الفصل السادسة
(( من الذى تتكلمين معه فى التليفون يا سلوى ؟ )) تساءل حازم وهو يميل على سلوى فى فضول
أشارت إليه بالصمت وهى تقول : حسناً يا ماما سنأتى الأسبوع القادم بعد انتهاء امتحانات فدوى فلم يتبقى سواها فى المنزل مازالت فى الامتحانات ..إن شاء الله حسناً يا ماما إنه لا يحتاج إلى توصية منك مع السلامة يا ماما مع السلامة ثم أغلقت الهاتف وقلت فى عصبية : ألا تسمح لى بالتحدث مرة واحدة فى التلفون دون أن تتدخل يا حازم? آف
قال حازم : وماذا فى هذا ? كنت أريد فقط أن أعلم من المتحدث هذا كل ما هناك
قالت سلوى بضيق : حسنا يا حازم إنها ماما كانت تريد الاطمئنان علينا فنحن منذ بدء الامتحانات لم نذهب إليها وتريد منا أن ننزل فور انتهاء الامتحانات هل هدأت بالاً الآن ؟
جلس وهو يقول : ومن الذى توصيك عليه ماما ؟
هتف ى تعجب : توصينى عليك هل تتصور هذا ؟ توصينى أنا عليك أنت بدلاً من أن توصيك على لترحمنى أنت وأولادك
ضحك وهو يقول :هذا لأن حماتى إنسانة ذات مواصفات خاصة أحبها كثيراً وبمناسبة هذه التوصية الحارة أننى جائع جداً ألا يوجد هناك شيئا يؤكل؟
هتفت فى حنق : بل يوجد يا حازم بالمطبخ هلا تكرمت أنت وأعددت المائدة لنفسك ؟ فقد أرهقنى ابناك أحمد وعلى طوال اليوم فقد أخذوا منك كل شئ حتى حبك الشديد للطعام
ابتسم فى فخر وهو يقوم : من شابه أباه فما ظلم وبالمناسبة أين هم ؟
اجابته فى شئ من العصبية : إنهم بالنادى فمنذ أن أخذوا الأجازة ولاهم لهم سوى اللعب ولا يوجد فى المنزل سوى فدوى وهى تذاكر الآن هلا تركتنى انتهى مما بيدى
أشار بيده قائلا فى سرعة : حسناً لا تغضبى هكذا ثم أتجه إلى الغرفة فدوى ليناديها : فدوى خرجت فدوى من غرفتها ممسكة بكتابها وقالت لأبيها دون أن ترفع نظرها عن الكتاب : نعم يا بابا
قال فى حنان : أريد أن أطمئن عليك يا حبيبتى كيف تسير الامتحانات معك ؟
قالت لوالدها فى حماس : جيد جداً يا بابا فأنا أذاكر بكل حماس وقد أجبت كل الامتحانات السابقة فأنا أريد أن أسبق سراج هذا العام
هتف فى دهشة : ولما سراج بالذات انكما لستما فى نفس الكلية
قالت فدوى : لأن أونكل سمير دوما ما يقارننى به لأننا فى نفس العام الدراسى وهذا يحنقنى بشدة
ضحك قائلاً : بل لأنك دوماً ما تتنافسين مع سراج منذ صغركما وخالك سمير يجيد استغلال ذلك لا فائدة مازال عقلك صغيراً
عقدت حاجبيها فى غضب ثم قالت : لاتقول ذلك يا بابا
حاول منع ضحكه وهو يقول : لن أقول ذلك ثانية فلا داعى لتلك التكشيرة على رأى المثل ((أكفى القدرة على فمها تطلع البنت لأمها))
هتفت فيه سلوى : ما بال أمها يا حازم
أسرع يقول : لا شئ سأذهب للمطبخ فقد جعت جداً
تبادلت سلوى مع فدوى النظرات وضحكتا.
