قراءة الفصل الحادي والعشرون من رواية الجدة

 

             الفصل الواحد والعشرين 


وبعد العصر كانت سميحة تجلس فى شرفة الاستراحة تستمع الى أم كلثوم وقد اطلقت بصرها فى اتجاه البحر بأستمتاع بالغ حين دلف خالد حاملا صينية شاى قائلا فى مرح:- تفضلى الشاى

سألته سميحة فى دهشة وهى تلقى نظرة على الصينية :- هل قمت بعمله بنفسك؟

قال مبتسما فى بساطة وهو يضع الصينية امامها:- من فى رأيك قام بفعله؟ لا يوجد خدم هنا حسب رغبتك ..ناولها كوبها وتناول كوبه فتناولته منه وهى تشعر بدهشة بالغة فلم سبق له ان فعل هذا طوال معرفتها به

قال مبتسما :- قولى لى رأيك بعد تذوقه

أبتسمت سميحة وارتشفت منه رشفة قبل أن تقول متعجبة:-أنه مظبوط تماما

هتف فى مرح:- أرأيتى ؟ الامر ليس صعبا

أبتسمت دون أن تعقب وأنما اخذت تاخذ رشفات متانية بينما مدد هو قدميه وأسترخى فى مقعده قائلا فى استمتاع:- أه ..ام كلثوم وأغانيها التى تذكرنى بالايام الرائعة..أغنية عودت عينى على رؤياك اليس كذلك؟ أغنية جميلة

تاملته متعجبة قبل أن تقول :- لاتخبرنى أيضا انك اصبحت تحب ام كلثوم فهذا شىء غير معقول 

أبتسم قائلا فى بساطة:- ولما لا ياحبيبتى ..انها تذكرنى بأحلى ايام

لا تعلم سميحة ماذا فعلت بها تلك الكلمة حين نطقها ببساطة وبدون تكلف ..شعرت بسعادة خفية وربما تحرك بداخلها شيئا ما ولكنها تساءلت:- ولكنك كنت سابقا لا تحب سماعها  لم يكن لديك وقت حتى

قال فى حنان:- كما قلتى..سابقا ..كل شىء تغير يا سميحة وانا ايضا تغيرت

سألته سميحة باهتمام:- خالد هل تغيرت فعلا أم انك تفعل هذا لارضائى؟

اجابها فى جدية:- الاثنين ..اننى احاول أن ارضيك وتغيرت..اتعلمين حين كنت أفتقدك فى امريكا كنت اقوم بالاستماع الى ام كلثوم حتى فى ساعات العمل كنت أشعر وقتها وكأننى معك واراك  وأتأملك وأنتى تجلسين كعادتك شاردة وفى يدك كوب الشاى ..كنت اتخيل هذا واتمنى لو عاد بى الزمن للوراء وشاركتك تلك اللحظات وتبادلنا الاحاديث ولو فاتتنى اعمال الدنيا كلها ..لأننى ادركت ان كل النجاح والاموال التى حققتها لا تساوى شيئا بدون وجودك معى

كان صادقا تماما وقد شعرت هى بذلك وأخذت تتأمله غير مصدقة أن من يتكلم هو خالد ..ولكن فى نفس الوقت شعرت بسعادة غامرة لكلماته وبدأت تشعر بالالفة معه

فقال مقاطعا افكارها :- ما رأيك بعد الاستماع الى ام كلثوم نخرج لنتمشى قليلا على الشاطىء ..ساعزمك على أيس كريم...لا مجال للرفض هنا..خذى بالك

أبتسمت قائلة :- حسنا اوافق

أبتسم بدوره وقد ادرك ان اول محاولة قد افلحت وانه قارب على النجاح

                             ******

وبعد انتهاء الغذاء قامت ملك باعداد الشاى بينما جلست مديحة تذاكر لهانى ولبنى بعصبيتها المعهودة وبعد أن قدمت ملك الشاى لجدتها قالت:- هل تريدين منى شيئا ياتيتة قبل أن أذهب لمذاكرتى؟

قالت جدتها وهى تشير اليها لتجلس بجوارها فى حنان:- لا فقط خمس دقائق نكمل حديثنا

جلست ملك بجوارها وهى تقول فى تساؤل :- اى حديث هذا؟

قالت جدتها:- حديث الغذاء ..ما رأيك فى موضوع العريس.؟ من حيث المبدأ اقصد؟

تطلعت ملك الى جدتها فى دهشة وقالت:- هل تتحدثين بجدية حقا يا تيتة؟

قالت جدتها فى جدية:- وهل فى هذا هزار ياحبيبتى؟

هزت ملك كتفيها قائلة فى عفوية:- لا ولكننى كنت اتصور انك تحاولين اثارة كريم فقط

مالت اليها جدتها وقالت بابتسامة خبيثة:- وماشأن كريم بهذا؟

تراجعت ملك سريعا وقالت بارتباك:-هة؟ لا أقصد ولكننى تصورت انك تمزحين

قالت جدتها مبتسمة:- الامر ليس مزحة على الاطلاق فهناك عريس يلح فى التقدم اليك واهله ايضا وينتظرون قدوم والديك من سفرهما بفارغ الصبر ليطلبوا ايدك منهم وانا اريد ان اعرف رأيك 

قالت ملك متعجبة:- حسنا ياتيتة لقد اخبرتك أننى لا اعرف عنه اى شىء كى أبدى اى اراء 

قالت جدتها مداعبة:- حقا؟ حسبت انك تقولين هذا لأثارة كريم ايضا؟

تراجعت ملك متأملة جدتها فى تعجب قبل ان تبتسم قائلة فى فهم:- ما الذى تريدين الوصول اليه بالظبط يا تيتة؟

قالت جدتها مبتسمة فى حنان:- اريدك فقط أن تصارحينى بحقيقة مشاعرك هذا كل مافى الامر

قالت ملك مبتسمة فى خجل:- حسنا يا تيتة ساخبرك ...فقط لأنك عزيزة جدا على

مالت اليها جدتها قائلة:- حسنا كلى أذان صاغية

مالت ملك ايها وهمست فى اذنها بكلمات وقد بدا عليها الخجل فأبتسمت جدتها وهى تتلقى كلماتها فى حنان ثم تراجعت قائلة فى ارتياح وهى تربت على يد ملك :- كنت اعرف هذا ولكننى اردت التأكد قبل ان انهى الموضوع مع خالتك سلوى ..صدقينى يا حبيبتى لن تجدى خيرا من كريم فى الدنيا كلها

قالت ملك فى حياء:- اعلم هذا ..ولكن هذا سر بيننا اليس كذلك؟

قالت جدتها مطمئنة:- اطمئنى ياحبيبتى لن ابوح به لأحد الا فى وقته  فقط اردت التاكد لكى اتخلص من الحاح خالتك سلوى فمادامت وضعت فكرة فى رأسها فلن تهدأ حتى تنتهى منه

قالت ملك:- حسنا بما اننا تصارحنا هل يمكننى ان اذهب للمذاكرة؟

قالت جدتها فى حنان:- لا يا حبيبتى اذهبى الى مذاكرتك

اتجهت ملك الى غرفتها بينما تابعتها جدتها بكل حنان

                                    *****

راقبت سميحة خالد الذى خرج من غرفته متانقا ومصففا لشعره فى عناية بالغة وقد فاحت منه رائحة عطره الثمين وقد وقف لحظات امام المرأة يتامل نفسه قبل ان يتجه اليها فى مرح قائلا:- ما رأيك هل ستخرجين معى؟

سالته سميحة فى حذر:- الى اين يا ترى؟

هز كتفيه قائلا فى بساطة:- الى اى مكان تريدينه ..سأعزمك على العشاء فى اى مكان ترغبين فيه أننا لم ناتى هنا لنجلس طوال الوقت مستمعين الى الراديوا والتلفزيون اليس كذلك؟

صمتت سميحة لحظات فى تردد وهى تبحث بداخلها عن اى مبرر لترفض به عرضه بلباقة وقبل ان تقول اى شىء رن هاتفه المحمول فاسرع بالاجابة هاتفا :- نعم يا اسامة ..ماذا هناك؟

راقبته سميحة وهو ينصت الى محدثه فى اهتمام وقد بدأ حاجبيه بالانعقاد قبل ان يقول:- الا يمكنك التصرف لحين عودتى اليك؟ ماذا ايضا؟ كيف هذا؟

