رواية روح أختها.
إهداء:
أهدي عملي هذا إلى عائلتي
أبي جبل الكرم والعطاء وأمي نبع الحنان والدعوات الصادقة.
أخي رفيق دربي وأخواتي روح الحياة.
زوجي وابنائي.
أهلي وأهل زوجي.
صديقاتي .
ولن أنسى أشخاصاً تركوا بصمة في قلوبنا بنثر حبات السعادة في حياتنا وإن رحلوا عنا فبذكر أسمائهم نستعيد الابتسام ( والد زوجي ) ( ووالد زوجة أخي ) سكنوا قلوبنا بأخلاقهم وحسن تربيتهم،
طاب ثراهم وفي الجنة مأواهم بإذن الله.
شكر.
بكتابتي لأول رواية لم أكن أتوقع أن أعيد التجربة لولا التشجيع والدعم فأشكر كل من شجعني وأخص بالشكر؛
د. سارة مجدي حبيبة روحي وصديقة عمري.
أ. إسراء صقر لن أنسى دعمها يوماً.
أ.منار النمكي الكاتبة الجميلة قلما وروحا.
أ. مي حمزة حضورها مسكن للآلام .
أ. رباب سمير قارئتي وصديقتي الجميلة .
شكر وتقدير لمبادرة ( وفي القراءة حياة أخرى ) لما تقدمه من دعم لي ولكل عضواتها وعلى رأسهم الكاتبات المبدعات أ. جيهان سرور ، ا. منى منصور ، د. نورا عفيفي
أ. مي أبو اليزيد كاتبتي المفضلة وحارسي الأمين في مجال الكتابة.
شكر خاص :
• لأخي ( محمد الجندي ) قال تعالى ﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ﴾ [ القصص: 35]
كان أخي ومازال ونعم الأخ ونعم السند.
• لزوجي ( أيمن مصطفى) فأنا أدين له بكل الفضل والسعادة وأي خطوة أخطوها هو داعمها الأول وأي نجاح لي هو من وضع حجر أساسه.
المقدمة
حياتك هبة من الله لك وحدك
لا تترك قلم حياتك في يد غيرك
بل تمسك بقلمك وإرسم، خطط، صمم
حتى لو أخطأت تعلم من هذا الخطأ
أعد التخطيط برضا وحماس.
وتذكر دائماً الرضا غير الاستسلام، الاستسلام نتيجة نابعة من الخوف والرهبة واليأس ،
بينما الرضا بداية وعندما يصاحب الرضا الإصرار والعزيمة يتوج بالنجاح والوصول إلى مبتغاك.
فكن راضيا طموحا صاحب رؤية وهدف...
الباب الأول ( هالة ويونس ٢٠١٠ )
الفصل الأول
يونس
يونس شاب في أواخر العشرينات طويل القامة وسيم ذو شعر بني ولحية خفيفة يهتم بمظهره كثيراً يعمل بالشئون الإدارية لشركة تجارية لبيع المنتجات الغذائية.
دائم الاختلاف مع والدته ( لمياء ) فهي لا تراعي رغباته ولا تهتم إلا برغباتها.
ومع ذلك يونس يحاول دائماً موافقتها الرأي وأن لا يعصي لها أمراً مراعيا أنها لم تتزوج بعد طلاقها من والده ومكثت لتربيته ولم تتركه أبدا
لمياء تعمل معلمة في إحدى المدارس الخاصة إلا أنها لم تهمله قط بل كانت ترعاه وتعتني به وتدلله كثيرا حتى صار شابا محترما وكان بالنسبة لها هو أهم شخص في العالم، بل هو العالم والهواء الذي تتنفسه ، متعلقة به جدا ً منذ صغره ، فكانت لا تأكل إلا معه ، ولا تخرج إلا به.
لكن للأسف قد بالغت في هذا التعلق وهذه الحياة التي قد فرضتها على يونس فرضا ً منذ صغره ، فقد كانت تجبره على أن يعيش حياته على تعليماتها ( متى يأكل ، ماذا يرتدي ، من يصاحب )
وآخر اختلاف بين يونس ولمياء كان على إختيار فتاة للزواج منها.
خاصة بعد ارتباطه ب ( هناء ) زميلته في العمل إلا أن والدته رفضت بشدة أن يرتبط بها وهددته بغضبها عليه ومقاطعتها له طيلة عمرها ، وكيف يعصيها وهي من ضحت بعمرها من أجله.