كان منزل نبيلة هانم فى هذا اليوم مزدحماً فقد أجتمع أولادها وأحفادها بعد انقضاء الامتحانات لا أحد يستطيع وصف شعورها فى ذلك الوقت فقد كانت تشعر بسعادة بالغة وفرحة لا حدود بها كلما ترى أحفادها وأولادها حولها فى المناسبات المختلفة والتى تترقبها دوماً بفارغ الصبر ولكن اليوم كانت فرحتها أكبر فقد حضر سامح والذى كانت قلما تراه لسفره الدائم وانشغاله المستمر وكم كانت فرحتها ستكتمل لو أن سميحة مع ابنتها تنهدت نبيلة هانم التى كانت تراقب الجميع فبل أن تتجه إلى حيث تجلس بناتها وزوجات ابنيها كانت سلوى تقول فى حدة : هكذا أنا دائماً أكون آخر من يعلم فى هذا المنزل لماذا لم يخبرنى أحدكم أن هناك عريس لسلمى ؟
قالت سميحة ضاحكة : وهل اجبرك أحد على الزواج من محامى يعيش فى أقصى بورسعيد
هتفت غاضبة : أليس هناك اختراع يدعى التليفون لكى تتصلوا بى على الأقل إننى غاضبة منك يا سعاد
دافعت سعاد عن نفسها قائلة : من حقك أن تغضبى لو كان هناك أى إجراء رسمى تم دون علمك ولكن كل ما حدث أن شاباً تقدم منذ يومين ليطلب يد سلمى ومازلنا نبحث الأمر فلماذا تغضبين ؟
قاطعتهم أمهم وهى تدخل الغرفة : سعاد عندها حق يا سلوى فسلمى لم توافق بعد كما إننى أريد الوقت الذى تقضونه معى خالياً من الجدال والمشاجرات ام أن هذا كثيراً على ؟
زفرت سلوى وهى تقول : حسناً سنؤجل المشاجرة فيما بعد لأجل خاطر ماما فقط يا سعاد
زفرت نورهان فى ارتياح وقالت : الحمد لله لقد انقذتنا يا طنط من سلوى فهى لم تكف عن الجدال منذ ساعة كاملة حتى اصابنى الصداع
عقدت سلوى حاجبيها فى غضب حقيقى وهمت بان ترد عليها لولا أن جذبتها سميحة من يدها وهمست فى أذنها : تمالكى أعصابك يا سلوى هذا ليس جديداً على نورهان ونريد أن يمر هذا اليوم بدون مشاكل
عضت سلوى على شفتيها فى حنق وهى تقول : لست أتقبل منها أى كلام ولم أوجه لها أى كلام منذ أن جلسنا ومع ذلك فهى تستفزنى
قامت مديحة فى سرعة فى محاولة لتخفيف حدة الموقف : سأعد لكم الشاى
قامت سعاد بدورها وهى تقول : سآتى معك يا مديحة
أشارت نورهان بيدها وقالت بطريقه آمره : لا داعى للشاى فهو مضر للصحة اجعليه عصير فهو صحى أكثر أثارت طريقتها الآمرة مديحة بينما قالت سلوى فى حدة : ولكننا نحب الشاى فإذا كنت تريدين العصير فهذا شأنك أنت وليس من الضرورى أن نفعل مثلك
أحست نبيلة هانم أن الموقف سيتكهرب فأسرعت تقول لنورهان : كيف حال والدتك يا نورهان أهى بخير ؟
أجابتها نورهان وهى ترمق سلوى بنظرة غاضبة : بخير يا طنط لقد أصبحت أفضل بعد إجراء العملية
قالت نبيلة هانم: الحمد لله لولا ظروفى الصحية لكنت زرتها ولكنك تعلمين أننى قلما أخرج من منزلى
وفى المطبخ قالت مديحة فى حنق : من تظن نفسها نورهان هذه؟ أرأيت تلك الطريقة التى تكلمنى بها كأنها تأمرنى منتهى الغطرسة والغرور لولا أننى أريد أن يكون اليوم بهيجاً لما سكت لها
هدأتها سعاد قائلة : لا عليك يا مديحة هذا هو طبعها ولن تغيره أبداً على العموم لقد قامت سلوى باللازم
هزت مديحة رأسها فى تعجب وقالت : لا أدرى كيف أمكن للدكتور سامح أن ياندماج مع تلك السيدة فهما مختلفان تماماً
أجابتها سعاد : ومن قال أنه ماندماج معها إنه يعانى دوماً من غرورها واستهتارها ودوماً ما يتشاجران ولكنه لا يبين ذلك لنا فقد اختارها دون موافقة ماما فسامح عندما يقرر أن يفعل شيئاً يفعله مهما كان رأى الآخرون ومهما كانت النتائج
كانت مديحة قد انتهت من اعداد الشاى ولكنها التفتت الى سعاد وقالت : بغض النظر عن استفزازات نورهان إلا إننى أحب جداً اليوم الذى تجتمعون فيه وأتعجب من ذلك ففى وقتنا هذا لم يعد هذا يحدث نظراً لظروف الحياة ولكنكم تتمسكون بذلك رغم مشاغلكم الكثيرة
ابتسمت سعاد ثم جلست لتقول وقد استعادت ذكريات جميلة : لقد أخذنا على أنفسنا عهداً بألا نسمح للأيام أن تفرقنا أبداً وأن نحرص على الالتقاء يوم من كل اسبوع مهما كانت الظروف والحمد لله مازلنا نفعل هذا الى الآن
تنهدت مديحة قائلة : صدقينى يا سعاد عندما ماتت ماما رحمها الله شعرت بوحدة فظيعة فأنا وحيدة كما تعلمين وليس لى أخوة وظننت اننى لن أجد ابداً من يعوضنى عنها ولا عن حنانها ولكننى وجدت فى ماما نبيلة أماً ثانية لى ووجدت فيكم أخوتى وأسرتى
قالت سعاد فى تأثر : ونحن أيضاً يا مديحة نعتبرك أختاً رابعة لنا وماما تعتبرك ابنتها وتحبك جداً لما لمسناه فيك من طيبة ورقة ثم التفتت فجأة إلى الشاى فضحكت وقالت : لقد اصبح الشاى مثلجاً
ضحكت مديحة بدورها وقالت وهى تحمل الصنية : وماذا فى هذا إنه بذلك سيكون صحى اكثر على رأى نورهان وخرجتا من المطبخ .
