكم هكذا لن يفيدها .. هيا اخرجوا جميعا

قالت سعاد بمرح محاولة التغلب على حالة القلق : حاضر يا الدكتور سامح سننفذ أوامرك 

خرجوا جميعا من الغرفة فى حين أغلق هو الباب بهدوء وقال : سأذهب لإحضار بعض الأدوية  

قامت نورهان وهى تقول : وصلنى أولا إلى المنزل فقد اطمئننت على طنط نبيلة وكريم ومحمود ونرمين يجب أن يذهبوا للمدرسة غداً 

هتف كريم فى ترجى : أرجومنك يا مامى اتركينا مع تيتة  

تابع محمود : نعم نريد أن نبقى هنا  أرجومنك يا بابى اليوم فقط 

قالت فى غضب هل ستتغيبان عن مدرستكما أو ماذا ؟ 

قال سامح فى حزم : سآخذ لهما إجازة وإذا كنت تريدين الذهاب إلى المنزل فلا يوجد مانع  

عقدت حاجبيها وهى تقول : وصلنى إذن فسأذهب للمستشفى باكراً 

أشار إليها قائلا : إذن هيا بنا  

مالت سلوى على سميحة وهى تقول فى همس : إن وضع سامح مع نورهان يماثل وضعك مع خالد مع بعض الاختلافات  

تابعت سعاد : نعم فنورهان شديدة التعالى والغرور والأنانية ولكنها ليست مثل خالد على أية حال فأنانية المرأة ليست مثل أنانية الرجل 

تنهدت سميحة وهى تنظر إلى نورهان التى وقفت قبالت المرآة تتحسس وجهها وشعرها لتتأكد أن كل شئ تمام  ثم التفتت إلى أولادها وقالت محذرة : ستقضون غدا فقط عند جدتكم فلا أريد أن تعتادوا على الغياب من المدرسة كثيرا ولا أريد شقاوة هل فهمتم ؟ 

هتفوا بصوت واحد : نعم يا مامى 

فالتفتت إلى زوجها قائلة فى تعجل : هيا بنا يا سامح فقد تأخرت ثم تذكرت شيئا فالتفتت إليهم وقالت بتعالى : أراكم بخير .. سأتصل لأطمئن على طنط نبيلة إلى اللقاء .

 

(( إلى اللقاء )) قال سمير وهو يقلد نورهان ثم قال لهم : أتعلمون أن نورهان تذكرنى بخالد وكأنهما وجهان لعملة واحدة 

نظرت كلا من سعاد وسلوى إلى بعضهما وضحكتا فى حين ابتسمت سميحة دون أن تعقب وعقدت مديحة حاجبيها وهى تقول : كم أتمنى أن تكف عن تصرفاتك الصبيانية تلك يا سمير  أتعلمون على الرغم من كونه أبا الآن إلا أنه ينافس ابنه هانى فى طفولته

 أشار بيده فى لا مبالاة وقال : سأذهب لأشترى بعض المشروبات والحلويات للأولاد  ماذا أفعل ؟ أنتم تحضرون من هنا وأقوم أنا بدور الأب الحنون لكم والخادم الأمين والمربية الفاضلة لأولادكم وفى النهاية لا أحصل على كلمة شكر واحدة هل تريدون شيئا آخر من الخارج ؟ 

قالت سعاد مبتسمة : لا يا سيدى متشكرين هل يرضيك هذا؟ 

هتف محمود : سآتى معك يا أنكل سمير وكذلك فعل كريم وسراج فقال لهم مستسلما : هيا فسأحتاجكم فى حمل هذه الأشياء وبعد انصرافهم قالت سميحة لمديحة : كم أحسدك على زوجك يا مديحة 

قالت مديحة فى دهشة : تحسديننى ؟ 

سميحة : نعم فسمير إنسان جداً على الرغم من تصرفاته الطفولية ومزاحه الدائم يمتلأ قلبه بالحنان والطيبة والرقة كم كنت أتمنى زوجا مثله  

