الفصل الرابع
أمومة مع ايقاف التنفيذ
الحلقة الرابعة
(( أين سميحة يا سعاد ؟ ) تساءلت الأم فى قلق
قالت سعاد : لقد ذهبت إل منزلها لتأتى ببعض الملابس ولتطمئن على ملك وستأتى ثانية
قالت سلوى بحذر وهى تنظر إلى سعاد وكأنها تريد منها اعترافا : لابد أن هناك مشكلة كبيرة تعترضها
أكمل سمير : أحذفى كلمة مشكلة كبيرة وضعى بدلا منها خالد لا أدرى لماذا تزوجت سميحة شخصا كهذا إنه يختلف عنها فى كل شئ لا يجمعهما شئ واحد كما أنه بارد وسخيف جدا وأنا لا أحبه
نظر إليه سامح باستهزاء وقال : هل تقول هذا الآن بعد مرور أحد عشر عاما على زواجهما ؟ بفرض أنهما مختلفان كما قلت فإن هذه الأعوام كفيلة بأن ياندماج كلا منهما على طباع الآخر
اغتاظ سمير منذ تلك النظرات المستخفة وقال ساخرا : وهل اندماجت أنت الآن مع طباع زوجتك نورهان وأنتما الآن متزوجان منذ أربعة عشرة عام
عقد سامح حاجبيه فى غضب : لا أدرى لماذا تتدخل دائما فيما لا يعنيك بدلا من أن تهتم برسالة الماجستير التى لم تحصل عليها حتى الآن بسبب استهتارك وعدم جديتك
هتف سمير : وما شأنك أنت برسالة الماجستير أو رسالة الغرام الخاصة بى ما دخلك بها ؟
صاحت أمهم غاضبة : سمير لا أعتقد أن هذا وقتا مناسبا لهذا
قام سمير وهو يقول : سأقوم من هنا إذن ما دامت لا تعجبكم أقوالى
ثم التفت إلى سامح الذى كان يرمقه بنظرات ساخرة وقال فى صرامة غاضبة : ولكن قبل أن أقوم سأسألك سؤالا واحدا بصفتك الأخ الأكبر وبمنزلة الأب والذى يضع دائما حوله جدارا من الوقار والرهبة .والذى يتهمنى بأننى أتدخل فيما لا يعنينى هل وقفت يوما بجانب أختك سميحة فى مشكلتها أو حاولت حتى أن تفعل شيئا من أجلها ؟ هل فعلت هذا مع أحد منا يوما ؟ لا أعتقد
ثم ترك سامح غارقا فى ارتباكه بينما التفتت نبيلة هانم إلى سعاد وقالت فى صرامة : سعاد أريد أن أتحدث معك
ثم قامت إلى غرفتها وورائها سعاد التى أغلقت الباب خلفها
وقالت أمها لها : الآن أريد أن أعرف ما سبب ما يحدث لسميحة أختك والآن
حاولت سعاد الاعتراض ولكن أمها أشارت إليها فى حزم وقالت : قلت أريد أن أعلم ما المشكلة ولا تخفى عنى شيئا يا سعاد فأنا أمها وسأفعل كل ما يمكننى من أجلها
تنهدت سعاد فى استسلام قائلة : حسنا يا ماما سأخبرك
بعد انتهاء حفل عيد الميلاد وانصراف كل المدعوين قبٌل خالد ابنته وهو يقول لها : هيا الآن يا ملك إلى فراشك فقد سهرت كثيراً الليلة
قالت ملك لن أنام الآن فأنا أريد مشاهدة التليفزيون
قال لها : حسنا ولكن لا تسهرى كثيرا
ذهبت إلى غرفتها وهو يتابعها بنظرة إلى أن غابت عن نظره ثم اتجه إلى الردهة فلم تكن به رغبة إلى النوم وأخرج علبة سجائره فوضع واحدة منها فى فمه وأشعلها وأخذ ينفث دخانها وهو غارق فى أفكاره وبينما هو كذلك انتبه على صوت خطوات قادمة فالتفت فوجد سميحة قادمة فقال : سميحة ؟ هل أتيت ؟
جلست على إحدى المقاعد فى إرهاق وقالت : نعم لأحضر بعض الثياب فسأبيت عند ماما اليوم
تساءل : وكيف هى الآن ؟
رمقته بنظرة باردة وقالت : إنها بخير والحمد لله ثم قامت لتتجه إلى غرفتها ولكنه استوقفها قائلا : سميحة كنت أريد أن أتحدث معك قليلا هل تمانعين ؟
نظرت إليه فى دهشة ثم عادت مرة أخرى لتجلس وقالت فى جفاء : ماذا عندك ؟
ابتلع ريقه وهو يقول : كنت أود أن أتحدث معك بشأن حياتنا تلك
عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت : وما شأن حياتنا تلك ؟
قام من مقعده وهو يقول : ألا ترين أنها جافة يملؤها البرود وأنها تحتاج للتغيير ؟
قالت فى تهكم ساخر : حقا ؟ وهل اكتشفت ذلك بعد مرور أحد عشرة عام فجأة ؟
أمسك ذراعها وهو يقول بصدق : صدقينى يا سميحة يمكننا تغيير حياتنا يمكننا أن نبدأ صفحة جديدة فأنا أحبك يا سميحة أحبك ولا أريد أن أخسرك
قاطعته سميحة وهى تحاول السيطرة على انفعالها : للأسف لا فائدة من هذا الآن لا فائدة
أدارها إليه فى قوة وهو يهتف : لماذا لا فائدة لماذا ؟ لماذا تعامليننى هكذا ؟ ما الذى فعلته لك لكى تتجاهليننى هكذا ؟
جذبت ذراعها منه فى هدوء ثم اتجهت إلى النافذة وقالت وهى تحاول منع دموعها من الانسياب بشدة : حتى فى لحظات الصدق
التى أراها فيك الآن تأبى الاعتراف بأى خطأ منك تجاهى وإبداء الندم ولو على سبيل الاسترضاء
اقترب منها ووضع يده على كتفها فى رفق وقال : وهل حرمتك من شئ وهل بخلت عليك بشئ لقد كنت أحاول استرضائك بكل الطرق هدايا وسيارات فاخرة و ....