جلس كلاً من حازم وسمير وسامح وجمال يتبادلون أطراف الحوار كان سامح يدخن سيجارته وينفث دخانها بقوه وتبدوا على وجهه علامات التفكير العميق فقال له حازم ضاحكاً : يبدو أن باب النجار مخلع كما يقولون فالدكتور سامح الطبيب الذى ينصح مرضاه دوما بالإقلاع عن التدخين يدخن بشراهة شديدة
بدا كأن سامح لم يسمعه للحظات ولكنه ما لبث ان قال فى صوت خافض : صدقت باب النجار مخلع
قال جمال فى هدوء : ولما كل هذا الأمر بسيط والمسألة لا تحتاج سوى الإرادة للإقلاع وانت خير من يعلم هذا
قال سامح فى خفوت : إننى لا أقصد التدخين يا جمال ولكننى اقصد كريم ابنى الذى رسب هذا العام فى كلية الطب بعكس أخيه محمود الذى نجح بتفوق
قال له سمير جاداً : انه ليس مخطئا يا سامح أنتم الذين أجبرتموه على دخول هذه الكلية وكان لا يريدها وكانت النتيجة انه حصل العام الماضى على تقدير ضعيف وهذا العام رسب
أشاح سامح بذراعيه فى حنق وهو يقول : ولما لا تقول أنه مستهتر لا يذاكر بجدية كما يفعل أخوه ويقضى كل وقته فى التفاهات التى لا طائل منها
اجابه سمير فى حزم : إنه ليس مستهتراً يا سامح وإلا لم يكن ليحصل على هذا المجموع الكبير فى الثانوية العامة ولكنه شعر بالإحباط بعد إصراركم على دخوله كلية الطب التى لا يحبها وحرمتموه من كلية العلوم الذى كان يريد أن يلتحق بها وكل هذا لتكميل الصورة الجميلة للأسرة فالأب دكتور ناجح والأم كذلك والأولاد دون النظر إلى ما يريده ابنكما والآن تتهمه بالغباء والاستهتار
هتف سامح فى غضب : لا أدرى لماذا تدافع عنه بكل هذا الحماس ربما لأنه نسخة منك لا يجيد أى شئ سوى السخرية والاستهتار وليس للجدية معنى فى حياته
أثارت كلماته سمير ولكنه قال فى هدوء : ماذا عنى ؟ ألا أعجبك إننى أعمل أستاذاً بكلية الصيدلة مع كل ما تقول فليست الجدية عندى تعنى التأنق المبالغ فيه ولا التحدث بحساب ولا تكشيرة تعلو الوجه مثلما تفعل انت
قام سامح من مقعده فى حدة وهو يقول : سأترك هذا المكان فوراً فقد بدأت اختنق واندفع خارجاً فى سرعة فقابلته نبيلة هانم فتساءلت فى دهشة : ماذا هناك يا سامح ؟
أشار بيده وهو يقول غاضباً : اسألى ابنك سمير الذى لا يكاد يرانى حتى يعطينى فى محاضراته الجليلة أرجومنك يا ماما أخبريه ألا يتدخل فى شئونى ثانياً وإلا.....
قاطعه سمير وهو يقول : هل تعتبر حرصى على مصلحة ابنك تدخلاً فى شئونك ؟ لقد جاءنى الولد وكانت حالته النفسية سيئة جداً بعد ظهور النتيجة وقد رجانى أن اقنعك بأن تسمح له بأن يحول للكلية التى يريدها فكريم عاطفى جداً وحساس ولا يمكنه الاستمرار بكلية لا يقبلها ولكنكم تتجاهلون هذا
أشار اليه سامح غاضباً وقال : أنا أكثر دراية منك بابنى وأنا أحذرك من أن .....