تَغّيب عن العمل عدة أيام بعدما طلب أجازة مرضية ، وقد حاولت هناء الإتصال به كي تطمئن عليه ولكنه لم يستطع الرد عليها ، فهمت حينها سبب تغيبه عن العمل فقررت أن تترك العمل حتى ترحم قلبها من ألم اللقاء ، متعجبة لماذا عبر لها عن حبه إن لم يكن قادرا على هذا الحب .
شعر يونس بضعفه وقلة حيلته طالما لم يستطع الدفاع عن قلبه فمتى ستظهر قوته ، قلبه محطم ولسانه عاجز عن البوح بما أغرقه من حزن وألم الفراق الذي كاد أن يلتهمه ، فقد ترك يونس حبيبته مضطرا حتى لا يغضب والدته.
ثم رجع إلى العمل وإلى حياته الطبيعية عندما أخبره صديقه في العمل ( سمير ) بأن هناء قد استقالت وتركت العمل.
ومن ثم اقترحت والدته عليه عدد من الفتيات اللاتي من وجهة نظرها طيبات ويصلحن للعيش خاصة وهي تريده الزواج والإقامة معها بنفس الشقة إلا أنه لم يكن قد تعافى بعد ومازال جرح قلبه مفتوحا ينزف دم الفراق .
أيام ، أسابيع ، وشهور ومازال يونس شاحب الوجه مصفر اللون كثير الصمت
وذات مرة ... بعد مرور عدة أشهر ....
اقترحت عليه يمنى بنت عم حسان حارس العقار ( بواب العمارة )
يونس : ماما انتي بتتكلمي بجد بنت البواب .
عاوزاني اتجوز بنت البواب
لمياء : ومالها بنت البواب ، جميلة وفي آخر سنة في كلية صيدلة والأهم من كل ده محترمة ومتربية كويس وهترضى انكوا تتجوزا وتعيشوا معايا في نفس الشقة ودي أهم حاجة عندي.
يونس : يعني انتي رفضتي هناء وانتي عارفة إني بحبها وعاوزاني اتجوز بنت عم حسان بواب العمارة بس علشان نعيش معاكي في نفس الشقة ؟!! كنتي قولتي من الأول وكنت سألت هناء يمكن كانت وافقت .
لمياء : انسى يا يونس موضوع هناء خلاص اعتبرها صفحة واتقفلت ، خلينا مع يمنى دي بنت جميلة ومتعلمة ومناسبة ليك .
يونس: لأ طبعا متنفعش ، أنا عاوز اتجوز واحدة بنت ناس .
لمياء: وهي يمنى مش بنت ناس !؟
دا كفاية احترامهم وتربيتهم لعيالهم ، ده حتى إبنهم الكبير عبد الله مهندس واللي بعده عبد الرحمن محاسب وبنتهم الصغيرة يمنى دكتورة صيدلانية ما شاء الله كلهم طلعوا حاجة تشرف .
_ يصمت يونس ويكتفي بالنظر إلى أمه _
لمياء : ها ساكت ليه يبقى بدأت تقتنع.
يونس : ساكت علشان مصدوم في كلامك طب كنتي قولتي أي حد من العمارة عم طارق ولا عم حمزة مش البواب
لمياء : عم حمزة إزاي مجاش على بالي .
يونس مندهشا : أيوة مالو عم حمزة ؟
لمياء : بنته سوسن زي القمر محترمة وجميلة ومعيدة في كلية التربية.
يونس _ وقد يبدو عليه الموافقة المبدئية وأيضا لكي ينهي الكلام في موضوع يمنى _ : وأنا موافق، بس أنا أصلا مشوفتهاش من فترة طويلة .
لمياء: ولا يهمك إحنا كدة كدة رايحين الخميس الجاي فرح عصام جارنا ابن الأستاذ طارق وطبعا سوسن ومامتها وباباها وأخوها ( هاني ) هيكونوا موجودين .
وفي حفل الزفاف الذي حضرته لمياء بصحبة ابنها يونس
ظلت تلح عليه بالتحدث إلي سوسن إلا أنه شعر بالخجل، ومكثت تحدثه عنها وعن أدبها واحترامها ويجب عليه خطبتها فهي عروسة لن تتكرر .