ابتعدت عنه وهى تقول بقرف : لأن هذا أسهل ما يمكنك إعطاءه وأخر ما كنت أريده منك وأتمناه فأنت تملك المال الوفير فتغدق على وعلى ابنتك به وما أسهله من عطاء لا يكلف شيئا ولذلك منحتنى إياه
وحرمتنى أهم شئ تتمناه كل امرأة فى العالم وهو الشعور بالآمان والحب لم تشعر بى لحظة.... كم مرت علىٌ أوقات كثيرة وأنا فى شدة الاحتياج إليك ولم أجدك كم كنت أتمنى لمسة اهتمام .. حنان ولم أجدها ... تعرضت فى هذا المنزل لإهانات كثيرة ولم تقف بجانبى لو كنت شعرت بى لحظة ولو وجدتك بجانبى لو لمرة واحدة فقط وشعرت بحنانك صدقنى كنت سأغفر لك كنت سأحتفظ لك فى قلبى مبررات كثيرة وكنت سامحتك ولكنك لم تفعل هذا لقد تحولت إلى حطام فقدت الشعور بأهميتى وكيانى انكسرت بداخلى أشياء كثيرة وكل هذا بسببك والآن تقول لى ماذا فعلت ؟
قال لها : حسنا يا سميحة يمكننا أن نحاول يمكن أن ننجح فى هذا
هزت رأسها نفياً وقالت : لا فائدة الآن من ذلك
نظر إليه فى إحباط وقال : هل تعنين أن حياتنا ستستمر هكذا ؟
قالت فى هدوء : من يدرى ربما يحدث تغيير بسيط لكل منا
تساءل : أى تغيير هذا ؟
قامت وهى تقول : ستعلم عندما يحدث وعندما أُقرر ثم اتجهت إ
(( أمازلت مستيقظة يا ملك ؟ )) قالت سميحة فى حنان وهى تتأمل ابنتها التى كانت تجلس فوق فراشها تشاهد التليفزيون
التفتت إليها ملك ثم عادت تشاهد التليفزيون ثانية دون أن تجيب وإن بدا عليها الغضب اتجهت إليها سميحة وجلست على طرف فراشها وقالت وهى تعطيها هديتها : كل عام وأنت بخير يا حبيبتى لقد أحضرت لك هديتك.
أبعدت ملك الهدية بيدها وهى تقول غاضبة : لا أريد منك شيئا
تنهدت سميحة لحظة وهى تنظر إلى ابنتها ثم قالت فى رقة : أعلم يا حبيبتى أنك غاضبة منى لأننى لم أحضر عيد ميلادك ولكن جدتك نبيلة كانت مريضة وكان يجب أن أذهب إليها
قالت ملك غاضبة : بل لأنك لا تحبينى ولا تهتمين بى
تمزق قلب سميحة لقول ابنتها فاتجهت إليها وتحسست شعرها فى حنان بالغ وهى تقول : من وضع فى رأسك هذا يا حبيبتى أنا لا أحب فى هذه الدنيا سواك لماذا تقولين ذلك ؟
قامت ملك مبتعدة عن أمها وهى تقول فى إصرار : نعم لا تحبيننى لأنك دوما ما تصرخين فى وتمنعيننى من فعل ما أحب
شعرت سميحة بالأسى لقولها ولكنها سيطرت على انفعالها وهى تقول : هذا لا يعنى إننى لا أحبك يا ملك إننى أفعل ما فيه مصلحتك وأريدك أن تكونى أفضل بنت فى الدنيا
قالت ملك فى غضب : ولماذا لا تصرخين فى وجه سلمى ابنة طنط سعاد وفدوى ونرمين مثلما تفعلين معى لأنك تحبينهم أكثر منى
هتفت سميحة فى عصبية : من قال لك هذا القول السخيف أنت ابنتى وأكثر إنسانة أٌحبها ولا أحب أحد أكثر منك أبدا .. إنها تيتة أمينة أليس كذلك ؟
قالت ملك فى إصرار : تيتة أمينة تحبنى أكثر منك ولا تحرمنى من شئ ولا تصرخ فى وجهى
أحست سميحة أن رأسها سينفجر فوضعته بين كفيها للحظات وقالت : بالطبع يا ملك تيتة أمينة تحبك جداً ولكن ليس أكثر منى بأى حال من الأحوال ودعك من هذا الآن فأنا أريدك أن تأتى معى عند تيتة نبيلة فهى مريضة وتريد أن تراك
هزت ملك رأسها بقوة وهى تقول : لن أذهب معك فأنا لا أحبها
شعرت سميحة بالغضب يسرى بداخلها فاتجهت إلى ابنتها وجذبتها من ذراعها فى قوة وهى تهتف : لا تحبينها ؟ أهذا قول بنت مؤدبة لأمها ؟
جذبت ملك ذراعها وهى تقول لأمها بتحدى : نعم لا أحبها ولا أحبك أنت أيضاً والآن أريد أن أنام
همت سميحة بأن تصفعها على وجهها ولكنها سيطرت على مشاعرها بقوة فلم تكن تريد أن تزيد الموقف سوءا ولكنها جذبتها مرة أخرى وهى تقول : إذا تحدثت معى بتلك الطريقة مرة أخرى فسأضربك ولن أكتفى بالصراخ فى وجهك هل تفهمين ؟ ثم غادرت غرفة ابنتها وهى تشعر بأمواج من الغضب تتصاعد بداخلها
لقد نجحت تماما حماتها فى إبعاد ابنتها عنها لقد نجحت
وداخل سيارتها عائدة إلى منزل والدتها شعرت سميحة ببركان من الغضب يسرى بداخلها لم تكن تشعر بالطريق ولا بأى شئ حولها كانت كلمات ملك تدق عقلها بعنف وتمزق قلبها كانت نظرات الجفاف والتحدى التى تملأ عيناها تعذبها لماذا كل هذا لماذا ؟ ما الذى تقوله لها جدتها ؟ وما الذى تملأ به عقلها الصغير ؟ وأية عقدة تتحكم فى هذه السيدة كى تفعل بها ذلك لماذا تفعل بها ما تفعل ولماذا تكرهها هكذا ؟ ما الذى فعلته لها لقد تركت لها كل شئ لم تكن تريد سوى ابنتها ولكنها أبت ألا تترك لها شئ لقد حطمتها تماما نعم لقد حطمتها فلا أقسى عليها من نظرات الكراهية التى تملأ عينا ابنتها ولكنها أخطأت عندما قررت الاستمرار فى حياتها تلك أخطأت عندما تنازلت عن حقوقها من البداية صرخت فى أعماقها ما الذى ستفعليه يا سميحة الأمور تزداد سوءا كل يوم وكل يوم يزداد الجدار الذى بينك وبين ابنتك الأمل الذى كنت تعيشين من أجله فى هذا المنزل ماذا ستفعلين الآن وقد خسرت كل شئ حتى عملك الذى لم تتقدمى فيه خطوة واحدة مستحيل أن تستكملى حياتك هكذا فلا أمل فى تغيير يجب ان تفعلى شيئا يجب أن تستعيدى شيئا من نفسك وأن تنقذى ما يمكن إنقاذه إن المسألة تحتاج إلى قرار نعم قرار يتكون بداخلك الآن ولكنه يحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة إنها تعلم جيدا أنها لو طلبت الطلاق سيكون هذا قرارا بالبعد عن ابنتها فهى تعدت الآن فترة الحضانة وهى نفسها سترفض البقاء معها وستتمسك بالبقاء مع والدها وجدتها ولكنه قرار لابد منه ولكنه يحتاج إلى وقت وإلى شجاعة وزادت سرعة سيارتها وهى تقول لنفسها يجب أن تتخذى قرارك .