هتفت والدتهم فى حدة مقاطعة إياه : سمير عنده حق يا سامح كريم منذ جاء اليوم وهو يجلس حزيناً وأنت ونورهان تعاملونه بجفاء شديد وكأنه ارتكب جريمة وهذا يزيده حزناً لماذا لا تحاول فهمه وتقترب منه اكثر فقد كبر واصبح يحتاج لأن تحتويه بدلاً من تعنيفك إياه طوال الوقت وكأنه مازال طفلاً
قال سامح فى عصبيه : هل تريدين منى يا ماما أن اترك عملى واتفرغ له كى أدللـه
اجابته فى حدة : نعم ولما لا ؟ اولادك كريم ومحمود ونرمين فى سن حرجة يحتاجون لمن يقترب منهم ويفهمهم وانت وزوجتك طوال الوقت إما فى العيادة وإما فى المستشفى والاولاد يحتلون المرتبة الثانية عندكم مع ان المفترض هو العكس
ظفر فى ضيق وهو يقول : ماما هل ترين أن هذا الوقت مناسب لتحدثينى عن واجباتى تجاه الاولاد ؟؟؟
اجابته فى صرامة : نعم اراه مناسباً تماماً والآن كريم يريد تحويله من كلية الطب إلى كلية العلوم وهذا من حقه وهو لم يعد صغيراً وليس من حقك ولا من حق نورهان ولا من حق أى شخص أن يجبره على العكس قل لى يا سامح هل اجبرتك على فعل شئ ما ضد رغبتك قبل هذا ؟
هز رأسه نفياً وقال : فى الحقيقة لا
قالت فى صرامة : إذن لماذا تفعل هذا مع اولادك ؟؟ أم أن نورهان هى التى تصر على ادخال الولد تلك الكلية ؟
قال فى ضيق : وماذا فى هذا يا ماما ؟ انها تريد مصلحته وهى لم تجبره على دخول مستشفى المجانين أو ما شاب إنها إحدى كليات القمة
هتفت والدته فى استنكار : ماذا ؟ أأنت الذى يقول هذا يا سامح وقد سافرت إلى أمريكا عدة سنوات وعلمت أنه لا معنى لتلك الكلمة السخيفة هناك ؟ وأن كل المجالات مفتوحة لمن يثبت براعته يا إلهى كم اشعر بالدهشة فلقد كنت دوماً اشعر بالحنق من هؤلاء الذين يطلقون على بعض الكليات أنها كليات القمة وكنت اعلل ذلك لعدم إدراكهم ووعيهم ولكن يبدو اننى كنت مخطئة فابنى المثقف الدكتور الناجح يتكلم بنفس الأسلوب
قال فى سرعة : حسناً يا ماما سأتناقش معه فى هذا الأمر وإذا كانت تلك هى رغبته فلا مانع عندى فقد اصابنى الخزى من أفعاله
قال سمير ساخراً : أهذا كل ما يهمك ؟ رمقه سامح بنظرة غاضبة دون أن يجيب عليه فى حين ابتسم ظافراً .
(( هل تنكر انك مغتاظ لأننى حصلت على تقدير امتياز وانت جيد جداً ؟ )) قالت فدوى فى ظفر لسراج الذى ابتسم وهو يقول فى بساطة : ولماذا اغتاظ يا فتاتى ؟ انت فى كلية الصحافة والإعلام وأنا فى كلية التجارة ثم أن هذه الامور لا تعنينى البتة
وقفت فى مواجهته وهى تقول : حقاً ؟ ولكننى رأيت الدموع فى عينيك حين اخبرتك بتقديرى فلماذا لا تعترف بكل شجاعة اننى قد تفوقت عليك
انفجر كلاً من كريم ومحمود فى الضحك من كلامها بينما أراد سراج إغاظتها فقال ضاحكاً : يا فدوى يا صغيرتى لقد حصلت على هذا التقدير فقط من مذاكرة آخر شهر فى الدراسة ولم آكل الكتب مثلك فما بالك لو اننى اردت منافستك ؟
عضت على شفتيها فى غيظ وهى تقول : يالك من مغرور
عاد الجميع للضحك فعقدت حاجبيها فى غضب و هى تقول : لماذا تضحكون؟ سأترك لكم المكان
قاطعهم سمير قائلاً فى مرح : لماذا تتعاركون يا أولاد؟ ألم أقل لكم أن تلعبوا بهدوء مع بعضكم البعض ؟
اتجه إليه كريم فى لهفة وقال : ماذا فعلت يا أونكل سمير ؟
مال علية سمير وهو يقول بفخر : ما الذى تظننى فعلته يا فتى ؟ لقد اثرت زوبعة ثارت على آثارها جدتك وألقت اوامرها لابيك الذى رضخ فى نهاية الأمر وقرر أن يناقشك فيه ما رأيك ؟
عانقه كريم فى سرور وهو يقول : يا أحلى عم فى الدنيا سأكتب شعرى القادم فيك سيكون عنوانه (عمى سمير – الحب الكبير ) ما رأيك ؟
مطت نرمين شفتيها وقالت فى استخفاف : وهل ستترك كلية الطب من اجل هذه الأشعار البالية ؟ هل تتصور نفسك أديباً أو ماذا ؟