هتف اسامة بانفعال:- كما اخبرتك يا خالد بيه لا بد من حضورك لأنهاء الامر فالموضوع خرج من يدى

صمت خالد لحظات فى تفكير وقد لمح بجانب عينيه سميحة التى تتابعه فى اهتمام قبل ان يقول فى حسم:- اسمع يا أسامة نفذ كل ما ساقوله لك بالحرف الواحد وبلغنى بالتلفون عن النتيجة

لا يا اسامة لن أستطيع الحضور مهما حدث فقط نفذ ما ساقوله لك واخبرنى هل اتفقنا؟ ثم القى بتعليماته لأسامة قبل ان ينهى مكالمته ويتجة الى سميحة :- مازال العرض مستمر

سالته باهتمام:- ماذا حدث؟

قال فى بساطة وهو يجلس بجوارها:- لا شىء ..مشكلة باحدى فروع مؤسستى فى نيويورك 

سالته ثانية فى اهتمام:- وماذا ستفعل؟ الن تسافر ؟

قال :- لا يمكننى ذلك على الاقل الان فلدى هنا ماهو اهم بكثير من كل اعمالى

سألته باهتمام:- ماهو؟

قال مبتسما فى حنان:- بل قولى من هى ..انت يا سميحة ..انت لدى اهم من كل شىء 

تراجعت وهى تتامله غير مصدقة فتابع :- الاتصدقيننى ؟ الا تصدقين أننى تغيرت بالفعل؟ هل تتصورين اننى اقول هذا لأرضائك ؟لأ انت بالفعل اهم لدى من كل اعمالى ولقد جربت هذا بنفسى طوال السنوات الماضية التى ابتعدت عنك فيها ..لاشى له طعم بدونك

لاتدرى سميحة كيف تغلغلت كلماته بداخلها وأثرت فيها واسعدتها وحركت بداخلها أنوثتها التى كتمتها طوال السنوات الماضية واخذت تنظر اليه وكانها تراه لأول مرة 

قال مقاطعا افكارها:- ها مارايك هل ستخرجين معى للعشاء؟

قالت مبتسمة:- كما ترى

قال فى مرح:- حسنا بدلى ملابسك..لديك خمس دقائق فقط لكى تفعل ذلك

قامت قائلة:- تعلم اننى لا اخذ وقت فى هذا

قال فى حنان:- اعلم هذا ...انت لا تحتاجين لأى اضافات 

أتجهت الى غرفتها تتابعها عيناه المملؤتين حبا

                             ******

((الى من كنتى تتحدثين؟)) سالت سعاد ابنتها سلمى التى تمددت على فراشها وقد انهت مكالمتها على التو 

اجابتها سلمى مبتسمة:-انها طنط سميحة

قالت سعاد:- هكذا؟ الهانم منذ سافرت ولم تتصل بى ولامرة بينما لاتكف عن الاتصال بك 

قالت سلمى بتقدير:- طنط سميحة افضل صديقة لى وكذلك انا بالنسبة لها ..ولكن هل يشعرك هذا بالضيق ياماما؟

ابتسمت سعاد قائلة:- لا ياسيدتى لا يضايقنى...المهم ماهى اخبارها ؟هل تسير الامور بينها وبين زوجها على مايرام؟

قالت سلمى فى ارتياح :-يبدوا هذا يا ماما..يبدوا ان علاقتها باونكل خالد فى تحسن كبير

سألتها امها فى اهتمام:-كيف؟ ما الذى حكته لك بالظبط؟احكى لى

ابتسمت سلمى قائلة فى خبث:- لا استطيع أخبارك بكل ماحكته لى فبعضه يدخل فى اطار السر ولكن هناك تطورات كثيرة جيدة فقد خرجت معه عدة مرات للعشاء والتنزه وهما يقضيان اوقاتا طيبة معا

عقدت سعاد حاجبيها وقالت محنقة:-هكذا اذن ؟ هل اصبحت بينكما اسرار لا تحكى لى ؟ حسنا يا سميحة حين تعودين سيكون لى معك كلام..عموما هل اخبرتك متى ستعود؟

قالت سلمى:- على يوم الجمعة القادم قبيل امتحانات ملك

تنهدت سعاد وقالت فى حنان:- على كل حال ربنا يسعدها لاتتصورى كم انا سعيدة برجوعها الى زوجها وسعيدة لأنها تعيش حياتها الان معه

قالت سلمى فى ارتياح:- الحمد لله

قامت سعاد قائلة:-حسنا الن تقومى لتتناولى معنا الغذاء ؟ والدك يريد ان يتناوله معك

هزت سلمى راسها قائلة :- لن استطيع ياماما..الغثيان يقتلنى كل ما أستطيع تناوله هو كوب عصير فقط

هتفت سعاد:- هذا لن ينفع  ليس طوال النهار كيف سيتغذى الجنين بهذة الطريقة ؟

قالت سلمى :- صدقين يا ماما لا استطيع فقط كوب عصير حتى لا اتقيا واريد ان انام فأنا أشعر بالدوار

قالت سعاد باصرار:- يجب ان تقاومى هذا..فلن نقضى الحمل كله فى السرير بدون طعام ..لديك طفلة وزوج ونونا بدأت تكون عصبية جدا فهى تفتقدك رغم مانفعله معها انا وابوها وجدها

قالت سلمى فى ارهاق :- لا استطيع ..بالرغم عنى يا ماما ...الغثيان والدوار لا يفارقانى..اريد فقط ان انام

هزت سعاد رأسها وقامت قائلة فى استسلام:-حسنا ساقوم لاضع الغذاء واذا شعرت ببعض التحسن تعالى لتجلسى معنا قليلا ثم غادرت الغرفة فجذبت سلمى الغطاء ونامت

                              ******

راقبت ملك داليا وهى تقطع الغرفة ذهابا وايابا ممسكة بكتابها وتذاكر بكل تركيز لحظات قبل ان تهتف محنقة :- داليا الن نتحدث قليلا؟

قالت داليا دون ان ترفع عينيها عن الكتاب :- نتحدث فى ماذا؟

قالت ملك:- فى أى شىء ..هل ستبدأين المذاكرة من فورك؟

أجابتها داليا فى هدوء مثير وهى تتابع حركتها:-بالطبع ..الن نأتى الى هنا للمذاكرة ام للتحدث 

هتفت ملك :-نعم اتينا للمذاكرة ولكن لابأس بقليل من الحوار

توقفت داليا وقالت وهى تشير اليها:- لاحظى أننى كلما أتيت لأذاكر معك قضينا معظم الوقت فى الحوارات والنقاش دون ان نحقق فى المذاكرة شيئا

هتفت ملك محتجة :- بالعكس اننا نذاكر جيدا بالرغم من ذلك

أشارت داليا اليها قائلة وهى تجلس بجوارها:- كما يجب ان تلاحظى ايضا انك اصبحتى ثرثارة هذة الايام ..فى الماضى كنت انتزع منك الكلام أنتزاعا والان أصبحت أتمنى ان تغلقى فمك قليلا

هتفت ملك فى تعجب مستنكر وهى تشير الى نفسها:- انا ؟ هل تمزحين؟

أبتسمت داليا قائلة:-بالطبع لا امزح أنظرى الى نفسك الان..لا استطيع ملاحقتك فى الكلام ..لم أكن اعلم أن عودة والديك الى بعضهما سيطلق لك لسانك هكذا

قالت ملك متسائلة فى جدية:- احقا هذا؟

قالت داليا مبتسمة:- حقيقى ياملك لقد تغيرتى كثيرا حتى ماما لاحظت ذلك وهى سعيدة لأجلك ولكن ليس على حساب رأسى

هزت ملك كتفيها وقالت فى بساطة:- ماذا افعل ؟ لا اجد غيرك لتحدث اليه هذة الايام

سالتها داليا فى تعجب:- لماذا؟ اين ذهب الجميع؟

تنهدت ملك قائلة:- لقد قالت لى مامى ذات يوم شيئا عن الوحدة ..قالت انه مهما كان حولك من اناس كثيرون اهل او اصدقاء دائما ما ياتى وقت تشعرين فيه بالوحدة وقد شعرت بهذا الان...تيتة تنام مبكرا جدا هنا وانكل سمير اصبح مشغولا فى الامتحانات وطنط مديحة تقضى كل وقتها فى التنظيف وترتيب المنزل والمذاكرة لولادها ..بالنسبة لسلمى فهى تقريبا ملازمة للفراش بسبب الحمل وكلما حادثتها شعرت بالغثيان بدلا عنها فهى تقضى المكالمة تقريبا فى التقيؤ ونرمين لا اتوافق معها فنحن مختلفتين تماما وحاليا لاهم لها سوى عمر وكلما حادثتها لا يخطر ببالها سوى التحدث عنه ماذا قال وماذا فعل وانا لا احب هذة النوعية من الحوارات