وافقها يونس موافقة مبدئية وطلب منها زيارتهم مرة واحدة في المنزل حتى يستطيع أن يتحدث معها ومن ثم يقرر
وفي اليوم التالي ليوم الزفاف ذهبت لمياء مباشرة إلى منزل الجارة سهير تخبرها بأن ابنها يونس قد أعجب ب سوسن عندما رآها في الفرح ويريد زيارتهم لطلب يدها ، وعلى الفور رحبت سهير وقالت لها أنها موافقة وفي إنتظارهم في أى وقت .
وفي المساء تمت الزيارة وكان الأستاذ حمزة وزوجته طيبين ولم يفصحوا عن أي شروط في طلباتهم مع يونس و لمياء وتمت قراءة الفاتحة واتفقوا على أن موعد الخطبة ولبس الدبل بعد أسبوعين .
وشعر يونس وكأنه وقع في مكيدة سريعة قامت بتنفيذها أمه.
وبمجرد دخولهم منزلهم عاتب يونس والدته متعصبا
إزاي أخطب من غير بابا ؟
لمياء : وهو مين الأهم بالنسبالك أنا ولا هو ؟؟؟
وهو يحضر ليه أصلا _ تصمت لثواني وتتنهد تنهيدة طويلة يعقبها ابتسامة ثم تكمل حديثها _ و هو انت أصلا طلبت إنه يجي معانا ؟
يونس : كنت مفكر إنها قاعدة دردشة وتعارف بس.
لمياء: قاعدة تعارف إيه بس، إحنا جيران من أكتر من عشر سنين .
وعلى العموم يا سيدي ملحوقة بإذن الله في الخطوبة باباك هيحضر معانا.
يونس : أكيد طبعا هيحضر معانا هو ومراته وإياد أخويا.
واتصل بوالده يعتذر له وأنه ظن أنها مجرد زيارة للتعارف ليس إلا.
و فاجأه أبوه بأنه قد فكر هو وريهام زوجته في هدية له وقد حان وقت البوح عنها وهي شقة في العمارة الجديدة التي انتهى من بنائها حديثا ، فرح يونس وسعد بهذه الشقة.
وعندما أخبر أمه عن فرحته بكلام والده وأنه الآن يمكنه الزواج في شقة مستقلة دون إزعاجها تغير وجهها وبدأ دمها في الغليان رافضة أن يتركها ابنها بعد زواجه وكيف يتركها بعدما تبخر عمرها لأجله،
معبرة عن حزنها فها هو ابن عمرها أول خطوة نحو زواجه يفكر في تركها بعد ضياع عمرها هباءا عليه.
ورفضت أيضا كعادتها أي تدخل من الأب بينها وبين ابنها.
صمت يونس كعادته حتى لا يكسر قلبها لكنه صمت على غير رضا فأمه تحاول دائماً السيطرة على حياته، لا يفعل فعلا إلا بموافقتها أو طلبها ولو كاد أن يختار أمر ما على غير رغبتها ثارت وهاجت نادبة حظها وعقوق قلب ابنها حتى يرضخ ويتنازل عن هذا الأمر.
يعيش يونس مع والدته بمفردهم في شقة بالمعادي، منذ ولادته ولم تغير والدته أي شيء في الشقة وكأنها تراث تخشى عليه من اللمس .
هذه اللوحة بها رسمة طفل وطفلة يمسكان بطائرة ورقية لا تبرح مكانها أبدا وهذا الكرسي بجوار طاولة لا يتغير أبدا .
الديكورات ، الأثاث ، المفروشات وحتى الدهان رافضة بشدة أي محاولة منه لتجديد أي شيء في الشقة.
وكانت والدته ذات طابع خاص فهي كتيرا ما تمكث في حجرتها مغلقة بابها لساعات ، وذات مرة دخل يونس الغرفة فجأة فوجدها تمسك بصور وبعض الأوراق وتبكي فإعتذر لها وخرج ظن أنها حزينة على طلاقها من والده وأنها مازالت تحبه وكرهها له ما هو إلا كبرياء الحب.
قابل يونس أصدقاء الدراسة وأخبرهم عن موعد الخطبة ، فهو كثيرا ما يخرج مع أصدقائه منذ المرحلة الثانوية ( علي وكيل نيابة ) و( مصطفى موظف استقبال في إحدى المستشفيات ) و( حسام محام ) اجتمعوا كلهم في كلية الحقوق إلا أن الوظيفة فرقتهم ، لكنها تفرقة ظاهرية فهم يتواصلون و يتقابلون دائما ، كلهم تزوجوا إلا يونس هو الوحيد العازب بينهم.