أشارت إليها مديحة قائلة : لا تنسى أيضا العناد فهو شديد العناد بطريقة مثيرة 

ضحكت سلوى وهى تقول : ولكننى أشعر بالراحة فقد ابتعد عن مضايقة حازم بعد زواجه  

سألتها سميحة : بالمناسبة يا سلوى كيف حضرت بتلك السرعة من بور سعيد لقد حضرت قبلى حتى ؟ 

هتفت سلوى فى دهشة : لا يا سميحة  أنت فى وادى ثانى بالفعل  أنسيتى أن اليوم هو الخميس وإننى موجودة هنا منذ الصباح مثل كل أسبوع ومن قبل أن يحدث لماما ما حدث 

وإنك اتصلت بى هنا لتخبرينى عن عيد ميلاد ابنتك ؟ 

تراجعت سميحة وكأنها تذكرت وقالت فى لهجة مريرة : آهـ معذرة يا سلوى أنت تعلمين كم أنا سريعة النسيان هذه الأيام 

قالت سلوى فى سرعة وهى تفحصها : بل هناك ما يشغلك هذه الأيام إن شئت الدقة 

أسرعت سميحة تسألها محاولة الابتعاد عن الموضوع : ولكننى لا أرى أولادك وزوجك  

أدركت سلوى ذلك ولكنها أجابت : فدوى وعلى وأحمد نائمين أما زوجى فهو فى بور سعيد يتابع إحدى القضايا وسيحضر غداً ولكنه 

اتصل ليطمئن على ماما  

التفتت سميحة إلى سعاد : وأنت يا سعاد  أين جمال ؟ 

سعاد : سيأتى بعد الانتهاء من أعماله 

 معذرة يا سميحة لم نستطيع حضور حفل عيد ميلاد ابنتك فأنت تعلمين ما حدث و ....

قاطعته سميحة فى استنكار : ما الذى تقولينه يا سعاد  أى حفل هذا وماما مريضة ولولا أن سمير أخبرنى قبل وصول المدعوين بوقت قصير جداً لكنت جعلت خالد يلغيه وكنت أحضرت معى ملك 

قاطعتهم سلمى قائلة : لقد استيقظت تيتة يا ماما . 


(( ألف حمد لله على سلامتك يا ماما )) قالت سميحة وهى تقبل رأس والدتها فى حنان

ربتت أمها على يدها وقالت : الله يسلمك يا بنيتى  لماذا تركت عيد ميلاد ابنتك يا سميحة ؟ أنا بخير والحمد لله 

قالت سميحة بصوت حنون : أنت أهم من أى حفل يا ماما ولولا إننى علمت متأخر جداً بمرضك لكنت ألغيته وأحضرت ملك معى 

ألقت الأم نظرة عليهم وقالت : أين بقية العائلة ؟ 

قالت سلوى بمرح : إليك التقرير التالى :- سامح ذهب ليحضر بعض الأدوية بينما ذهب سمير ليحضر حلوى ومشروبات أما بالنسبة لزوجى فهو يتابع قضية فى بور سعيد وجمال سينتهى من أعماله وسيأتى  ما رأيك فى هذا التقرير الدقيق ؟ 

ابتسمت الأم وقالت : وأين الأولاد ؟ 

تابعت سلوى بنفس المرح : هذا هو التقرير التالى :- فأولادى نائمون الآن من ارهاق السفر وسلمى ها هى وسراج ومحمود وكريم مع خالهم ونرمين تشاهد التليفزيون وهانى يلعب خارجا ولا يستحب أن يهجموا عليك الآن لئلا يرتفع ضغطك ثانية 

ابتسمت أمهم وقالت فى حنان : هل يجب أن أمرض لتلتفوا حولى هكذا ؟ 

قالت سلوى بتعجب : عجبا  لقد ظننت أن سبب ارتفاع ضغطك هو وجودنا حولك بأولادنا دائما  