عندما عادت سميحة لمنزل والدتها كان الجميع قد خلد إلى النوم وكانت والدتها تجلس فى الردهة فى انتظارها وعندما رأتها تدلف إلى المنزل قالت فى حنان : سميحة
اتجهت إليها سميحة وما لبثت أن ألقت نفسها بين ذراعى أمها وأخذت تبكى فى مرارة وقالت أمها فى حنان وهى تربت على ظهرها : لماذا لم تخبرينى لماذا أخفيت عنى ما تعانين منه يا بنيتى ؟
قالت سميحة من بين دموعها : لم أكن أريد أن أضايقك يا ماما فأنت مريضة ولم أكن أريد أن أزيد همومك
قالت أمها فى حنان : كيف تقولين ذلك يا حبيبتى وما فائدتى إذن إذا لم تلجأوا إلٌي وتلقوا همومكم على ما فائدة وجودى إذا لم أحاول مساعدتكم يا سميحة
ابتعدت سميحة عن صدر أمها وقالت : وما فائدة القول يا ماما وما فائدته ؟
قالت أمها فى لوم : للدرجة دى تظنيننى عاجزة عن فعل أى شئ من أجلك يا سميحة ؟
هتفت سميحة فى سرعة وهى تربت على يد أمها : أبدا يا ماما لم أقصد هذا أبدا ولكن لن يمكنك تغيير خالد ولا تغيير والدته كما إننى أصبحت لا أبالى به ولا بأفعاله وهى كذلك لقد كنت أتحمل العيش معهم من أجل ابنتى وطبعا بعدما حكت لك سعاد علمتى أن جدتها قد أثارتها ضدى والفجوة بينها وبينى قد زادت جدا ولم يعد لى ما أخسره
قالت لها أمها فى حزم : ولكنك شاركت فى هذا يا سميحة لقد ساعدت جدتها فيما وصلت إليه الأمور بينك وبين ابنتى بقسوتك معها وقد كنت أنصحك دوما بأن يجب أن تتفاهمى معها وأن تتعاملى معها بهدوء دون عصبية فابنتك عنيدة وطريقتك لن تفلح معها ولكنك كنت لا تستمعين إلى هذا وبهذا عمقت هذا الشعور الذى زرعته جدتها تجاهك والكارثة إنك كنت تعلمين من البداية بما تفعله جدتها ولم تتخذى أى إجراء ولم تحاولى توضيح العكس لابنتك لم تحاولى أن تقتربى منها أكثر بدلا من صياحك المستمر وصراخك فيها وزجرك إياها دوما
قامت سميحة وهى تشيح بذراعيها فى عصبية وهتفت : وما الذى كنت تريديننى أن أفعله معها يا ماما وقد أصابها التدليل الزائد عن الحد بالغرور والأنانيوالاستهتار وأنت تعرفين كم أكره هذا ولا أحتمله ولذلك كنت أخرج عن شعورى معها
هتفت أمها مؤنبة : كنت سألتمس لك العذر لو إنك لا تعلمين بما تحاول جدتها أن تفعله من وضع أفكار فى رأسها تجاهك ولكن ما أحبطنى حقا هو إنك تعلمين ذلك جيدا ولم تحاولى تغيير أسلوبك لئلا يثبت لها ما تقوله لها جدتها لم تحاولى الاقتراب منها أنت مخطئة يا سميحة
هتفت سميحة بمزيد من العصبية : يا ماما إننى لا أفارقها إلا عندما أذهب لعملى فقط وسوى ذلك أنا لا أبارح المنزل أبدا وأنت تعلمين ذلك جيدا ولكنها تميل إلى جدتها وقلما تتحدث معى
أشارت إليها أمها قائلة : ولماذا لا تتركين عملك هذا الذى ينعكس إرهاقه عليك وعلى ابنتك ما الذى تحتاجين إليه منه إن زوجك ثرى جدا ولا حاجة لك به
هتفت سميحة فى استنكار : ماذا تقولين يا ماما ؟ أترك عملى ؟ أنت تعلمين جيداً إننى لا أعمل من أجل المادة أبداً ولكن من أجل تحقيق طموحى وذاتى ثم إننى لن أترك عملى أبدا خاصة فى ظروفى هذه فالعلاقة بينى وبين خالد معرضة فى أى لحظة للانهيار ولن أتخلى عن عملى أبداً يا ماما أبداً
هزت أمها كتفيها وهى تقول : كما تشائين يا سميحة إن ابنتك ستبعد عنك وستندمين إذا لم تفعلى شيئا ؟
قالت سميحة فى مرارة : سأفعل يا ماما ما كان يجب أن أفعله منذ زمن سأطلب الطلاق من خالد
اتجهت إليها أمها فى جزع : ماذا تقولين يا سميحة ؟
قالت سميحة ودموعها تنساب بصمت : نعم يا ماما لقد خسرت كل شئ وسأخسر أكثر لو استمريت فى هذا سأحاول أن أستعيد نفسى وكيانى سيكون قرارا قاسيا ولكنه لا مفر منه صدقينى يا ماما لا مفر منه وارتمت على صدر أمها.