علي متزوج من طبيبة، وحسام متزوج من ابنة عمه ربة منزل، ومصطفى متزوج زواج تقليدي بإقتراح من صديقة لوالدته وأنجبا طفلة ( مريم ) من ذوي الهمم ولدت بمتلازمة داون ومن لحظة ولادتها وزوجته قد تغير حالها وتمردت على حياتهم وطلبت الطلاق منه لأنها غير قادرة على تحمل مسئولية طفل ك ( مريم ) وخشية حدوث حمل وولادة لطفل آخر بنفس ظروف ابنتهم.
تمت الخطبة بحضور والد يونس وزوجته وأخيه غير الشقيق ( إياد )
وحضر أيضا اصدقاء يونس علي، حسام، ومصطفى
وسمير صديقه في العمل
وحضرت خالته ( أحلام) وجدته ( مؤمنة )
خالته أحلام ( فتاة في الثلاثين من عمرها، بسيطة في كل شيء حتى في اختيار ملابسها لو حادثتها لشعرت بأنها من عمر الجدة وكأنها انعكاس لها، عباراتها، مشاهدة الأفلام القديمة، طريقة طهي الطعام ) .
تعيش مع والدتها المريضة هادئة بملامحها المصرية العذبة،
لم يسبق لها الزواج، ولم تكمل تعليمها
دائما يشعر يونس بعدم صفاء قلبها تجاه لمياء أختها ( والدته )
وأن هناك سرا لا يعلمه ، نظرات غير مفهومة ، تعليقات نادرة حادة وغير مبررة، العلاقة بينهم مختلفة عن علاقة أي أخت بأختها.
برودة الثلج بينهم لا سلام ولا حنان ولا إشتياق
مكث يونس شهران يعامل سوسن معاملة جافة، أشبه بزميل عمل أو أقل وليس كما كان متوقع بين إثنين مخطوبين حديثا ً.
هي من تتصل به احيانا يرد عليها ، وكثيرا ما يهمل الاتصال ولا يرد .
وكانت أول مناسبة تقترب بعد خطوبتهم هي عيد الأضحى أخبرته سوسن أن أخيها ( هاني ) سيخطب يمنى ابنة عم حسان ثاني أيام العيد في حفلة للأهل في قاعة صغيرة للاحتفالات ،
ذهل يونس من تفكيرهم ف هاني مهندس ويمكنه أن يخطب طبيبة أو مهندسة ، تعجبت سوسن من تفكيره، هاني مهندس ويمنى في كلية الصيدلة أي أنهم في نفس المستوى التعليمي وهي محترمة على قدر عال من الجمال وحسن التربية والتدين.
وشعرت وقتها ببعد المسافة بينهم في التفكير
وفي يوم الخطبة ارتدى يونس بدلة ورابطة عنق زرقاء على نفس لون فستان والدته ،
طالما يهتم يونس بتناسق الألوان إلى هذه الدرجة لما لم يفكر بالتناسق معها فهي خطيبته
بالإضافة إلى أنه قد أخبرها بعد خطوبة أخيها أنهم سيتزوجون مع والدته في نفس الشقة وأنه لن يتزوج في شقة غيرها حتى مع إمكانية ذلك
وهنا تأكدت سوسن أنها ستبدأ حياتها مع زوج مرتبط جدا بوالدته وكأنها هي زوجته.
بالرغم من بداية تعلق سوسن العاطفي ب يونس إلا أنها قررت فسخ الخطبة وذهب هاني لمنزل يونس ومعه دبلة الخطوبة وأخبرهم برغبة أخته في فسخ الخطبة معللة أن هناك مسافة بينهم في التفكير ولا يهتم بأمرها ولا يعاملها المعاملة التي كانت تنتظرها منه.
أحس يونس بالإحراج واعتذر له كثيرا وقال سوسن شخصية عزيزة جدا على قلبه و أنها ستجد الشخص المناسب الذي يقدرها حق قدرها.
وقتها ارتاح قلب يونس فهو لم يشعر تجاهها بأى مشاعر حب ، فبعد أن ترك هناء لم يدق قلبه ، أم أنه خائف من ذلك.
القلق والخوف نسج خيوطه حول قلبه خشية الوقوع في الحب والتعلق بحبيبة قد ترفضها والدته فيصبح كالطفل المخطوف من حضن أمه.