اطلقت داليا ضحكة قصيرة ثم قالت وهى تشير الى ملك:- يا الهى ..مازلتى كما انت لم تتغيرى ...غير رومانسية على الاطلاق 

هزت ملك كتفيها قائلة:- قلت لك سابقا الرومانسية عندى شىء مختلف ..فهى احساس قد يكون فى احلك المواقف وانا بصراحة لا احب الميوعة

اطلقت داليا ضحكة اخرى وقالت:- لكل منا وجهة نظره ..بمناسبة الرومانسية ماذا فعلتى فى موضوع العريسين المتقدمين لك؟

هزت ملك كتفيها وقالت:- ماذا افعل برأيك ؟ لقد رفضت الموضوع فانا فى بداية الدراسة الجامعية ومازال لدى الكثير ثم أننى لا اعرف عنهما اى شىء تقريبا فكيف بتصورك ساتصرف

قالت داليا مبتسمة فى خبث:- هذا فقط؟ الا توجد اسباب اخرى؟

سالتها ملك فى دهشة:- ماذا تعنين بهذا؟

قالت داليا:- أقصد وجود شخص ما ..كريم مثلا

هتفت ملك فى توتر:- كريم؟ ماذا تعنين ايضا؟

قالت داليا :- كريم يحبك ياملك وهذا واضح وضوح الشمس كما يبدوا لى انك تميلين اليه؟

سالتها ملك متعجبة:- حقا؟ هل يبدوا هذا ؟

قالت داليا مبتسمة:- بالنسبة لى واضح فأنا صديقتك وافهمك جيدا رغم تحفظك فأنا اشعر بميلك اليه لأن لو كان غيره يتعقبك ويتقرب اليك بتلك الطريقة وانت رافضة لصددتيه بجفاء واحيانا بقلة ذوق اسمحى لى فانا اعرفك جيدا

صمتت ملك لحظات قبل ان تقول:- فى الحقيقة أنا بالفعل اشعر بانجذاب نحوه فكريم انسان رقيق ومؤدب ولطيف ..وأشعر بالفعل انه متعلق بى ولكن تعرفى يا داليا ينقصه شىء ما..

سالتها داليا فى اهتمام:- وماهو؟ 

قالت ملك فى حيرة:- لست ادرى بماذا اجيبك ..كريم لطيف كما قلت لك وعاطفى وهذا شىء جميل ولكن فى نفس الوقت...لست ادرى بما اخبرك

تابعت داليا فى فهم:- نعم افهمك ليس بالانسان القوى الذى تتمنيه ..شخصيتك يا ملك تميل الى شخص قوى الشخصية والشكيمة اليس كذلك؟ وكريم بمظهره لايبدوا هذا الشخص

قالت ملك :- ليس بالظبط ولكن قد تكونى اقتربتى من الحقيقة

قالت داليا فى حرارة:- حسنا خذى برأيى فى هذا الشأن أن المظهر لا يدل بالضرورة على الجوهر وكريم عاطفى نعم ولكنه يبدوا لى قوى فقد غير مسار حياته واختار مايريده رغم معارضة والديه فى الدراسة خصوصا الدكتورة نورهان ..وأنتى فى كل الاحوال لم تعرفيه كفاية لتحكمى عليه ..ولكن دعك من هذا الان فأعترافك هذا يستحق احتفال...ملك صديقتى ذات الوجه العبوس تحب ...اليس هذا عجيبا؟

قالت ملك محنقة:- لم اقل اننى احبه..فقط قلت اميل اليه وماذا فى هذا الست بشرا؟؟؟؟؟؟؟

قالت داليا ضاحكة:-لا لست بشرا انتى عندى مثل المرأة الحديدية او سوبر وومان شىء من هذا القبيل

قالت ملك مبتسمة فى تهكم:- حسنا مادام الامر كذلك اريدك ان تمسكى بالكتاب ولا ترفعى رأسك عنه حتى اعود...ساقوم بعمل كوبين من الشاى 

قالت داليا معترضة:- ولكننا لم نكمل حديثنا الشيق بعد؟اريد معرفة المزيد

قالت ملك وهى تغادر الغرفة:- هذا يكفى اليوم ...كفانا ثرثرة..اليس هذا رأيك ايضا؟

تابعتها داليا متعجبة ثم التقطت كتابها وغمغمت فى حنق:- تشعل فضولى ثم تطالبنى بالتركيز فى المذاكرة..ماذا هذا التعنت ! 

                                   ******

بعد عودة  سميحة وخالد الى منزلهما ..مرت عدة ايام كانت بالنسبة لملك هى أسعد ايام عمرها واكثرها امانا وهى تعيش اخيرا بين ابويها تتمتع بحبهما ورعايتهما معا ..كان وجودهما سويا هو أغلى ماتريده من الحياة  وكانت تتمنى لو دام هذا للابد ولكن للاسف سافر خالد الى امريكا لمتابعة اعماله بعد أن وعد ابنته وزوجته بالعودة فى اقصى سرعة وانشغلت ملك بامتحانات نصف العام كما انشغل الجميع بها وبينما هى مغادرة بعد أن أنهت امتحانها اذا بصديقتها منى تلحق بها هاتفة :- ملك انتظرى قليلا 

توقفت ملك هاتفة فى نفاذ صبر:- ماذا هناك ثانية؟

هتفت بها منى:- ما بالك متعجلة هكذا؟ هذا اخر يوم فى الامتحانات لما لانجلس معا قليلا؟

قالت ملك وهى تشير الى ساعتها :- لن استطيع الان فلدى موعد مع داليا كما ان مامى ستأتى لتصطحبنى اليوم الى المنزل ولا استطيع ان اتأخر عليها

قالت منى مؤنبة:- حسنا أذهبى لا اريد أن اتحدث معك

هتفت ملك ساخطة وهى تشير اليها :- ماذا أفعل لك..منذ ساعة وانا اجلس معك ولم احصل منك على كلمة مفيدة فانتى تلقين الى بكلمة ثم تلتفتين لتسملى على هذة وتعاتبى هذة وتثرثرى مع هذة وتردى على مكالمة من هذة وانا لن اقضى عمرى كله فى انتظارك

اطلقت منى ضحكة قصيرة وقالت :- هكذا ؟ حسنا سأقول كل ماعندى بسرعة ..لا تغضبى

أبتسمت ملك على الرغم منها ثم قالت وهى تشير اليها محذرة:"- حسنا ولكن والله يامنى لو اوقفتى احداهن واخذتى تثرثرين معها لن تجدينى أمامك ..سأفر من هنا بسرعة 

ضحكت منى ثانية وقالت:- حسنا ..اسمعى ياسيدتى نحن ننوى النزول يوم الثلاثاء القادم فى مظاهرة كبيرة

سألتها ملك فى اهتمام:- ولماذا يوم الثلاثاء بالذات؟

قالت منى فى جدية:- لأنه موافق لعيد الشرطة وهو مناسب تماما للتعبير عن الاحوال المتردية حولنا ما رأيك؟

تساءلت ملك فى اهتمام:- هل ستفعلون مثلما حدث فى تونس؟

قالت منى فى حماس:- ولما لا؟ الاوضاع متشابهة كثيرا فى البلاد العربية ومادام شباب تونس قد حقق المستحيل فلما لا نفعل مثلهم

هزت ملك كتفيها قائلة:- صحيح 

سالتها منى:- هل توافقين.؟

صمتت ملك لحظات فى تفكير وقد عقدت حاجبيها فسألتها منى متعجلة :-ماذا قلتى؟؟؟هل تفكرين؟

قالت ملك فى بطء:- بالطبع أفكر يا منى فأنا معك تماما واتمنى بالطبع المشاركة فى هذا ولكننى فى نفس الوقت وعدت مامى ودادى سابقا  الا افعل شيئا دون موافقتهما وأنا متاكدة انهما لن يوافقا على امر كهذا  خصوصا بعدما حدث فى المرة السابقة