قالت سعاد : فنحن كل خميس وجمعة من كل أسبوع نجتمع هنا ولا يتبقى سوى أن نأتى لنقيم معك طوال الأسبوع  

قالت الأم : ليت هذا يحدث  فأنا أشتاق كثيراً لأولادكم فى هذه الأيام القليلة  

ارتفع صوت سمير قائلا : ها قد أتيت لكم بالجاتوه وكل اللى تحبوه هيا يا سلوى أوقظى أولادك حتى يتناولوه قبل أن يأتى حازم وجمال ويأكلوه ما رأيكم فى هذه المقطوعة الموسيقية الرقيقة ؟

عقدت كلا من سعاد وسلوى حاجبيهما فى غضب وهتفت سعاد : فعلا رقيقة للغاية ولكن أرجو ألا تلقيها على مسامع جمال حتى يبتهج كثيرا وأنت لا تعرفه حين يبتهج

قال سمير سافراً : ماذا سيفعل ؟ هل سيغشى عليه أو ماذا ؟ 

زفرت سعاد فى نفاذ صبر وقالت : لا فائدة منه هيا نعد العشاء لحين حضور سامح وجمال ثم غادرت الغرفة فقامت سلوى ومديحة ليلحقوا بها وقبل أن تقوم سميحة أمسكت أمها بذراعها وقالت وهى تعتدل فى فراشها : انتظرى يا سميحة إننى أريدك 

فعادت سميحة للجلوس ثانية وهى سألت: خير يا ماما  

فنظرت إليها أمها نظرة متأملة وقالت فى اشفاق : أتعلمين يا سميحة  إننى لم أشعر بالقلق على أحد من أخوتك مثلك  مالك يا حبيبتى ؟ ماذا بك ؟ 

حاولت سميحة الابتسام وهى تقول : ما الداعى لهذا القلق يا ماما إننى بخير والحمد لله 

بدت على أمها علامات عدم الاقتناع وهى تقول : مالى أرى عكس ذلك إذن ؟ لقد نحلت كثيرا وشحبت وامتلأت عيناك بالحزن ألا تحكى لى إننى أمك ؟

غالبت سميحة دموعها بصعوبة وهى تقول : أبدا يا ماما إننى أواجه بعض المشاكل فى العمل كما أن خالد طلب منى هذه الأيام طلبا غريبا وفجأة ودون إنذار 

تساءلت أمها : أى طلب هذا ؟ 

أجابت سميحة بسرعة : إنه يريد طفلا آخر 

هزت أمها رأسها قائلة : وما الغريب فى هذا يا بنيتى ؟ هذا حقه 

تنهدت سميحة وقالت : الغريب فى هذا إننا قد حددنا علاقتنا معا من قبل من زمن من أجل هدف واحد وهو ملك وأيضا أنا أشعر أن والدته وراء هذا المطلب فهو يعلم علم اليقين إننى لن أستجيب لهذا المطلب 

قالت أمها فى شك : لا أدرى لماذا أشعر أن ما قلتيه ليس السبب الحقيقى فى ما أراه وإنك تخفين شيئا عنى ولكننى لن ألح عليك 

قبلت سميحة أمها وقالت : صدقينى يا ماما هذا كل ما هناك والآن سأذهب لأساعدهم فى إعداد العشاء .