قضت سميحة بعد عودتها من منزل والدتها عدة أيام لا يشغل بالها سوى التفكير فى ما سوف تفعله من المؤكد إنها إذا قررت الانفصال فإن خالد لن يتنازل عن ملك وهى أيضا لن تقبل أن تعيش معها وبذلك يكون قرار انفصالها هو قرار بالبعد عن ابنتها وياله من قرار لا يوجد أقسى منه على نفسها فهى لا تتصور أن تعيش بدون ملك فلذة كبدها وحياتها
وإذا قررت مواصلة حياتها فلن يحدث أى تغيير للأفضل أبدا بل قد تسوء الأمور أكثر
لا شك أن قرار الانفصال هو القرار الصائب الآن لصالحها ومصلحة ابنتها ولكنه قرار قاسى يحتاج إلى قوة خارقة وإرادة قوية وإلى شجاعة هائلة إنها تحتاج للشجاعة لحظة شجاعة
ففتحت عيناها فى تكاسل وألقت نظرة على الساعة فوجدتها السابعة فقامت بسرعة وخلال دقائق كانت اغتسلت وأدت الصلاة وارتدت ملابسها كاملة ثم نزلت إلى غرفة السفرة فوجدت أمينة هانم وخالد يتناولون إفطارهم فأمرت نجوى أن تعد لها قدحا من الشاى فقال خالد وهو يتأملها : ألا تفطرين أولا ؟
قالت فى برود : لا رغبة لى فى ذلك
التفتت ملك إلى أبيها وقالت له : هل ستأتى لتأخذنى من المدرسة اليوم يا بابى ؟
قال لها : لا يا حبيبتى فأنا اليوم مشغول جدا ولن أستطيع الحضور
قالت لها سميحة فى حزم : ولما لا تأتين فى سيارة المدرسة لم تعودى صغيرة الآن
قالت أمينة هانم : لا تقلقى يا ملك سأبعث لك اسماعيل بالسيارة ليحضرك
شعرت سميحة بالحنق من قول حماتها فدقت على المنضدة وهى تقول غاضبة : قلت إنها ستعود بسيارة المدرسة مثل باقى زميلاتها ولا أحب تجاهل رأيى فى المرات القادمة
قال لها خالد : ماما لا تقصد تجاهلك يا سميحة ولكنها تخاف على ملك وتطمئن أكثر لو أحضرها عم اسماعيل بنفسه
قالت سميحة وهى تنظر إلى حماتها : لست أدرى لماذا تقوم دائما بدور سفير النوايا الحسنة يا خالد ولكن على أية حال لن تقلق عليها مثلى فأنا أمها وأخاف عليها أكثر من أى شخص آخر وقلت إنها ستعود بسيارة المدرسة
هتفت ملك محتجة : ولكننى لا أحب سيارة المدرسة ولن أذهب إلى المدرسة إذا لم يوصلنى أحد
دقت سميحة بعنف على المائدة وهى تقول : قلت ستذهبين إلى المدرسة وبسيارة المدرسة وستفعلين ذلك كفاك تدليلا هل فهمتى ؟
وفى تلك اللحظة ارتفع صوت كلاكس عربة المدرسة فنظرت سميحة إلى ابنتها فى صرامة وهى تقول : هيا إلى مدرستك فالسيارة منتظرة
قامت ملك وهى تحمل حقيبتها وأسرعت إلى الباب ساخطة فاصطدمت بنجوى التى أتت من الجهة المقابلة حاملة صينية الشاى فانسكب بعضه على ملابسها فصرخت فى نجوى غاضبة : أيتها الغبية لقد أفسدت ثوبى
أسرعت نجوى تنظف لها ملابسها فقالت ملك فى حدة : ابتعدى عنى سأجعل بابى يخصم ثمنه من مرتبك
صاحت سميحة فى ثورة وهى تقوم من مقعدها وتتجه إلى حيث ابنتها: ملك كيف تتحدثين بهذه الوقاحة معها ؟
صرخت ملك : تلك الغبية أفسدت ثوبى ولن أستطيع الذهاب للمدرسة
لطمتها أمها على وجهها فى قوة وهى تقول فى ثورة : إياك أن تتحدثى بتلك الطريقة مع من هم أكبر منك ثانية هل تفهمين ؟
تزامنت صرخة الطفلة المذعورة مع صرخة جدتها الغاضبة التى أسرعت تحتضنها قائلة لسميحة : هل جننت ؟ ما الذى فعلتيه أتصفعينها من أجل خادمة ؟
تفجرت نظرات الكراهية من عين سميحة وهى تصرخ : أنا لم أجن بل أنت المريضة التى تملأها العقد والحقد والغل
اتسعت عينا أمينة هانم فى ذهول وهى تقول : أنا ؟ أنا مريضة وأمتلأ بالعقد ؟
صرخت فيها سميحة كالبركان الثائر : نعم أنت أية شرور تدفعك لفعل ما تفعلين بل أى شيطان يكمن بداخلك ويسيطر عليك وأية عقد تتحكم فيك لقد حولت حياتى إلى جحيم دون أى مبرر سوى حبك المرضى للسيطرة والتحكم صدقينى لم أعرف معنى الكره الحقيقى ولم أشعر به إلا بعد أن قابلتك وعرفتك كم أكرهك وكم....