صاح فيها كريم غاضباً : لا تتدخلى انت فيما لا يعنيك ارينا ما الذى ستفعلينه فى الثانوية أراهن إنك لن تخرجى منها أبداً ايتها المدللة ؟
أحمر وجهها غضباً وهتفت : هكذا سأخبر مامى بما تنوى ان تفعله وسنرى ماذا سيكون رد فعلها
هتف بها : أذهبى الى الجحيم غادرت الغرفة فى حنق بينما قال له سمير : لماذا تصيح فى وجه اختك هكذا يا كريم ؟
أجابه كريم فى حنق : ألا ترى تلك الطريقة التى تحدثنى بها لقد دللتها ماما كثيراً حتى اصبحت لا تطاق
ضحك محمود قائلا : لاريب انها الآن تحكى لماما ما حدث وستجد الدنيا مقلوبة بعد قليل صفر
أشاح كريم بذراعه وهو يقول : ليكن ما يكون لا يهمنى
التفت سمير إلى سلمى التى تجلس شاردة وقال ضاحكاً : ما بال عروستنا تجلس شاردة لا ريب أنها تفكر فى فارس الأحلام الذى آتى منذ يومين
التفتت إليه سلمى وقالت فى غضب : أونكل سمير لست فى حالة تسمح بأى سخرية
قال سراج متبسماً فى خبث : هكذا هى منذ جاء العريس يا أونكل سمير لا تقبل اى كلام منى أو من اى أحد
قال محمود ضاحكاً : لهذه الدرجة ؟ ربما لأنه شديد الوسامة
قامت من مقعدها وقالت فى غضب وهى تتجه إلى الخارج : يبدوا اننى لن اتحمل كل خفة الدم هذه لهذا سأترك لكم الغرفة
انفجروا ضاحكين بينما قال محمود : ألا تلاحظون شيئا ؟ لقد تسببنا فى هروب كل البنات من الغرفة ولم يبق سوانا
قال سراج فى حماس : لقد لاحظنا هذا ولذلك اقترح أن نستغل تلك الفرصة دور طاولة رباعى
قال سمير فى حماس : اوافق بالطبع على هذا وسيكون كريم فى فريقى
(( طنط سميحة أريد أن اتحدث معك قليلاً )) قالت سلمى فى صوت خفيض وقد علا وجهها حمرة الحياء فقد لاحظت أن الجميع يتطلع اليها فابتسمت نبيلة هانم وهى تتأملها وقالت : من يصدق أن سلمى الصغيرة أصبحت الآن عروس جميلة يتقدم اليها العرسان ليخطبوها .
قالت سعاد لأمها وهى تتظاهر بالغضب : أرأيت يا ماما لقد أحسسنا بالكبر بسبب تلك الفتاة صفر
قالت سلوى معترضة : أنت فقط التى كبرت يا سعاد فهى ابنتك أما أنا ففدوى مازالت صغيرة
قالت سميحة ضاحكة : لا تهربى من الحقيقة يا سلوى وتخفى رأسك فى الرمال مثل النعام لقد كبرنا كلنا وليس سعاد فقط
تابعت مديحة :الحمد لله مازالت لبنى فى السابعة من عمرها مازال أمامى الكثير
أحست سميحة أن سلمى على وشك أن تنفجر فى البكاء فقالت لهم : سأذهب لأرى ما الذى تريده سلمى ولكن لا تواصلى تلك القصة يا سلوى إلى أن اعود ثم أخذت سلمى من يدها وهى تقول : أشعر أن هناك شئ مهم تريدين ان تحدثينى فيه ولذلك سنتجه إلى غرفة منعزلة لنتحدث فيها قالت ذلك وهى تفتح إحدى الغرف فوجدت نورهان ونرمين تحملقان فيها فقالت فى حرج وهى تتراجع : معذرة يا نورهان لم أكن اعرف انك هنا ثم أغلقت الباب بسرعة وهى تقول لسلمى : لا أدرى لماذا هذا الهمس الآن ولكن دعينا منهم هيا لنذهب لمكان آخر لاريب أن هذه الغرفة خالية وفتحت بابها ففوجئت بسراج يصرخ : لقد فزنا هذا الدور فزنا يا محمود
فقال له سمير : العبرة بالنهاية يا سراج ومن يضحك أخيراً يضحك كثيراً فأسرعت سميحة تغلق الباب وهى تشعر بالدهشة ثم قالت لسلمى : سنجد حتماً مكاناً خالياً من هؤلاء المجانين ما رأيك بغرفة المعيشة لابد أنها خالية حيث أنها وقبل أن تصل إليها سمعت صوت هانى يأتى من الداخل وهو يصيح : أحذر الحائط يا على احذر الحائط
صرخ على فى احباط : اللعنة ... اللعنة لقد اصطدمت به اصطدمت به
صاح أحمد فى حماس : جرب مرة أخرى
فتوقفت سميحة وقالت لسلمى فى إحباط : إنهم يلعبون بالكمبيوتر ما رأيك بالحديقة هذا آخر الحلول أومأت سلمى برأسها دون أن تتكلم إيجاباً واتجها الى الحديقة .