الفصل الثاني
المقابلة الأولى
في إحدى زيارات يونس لشركة الإتصالات المحمولة لدفع فواتير خطوط الشركة وجد فتاة خطفته من النظرة الأولى مكتوب على شارة الشركة ( هالة )
تبدو في الثلاثين أو أنها في العشرين لكن يبدو عليها الهم والمسئولية قد تمكنت الحياة أن تطفئ لمعة وجهها إلا أنها ذات ملامح رقيقة وعيون بنية مكحلة دون كحل، الحجاب قد حجب جمال شعرها وقد كشف عن جماله بعض الخصلات من أثر العمل الجاد المجهد.
انتظرها خارج الشركة وحاول أن يتحدث إليها إلا أنها لم تنظر إليه نظرة واحدة وكأنه فراغ لا شيء.
شعر بالدونية وتمنى رؤيتها مرة أخرى غير مهتم من تجاهلها له بل عاد إلى منزله ولم يفكر إلا فيها و في كيفية التحدث إليها أو أي طريق يسلكه ليعرف عنها أي معلومات ، أهي عازبة أم متزوجة ، كم عمرها ؟ أين تسكن ؟ والأهم لما هو منجذب لها هكذا ؟!!
وفي صباح اليوم التالي طلب إذن خروج مبكر من الشركة ليتمكن من رؤية هالة وتوجه إلى إحدى زميلاتها وهي الأقرب لها من حيث مكان العمل وتدعى ( سميرة )
سميرة فتاة ملتزمة دينيا، محجبة وفمها دائم الهمسات لا يتوقف عن الذكر ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) أكثر الذكر المحبب إليها وكأنها تناجي الله مستغفرة عن ذنب ما .
انتظرها حتى موعد مغادرتها وبمجرد خروجها كان في انتظارها وسألها عن أي معلومات عن هالة ، في البداية كانت رافضة حتى التحدث إليه نظرا لتدينها وأنه أجنبي ( غريب عنها ) كيف يتحدث إليها هكذا ، لكنه ألح عليها وأخبرها أنه يريد الارتباط بها ، شعرت من إلحاحه بجديته وسلامة نيته.
وافقت على التحدث إليه إلا أنها لا تعرف عنها سوى القليل؛ هي كانت تعيش بالخارج وحاصلة على ليسانس آداب قسم لغة ألمانية وتم تعيينها بعدما وضعت الشركة إعلانا عن حاجتها لموظفة خدمة عملاء تجيد الألمانية وكانت هالة من بين المرشحات وتم قبولها بعدما اجتازت الاختبار في المقابلة،
لكن هناك أمر يجب عليه معرفته أولا وهو أن هالة أرملة وأم لطفل.
أدرك يونس كلام سميرة وقرر الإبتعاد عن هالة محاولا أن يتناسى فكرة الارتباط بها ويصرف نظره عنها إلا أن ذهنه قد انشغل بها و قلبه قد تعلق برؤيتها بالرغم من عدم معرفته بها من قبل .
وأصبحت هالة منذ هذه اللحظة محور تفكير يونس.
لم يستطع أن يعيش حياته كسابق عهدها فهي قد احتكرت ذهنه بهدوئها ، وجمالها الهادئ الذي قد سرق تفكيره.
لا تهدأ الأسئلة في ذهن يونس بل تتصارع بعضها بعضا؛
كيف تزوجت أزواج تقليدي أم عن حب ؟
كيف توفى زوجها ؟ أمازالت تحبه ؟
كيف تعيش حياتها ؟
أسئلة لا تكل ولا تمل، أمواج متلاحقة تسرع نحوه تصدمه بإحتمالية صعوبة الوصول لقلبها.
لا يتوقف عن التفكير، لا يريد التحدث ، ولا تناول الطعام
وهذا ما أزعج لمياء وشعرت أن في حياة ابنها فتاة ستسرقه منها.
وعندما سألته ما سبب شروده وسهده ؟
أخبرها أن هناك تغيير في ترقي الموظفين في الشركة وأنه خائف على وظيفته.
الفصل الثالث
إياد
نجح إياد في الثانوية العامة وهو أخو يونس الأصغر شقيق من الأب فقط ( عبد الحميد)
إلا أنه لم يحصل على مجموع كبير يمكنه من دخول كلية من كليات القمة وهذا الأمر لم يعجب ريهام فقررت إدخاله كلية الهندسة التابعة لإحدى الجامعات الخاصة.