قاطعها خالد ثائراً : كفى يا سميحة ...كفى
واصلت ثورتها قائلة : لا ... لا يكفى سأقول كل ما عندى فلم يعد عندى ما أخسره لقد تحملت كثيرا فى هذا المنزل الكئيب ما بين أم معقدة مصابة بجنون العظمة وابن ضعيف أنانى لا يعرف فى هذه الدنيا سوى مصلحته فقط حتى فى حبه أنانى إننى أكرهكما... أكرهكما كما لم أكره أحد من قبل
تغلبت أمينة هانم على ذهولها وهى تقول لابنها : هل رأيت ؟ هل سمعت ما قالته لقد قالت عنى إننى شريرة ومريضة ألا تفعل شيئا ؟ مالك تقف صامتا هكذا ؟
هتفت سميحة : هيا افعل شيئا أريها قوتك وبطولتك اضربنى اصفعنى عدة صفعات فأنا لا أذكر مرة تشاجرت فيها معى دون أن تدفعك لذلك
صاح خالد ثائراً : كفى كفاكما سأترك لكما المنزل
قالت سميحة : بل أنا من ستتركه بلا عودة فلن أمكث فيه لحظة واحدة بعد الآن
قال خالد : وماذا يعنى هذا ؟
قالت : يعنى أنك ستطلقنى ثم اتجهت فى سرعة إلى غرفتها وجذبت حقيبتها فى عنف وأخذت تضع بداخلها كل ملابسها ومتعلقاتها وأخذتها وغادرت الغرفة ونزلت بسرعة
قال لها خالد : ما الذى تقولينه يا سميحة هل تريدين الطلاق ؟
قالت : كما سمعت وهذا آخر قرار
عقد ذراعيه أمام صدره وهو يقول : وإذا رفضت ؟
نظرت إليه طويلا وقالت : لا أعتقد أنك تريد توصيل الأمر إلى المنازعات والمحاكم فسأحصل عليه على أى حال ألم تسمع عن الخلع لذلك أنصحك أن تطلقنى بهدوء
عقد حاجبيه وهو يتأملها قائلا : إذن فأنت مصرة على ذلك ؟
قالت فى إصرار : تمام الإصرار
قال لها : وملك لن تأخذينها معك فقدت تعدت فترة الحضانة
هتفت ملك قائلة وهى تتشبث بجدتها فى شدة : لا يا بابى لن أذهب معها لن أذهب معها شعرت سميحة بكل المرارة ولكنها تماسكت وقالت فى شموخ : سأتركها لك يا خالد لا لأنك تريد ذلك ولا لأننى أعجز عن أخذها منك ولكن لأنها تريد ذلك ولن أرغمها على العكس أفهمت يا خالد فقط لأن هذا ما تريده ملك
ثم نظرت إلى أمينة هانم التى ترمقها بشماتة وقالت بكل الكراهية : لن يغفر لك الله ما فعلتيه بى قط وستدفعين الثمن غالى صدقينى
ثم حملت حقيبتها واتجهت إلى الخارج ولكنها عادت مرة أخرى إلى ابنتها التى كانت منكمشة فى حضن جدتها فجذبتها من يدها فى رفق وهى تقول فى حنان بالغ : قبل أن أمضى أريدك أن تعلمى أننى لم أحب ولن أحب فى هذه الدنيا سواك وأريدك أن تعلمى أيضا أن استمرارى فى هذا المنزل وتحملى كان من أجلك وأن بُعدى الآن أيضا من أجلك صدقينى يا ملك لا يوجد فى هذه الدنيا من يحبك مثلى ثم تركتها وحملت حقيبتها فى مرارة أخرى واتجهت إلى الباب مرة أخرى
حين هتفت نجوى : انتظرينى يا سميحة هانم سآتى معك
نظرت إليها سميحة فتابعت نجوى : إننى أيضا تحملت المكوث فى هذا المنزل من أجلك ولكن إذا ما رحلت فسأرحل معك لن أبقى هنا بعد الآن
ألقت سميحة نظرة أخرى على ابنتها ثم خرجت وورائها نجوى
(( ما الذى فعلتيه بنفسك يا سميحة ؟ )) قالت سعاد مستنكرة لسميحة التى تجلس فى شرفة منزل والدتها شاردة حزينة واجمة
التفتت إليها سميحة وكل ملامحها تنطق بالحزن : وما الذى فعلته يا سعاد ؟؟
جلست سعاد فى مواجهتها وقالت : تركت ملك لأبيها بكل بساطة إننى لم أصدق حين أخبرتنى ماما فى التليفون كيف تفعلين ذلك بل كيف تتحملينه ؟؟
أطرقت سميحة برأسها وقالت وهى تغالب دموعها : إننى لم أتركها يا سعاد بل هى التى لا تريدنى ولا تحتاجنى
هتفت سعاد : إنها طفلة يا سميحة طفلة تحتاج إلى حنانك وحبك ورعايتك ومهما فعلت حماتك معها لن تعوضها عنك أبداً
اختنقت سميحة بالدموع وهى تقول لأختها : ما الذى كنت تريديننى أن أفعله يا سعاد أن استمر فى تلك المسرحية الهزلية ؟هل كنت تريديننى أعيش طوال عمرى فى منزل لا أطيقه مع زوج انقطعت كل احبال الود معه وإنسانة مريضة معقدة
قاطعتها أختها قائلة : تفعلين أى شئ سوى تركك لابنتك ياسميحة
انسابت دموع سميحة غزيرة وهى تقول : قلت لك إنها رفضت العيش معى ولم أكن لأتركها أبداً لجدتها لولا ذلك إنها تكرهنى يا سعاد وأنا لا أريد إرغامها على العيش معى
هزت سعاد رأسها بعدم اقتناع وقالت : مهما قلت لا أتصور أم تتخلى عن أبناءها أبدا مهما حدث
انفعلت سميحة قائلة : إنك تتحدثين عن عصر مضى يا سعاد عصر كانت فيه الزوجة لا تعمل وتقبع فى منزلها وتحتمل كل ما يحدث لها فى منزلها من زوجها ولا تفكر أبدا فى الانفصال لأنها حينئذ ستكون فى الشارع لا مأوى ولا دخل لها فكانت تحتمل وتحتمل ليس عن تضحية ولكن عن قلة حيلة هذه الأم التى تتكلمين عنها لا تستطيع أبدا أن تربى أبناءها بطريقة سليمة وهى تشعر بالانكسار لا تستطيع إعطاءهم الحب والحنان وهى واقعة تحت المذلة والهوان
وأنا يا سعاد تحملت الكثير والكثير من أجل ملك رضيت بما كان لا يمكن أن أرتضيه من أجل سعادتها كنت أتصور أن استمرارى مع خالد سيحقق لها هذا ولكنها كبرت وبدأت تشعر بما يدور حولها وأدركت جيدا جفاف العلاقة بينى وبين أبيها وفى المقابل خسرت نفسى وكيانى وكل شئ وكدت أن أخسرها أيضا فكان يجب أن أفعل شيئا لأستعيد ذاتى وكيانى وعندما ستكبر ستدرك جيدا أننى لم أفعل ما فعلت إلا من أجلها
تنهدت سعاد وهى تربت على يد سميحة قائلة : لا عليك يا سميحة لم أكن أقصد أن أثير حزنك ولكننى أخاف أن تندمى على قرارك هذا
قالت سميحة : لقد أخذت خطوة لا يمكن الرجوع فيها
قالت سعاد متسائلة : ما الذى ستفعلينه بعد ذلك ؟
تنهدت سميحة قائلة : سأقضى عدة أيام هنا إلى أن أجد عملاً جديداً فى شركة أخرى فقد قدمت استقالتى فى الشركة التى كنت أعمل فيها فأنا أريد أن البدء من جديد أريد أن أتقدم فى عملى وأن أحقق ذاتى وأستعيد نفسى من جديد
قالت لها سعاد : وهل تنوين الإقامة بمفردك ؟
هزت سميحة رأسها إيجابا وهى تقول : سآخذ شقة بجوار عملى وستقيم معى نجوى فقد تركت المنزل هى الأخرى
تنهدت سعاد مرة أخرى وقالت : ليفعل الله ما فيه الخير لك يا سميحة ثم قامت لتغادر الغرفة تاركة سميحة غارقة فى شرودها وحزنها .