قالت منى فى حزم:- ملك لا يجب أن  نخاف اونتأثر بما حدث والا لن نتقدم خطوة واحدة الى الامام

قالت ملك فى ضيق:- منى لست خائفة فلا تقولى لى ذلك ثانية اننى فقط أفكر فى مامى ودادى لن يوافقوا ابدا على هذا

قالت منى:- حسنا أننا نطالب بمطالب مشروعة ولا نفعل شيئا خطئا وكل الاهالى وليس والديك فقط يخافون على اولادهم ولكن لا يجب ان يمنعنا ذلك..لا تخبريهم

قالت ملك فى حسم:- لا يا منى ..لن افعل شيئا بدون موافقتهما لقد وعدتهما ولن اخلف موعدى ابدا مهما حدث فهذا حقهما ولن اغضبهما ثانية 

ولكن اعدك ان احدثهما فى الموضوع ولو وافقوا ساخرج وساكون سعيدة جدا

تأملتها منى لحظات قبل ان تقول فى استسلام:- حسنا كما تشائين ياملك أردت فقط ان اخبرك

وقبل ان تعلق ملك أبصرت والدتها التى اتجهت نحوها فى سرعة وهى تشير الى ساعتها مؤنبة فاسرعت ملك نحوها قائلة:- ها هى مامى ساذهب اليها الان وسأكون على اتصال بك يامنى اوك؟

قالت منى بلهجة مرحة حاولت بها اخفاء ضيقها :- ان شاء الله وسلمى لى على طنط سميحة 

قالت ملك وهى تبتعد :- ان شاء الله  الى اللقاء 

زفرت منى وهى تراقبها بينما اقتربت منها فريدة متسائلة :- ماذا فعلتى ؟هل اخبرتيها

هزت منى رأسها وقالت فى ضيق:- نعم ولكنها رفضت..لا تريد اغضاب والديها

قالت فريدة متفهمة:- لديها حق فبعدما حدث لها من المؤكد انهم سيمنعونها من المشاركة ثانية فى مثل هذة المظاهرات 

قالت منى :- ولكننى كنت اتمنى وجودها معنا ...ملك يا فريدة تملك شخصية قوية جدا وارادة وتصميم لم أرهم فى احد ووجودها سيشجع من حولها فلها تأثير ايجابى قوى على الاخرين

قالت فريدة:- نعم ولكن ماذا نفعل؟ هيا بنا لنكمل اجتماعنا فالجميع بانتظارنا

زفرت منى مرة اخرى ثم قالت :- نعم هيا بنا

                                         *****

وفى طريقهم الى المنزل لاحظت سميحة شرود ملك طوال الطريق والتزامها الصمت فسألتها سميحة فى قلق:- ماذا بك يا ملك ؟ اهناك شىء تخفينه عنى؟

انتزع سؤال سميحة ملك من شرودها فالتفتت الى امها قائلة:- لا يامامى لماذا تسألين؟

قالت سميحة:- منذ غادرنا الجامعة وانتى شاردة..ألم تجيبى على الامتحان بشكل جيد؟

هزت ملك رأسها نفيا وقالت :- لا لقد كان جيدا

سألتها امها :- أذن ماذا هناك؟

صمتت ملك لحظات دون ان تجيب قبل أن تسأل أمها فجاة :- مامى هل تتصورين ان ماحدث فى تونس يمكن ان يتكرر فى مصر؟

شعرت سميحة بالدهشة للسؤال المفاجىء لذا فتأملت ملك لحظة فى دهشة قبل ان تقول:- لست ادرى ما الذى يدور برأسك ولكننى لا أتصور ذلك فرغم تشابه الظروف فى البلدين لكن النظام هنا مختلف عن تونس ..لكن أعتقد أن الامر هنا سيكون اصعب بكثير ..لماذا تسألين هذا السؤال ؟

أعتدلت ملك فى مقعدها وهى تسأل أمها فى حذر:- هل تعلمين ان الشباب يريدون الخروج فى مظاهرات يوم الثلاثاء القادم بمناسبة عيد الشرطة؟

رمقتها امها بنظرة شك وقالت:- نعم لقد قرأت عن هذا فى الجرائد وفى الفيس بوك..لماذا تهتمين بهذا ايضا؟

تراجعت ملك وقالت بلهجة حاولت جعلها هادئة:- لقد دعانى اصدقاءى للخروج معهم فى هذا اليوم ..ما رأيك؟

رمقتها سميحة بنظرة مستنكرة وقالت:- هل تسأليننى فى هذا؟

قالت ملك فى توتر عصبى:- نعم يا مامى أسألك ماذا فى هذا؟

هتفت سميحة فى لهجة قاطعة غاضبة:- لأنك تعرفين رأيى جيدا فى هذا الموضوع ...وبالطبع تعلمين أننى لن أسمح بتكرار هذا الموضوع ثانية ...لقد مرت المرة الاولى بسلام ولا نعلم ما الذى قد يحدث فى هذة المرة كما ان والدك ايضا سيرفض هذا بشدة

قالت ملك مهدئة وهى تتأمل والدتها التى أحمر وجهها:- حسنا يامامى لقد كنت أخذ رأيك فقط لماذا انفعلتى هكذا؟

هتفت سميحة فى انفعال:- لأننى اعرفك جيدا مادمتى قد وضعتى الموضوع فى رأسك فلن تكفى عن الالحاح والتحايل حتى تنفذيه ولكن لتعلمى من الان اننى لن اوافق على هذا حتى اخر العمر ولو فعلتيها من ورائى فلن أسامحك طوال عمرى ..هذا للعلم فقط

قالت ملك فى ضيق:- حسنا يامامى لقد أخذت رأيك ورفضتى وهذا كل شىء فلا داعى للتهديد والوعيد

أطلقت سميحة زفرة حارة تزيح بها انفعالها ثم قالت بلهجة أكثر ليونة وهدوء:- ملك أننى لا اريد خوض تلك التجربة المريرة ثانية لا يمكنك تصور ماحدث لى طوال ساعات احتجازك فى امن الدولة...شعور ستدركينه فقط حينما تصبحين أم ..حينها فقط ستقدرين موقفى وموقف والدك ..أرجوك لا تفكرى فى هذا الموضوع ثانية  لو انك تحبيننا وتخافين علينا اريد وعد منك الان

زفرت ملك قائلة :- حسنا يامامى اعدك لقد أخبرت منى صديقتى بأننى لن انزل هل أطمئننتى الان؟

قالت سميحة فى ارتياح:- نعم والان لنغير هذا الموضوع ..ما رأيك نتناول الغذاء فى الخارج؟ 

كانت ملك تشعر باحباط كبير فأشاحت بوجهها قائلة فى ضيق:- ليست بى رغبة فى ذلك...انا متعبة

اومات سميحة برأسها متفهمة ثم زادت من سرعة سيارتها دون ان تعلق

                                 ******

وفى بورسعيد كانت سلوى تحادث والدتها قائلة:- اوحشتينى جدا ياماما ..كم انتظر انتهاء الامتحانات بفارغ الصبر حتى أستطيع المجىء اليك

قالت امها :- هانت يا سلوى كلها عدة ايام ...كيف حال الاولاد؟

مطت سلوى شفتيها قائلة فى تبرم:- احمد وعلى منذ اخذوا الاجازة وهم لا يفعلون شيئا سوى اللعب او فى النادى يتدربون وفدوى ملازمة لغرفتها اما تذاكر او تحدث سراج ولا تحاول حتى ان تطل بوجههى وقد ضقت ذرعا بذلك ولم اعد اعلم حقيقة دورى فى هذا المنزل الطريف

قالت نبيلة هانم مبتسمة :- دورك هو اهم دور فى المنزل يا سلوى فانتى عمود المنزل الاساسى

رفعت سلوى حاجبيها مرددة:- عمود المنزل؟؟؟ تعلمين يا ماما أحب التحدث معك دائما فانتى ترفعين معنوياتى دائما

قالت امها :- اين زوجك؟

القت سلوى نظرة على زوجها الذى جلس امام التلفاز وامامه طبق فاكهة كبير اخذ يلتقط منه وقالت:- حازم اما فى عمله او امام قناة الجزيرة يتابع الاحداث الجارية فى تونس طوال الوقت..فجاة أصبح مهتم بالسياسة