فرح يونس لأخيه كثيرا وقرر زيارتهم هو وأمه لكي يبارك لهم إلا أن لمياء لم توافق وقالت له أن من الأفضل البعد عنهم وأن يعتبر أن والده توفى وإذا صمم أن يذهب فليذهب بمفرده.
لم يتعجب يونس من كلام والدته فهي دائما تنصحه الابتعاد عن والده وأن يعتبره قد توفاه الله.
والد يونس قد طلق والدته قبل ولادته بأشهر قليلة ثم تزوج من أخرى تدعى ( ريهام ) إلا أن يونس علاقته طيبة بوالده ويحادثه بين الحين والآخر ، ويرى أن أمه مخطئة حين طلبت من والده الطلاق عندما أراد أن يتزوج الثانية ( فزواجه من أخرى هو سبب الطلاق الذي أخبرته به والدته ) ، كانت _ على حد تعبيره _ من الأفضل أن تظل على ذمة والده من أجل تربيته بينهما ولا داعي للطلاق وتفرقة شمل الأسرة ، لكنه لم يواجهها برأيه لأن أمه ذات شخصية قوية ومرتبطة بيونس جدا فهو كل حياتها .
وكان يونس دائما يتعجب من معاملة أمه الغير حانية القاسية لأبيه وزوجته وابنهم ، أيمكن أن تكون مازالت تحبه ؟ هي كباقي الأمهات الآتي طلقن من أزواجهم وعليها أن تترك ولدها على علاقة طيبة بوالده ، حاول كثيرا سؤالها هل هناك سرا تخفيه أو أنها مازالت تحبه وكسر قلبها بزواجه من أخرى إلا أنها كانت تخبره أنه لا يعرف شيئاً ولم يكبر بعد.
على غير المعتاد كانت ريهام زوجة أبيه تحبه فهي ترى أنه يحب ابنها بإخلاص متمنياً له الخير دائماً، ونظراً لأنها لن تنال فرصة الإنجاب مرة ثانية بسبب ضعف الخصوبة التي تعانيه وما عانته حتى ترزق بإياد وحتى لا يعيش ابنها وحيدا ، ويونس شاب طيب مرح متى حل مكان حلت معه السعادة والبهجة .
والسبب الأهم والذي تخفيه ريهام في قلبها هو أن عبد الحميد دائماً يمدحها ويخبرها أنه يشعر وكأنه لم يتزوج قبلها بسبب معاملة لمياء له وجفاءها وطلبها للطلاق رغم تمسكه بها.
الفصل الرابع
هالة
هالة إنسانة جميلة الملامح ذات عيون بنية واسعة هادئة الطباع محجبة خجولة انطوائية لا تتحدث إلى أي زميل من زملائها ، فقد كان الروتين اليومي لها هو من المنزل إلى العمل ومن العمل إلى المنزل
لا تخرج إلا نادرا ، دائماً تشرد ب ذهنها ، ردودها قصيرة بسيطة يكفي بضع كلمات منها للإجابة فقط علي أي سؤال أو موضوع
لا تشاركهم الطعام ولا حتى الحديث
لم يستطع يونس نسيان هالة بالعكس صار شارد الذهن كثيرا يفكر فيها وكلما قرر الإمتناع عن الذهاب إلي عملها ورؤيتها وجد نفسه ذاهبا على غير دراية منه وكأنه مسلوب الإرادة فحينما يراها من بعيد يبتسم لا إراديا ، تضيق عيونه وتلمع كنجمة تنير ليلا عتمة حياته، يرفرف قلبه ويخفق بحنان ولاسيما بدأت هالة تبادله نظرات الإعجاب تارة وتتجاهله تارة أخرى.
شعر يونس وكأن قلبه يخفق لأول مرة، فما مضى من حياته قبلها كيف كان يعيشه بدون النظر إليها، والتأمل في رقتها.
النظر إليها كفيل بأن يجدد طاقته ويشعره بالسعادة
وذات يوم قرر أن يتشجع ويتحدث إليها ، انتظرها حتى انتهت من العمل وبمجرد أن رآها.
يونس : ممكن نتكلم شوية.
هالة : مين حضرتك ؟
يونس : أنا يونس.
تنظر له هالة نظرة تعجب واندهاش وتتركه وتمشي بضعة خطوات.
يونس: أنا مش طالب غير نقعد سوا في أي مكان عام و هعرفك أنا عاوز اتكلم معاكي ف إيه.