(( هاتى ما عندك يا سلمى كلى آذان صاغية )) قالت سميحة فى مرح وهى تجلس على مقعدها بالحديقة وتشير لسلمى بالجلوس التى جلست بدورها وهى تقول : كنت اريد أن اعلم رأيك بشأن الشاب الذى تقدم لى فمنذ اخبرتك فى التليفون لم تقولى لى رأيك
قالت سميحة : ليس المهم رأيى يا سلمى المهم رأيك أنت يا حبيبتى ثم اننى لم اقابله ولم اتحدث معه حتى أبدى لك رأيى فيه
هزت سلمى رأسها نفياً وهى تقول : لست اقصد رأيك فى شخصه ولكن ما رأيك فى الموضوع نفسه فحضرتك تعلمين اننى العام القادم سأكون فى البكالوريوس ولست ادرى إن كان توقيت موضوع كهذا مناسباً أم لا أخاف ان يؤثر سلبياً
قالت سميحة فى حنان : اسمعى يا سلمى اننى أحب فيك ذكائك وحبك للدراسة والتفوق فأنت تذكرينى بنفسى فى هذا كما أن لديك إرادة قوية تدفعك دائماً للنجاح وأنا أرى أن هذا الموضوع لن يؤثر من هى مثلك ابداً بل بالعكس قد يدفعك إلى المزيد من النجاح وخاصة إذا صدق ظنى فى هذا الشاب
قالت سلمى فى تساؤل : ماذا تعنين بذلك يا طنط سميحة ؟
ابتسمت سميحة وهى تقول : لقد أخبرتنى والدتك إنه زميلك فى الكلية وأنه رآك وأعجب بك ومع ذلك لم يحاول أن يتحدث معك أو يتقرب إليك بل اتجه مباشرة إلى والدك ليطلب يدك منه وهذا فى رأى يدل على أنه شاب مختلف عن غيره من الشباب يبدوا اكثر وضوحاً وأكثر التزاماً
قالت سلمى : وماذا لو كان على غير ذلك ؟
قالت سميحة فى حسم : ستكتشفين ذلك بنفسك وعندئذ ستحسمين الأمر
بدا على سلمى علامات عدم الرضا وقالت فى عصبية : ولكن لماذا اشعر بكل هذا القلق والتوتر وأشعر كأننى – كأننى واختنقت بالدموع فأشاحت بوجهها وانسالت دموعها فى صمت فأتجهت إليها سميحة لتجلس بجانبها وربتت على يديها وهى تقول فى حنان : هذا شعور طبيعى يا حبيبتى ففتاه رقيقة مثلك يفاجئها موضوع بتلك الحساسية فلابد أن يثير لديها تلك المشاعر خاصة أنه سيحدث تغيراً جوهرياً فى حياتها ولكن لا تقلقى يا حبيبتى هذا شعور مؤقت كلنا مررنا به
بكت سلمى في حرارة وهي تقول : إننى لا أتصور أبداً أن يأتى يوماً ما أعيش بعيدا عن ماما وبابا وسراج وبيتنا وأعيش وحدى إنني اختنق كلما اتصور هذا
ضمتها سميحة إلى صدرها وقالت في عطف وهي تربت على ظهرها : يا حبيبتي يا سلمى كم أنت حنونة وعاطفية ولكن هذه هى سُنة الحياة يا حبيبتى أن نعيش بين آباءنا وأمهاتنا ونحن نشعر بعطفهم وحبهم ونحتمى بهم ونشعر بالآمان معهم ثم تتغير كل الأمور عند طرقة باب من عريس ما فنجد انفسنا قد اصبحنا فجأة في موقع آخر أكثر مسئولية وأهمية لنواصل نفس الدور مع ابناءنا هذه هى سُنة الحياة يا سلمى
لم تجب سلمى التى كانت تواصل بكائها وكأنها تفرغ مشاعر عديدة بداخلها فى حين تنهدت سميحة وقد أصابت كلمات سلمى وتراً فى قلبها فقد كانت هى الأخرى أكثر من يكره الفراق وأكثر من عانى منه ومازالت تعانى من فراق أعز الأحباب ابنتها ملك.