رمقها حازم بنظرة متعجبة ثم عاود المتابعة وهو يهز رأسه فهتفت :- هاهو يهز رأسه متأففا وكأنه يرى جاهلة

ضحكت امها قائلة:- لديه حق فهناك أحداث لا ينبغى تفويتها ابدا يا سلوى 

قالت سلوى فى ضجر:- لا ثقل لى على الاخبار والسياسة والقتل والدمار يكفى على ما اعانيه طوال اليوم فى المنزل

تدخل حازم هاتفا فى تهكم:- اخبريها ياطنط انها تمارس السياسة دون ان تدرى فى المنزل ولكن بديكتاتورية

ضغطت سولى على اسنانها غيظا وهى تقول:-هل سمعتى ياماما؟ ها هو الذى توصيننى عليه ليل نهار ..اتعب طوال اليوم ثم لا اجد كلمة شكر واحدة

اطلق حازم ضحكة قصيرة بينما قالت والدتها فى حنان:- انه يمزح معك

هتفت سلوى محنقة :- دعيك منه ياماما واخبرينى عن الاحوال عندك؟كيف حال سميحة؟ هل هى بخير؟

قالت والدتها بارتياح:- نعم انها بخير والحمد لله ...لقد اطمئننت عليها أخيرا ولم اعد بحاجة للقلق عليها 

تناست سلوى حنقها وهى تقول مبتسمة:- الحمد لله  بالمناسبة هل اخبرتيهم عن عريس ملك..ابن أخت حازم؟

قالت نبيلة فى هدوء:- لا لم اخبرهم فقد عادو منذ عدة ايام فقط والبنت فى امتحانات

غمغمت سلوى فى احتجاج:- لماذا يا ماما..حسبتك اخبرتيهم من مدة...خديجة تريد ردا فى اسرع وقت

قالت نبيلة هانم فى حسم:- من الاخر ياسلوى البنت محجوزة ولذلك لم اخبر احد هل فهمتى؟

تراجعت سلوى متسائلة فى تعجب:- محجوزة ؟ كيف هذا؟ولمن؟

قالت امها مبتسمة فى حنان:- انه كريم ابن سامح اخيك

حدقت سلوى لحظات فى دهشة قبل ان تقول:-كريم؟ اه لقد فهمت

ثم أطلقت ضحكة طويلة قبل ان تقول:- حقا العيال كبرت

قالت امها :- هلا هدأتى بالا الان وكففتى عن الالحاح

قالت سلوى:- حسنا ساخبر اخت حازم حتى تكف عن الالحاح بدورها فهى ثرثارة

قالت امها مؤنبة :- الا تقصرين لسانك قليلا؟

قالت ضاحكة وهى تلقى نظرة على حازم الذى رمقها بنظرة ساخطة :-لا عليك يامام حازم نفسه يعلم ان اخته ثرثارة

هزت نبيلة هانم راسها تعجبا ثم قالت:- اخبرى زوجك انه لا يوجد اعذار لديه..يجب ان يأتى معكم هذة المرة

قالت سلوى:- ان شاء الله سيأتى معنا....شكرا لك وسلمى لى على سمير واولاده ومديحة*

                                  *****

عاد جمال الى منزله بعد انتهاؤه من العمل مرهقا كان متجها الى غرفة نومه ولكنه لمح سلمى جالسة فى غرفة المعيشة امام التلفاز فغير اتجاهه مسرعا اليها وقال مبتسما فى هدوء حانى ..ترى ماهو الشىء المهم الذى جعل سلمى تغادر فراشها كى تشاهده؟

أبتسمت سلمى قائلة:- لا شىء يابابا  اننى اتابع التطورات فى تونس 

قال فى مرح وهو يلف ذراعه حول كتفها فى حنان ابوى:- أذن فثورة تونس لم تات بالخير فقط على تونس ولكنها اثرت علينا أيجابيا وجعلت سلمى تغادر فراشها

قالت سلمى فى تقدير:- من كان يتصور يابابا أن أنتحار شاب قهرا ويأسا من ظروف معيشية صعبة يتسبب فى قيام ثورة شعبية تطيح بالرئيس دام حكمه أكثر من عشرين عاما اتى فيها على الاخضر واليابس فى بلده؟

قال جمال:- هذا شىء يدهش الجميع ولكن لا يمكن استبعاد شىء مع قدرة الله وهو لا يرضى بالظلم ابدا مهما طال 

سالته سلمى فى اهتمام:- هل تتوقع يا بابا ان يحدث شىء مماثل فى مصر؟

قال وهو يربت على كتفها:- كماقلت لك ياحبيبتى لايوجد شىء مستبعد خصوصا ان الظروف متشابهة فى البلدين وماحدث فى تونس سيعطى الدافع والثقة لشبابنا فى قدرتهم على فعل اى شىء

عاودت سلمى النظر الى التلفاز فى حين اتت سعاد قائلة:- هل اتيت يا جمال؟لماذالم تغير ملابسك اذن؟

قال مبتسما وهو يشير الى سلمى :-رأيت سلمى جالسة لأول مرة منذ اتت مثل الناس فقلت أستغل الفرصة واجلس معها قبل ان تعاود نومها ثانية

أبتسمت سعاد وقالت وهى تجلس بدورها :- لقد ألححت عليها كثيرا حتى تفعل وحين قامت أخيرا أتصلت بخالتها سميحة قرابة الساعة فقلت لا فائدة سأقوم لاعداد الغذاء

ثم ألتفتت الى سلمى قائلة :- على فكرة سأوبخ سميحة على ذلك فهى لاتتصل بى وانا أختها وكل كلامها معك 

اطلق جمال ضحكة قصيرة بينما قالت سلمى :- والله كانت تريد محادثتك وحين علمت انك مشغولة تحدثت معى وانهت المكالمة هذا ماحدث

قالت سعاد:- هكذا؟ وماهى أخبارها؟

هزت سلمى كتفها وقالت:- لا جديد وةلكنها تشعر بالقلق تجاه ملك فهى تريد النزول يوم الثلاثاء فى المظاهرات مع صديقاتها وهى ترفض ذلك وملك تشعر بالغضب

رفع جمال حاجبيه فى دهشة بينما هتفت سعاد مستنكرة:- ايه مظاهرات تريد ملك النزول بها؟ الم تاخذ درسا مما حدث فى المرة السابقة؟ كيف تفكر هذة البنت ..لقد بدأت التمس لسميحة العذر فى تعاملها الصارم معها

قالت سلمى مدافعة:- ملك لم تخطىء ياماما لا فى المرة السابقة ولا هذة المرة  بالعكس هذا حقها وبصراحة انا معجبة جدا بشجاعتها وجراتها واصرارها على التعبير عن رأيها مهما حدث

هتفت سعاد:- هذا كلام فارغ يجب أن تراعى مشاعر والديها فهى وحيدتهم ..ماذا سيفعلون لو حدث لها مكروه ؟ امها ستموت حزنا عليها

قالت سلمى :- ملك لا تفكر هكذا ياماما انها تفكر فى بلدها وفى الحقيقة لديها حق وانا ايضا اتمنى لو استطعت النزول معهم ولكن الحمل ومتاعبه وكذلك نونا التى افكر فيها ليل نهار

تبادلت سعاد النظر مع جمال الذى تدخل قائلا فى هدوء حنون:- حسنا ..ما الذى جعلك أنتى ايضا مهتمة بالسياسة ومايحدث فيها

قالت سلمى فى لهجة غاضبة:- لم أكن مهتمة حتى رأيت معاناة نديم حتى يقبل بالجامعة رغم انه كان ثانى دفعته ومن حقه التعيين ولكن تم أقصاؤه هو واثنين اخرين من اجل من هم أقل فى التقدير ولكنهم اولاد الاساتذة

وحين رفع قضية على الكلية وكسبها تم تعيينه ولكنه عانى كما لم يعانى احد فى الماجستير وكل يوم توضع امامه عراقيل جديدة مجاملة لرئيس القسم  قلت لنفسى متى ينتهى هذا الظلم متى تنتهى الواسطة والرشاوى والفساد والمحسوبية التى تقضى على كل طموح وكل ابداع ؟متى نتخلص من كل هذا؟