وفي النهاية تتركه وترحل
كان يونس كثيرا ما يترك العمل ويساعده على ذلك صديقه سمير
تكرر الموقف مرارا وتكرار وفي المرة الرابعة
في نفس الوقت والمكان.
يونس : عاوز اتكلم معاكي في موضوع مهم .
هالة: اتفضل
يونس: مينفعش في الشارع .
صمتت هالة بضع ثوان ثم هزت رأسها بالقبول.
وأشارت إلى مكان قريب منهم .
وفي مكان مخصص للمشروبات كان يونس يشعر بأنه يحلم .
يونس : أنا مبعرفش ألف وأدور علشان كده هدخل في الموضوع على طول، أنا معجب بيكي وأتمنى ارتبط بيكي.
هالة بنظرات بائسة: آسفة ظروفي متسمحش.
وهمت بالوقوف.
يونس: طب قومتي ليه أنا لسه مخلصتش كلامي
هالة: بس أنا خلصته.
يونس: عارف إنك أرملة وأم لطفل وأنا برضو معجب بيكي
هالة بضيق : عرفت منين الكلام دا ؟؟؟
يونس : المهم إني عارف ومتمسك بيكي، بصي أنا إسمي يونس، عندي ٢٦ سنة خريج كلية الحقوق بس مشتغلتش بيها ولا حتى فاكر أنا درست إيه.
بشتغل إداري في شركة تجارية لبيع المنتجات الغذائية، وحيد أمي بس عندي أخ إسمه إياد بس مش أخويا شقيق، هو اخويا من الأب ،
والدي ووالدتي انفصلوا من قبل ما اتولد.
هالة : انت متعرفش عني حاجة ..
يونس : نسيت أقولك وكمان والدي هداني بشقة من قريب ، وبصراحة أكتر أنا كنت خاطب وساعتها اداني الشقة هدية
والدتي إسمها لمياء هي متعلقة بيا أوي يعني ابنها الوحيد وإللي عاشت عمرها علشان تربيه وتهتم بيه ، أنا قولتلك عن حياتي كلها بكل صراحة .
هالة : بس أنا حياتي متلخبطة و ...........
يونس : ومين حياته مظبوطة زي القهوة ، كلنا عايشين متلخبطين وأنا بصراحة كده بحبك ومتسألنيش إزاي
هالة : بتحبني !!!
يونس: أيوا بحبك ومتمسك بيكي وبإبنك ، صحيح هو إسمه إيه ؟
هالة : معتز ، إسمه معتز ....... بس انت لسه متعرفنيش.
يونس : معرفش ولو حد قالي إنه حب إنسانة بسرعة كدا ومن غير ما يعرف عنها حاجة مكنتش هصدقه.
هالة : بس فيه موضوع لازم تعرفه الأول .
يونس : قولي أنا نفسي أسمعك جدا .
هالة : قابلني الأسبوع الجاي في نفس المكان ونفس المعاد وبعد ماتعرف كل حاجة تقدر تقرر هترتبط بيا ولا لأ .
يونس : لسه هستنى الأسبوع الجاي .
حاول يونس معها أن تبوح له بما تعنيه إلا أنها صممت على صمتها لحين اللقاء وتركته ،
تركته يجدف في بحر الأسئلة .
أخبر يونس والدته بهالة وظروفها إلا أنها عنفته ووبخته وكيف تجرأ وفكر في الارتباط بفتاة قبل علمها ، وأين ابنها البار الذي يطيعها ؟
الأم: انت فين عقلك مكبرش فيك إلا عمرك بس.
يونس : وإيه إللي يمنع ، أيوا هي أرملة بس برضو إنسانة
عندها مشاعر وأحاسيس وبصراحة أنا بحبها.
الأم: حبتها امتى ؟ وإزاي تحب من غير متقولي ؟
يونس : يا ماما يا حبيبتي هو الحب فيه إستئذان ؟
الأم: انت مبتفكرش إلا في نفسك ، وبعد كده إيه ، تخطبها شهرين وتسيبها
يونس : على فكرة أنا مسبتش سوسن ، هي إللي سابتني
الأم : سوسن ولا عمرك هتعوضها كفاية إن أنا كنت راضية عنها.
صمت يونس واكتفى بالنظر إليها في إستنكار ثم تركها وأغلق على نفسه باب غرفته ،
كلام لمياء لم يحبط من تمسك يونس بهالة على العكس تماما زاد إصراره وتعلقه بها ، وهذا الغموض الذي تركته يعيش فيه زاد من تفكيره فيها.