وفى المطبخ مالت سلوى على سعاد وهى ممسكة ببصلة ومنهمكة فى تقطيعها وقالت : أشعر أن سميحة ليست على ما يرام 

أومأت سعاد برأسها إيجاباً وقالت وقد بدأت عيناها تحمر من البصل : نعم  أنا أشعر بهذا فهى لا تبدوا طبيعية وفى الحقيقة منذ مدة وهى كذلك وكأنها تعانى من مشكلة ما  

مالت عليها سلوى أكثر وقالت فى حذر : هل تعلمين شيئا  أعنى هل أخبرتك هى بشئ ؟ 

هزت سعاد رأسها نفيا وقالت وقد انهمرت دموعها كثيرة : لا  لم تقل لى شيئا ولكن المسألة لا تحتاج للذكاء فلابد أن هذه المدعوة أمينة والدة خالد السبب فيما تعانيه سميحة بالتأكيد 

كادت سلوى تلتصق بها وهى تقول هامسة : حقا ؟ أم أنها أخبرتك ولكنك لا تريدين التحدث معى فى هذا فأنا أعرفك جيدا يا سعاد لا يوجد شئ خاص بسميحة لا تعرفينه  

هتفت سعاد فى حنق وقد احمرت عيناها بشدة : سأقول لك شيئا أفضل  لما لا تضعين هذه البصلة فى عينى مباشرة  سيكون هذا أفضل فأنت تعلمين كم أحب البصل جداً  

ضحكت سلوى ومديحة وهتفت سعاد غاضبة : هل يمكنك أن تقولى لى ماذا ستفعلين به الآن ؟ 

هتفت سلوى فى حماس : سأعد شكشوكة 

قالت سعاد فى دهشة محنقة : ولكن حازم ليس موجود ولا يوجد أحد هنا يحب الشكشوكة سواه  

أشارت إليها سلوى قائلة : وأولاده أيضا على وأحمد فقد أخذوا هذه الصفة المحببة عنه..... حب الطعام يالسعادتى  ولكنك لم تجيبى سؤالى بعد  

قالت سعاد وهى تغسل وجهها : صدقينى يا سلوى لم تقل لى شيئا وأعتقد كما قلت لك أن السبب هى حماتها التى تزاحمها فى كل شئ وكأنها ضرتها  وهذا ليس بجديد  إنها مشكلة قديمة ومازالت مستمرة ولذلك فسميحة أصبحت لا تشكو وإن بدا عليها ما يبدوا  

هتفت مديحة فى دهشة : ألهذه الدرجة هذه السيدة سيئة ؟ 

أجابتها سلوى : وأكثر يا مديحة وأكثر إنها أسوأ مثال للحموات وهذا من سوء حظ سميحة أختى

قالت مديحة : لو تعاملت كل حماة مع زوجة ابنها كابنتها وتقبلتها بصفاتها الحسنة والسيئة مثلما تفعل كل أم مع ابنتها لما حدثت كل تلك المشاكل  ولكن ما يحدث أن كل حماة تترقب دوما زوجة ابنها فى كل شئ تفعله وتتصيد لها الأخطاء وتكثر من انتقادها وهذا ما يسبب المشاكل 

قالت سعاد : لو يا مديحة لو كثير من الأحلام يتعلق بهذه الكلمة 

هزت مديحة كتفيها وهى تقول : هذا ليس حلما فطنط نبيلة مثال للأم الحقيقية التى تتعامل بمنطق الأمومة الحقة مع أولادها وأزواجهم على السواء ولا يوجد للكراهية مكان فى قلبها فلقد تزوجت سمير منذ ست سنوات لم أشعر معها إلا بكونها مثل أمى فى حنانها وحبها وقلبها الكبير  ليت كل الحموات مثلها.