تبادل جمال النظر ثانية مع سعاد وقال:- لديك حق فى كل هذا يابنيتى ..لقد رأينا الكثير وكم من المهازل التى تحدث حولنا ولا يحرك أحد ساكنا 

قالت سعاد فى جدية:- نعم افهم كل هذا ولكن ما الذى ستفعله المظاهرات؟ هل ستفعل شيئا؟ سينزل الشباب كالمعتاد وايضا ستنزل قوات الامن المركزى تضرب وتعتقل فيهم وسينتهى الامر ماذا سيستفيد هؤلاء الشباب وقتها

غمغمت سلمى قائلة فى شرود:- أشعر ان هذة المرة مختلفة او اننى اتمنى لو كانت مختلفة 

تبادل جمال مع سعاد النظرات ثانية ولم يعلق احدهما بكلمة واحدة

                                 *****

الثورة المصرية

كان أحساس سلمى صادقا فقد اتى يوم الثلاثاء الموافق 25 يناير 2011 ونزل الشباب فى ميادين مصر كافة ...شباب عادى لاينتمى الى اى تيار سياسى او دينى  نزل معبرا عن غضبه وسخطه  شباب كان مطلبه بسيط جدا ..عدالة وحرية وكرامة 

انطلق الشباب فى مظاهرات حاشدة سلمية بيضاء وفى المقابل نزلت قوات الامن المركزى مدججة بالسلاح والعربات المصفحة واخذت تطارد المتظاهرين فى كل مكان تفرقهم فى ميدان فيجتمعوا فى ميدان اخر وهكذا طوال الوقت لم تتراجع عزيمتهم تحت وطاة الضرب والاعتقال 

وبينما كانت ملك تتابع الاخبار بأهتمام بالغ شأنها شأن كثير من المصريين والعرب الذين أستشعروا أن تلك المظاهرات قد تكون بداية لنهاية نظام فاسد جثم على صدر البلد سنوات وسنوات أتى فيها على الاخضر واليابس 

رن جرس سميحة المحمول فألقت نظرة على المتصل قبل ان تجيب :- اهلا ياخالد ..كيف حالك

اجابها فى لهجة قلقة:- كيف حالك انتى ياسميحة وملك؟ هل كل شىء على مايرام؟

أجابته :- نعم الحمد لله

قال فى توتر:- ماذا عن المظاهرات؟

قالت متعجبة:- وما شاننا بها ؟ نحن بعيدين تماما عنها

سألها :- حسنا ماذا عن ملك ؟ أهى بالمنزل

ألقت سميحة نظرة على ملك وقالت :- نعم وهى بخير لا تقلق ...ولكنها غاضبة

سألها فى أهتمام:- مما؟

اجابته:- لأنها كانت تريد الخروج فى المظاهرات وانا منعتها

هتف غاضبا:- هذا ما اتصلت من اجله هل جنت ابنتك؟

قالت سميحة مهدئة:- لقد اخذت رأيى ورفضت وانتهى الموضوع فى هدوء يا خالد  لاتقلق

هدأت ثورته قليلا وهو يقول:- حسنا دعيها تغضب كما تشاء ..أفضل أن تغضب منا طوال العمر ولا يصيبها مكروه ..خذى بالك منها ياسميحة ولا تدعيها تغادر المنزل مهما حدث الى ان ينتهى كل هذا

قالت سميحة:- ان شاء الله 

قال خالد:- حسنا لدى فكرة ما رأيك لو أتيتى أنتى وهى الى امريكا لنقضى اجازة نصف العام فى هدوء 

قالت فى هدوء:- وعملى؟

قال :- خذى اجازة يا سميحة أنها فرصة لتغيروا جو ولكى تنسى ملك موضوع المظاهرات فأنا أعرفها جيدا فهى لن تهدأ حتى تنفذ ماتفكر فيه 

قالت سميحة فى حزم :- لا ياخالد..هى لن تفعل هذا وخصوصا انها وعدتنى وثانيا هذة ليست ظروف ملائمة لأغادر بلدى فيها

زفر خالد وقال:- حسنا سانهى صفقة هنا سريعا واعود لكم باقصى سرعة  اوصلى لها تحياتى مع السلامة

أنهت سميحة مكالمتها ثم القت نظرة اخرى على ملك قبل ان تتجه الى المطبخ

                                      ***

وبينما كانت سميحة بالمطبخ تعد هى ونجوى الغذاء اذا بملك تدخل وهى تزفر فى غيظ فسألتها سميحة وهى تتاملها فى هدوء:- ماذا بك؟

هتفت ملك محنقة وهى تشيح بذراعها:- أى وضع هذا؟ النت مفصول والاتصالات مقطوعة  ما الذى يحدث بالظبط؟

هزت سميحة كتفها قائلة:- انهم يفعلون هذا لكى يقللوا من تأثير المظاهرات او هكذا يتصورون ..هونى عليك

هتفت ملك غاضبة:- هذا نظام فاشل ...اليوم فقط ادركت الفرق بيننا وبين الدول المتقدمة هناك لايمكن معاملة الناس بهذا القدر من الاستخفاف والاستهتار بادميتهم ولا حقوقهم...موضوع مثل قطع الاتصالات هذا كفيل بالاطاحة بحكومة كاملة فى الدول المتقدمة بل لا يمكن حدوثه من الاساس 

قالت سميحة متهكمة:- ماذا؟ هل بدأنا نضيق ذرعا ببلدنا ام ماذا؟

هتفت ملك غاضبة:- بالعكس يامامى لقد أزدت اقتناعا أنه لا بد من التغيير فى هذة البلدان ..والتغيير يلزمه مشاركة الجميع وتكاتفهم دون الاكتفاء بالمشاهدة

تبادلت سميحة النظر مع نجوى فقالت نجوى متعجبة:- وهل ستغير هذة المظاهرات شيئا يا انسة ملك؟ ماكان أحد تعب

قالت ملك:- على الاقل يكون هناك رفض ولو بالقول..هناك اشياء كثيرة يجب أن تختفى من بلادنا واولها السلبية فهى أخطر مرض هنا

تأملتها نجوى وقد بدا عليها عدم الفهم فتابعت ملك فى لهجة هجومية:- انتى مثلا يا ام محمد ذكرتى منذ قليل ان سيدة تخطتك فى الشهر العقارى لأنها دفعت للموظف رشوة ومع ذلك لم تعترضى ولم تتحدثى..هذة سلبية

فغرت نجوى فاهها لحظة ثم قالت:- وما الذى كنت سافعله ؟الدنيا كلها على هذا الحال 

قالت ملك فى عصبية محنقة:- تستطيعين فعل الكثير ..لو كل واحد منا شاهد الخطأ وسكت عليه سيكون عادة فى حياتنا ولن نستطيع التخلص منه فى سهولة

غمغمت نجوى مدافعة عن نفسها:- وأنا مالى اذا كانت سيدة قدمت رشوة والموظف قبلها ماذنبى 

أشارت اليها ملك هاتفة فى غيظ:- وانا مالى هذة مصيبة فى حد ذاتها

ادركت سميحة سر عصبية أبنتها وحنقها لذلك تدخلت محاولة جذب انتباه ملك فى اتجاه اخر :- حسنا مادمتى تتحدثين عن السلبية فلما لا تشاركيننا فى عمل المحشى؟؟ وقوفك هكذا دون مساعدة سلبية فى حد ذاتها

القت ملك نظرة متعجبة على امها ثم هتفت فى ضيق عصبى:- مامى..اتحدث معك فى البلد وظروفها فتحدثيننى فى المحشى؟ أهذا معقول؟ ثم هزت رأسها فى عدم رضا وغادرت المطبخ مسرعة

تتابعها عينا نجوى المتسعتين فى دهشة فأبتسمت سميحة قائلة:- لا عليك يانجوى أنها محنقة لأنها تريد الخروج وانا امنعها من هذا ..دعينا نتحملها قليلا

هزت نجوى راسها قائلة:- لن أغضب من قولها فلديها حق على اى حال

قالت سميحة متهكمة:- اتعلمين أن لديها حق ايضا فى موضوع المحشى؟ البلد مقلوبة رأسا على عقب ونحن منهمكين فى عمل المحشى ...أنه توقيت غير مناسب تماما

ثم نزعت يديها منه وقامت بغسلهما قائلة:- اقفلى عليه ..سنأكل اى شىء اليوم لقد افقدتنى ملك شهيتى منه