(( ألم تستيقظ ملك بعد يا سارة ؟ )) تساءل خالد وهو يتناول إفطاره صفر
اجابته سارة بلا مبالاة : لقد استيقظت باكراً وخرجت دون أن تتناول افطارها
قال فى دهشة : خرجت ؟ ثم نظر فى ساعته وهو يقول : لماذا تخرج مبكراً هكذا لم يحن موعد المدرسة بعد ؟
هزت كتفيها وهى تقول بلا مبالاة : ربما ذهبت عند داليا صديقتها عندها وقتاً أكثر مما تقضيه هنا منذ تعرفت عليها
سألها بلهجة غاضبة : ولماذا لم تسأليها يا سارة لم تركتيها تخرج بدون إفطار ؟
أجابته في برود : أنت تعلم أنها لا تطيق منى كلمة ولو اننى سألتها لتركتنى حتى دون أن تلتفت إلىٌ كما تفعل دائماً وأنت بنفسك رأيت ذلك
هتف فى حدة : أنت السبب فى ذلك يا سارة
قالت مستنكرة : أنــا ؟
قال في صرامة غاضبة : نعم أنت لقد وعدتنى قبل زواجنا أن تهتمى بملك كابنتك فى غيابى ولكن ما آراه الآن عكس ذلك تماماً كلما عدت من عملى أجد تلك المصادمات التى لا تنتهى أبداً بينكما
قالت سارة في حنق : إنها هى التى تتحدانى دوماً وتعاملنى كأننى ندُ لها إنها تكرهنى يا خالد
أشاح بذراعه فى غضب أكثر : هذا أيضاً بسببك لأنك تحاولين فرض سيطرتك عليها والتحكم فيها وإلقاء الأوامر إليها وقد أخبرتك قبل ذلك أن ملك عنيدة جداً ولا يمكنك أبداً التقرب إليها بتلك الطريقة وإنها لن تتقبل ذلك منك لو إنك أحببتها بصدق لو إنك تعاملت معها بالحنان الكافى لاختلف الوضع كثيراً الآن ولكن لماذا لا تحاولين السيطرة على المنزل ومن به ولماذا لا تحاولين الأمر والنهى والزجر ستنهار الدنيا يا إلهى كأننى أدور فى حلقة مفرغة ما حدث فى الماضى بين ماما وسميحة يحدث الآن بينك وبين ابنتها ولكننى لن أسمح بتكرار ذلك ثانية يا سارة أتفهمين ؟
عقدت سارة ذراعيها حول صدرها وهى تقول غاضبة : لما لا تقول إنها لا تقيم وزناً لأى شئ وتفعل ما يحلو لها دون حسيب أو رقيب وتتجاوز حدود الأدب كثيراً بفضلك وبفضل تدليلك لها لست أدرى ما دمت لست متفرغاً لها وتريد من يرعاها لماذا لا بعث بها إلى والدتها و......