جلس الجميع على المائدة الكبيرة للعشاء : وقبل أن يبدءوا ن جرس الباب فقامت سعاد لتفتح فوجدت حازم الذى أسرع إلى المائدة وقال: أنا جائع جداً وأنا أعلم جيداً أن حماتى تحبنى 

نظروا إليه فى دهشة وقالت سلوى : ألم تقل لى أنك ستتابع قضية مهمة فى بور سعيد ؟ 

قال فى سرعة وهو يأكل فى نهم : نعم ولكن القضية تم تأجيلها لاستدعاء بعض الشهود فقلت أنه لا يجب أبداً أن نترك طعام حماتى الجميل ذلك من أجل قضية سخيفة 

قال سمير ضاحكا : طعام حماتك أم أى طعام تجده فى        طريقك ؟  فهذا ليس طعام حماتك فى الحقيقة 

قال حازم وهو يواصل أكله : رغم ثقل دعاباتك يا سمير إلا إننى أحبها مثل هذا الديك الرومى  

ضحك سمير وهو يقول لسلوى : هل استرحت الآن ؟ إنه يحب دعاباتى وبشدة أيضا 

قال حازم وهو يوجه حديثه لنبيلة هانم : كيف حالك الآن يا طنط ؟ 

أجابته وهى تبتسم فى حنان : بخير يا ولدى ما دمتم بجانبى 

قال وهو يشير إلى سامح : أنا مطمئن مادام هذا الطبيب الماهر بجانبك 

قال سامح بوقار : شكرا لثقتك يا حازم وإن كانت زوجتك لا تثق فى هذا  

تأملتهم سميحة وهم يتحدثون ويضحكون وشردت بذهنها بعيدا وتمنت لو أن زوجها مثل حازم وجمال ويجلس بينهم الآن وابنتها ملك  لم تدر لماذا أحست بالاحتياج لهذا الآن إنها منذ تزوجت خالد لم يحضر مناسبة فى منزلهم بدعوى انشغاله بعمله دائما  

أحست بغصة فى حلقها وبمرارة شديدة تملؤها  لم تشعر أبدا 

أنها مثل أخواتها حتى بعد مولد ملك  إنها تجد صعوبة فى مقاومة دموعها ولما تقاوم وإلى متى ستظل هكذا إلى متى ستتظاهر بالتماسك أمام الجميع والضعف يملؤها  إلى متى ستخفى احتياجها إلى الشعور بالآمان والحنان إنها تحتاج أن يشعر بها زوجها تحتاج لحبه وحنانه  كم تشعر بالوحدة وكم تحتاج البكاء حتى تستريح  ولماذا ؟ تقاوم ؟ لماذا ؟ لماذا لا تترك دموعها تنهمر لتتدفق معها أحزانها وألمها وبالفعل قامت إلى غرفة قريبة وما لبثت أن انفجرت فى البكاء وسط دهشة الجميع فقامت سعاد قائلة : سأرى ما بها  

ساد الصمت المكان ونظرت نبيلة هانم إلى الغرفة فى قلق وهتفت : كنت أعلم أن هناك شيئا ...كنت أعلم 


صمتت سعاد وهى تنظر إلى أختها التى ظلت تبكى بصوت عال كالطفلة لفترة ثم تقدمت نحوها وجلست على حافة الفراش فى مواجهتها وهى تقول لها فى رقة : إبكى يا سميحة إبكى لعل هذا يخفف عنك شيئا 

 ثم قامت لتحضر لها كوبا من الليمون وعندما جاءت به وجدت سميحة قد هدأت قليلا فناولته لسميحة التى رفضته بإشارة من يدها ودموعها تنهمر بحرارة فوضعته سعاد على المنضدة واتجهت إلى أختها لتضمها إليها فى عطف وهى تقول : ماذا بك يا سميحة احكى لى 

قالت سميحة وهى تبكى بحرارة : أنا متعبة يا سعاد متعبة ولم أعد احتمل المزيد  لم أعد أحتمل 

ربتت سعاد على كتفها وقالت : ما رأيك نذهب للحديقة ونتحدث فى مكان هادئ فيها .. هيا 

قامت معها سميحة إلى الحديقة  وبعد أن استقر بهما المقام فيها قالت سعاد فى رفق : والآن أريدك أن تحكى لى ما بك فأنت لم تخفى عنى شيئا قبل هذا