سالتها نجوى فى دهشة:- حسنا ماذا ستتناولون على الغذاء ؟

اجابتها سميحة وهى تغادر بدورها:- أى شىء الثلاجة مليئة بالطعام سريع التحضير ...هذا أذا اكلنا اصلا

تابعتها نجوى بتعجب ثم هزت رأسها قائلة:- حسنا هذا مريح لى على الاقل

                               *******

الاربعاء مساءا

وبينما كانت ملك تجلس فى الشرفة مع سميحة اذا بجرس الهاتف المنزلى يرن طويلا فأسرعت اليه ملك قائلة:- الو....فريدة؟؟ اهلا يافريدة كيف حالك؟ ماهى الاخبار؟ لماذا تبكين؟؟؟؟

هتفت فريدة باكية فى انهيار:- منى ياملك منى؟

هتفت ملك بكل توترها وقلقها:- ماذا بها منى؟ هل اصيبت؟

اجابتها فريدة وهى تنتحب:- لقد ماتت ياملك  لقد ماتت

تجمدت ملك لحظات وقد انعقد لسانها وهى تحدق بذهول قبل ان تردد غير مصدقة:- ماذا قلتى؟؟؟؟منى ماتت؟ كيف

هتفت فريدة فى الم:- لقد أصابتها رصاصة مباشرة فى القلب ظهر اليوم اثناء المظاهرات ونقلناها الى المستشفى ولكنها توفيت بمجرد وصولها الى هناك

تجمدت دموع ملك فى عينيها الجاحظتين قبل ان تردد بشفتين مرتعشتين:- احقا هذا؟ أأنتى متاكدة مما تقولين؟ منى يس ماتت؟

اومأت فريدة براسها وهى تجيب باكية:- نعم ياملك منى أستشهدت وان اخبرك الان لأننا سنذهب الى بلدها لحضور الدفن والعزاء فهل ستأتين معنا؟

تحررت دموع ملك اخيرا وبدات تسيل على وجهها وهى تردد مذهولة:- عزاء؟؟؟؟؟ هل توفيت منى حقا؟

انتحبت فريدة قائلة:- نعم  هل ستأتين معنا؟

قالت ملك بصوت مبحوح :- نعم سأتى معكم ...وضعت سماعة الهاتف ووقفت لحظات متجمدة غير مصدقة وكأن ماسمعته كان حلما او كابوسا ستسيقظ منه لا يمكنها أن منى صديقتها التى احبتها كثيرا وتغيرت معها وبها وتعلقت بها الى هذا الحد ماتت وبتلك الطريقة 

دخلت سميحة متسائلة :- من كان على الهاتف ياملك؟

التفتت اليها ملك بوجه اغرقته الدموع وهى تهز رأسها غير مصدقة فهتفت سميحة وهى تتجه اليها فى قلق:- ماهذا؟ ما الذى حدث؟ أخبرينى

قالت ملك بصوت مختنق مبحوح:- منى ماتت يامامى

هتفت سميحة مذعورة:- منى؟ منى من؟ صديقتك؟

هزت ملك راسها ايجابا وقالت:- نعم..منى يس..صديقتى بالكلية تلقت رصاصة بالقلب اثناء التظاهر وماتت..منى ماتت يامامى

قالت هذا وتهاوت على اقرب كرسى منتحبة فى حرارة فجلست سميحة الى جوارها وقالت وهى تضمها اليها :- انا لله وانا اليه راجعون...البقاء لله ياحبيبتى ..لاتفعلى هذا بنفسك

هتفت ملك منتحبة:- أننى لا اصدق هذا ..كأنه كابوس يامامى ..لا يمكننى أن أصدق ان منى التى كانت معى منذ عدة ايام قد ماتت وبتلك الطريقة

حاولت سميحة جاهدة ان تبدو متماسكة وهى تقول بكل تأثر :- لا بد ان نكون مؤمنين بقضاء الله  يجب ان تصبرى وتحتسبى 

انتزعت ملك نفسها من حضن امها واسرعت الى دولابها وشرعت فى تبديل ملابسها فسالتها سميحة فى توتر وقلق:- ماذا تفعلين؟

اجابتها ملك:- ساذهب لاحضر دفنها وجنازتها

قالت سميحة فى اشفاق:- حسنا سأذهب لابدل ملابسى واتى معك

****************

كانت جنازة مهيبة لم يقم بتشيعها فقط اقارب منى واهلها بل كل الجيران والاصدقاء وكل من سمع بسقوطها شهيدة فى الميدان من بلدها والبلدان المجاورة حضر جنازتها هذا غير كثير من النشطاء السياسين وارتفعت صيحات الالم من اهلها واحباؤها  مختلطة بهتافات التنديد ضد القتلة والنظام الفاسد 

وحدها ملك لم تنطق بكلمة واحدة ...كانت تتأمل كل من حولها بوجوم كامل وذهول حزين كان موقفا جديدا تماما عليها لم تتعرض لمثله قط وبداخلها سكن حزن كبير لم تشعر به قبل ذلك ..حزن اعتصر قلبها وهى تودع صديقتها التى لم تفارقها ابتسامتها لحظة واحدة ...كم تمنت لو كانت معها فى لحظاتها الاخيرة ..كم تمنت لو ودعتها قبل موتها ..كم تتمنى لو ثارت لها من قتلتها 

أما سميحة فقد أنهمرت دموعها غزيرة وهى تتأمل والدة منى التى أطلقت الاهات تحطم القلوب ..كانت تشعر بها جيدا وتقدر ألمها فى فقدان أبنتها بتلك الطريقة الوحشية  وودت من كل قلبها لو أستطاعت فعل اى شىء لتخفف من ألمها  ولكن هيهات أنها أم وتدرك جيدا شعور فقدان الابنة وقد مرت بهذا سابقا غير أن الامر مختلف هنا فقد فقدت هذة الام الثكلى ابنتها الى الابد وياله من شعور 

التفتت الى ملك وتاملتها بنظرات ملهوفة قلقة  لتجدها جلست كالتمثال  لاتحرك ساكنا ولا تذرف دمعا فقط تتامل حولها فى ذهول  قامت اليها وقالت بكل حنانها وشفقتها:- هيا ياملك ..هيا لنعود الى المنزل لترتاحى قليلا

التفتت ملك ايها قائلة بوجوم:- لا  لا اريد مغادرة المكان

جلست سميحة الى جوارها وقالت هامسة فى حنان:- لا بد أن نترك اهلها ايضا ليرتاحوا ..هذة هى العادة هنا...سنعود ثانية اعدك بذلك

قامت ملك مع امها الى والدة منى لتسلم عليها وبدورها احتضنت السيدة ملك بقوة وهى تجهش بالبكاء الحار مما جعل ملك تنفجر بدورها باكية لأول مرة منذ حضرت العزاء ..وقامت سميحة بدورها بمعانقة والدة منى ومواستها ثم أخذت ملك وغادروا المكان وقد امتلئتا حزنا والما وايضا كرها لمن فعل هذا بمنى..وبكل شباب مصر

*************

صباح الخميس 

كانت ملك بغرفتها التى لم تغادرها منذ عادت من العزاء بينما جلست سميحة امام التلفاز تتابع الاحداث وقد أنتابتها رغبة قوية فى البكاء وهى ترى مشاهد الضرب والسحل والعنف خصوصا بعدما انتزع الموت انسانة قريبة منها..صديقة ابنتها 

أتت نجوى قائلة :- الن تتناولوا الافطار يا دكتورة سميحة؟

قالت سميحة بحزن:- ومن سيجد نفسا لهذا ..حاولى مع ملك فهى لم تتناول الطعام من ظهر البارحة..ربما

هزت نجوى رأسها وقالت فى اشفاق:- لا تريد...لقد تورمت عيناها من البكاء..الا نجد طريقة لأخراجها مما هى فيه؟

تنهدت سميحة وقالت بحزن:- كيف؟ اخبرينى؟ الامر ليس سهلا عليها يانجوى ولا على اى احد ...انا نفسى منذ اتيت من جنازة صديقتها لم أنم لحظة واحدة ..كان الله فى عون الجميع

هزت نجوى رأسها متعاطفة ثم هتفت فجأة فى حرارة:- أين سيذهبون من الله الظلمة...ربنا ينتقم منهم