بعد مرور خمس سنوات
جلست سميحة تتلقى التهنئة من زملاء العمل بمكتبها الجديد بعد ترقيتها إلى رئيس قسم هندسة الكمبيوتر فى الشركة وقد استقبلت هذه التهانى بسرور وسعادة غامرين فقد أحست أنها نالت ما تمنت وحققت كثير من أحلامها بالتقدم فى العمل وإشباع طموحها الكبير وبعد انتهائهم من تهنئتها جلست داخل مكتبها تسترجع ما حدث خلال تلك السنوات الخمس فبعد طلاقها التحقت سميحة للعمل بهذه الشركة بعد استقالتها من الشركة السابقة كانت تريد البدء من جديد والبعد عن أى شئ يذكرها بالأيام المريرة التى عاشتها قررت أن توجه كل طاقتها المخزونة بداخلها من غضب وحزن وألم تجاه العمل والعمل فقط والدراسة وأن تعوض ما فاتها وأن تستعيد ذاتها وتحقق طموحها وألا تسمح بأى شئ بأن يعوقها عن تحقيق حلمها ومرت الأيام والشهور وسميحة تعمل فى وظيفتها بكل جد واهتمام وتذاكر أيضا للحصول على الماجستير فكانت تقضى كل وقتها ما بين العمل والدراسة ولا يتبقى لها سوى سويعات قليلة للنوم وخلال عامين فقط حصلت على الماجستير ولكنها لم تكتف بل واصلت كفاحها للحصول على الدكتوراه وأخذت تواصل مذاكرتها وعملها الذى تقدمت فيه بسرعة كبيرة وقد حصلت على الدكتوراه أيضا فى وقت قياسى حتى وصلت إلى ما هى عليه الآن ولكن على الرغم من حرصها طوال تلك السنوات على ألا تترك للفراغ طريقا إليها حتى لا تفكر كثيرا فى ابنتها وعلى الرغم من عملها طوال الوقت ومذاكرتها إلا إنها لم تنسى ملك لحظة واحدة كانت مثل الجرح الذى لا يندمل أبدا ولكنها تأقلمت مع ألمه وعذابه وكثيرا ما راودها الأمل فى رجوعها إليها وكثيرا ما قتلها الحنين والاشتياق إليها والقلق عليها وخاصة حين علمت بوفاة حماتها أمينة هانم بعد عام ونصف من طلاقها حينئذ شعرت بالحزن والقلق الشديدين من أجل ابنتها التى فقدت جدتها والتى على الرغم من مساوئها الكثيرة كانت مصدرا للحنان بالنسبة لابنتها وكم راودها الأمل لحظتها أن تعود إليها ابنتها بل إنها توقعت ذلك حيث أن خالد سيكون مشغولا عنها ومن الطبيعى أن يترك لها البنت لتعيش معها ولكن ما حدث صدمها بشدة فقد علمت أن خالد أخذ ملك وسافر إلى أمريكا بعد أن صفى أعماله بمصر يومها فقدت كل أمل فى رجوع ملك إليها وكانت الصدمة قاسية جدا عليها صدمة جعلتها تفقد توازنها وجعلتها تفكر جديا فى ترك كل شئ والسفر إلى أمريكا وراء ابنتها لتبحث عنها فى كل مكان ولكنها عدلت عن ذلك وتغلبت على صدمتها بصلابة ومضت فى طريقها تواصل عملها بكل جد واجتهاد كانت تعوض أمومتها دائما مع أولاد أخوتها التى كانت تقضى بينهم أيام الإجازات والأعياد وخاصة سلمي ابنة أختها سعاد فقد كانت سميحة تحبها كثيرا وتعطيها الكثير من الحب والحنان فقد كانت سلمى مثالا للفتاة الهادئة الحنونة الرقيقة التى كانت سميحة تتمنى أن تكون ملك مثلها ولقد خفف عنها كثيرا إقامة سلمى معها أيام الدراسة حيث أن منزلها قريب من الجامعة فقد كانت سلمى فى السنة الرابعة من كلية الهندسة وكانت سميحة تعوض معها ما افتقدته من أمومة
تنهدت سميحة وهى تسترجع كل ذلك فكل ما تشعر به الآن من سعادة لتقدمها فى عملها لا يساوى لحظة واحدة تجمعها بابنتها لحظة واحدة تضمها إلى صدرها وتعوضها ما فاتها لماذا لا تعود لماذا ؟ ألا تشعر بحاجتها لأمها ؟ ألا تريد رؤيتها ؟ ترى كيف تبدوا الآن؟ من المؤكد أنها أصبحت فتاة صغيرة جميلة فى الخامسة عشرة من عمرها الآن كم تحتاج إليها وكم تشعر بالغضب منها لبعدها عنها لماذا لا تعود لماذا ؟
شعرت سميحة بالاختناق ودمعت عيناها فأخذت حقيبتها واتجهت إلى الخارج مغادرة مكتبها عائدة إلى منزلها حينما استوقفها زميلها صلاح قائلا : الدكتورة سميحة
التفتت إليه سميحة فتابع فى ارتباك : كنت أود أن أهنئك على الترقية التى حصلت عليها
قالت بصوت مبحوح من الانفعال : أشكرك
قال فى لهجة رقيقة : فى الحقيقة أنت تستحقين ذلك فأنت من أكفأ مهندسى الشركة وجديرة تماما برئاسة القسم
كانت سميحة تغالب دموعها فى تلك اللحظة لتذكرها ابنتها ولذلك قالت فى اقتضاب محاولة التخلص من الموقف : أشكرك على هذا الشعور
لاحظ ما بها فقال فى قلق : هل تعانين من شئ ما ؟
اندهشت لقوله ولكنها قالت نافية : لا إننى أشعر ببعض الصداع فحسب
قال بلهجة حنون : أستطيع توصيلك لو أردت