قالت سميحة فى خفوت وهى تجفف دموعها : لم أعد أحتمل تلك الحياة الجافة التى أعيشها والتى أصبحت بلا معنى لم أعد أحتمل يا سعاد لقد شارفت على الانهيار  

هتفت سعاد فى قلق بالغ : ما الذى حدث  هل فعل خالد شيئا جديدا ؟ هل أغضبتك والدته ثانية ؟ 

قالت سميحة فى مرارة : والدته تغضبنى طوال الوقت ولم تتوقف عن هذا يا سعاد وهو مازال كما هو لم يتغير للأحسن ولا للأسوأ مازال كما هو وقد كنت دوما أتظاهر بعدم لا مبالاتى لهذا ولكننى فى النهاية بشر يا سعاد ضعيفة فأحيانا أشعر بالاحتياج الشديد إليه وإلى وجوده بجانبى وأحيانا أتمنى لو غمرنى باهتمامه ورعايته وحنانه مثل أى زوج يهتم بزوجته ويرعاها فأنا على عكس ما أبدوا أحيانا يا سعاد إننى أضعف مما تتصورى  لقد احتملت أنانيته وتجاهله لى احتملت كثيرا ولم أشكو وتحملت ما تفعله والدته بى من أجل ابنتى ولكننى فقدت كل قدرة لى على الاحتمال والصبر خاصة بعد أن سيطرت على كل شئ حتى ابنتى 

لم تجب سعاد أو تعلق وإن تابعت حديث أختها باهتمام بالغ فتابعت سميحة فى حزن : عندما أنجبت ملك تصورت أن حياتى ستتغير وأن السعادة ستجد طريقها إلى فهى ستملأ حياتى  وقد قررت أن أترك المنزل وخالد لحماتى تتحكم فيهما كيفما شاءت بعد أن فقدت كل أمل فى تغير خالد وأن أعطى ملك كل رعايتى وحنانى واهتمامى فلم يعد لى فى هذا البيت سواها ولكننى كنت واهمة فالقاعدة تقول ( التنازل يبدأ بخطوة ) وقد تنازلت لها كثيراً وكان يجب ألا أسمح بذلك من البداية فلم تكتفى هى بحقوقى التى انتزعتها منى ولكنها أيضا شاركتنى فى تربية ابنتى متدخلة فى كل شئ يخصها  دللتها كثيراً بطريقة أرفضها تماما وقد شاركها خالد هذا فكل ما تطلبه ملك يجاب وإن كان ضد المنطق والعقل وغن كان ضد رغبتى وكأنها تتحدانى  وإذا ثرت على هذه الطريقة اتهمتنى أمام ملك إننى لا أحبها وأعاملها بقسوة وجفاء وكثيرا ما أثرت المشاكل مع خالد بسبب هذا التدليل الزائد فلم أكن أحب أبدا أن تنشأ ابنتى على هذه التربية وبتلك الطريقة ولكن لم يتغير فى الوضع شئ حتى أصبحت ملك الآن كتلة من الغرور والتعالى وبالتالى ازداد تعاملى معها بالقسوة حتى اصلح ما أفسدته جدتها وأبوها فيها فلم أجنى سوى فجوة واسعة بينى وبينها فقد أصبحت تميل إلى جدتها كثيرا وتلجأ إليها فى كل شئ يخصها دون أن تلجأ لى فأنا من وجهة نظرها قاسية جافة وكل هذا لأننى أحاول أن أربيها كما تربينا نحن 

قالت سعاد برفق : هونى على نفسك يا سميحة  ملك بنتك فى العاشرة من عمرها مازالت طفلة صغيرة لا تدرك شيئا  وعندما ستكبر ستتغير حتما أما بالنسبة لحماتك فهى تدللها لأنها ابنة ابنها الوحيد وأنا أرى ذلك طبيعيا وإن كان خطأ بالطبع 