الفصل الخامس
الخالة أحلام
وفي يوم خرج يونس لمقابلة أصدقائه وجد (علي ) أول الحاضرين وبمجرد جلوسه جاء مصطفى.
مصطفى: أهلا
يونس : إزيك يا مصطفى
مصطفى : الحمدلله زي ما أنا مشاكل وخناقات ولا حاسة بيا ولا فكرت في بنتها.
يونس : لا حول ولا قوة إلا بالله، وهتعمل إيه يا مصطفى
مصطفى : خلاص قررت أوافق على الطلاق.
علي : ومريم بنتك هتكون مع مين ؟
مصطفى : معايا طبعا هي اصلا عاوزة تطلق بسبب مريم ، بتقول خايفة نخلف طفل تاني يكون عنده متلازمة داون برضو وهي اصلا مش قادرة تربي مريم لوحدها.
ثم يعم الصمت حتى تحدث يونس _ يحاول تغيير الموضوع نظرا لحالة مصطفى النفسية
يونس: سرحان في إيه يا علي .
علي : كنت لسه بفكر فيك انت ومصطفى وحسام، والناصية إللي كنا بنتقابل فيها قبل منبدأ نتقابل هنا في الكافييه ، قبل المسئولية والشغل والجواز .
يونس: الناصية إللي بينها وبين الكافيه خمس خطوات دي .
علي: أيوة هما خمس خطوات بالرجل ، بس سنين بالعمر.
يونس: انت بقيت فيلسوف يا على خلاص الجواز غيرك.
على : هو فعلا غيرني و حاسس اني بقيت بشوف المواضيع من زوايا مختلفة، بس بحاول مفكرش كتير علشان أرتاح.
_ صوت جرس هاتف يونس _
يونس : الو، إزيك يا خالتي .... بتقولي إيه..... طب انتوا فين دلوقتي ؟
ثم أغلق الهاتف وأخبر أصدقائه بأن جدته في المستشفى ومضى مسرعا ولحق به أصدقاؤه
حتى وصلوا إلى المستشفى وسأل عن حالة بإسم مؤمنة ( جدته ) أو أحلام مصطفى ( خالته ) ولكنه لم يجد أي مريض تم دخوله للمستشفى بهذه الأسماء .
وتعجب يونس فالحالة توا وصلت للمستشفى إلا أن موظف الإستقبال أخبره أن آخر حالة وصلت كانت بإسم ( أحلام يونس ) وهي بالطابق الثالث.
صعد مسرعا فإذا بخالته أحلام وهي منهارة من البكاء والدعوات _ يارب مليش غيرها ، خليهالي يارب وغيرها من الدعوات والتعبيرات _
أسرع يونس يهديء من روع خالته حتى خرج الطبيب وأخبرهم أن الجدة تعاني من (هبوط حاد في الدورة الدموية) غير معروف سببه والحالة الآن مستقرة إلا أنهم سيقومون بعمل الأشعة والتحاليل اللازمة للاطمئنان عليها
أعطت أحلام بطاقة بنكية ليونس وطلبت منه سحب مبلغ من المال لإيداعه في حساب المستشفى لعلاج الجدة وأخبرته بالرقم السري وهو تاريخ ميلادك الجدة الرابع عشر من شهر أكتوبر
ثم مسك يونس هاتفه ليخبر والدته.
أحلام : هتكلم مين
يونس : هكلم أمي طبعا
أحلام بعصبية : متكلمهاش
يونس : لازم تجي تشوف أمها يا خالتي.
أحلام تستشيط غضبا : متقوليش يا خالتي ، روح هاتلي فلوس بالكارت دا الأول وبعدين روح البيت عرفها وقولها متجيش ، ولما أمشي من المستشفى هأبقى أكلمك اقولك، ساعتها هي تقدر تيجي .
الآن صرت أعلم أن خالتي لم تكن أختا شقيقة لأمي لأن والدتي إسمها ( لمياء مصطفي ) وإسم خالتي ( أحلام يونس ) ، لكنني تأكدت حينها أن هناك لغزا آخر وأمسيت أريد أن أضحي بحياتي حتى أعلم هذا السر.
تعجب يونس من المبلغ الكبير في حساب خالته في البنك ، وهي لا تعمل فمن أين حصلت عليه ؟!
مكثت الجدة أيام قليلة لإجراء بعض التحاليل والأشعة وبعد ما أطمئنوا على صحة الجدة خرجت.