نظرت إليه فى استنكار قائلة : توصلنى ؟
أرتبك من نظرتها وقال فى أسف : لم أقصد شيئاً ولكنى أراك متعبة وكنت أريد مساعدتك
قالت فى انفعال : شكراً لك ولكنى لا أريد مساعدة من أحد ثم اتجهت إلى سيارتها فى سرعة تاركة إياه واقفا يتابعها بنظره وداخل سيارتها تساءلت سميحة ما الذى يريده منها ؟ لماذا يتعمد دائما التحدث إليها وافتعال أى مناسبة للدخول معها فى نقاش ما سر تلك النظرات التى يرمقها بها هل يحبها إنها تشعر به جيدا وقد تكون موقنة من إحساسه هذا ولكن لو يعلم إنها لا تفكر سوى فى ابنتها فقط وإنه لا يشغل بالها ولا عقلها سواها وإنها الأمل الذى تعيش من أجله لو يعلم ذلك لكف عن ملاحقتها إنها لا تفكر أن صلاح مثال للرجل الذى تتمناه أى واحدة فهو مثال للرجولة والرقة والحنان والطيبة وقوة الشخصية إلى جانب مظهره الوسيم الأنيق باختصار أنه من كانت تتمناه قبل سبعة عشر عاما أيام الأحلام ولكنه جاء بعد فوات الأوان بعد أن ماتت مشاعرها واختفت كل أحاسيسها سوى أمومتها المجروحة والكثير من الحزن والغضب والألم والعذاب لقد جاء متأخراً جداً وعادت لتفكر فى ملك مرة أخرى تاركة لدموعها العنان صفر .
انتظرت سميحة عدة دقائق قبل دخولها المنزل حتى تستعيد أنفاسها وتجفف دموعها ثم دلفت إلى الداخل فى هدوء ودارت ببصرها فى أرجاء المنزل الذى يسوده الهدوء ثم اتجهت إلى غرفة سلمى فلم تجدها فنظرت فى ساعتها وهى تقول : عجباً الساعة الآن الثالثة وسلمى تنتهى من محاضرتها مبكراً ترى لماذا تأخرت وقبل أن تستدير مغادرة الغرفة فاجأتها سلمى قائلة بمرح : ما الذى تفعلينه بغرفتى يا سيدتى ؟
ابتسمت وهى تقول لها : كنت أبحث عنك يا شقية ولم أجدك فانتابنى القلق لربما يكون البعبع أخافك فى الطريق أو ما شابه
ضحكت سلمى وهى تقول : لا تخافى على يا طنط سميحة فأنا أخيف البعبع ذاته
قالت سميحة جادة : أين كنت يا سلمى وأين نجوى إننى أرى البيت ساكناً ؟
قالت سلمى : نجوى ذهبت لتشترى بعض المستلزمات وأنا بالمطبخ أجهز الغذاء عندما رأيتك تدخلين إلى غرفتى فقررت أن أفاجئك
قالت سميحة وهى تمسكها من أذنها : أدخل ؟ هل هذه كلمة مناسبة تقولينها لى ؟
رفعت سلمى ذراعيها وقالت فى مزاح : حسنا أنا أعتذر وبشدة عن هذه الكلمة ولكن أرجومنك يا طنط ابتعدى عن أذنى فقد تضخمت من كثرة جذبك لها
تركتها سميحة وهى تقول : حسناً سأتركك الآن ولكننى سأعود لجذبها إذا لم تتركى المطبخ لنجوى وتركزى أنت فى مذاكرتك
هتفت سلمى فى اعتراض : ولكننى شارفت على الانتهاء لقد أعددت لك وجبة ستأكلين كل أصابعك بعدها
قالت سميحة ضاحكة : وإذا قلت لك إننى سأعزمك على الغذاء بالخارج بمناسبة ترقيتى لرئيسة قسم هندسة الكمبيوتر بالشركة ماذا ستقولين ؟
أرتفع حاجبا سلمى وهتفت فى فرح : حقا يا طنط سميحة هل ترقيت ياله من خبر جميل يستحق الاحتفال ثم قبلت خالتها وقالت : ألف مبروك يا طنط
احتضنتها سميحة وهى تقول : ما رأيك يا سلمى إما أن أدعوك للغذاء بالخارج ونحتفل بهذه المناسبة خارج المنزل معا وإما نشترى بعض الجاتوهات ونحتفل به هنا ما رأيك ؟
قالت سلمى بسعادة : أفضل أن نحتفل به هنا وسأعد أنا لك أفضل تورتة كهدية منى لك
هزت سميحة رأسها موافقة وقالت : وأنا أيضاً أفضل هذا ولذلك سأبدٌل ملابسى بسرعة لنحتفل سوياً
قالت سلمى فى حماس : وسأكون أنا أعددت الغذاء ولكن أرجومنك يا طنط أرجومنك لا تنبهرى كثيرا من مذاقه لئلا يجعلك هذا تأكلين أصابعك ورائه
ضحكت سميحة قائلة : سنرى أسرعت سلمى إلى المطبخ فى حين تابعتها سميحة بنظراتها الحانية ثم هزت رأسها فى إعجاب وقالت لنفسها : كم هى جميلة هذه الفتاة وكم أحبها ثم اتجهت إلى غرفتها
(( ما الذى تفعله يا سمير ؟ )) هتفت مديحة فى سمير فى عصبية بالغة
قال سمير فى حماس : سأعد طبقا من الحلوى من أجل لبنى ولكننى متأكد أنه سينال إعجابك أنت الأخرى وستلتهمينه التهاما
هتفت فى عصبية أكثر : ولماذا لا تتركنى أنا أعده لها فعلى الأقل سيبقى المطبخ على حاله
عقد حاجبيه وهو يقول : ما معنى ذلك ؟
قالت فى حدة : أعنى إنك ستقلب المطبخ رأسا على عقب من أجل هذا الطبق وأنا انتهيت توا من تنظيفه ولا أريد إعادة تنظيفه ثانيةً
أدار ظهره لها وهو يواصل تقليب العجين وقال فى مرح : اطمئنى يا مديحة لن يستغرق هذا وقتا ولن ....