هزت سميحة رأسها بعنف وقالت : لا يا سعاد المثل يقول من        (( شب على شئ شاب عليه )) وحماتى لا تدلل ملك فقط لأنها تحبها ولكنها تتحدانى بذلك فهى تعلم كم أكره ذلك  تحرك مشاعر ابنتى ضدى هل تصدقين هذا ؟ 

رددت سعاد فى دهشة : تحرضها ضدك ؟ أى قول هذا ؟ 

زفرت سميحة وقالت : صدقينى يا سعاد هذا ما يحدث  وسأعطيك مثالاً حتى تتخيلى فى ذات يوم كنت أفطر قبل ذهابى إلى العمل ففوجئت بها تقول لى أمام ملك أن ملك مريضة جدا وطلبت منى أن أتغيب عن عملى وأجلس بجانبها لأرعاها فاندهشت لذلك جدا فقد كانت ملك تجلس وتتناول إفطارها بصورة طبيعية ولم أجد أى شكوى بها فقلت لها : ملك ليس بها شئ فأصرت على قولها وأصرت أن من واجبى كأم أن أظل بجانبها وطبعا رفضت أنا التغيب من عملى فاتهمتنى بأننى لا أحبها وإننى لا أقوم مثلما تفعل كل أم تجاه ابنتها وسط ذهولى وقيسى على ذلك مواقف كثيرة إذا رفضت لملك  طلباً  اتهمتنى بالقسوة والجفاء معها ولم انتبه إلى ما تفعله فى البداية ولكن ذلك تكرر كثيرا حتى تأثرت ملك بذلك ولا أدرى ما الذى تقوله من ورائى لها فقدت شعرت أنها تبتعد عنى كثيرا وبالطبع مما زاد الطين بلة أننى بعصبيتى معها عمقت هذا الإحساس بداخلها  

تراجعت سعاد وهى تتأمل سميحة وقد بدا عليها علامات الدهشة البالغة وقالت : هذه ليست تصرفات إنسانة طبيعية  إنها مريضة بالتأكيد  

قالت سميحة بنفس اللهجة المريرة : إنها سيطرت على كل شئ البيت وخالد وملك وفجأة وجدت نفسى فى موقف المتفرج أشاهدها وهى تفعل ما تريد بحياتى ولا أفعل شيئا  

أصبحت أعيش دورا هامشيا بكل ما فى الكلمة من معانى فى بيتى وفى حياة زوجى وابنتى التى لا أحب ولا أتمنى سواها فى هذه الحياة وعملى  عملى يا سعاد الذى لم أتقدم فيه خطوة واحدة منذ أن التحقت به فهذا الوضع يضغط على أعصابى بشدة ولا أستطيع التركيز فى أى شئ  أنا التى كانت لا ترضى بديلا عن التفوق والتقدم والتى كانت طموحها يفوق الحدود ولكن أين أنا من هذا  نكرة وارتفع صوتها فجأة وهى تصرخ وتقول : نكرة يا سعاد أتعلمين معنى تلك الكلمة إننى لا ألوم ملك إذا فعلت ما تفعل فهى طفلة نشئت لتجد جدتها تفعل كل شئ وأمها تعيش فى المنزل كأحد مكوناته ضعيفة مستكينة وهى لا تعلم إننى فعلت هذا من أجلها هى وإنه لولاها لما استمريت لحظة واحدة فى هذا المنزل ولما كنت قبلت هذا الوضع   أبدا  أنا لا ألومها وأخذت تبكى بشدة 

فاحتضنتها سعاد فى قوة وهى تقول : لا عليك يا سميحة يا حبيبتى فلن يستمر هذا كثيرا بإذن الله ابتعدت عنها سميحة وجففت دموعها وهى تقول بعزم : بالطبع لن يستمر هذا فسأضع حدا له  

تساءلت سعاد قائلة : ماذا ستفعلين ؟ 

(( أين سميحة يا سعاد ؟ )) تساءلت


تعليقات