قالت سميحة فى شرود: داين تدان...لن يفلتوا بفعلتهم واذا لم يحدث هذا فى الدنيا سيكون فى الاخرة ..حسبنا الله ونعم الوكيل

فى تلك اللحظة رن جرس الهاتف فأسرعت اليه نجوى قائلة:- الو ..سعاد هانم؟ نعم سميحة هانم موجودة ...حالا

ثم اتت لسميحة بالهاتف التى تلقته منها قائلة:- اهلا ياسعاد

قالت سعاد :- هل انتى بخير ياسميحة؟

أجابتها سميحة:- الحمد لله 

سألتها سعاد فى قلق:- وملك كيف حالها

تنهدت سميحة قائلة بحزن:- الحمد لله...الامر شديد القسوة عليها كما تعلمين

غمغمت سعاد فى أسف:- نعم كان الله فى عونها وعون اهل صديقتها

غلب التأثر على صوت سميحة وهى تقول:- لا يمكنك أن تشعرى بالموقف الا أذا شاهدتى بنفسك شىء يصعب احتماله وتصوره يا سعاد

سألتها سعاد فى تاثر :- حقا؟

أومأت سميحة براسها ايجابا وقالت ودموعها تنحدر ساخنة:- تخيلى..لقد تلقت البنت رصاصتين مباشرتين فى القلب وتم نقلها الى المستشفى وحين ذهب اهلها لأستلامها تعرض لهم الامن المركزى وتم الضغط عليهم ليسلموها لهم بدون تقرير يشير الى سبب الوفاة الحقيقى وحين رفض الاب تعرض للضرب والاعتداء  فرضخوا وأخذوا جثمانها ودفنوه تخيلى مقدار هذة القسوة وكم الوحشية والجبروت

غمغمت سعاد غير مصدقة:- يا الهى؟ عموما هذا شىء متوقع..حادثة خالد سعيد وسيد بلال غير بعيدة عنا ..حسبى الله ونعم الوكيل

أغمضت سميحة عينيها فى ألم وهى تقول:- نعم حسبنا الله ونعم الوكيل

قالت سعاد فى اشفاق:- وماذا عن ملك؟ كيف حالها؟

قالت سميحة بصوت متهدج باكى:- أننى أشعر بقلق بالغ عليها فهى مصدومة بشدة وتبدلت ..أصبحت أنسانة اخرى

غمغمت سعاد فى أشفاق:- هذا طبيعى لما تمر به..ولكنها ستنسى بمرور الوقت

هتفت سميحة:- مايقلقنى أكثر أنها أصبحت ترغب فى الخروج للمظاهرات أكثر ..لم تطلب منى ذلك ولكننى أشعر بها  وأكاد اوقن انها تنتوى الخروج فمصرع صديقتها بتلك الطريقة جعل الفكرة تتملك منها

قالت سعاد محذرة:- اياك ياسميحة ..اياك أن تسمحى لها بذلك ..أمنعيها ولو بالقوة

قالت سميحة فى حرارة:- لو منعتها ربما كسبتها وحافظت عليها ولكننى لن احظى باحترامها 

هتفت سعاد فى انفعال:- اى قول هذا ياسميحة؟ حين تكبر ابنتك وتصبح اما ستقدر موقفك تماما...ولكن اياك أن تخضعى لألحاحها مهما حدث

قالت سميحة ودموعها تنهمر:- أتمنى الا يحدث هذا ..أتمنى أن أغمض عينى وافتحها لأجد كل ذلك أنتهى

تنهدت سعاد وقالت :-ان شاء الله سينتهى على خير ..المهم أن تاخذى بالك من نفسك ومن ابنتك...ساتركك الان لأطمئن على سراح فانا اخاف لو قرر الخروج هو ايضا..فى رعاية الله

                                    ****

أنهت سميحة مكالمتها مع سعاد ثم أتجهت الى غرفة ملك ووقفت على بابها عدة لحظات تتطلع الى ملك التى وقفت بالشرفة وارسلت بصرها بعيدا فى شرود وقد انتفخت عيناها من البكاء فاتجهت اليها ووضعت يدها على كتفها وهى تقول فى اشفاق حنون:- ملك من أجلى فقط تناولى اى شىء ..انتى لم تاكلى شيئا من البارحة

لم تجب ملك على امها وقد بدا انها لم تسمعها أصلا فتنهدت سميحة قائلة :- اعلم ماتمرين به جيدا وأشعر بك ولكن امتناعك عن الطعام لن يفيد بشىء ولن يعيد المفقود

غمغمت ملك بألم عميق:- الا نشعر بالحزن أذن؟

قالت سميحة فى تعاطف:- بلى..الحزن شعور طبيعى ونحن بشر ولكن يجب ان نتحلى ايضا بالقوة فى مواقف كهذة والا سننهار..اننى لا احاول أن اقلل من فداحة الحدث بل احاول فقط التهوين عليك وعلى نفسى فأنا مثلك أشعر بحزن كبير ولكن يجب ان نتماسك

التفتت ملك امها وقالت بصوت مختنق وقد بدأت دموعها بالانسياب ثانية:- حزنى لموتها وفقدانها فى جهة وماحدث لها بعد موتها وأحتجاز جثمانها واهانة اهلها للمساومة على التقرير الطبى فى جهة ثانية..أهذة هى بلدى يامامى؟ أهذة هى مصر ام الدنيا؟ اهكذا يعامل البشر فيها ؟أقل مما يعامل الحيوانات؟احقا ما سمعت وما رأيت؟

غمغمت سميحة وهى تتاملها فى حزن:- مصر بلد عظيمة يابنيتى ولكنها ضحية لأناس نهبوا خيرها وأذلو شعبها وسرقوا كرامتها ..مصر بخير وستظل ان شاء الله بخير فهى ستبقى وهم سيزولون 

قالت ملك فى لوم غاضب:- كل هذا وتريدين أن اظل جالسة هنا بجوارك؟

قالت سميحة بكل حنانها:- أننى أم ياملك..وانتى ابنتى الوحيدة ولا اريدك أن تتأذى

هتفت ملك فى انفعال :- حتى بعدما حدث لمنى صديقتى؟

هتفت سميحة مؤكدة:- خصوصا بعدما حدث لمنى..هذا أخافنى أكثر وزادنى حرصا الاتخرجى حتى لبداية الشارع ...

وهنا قامت ملك بفعل عجيب ..لقد أنحنت فجأة على يد امها وجذبتها لتقبلها فجذبت سميحة يدها منها سريعا ورفعتها اليها وهى تهتف:- ماذا تفعلين؟؟؟

هتفت ملك بكل رجاء الدنيا ودموعها كالحمم المتدفقة:- ارجوك يامامى ..أرجوك أسمحى لى بالخروج أننى أختنق وانا جالسة هنا والكل فى الخارج..أريد أن أكمل مابدأته منى وأن اوصل صوتها الذى اخرسوه ..أريد أن يدركوا انهم أذا قتلوا شاب سيخرج بدلا منه الف شاب ..أرجوك يامامى اريد أن اخرج ولن اعود الا وقد تحقق ماخرجت منى من اجله ومانريده جميعا ...أنا لست بأقل من هؤلاء الشباب وانتى لست بأقل تضحية من امهاتهم..أرجوك

أنحدرت دموع سميحة غزيرة وقالت وهى تضم ملك اليها:- هل تدركين صعوبة ماتطلبينه منى؟ لو انك قطعتى من جسدى قطعا صغيرة لكان ذلك اهون على مما تطلبيه

ثم دفعت ملك تتاملها وقالت بكل حنانها:- ولكن كما قلتى أنتى لست باقل من هؤلاء الشباب وأنا لست اقل تضحية من امهاتهم..أننى اوافق

هتفت ملك فى حرارة وهى تمسح دموعها:- أشكرك يامامى ..أشكرك كثيرا ثم اسرعت للداخل فجذبتها سميحة من يدها وهى تتابع:- أننى لم اكمل كلامى بعد

تطلعت اليها ملك فى تساؤل فتابعت سميحة بكل حبها:- لن اتركك وحدك ساتى معك واما نعيش معا او نموت معا

ارتفع حاجبا ملك لحظات فى دهشة ثم قالت فى تأثر:- كم احبك يامامى

قالت سميحة فى حنان وهى تضمها ثانية الى صدرها:- وانا لا استطيع العيش بدونك

                                       ****

تعليقات