قاطعه صراخها وهى تهتف بصوت عال : يا ماما يا ماما تعالى بسرعة الحقينى
أقبلت نبيلة هانم بسرعة وهتفت فى قلق وهى تنظر إليها : ماذا حدث ؟ لماذا تصرخين هكذا يا مديحة ؟
أشارت مديحة إلى سمير وهى تهتف بعصبية : أرجومنك يا ماما اجعلى سمير يغادر المطبخ الآن وأخبريه ألا يدخله ثانية لأى سبب فأنا أكره الإجازات التى يأخذها من أجل هذا
أشاح سمير بيده التى تحمل العجين قائلا فى غضب : لست أدرى ما الذى يغضبك هكذا ما الذى سيحدث لمطبخ العزيز لو قضيت فيه نصف ساعة فقط لكى أعد طبقا للأولاد يحبونه أم أنك مغتاظة لأنك لا تعرفين كيفية إعداده ؟
ضغطت مديحة على أسنانها وهى تنظر إليه بغيظ شديد ثم التفتت إلى نبيلة هانم وهتفت فى غيظ : لقد شاهدت بنفسك يا ماما ما حدث عندما دخل المطبخ آخر مرة كيف فعل به لقد تناثرت الأطباق هنا وهناك وامتلأ الحوض ببقايا الأرز الذى سده وترك اللبن يفور على البوتاجاز وقطع الدهان هنا وهناك على الرخام وكل هذا من أجل طبق أرز باللبن وقد قضيت أنا ما يقرب من الساعة فى إعادة تنظيفه ثانية
زفرت نبيلة هانم فى ضيق وقالت : يا إلهى ألن تتوقفا أبداً عن الشجار
هتف سمير فى اعتراض : هى التى تبحث دوما عن أى سبب للشجار معى
قالت والدته فى حزم : هى عندها حق يا سمير فيما تقول أترك لها المطبخ وتعال فأنا أريد أن أحدثك الآن
زفرا مديحة فى ارتياح فى حين رمقها سمير فى غضب وقال لوالدته : حسنا يا ماما سآتى على الفور ثم غادر المطبخ محنقاً
جلس سمير فى مواجهة والدته وقال : والآن ما الذى كنت تريدينى فيه يا ماما
قالت نبيلة هانم فى حزم : أريدك أن توصلنى لمنزل أختك سميحة
هتف مندهشا : لماذا يا ماما ؟
قالت فى حدة : من غير لماذهل ستوصلنى أو لا ؟
قال بسرعة مهدئا : حسنا يا ماما سأوصلك بالطبع ولكن أريد أن أعرف ما سر هذه الرغبة المفاجئة
قالت والدته وقد هدأت حدة صوتها : أريد أن اطمئن عليها إنها لم تأت منذ أسبوعين ولا أدرى لماذا أشعر بالقلق عليها
قال سمير متعجباً : تشعرين بالقلق عليها؟ واليوم بالذات بعد أن أخبرتك فى التليفون إنها ترقت وأصبحت رئيسة قسم فى الشركة ؟ من يسمعك تقولين ذلك أن سميحة هذه طفلة صغيرة وليست مهندسة حاصلة على الدكتوراه ولديها أعمالها وتشغل منصباً راقياً بالشركة
قالت والدته وهى تنظر إليه مؤنبة : وهل سأكف عن القلق عليكم مهما كبرتم يا سمير ؟
قال ضاحكا : إذن ما دام الأمر كذلك فلماذا تشعرين بالقلق على سميحة فقط ؟ ألسنا جميعا أولادك ؟
تنهدت وهى تقول بأسى : لأن كلا منكم يعيش حياته بين أولاده وزوجته أو زوجه أما هى فتعيش وحيدة محرومة من ابنتها مفتقدة الآمان تبدوا دائما راضية وتحرص ألا يرى أحد ضعفها وهى تعانى جرحا كبيرا بداخلها تبدوا متماسكة وهى فى الحقيقة هشة ضعيفة كم أشعر بها وأتمزق من أجلها حينما نظر إليها وأرى هذا الكم من الحزن بعينها وأرى افتقادها لأمومتها وحرمانها من ابنتها واضحا عندما تحتضن أولادكم بكل حب وحنان لقد قست الأيام عليها كثيرا وتعذبت كثيرا وهذا النجاح فى عملها الذى تتحدث عنه لا يمكن أن يعوضها عن ابنتها البعيدة عنها أعرفت الآن لماذا أشعر بالقلق عليها قالت ذلك والدموع تترقرق فى عيناها فقال سمير فى خفوت : لقد كان هذا قرارها يا ماما منذ البداية
قالت والدته فى ألم : وهل كانت تملك اختيارا يا سمير فى ظل الظروف التى عاشتها
اتجه سمير إليها وقال فى حنان : كفى يا ماما أنت تعلمين إننى لا أستطيع رؤيتك تبكين ثم قبل رأسها وقام وهو يقول : سأرتدى ملابسى بسرعة لأوصلك وستكون فرصة لتهنئة سميحة على ترقيتها واتجه إلى غرفته ثم عاد ثانية بسرعة وقال لوالدته متظاهرا بالجدية : قولى يا ماما ما الذى يجب أن نأخذه لسميحة معنا لهذه المناسبة؟ هل آخذ لها جاتوه أو حلوى أم قليل من هذا على قليل من ذاك؟ أم كثير من هذا على كثير من ذاك ؟سأترك لك الخيار وقبل أن تجيب هى أسرع يقول وهو يتجه ثانية إلى غرفته : أُفضٌل أن آخذ لها دجاجا مشويا فهى تحبه كثيرا
ابتسمت والدته وهى تتابعه بنظرها ثم قالت : لا فائدة لن يتغير سمير أبداً .