هدر صوت خالد مقاطعاً إياها فى ثورة : استمعى إلٌى جيداً يا سارة لن أسمح لك بالتحدث عن ابنتى بتلك الطريقة ثانية ولن أسمح لك أيضاً بأن تكونى سبباً فى ابتعادها عنى ستظل ملك بجانبى شئت أم أبيت مادامت هذه هى رغبتها إلا إذا قررت هى عكس ذلك وإذا لم يعجبك ذلك فسأترك لك حرية الاختيار هل فهمت ؟
كظمت سارة غضبها وغيظها بداخلها وهى تقول : فهمت يا خالد .. فهمت
رمقها بنظرة أخرى غاضبة ثم أخذ حقيبته واتجه إلى الخارج وهو يقول لنفسه : لن أسمح بتكرار ما حدث لسميحة مع ابنتها أبداً .. أبداً
فى حين تابعته سارة بنظراتها الغاضبة وهى تقول لنفسها : سأجعلها تقرر عكس ذلك يا خالد وسترى
(( كوب اللبن يا أولاد )) قالت والدة داليا فى حنان وهى تضع أكواب اللبن أمام داليا وملك التى قالت فى سرعة : إننى لا أحب اللبن
تناولت داليا كوبها اوهى تقول لوالدتها : ملك من هواة شرب المنبهات يا مامى مثل الشاى والقهوة فهى لا تمل منهما أبداً
تطلعت والدة داليا إلى ملك فى دهشة ثم جلست وهى تقول فى حنان عجيب : ملك يا حبيبتى أنت فتاة صغيرة وتحتاجين لكل ما هو صحى ومفيد لبناء جسدك ولا يجب أن تكثرى من تلك المشروبات التى لا تساعد على ذلك مطلقاً فإذا كنت لا تحبينه هكذا سأضيف إليه بعض ثمرات الفواكه لكى تستطيعين تناوله هل اتفقنا ؟
ابتسمت ملك وقالت : اتفقنا
فابتسمت والدة داليا فى ارتياح وهى تقول : عظيم ثم أخذت الكوب وعادت إلى المطبخ بينما شردت ملك بذهنها وهى تتابعها بنظرها قائلة فى نفسها : يا لها من سيدة حنون كم أحسد داليا عليها
قطعت داليا شرودها قائلة فى مدح : أين ذهبت بذهنك يا ملك ؟
قالت لها ملك مباشرة : كنت أفكر فى والدتك يا داليا فهى سيدة مختلفة عن كثير من السيدات مثل سارة زوجة دادى وغيرها إنها سيدة حنونة وعطوفة بشكل غريب
قالت داليا فى بساطة : كل الأمهات كذلك يا ملك
كادت ملك أن تهتف بها أنه ليس كل الأمهات كذلك ولكنها تراجعت عن ذلك واكتفت بأن قالت فى لهجة حاولت جعلها هادئة : لكل قاعدة استثناء يا داليا
وقبل أن تعبر داليا عن رأيها افى هذا عادت والدتها حاملة الكوب وأعطته لملك وهى تقول : هيا يا حبيبتى تناولى هذا الكوب حتى تستطيعين التركيز فى دروسك
تناولت ملك الكوب وهى تقول : شكراً يا طنط
قالت والدة داليا افى حنان : عفواً يا حبيبتى والآن سأترككما لأؤدى بعض الأعمال هل تريدان شيئاً ؟
قالت داليا : لا يا مامى سنذهب للمدرسة بعد قليل
قالت أمها : حسناً إلى اللقاء
كانت ملك ترتشف من كوبها فى بطء فقالت لها داليا : بالمناسبة يا ملك لقد التقينا من مدة ليست قصيرة وقد عرفتى عنى كل شئ تقريباً فى حين أننى لم أعرف عنك كل شئ
هزت ملك كتفيها وهى تقول : أنت بالفعل تعرفين عنى كل شئ ولا يوجد ما أخفيه عنك
تطلعت داليا إلى عينيها مباشرة وهى تقول : بل يوجد يا ملك إنك لم تحكى لى عن والدتك التى تقيم فى القاهرة ولا عن ظروف انفصالك عنها
أشاحت ملك بوجهها لتخفى انفعالها وهى تقول : ليس هذا وقت التحدث فى هذا يا داليا لقد تأخرنا على المدرسة ثم أخذت حقيبتها وقامت فى سرعة فاستوقفتها داليا قائلة : ملك ألا تثقين بى ألسنا أصدقاء ؟
أجابتها ملك وهى تسرع إلى الخارج : ليس لهذا صلة بالصداقة ولا الثقة يا داليا
وتبعتها داليا اوقد تصاعدت الدهشة فى أعماقها
بعد عدة أيام
غادرت ملك مدرستها بصحبة داليا صديقتها وكانت تتحدث معها بحماس حين وجدت سيارة والدها واقفة أمام المدرسة فعقدت حاجبيها فى دهشة وقالت : ما هذا ؟ سيارة دادى واقفة هذا شئ غريب
قالت داليا : وما الغريب فى هذا ربما آتى لتوصيلك إلى المنزل
قالت ملك وهى تتطلع إلى السيارة : نعم ربما ثم التفتت إلى داليا وقالت فى سخرية : معذرة يا داليا يبدوا أننى لن أقبل دعوتك لى على الغذاء اليوم فكما ترين دادى يعانى من مشكلة ما ويحتاجنى لحلها
تطلعت إليها داليا فى دهشة وقالت : يعانى من مشكلة ؟ ما الذى دعاك لقول هذا ؟
ابتسمت ملك فى خبث وقالت وهى تشير إلى والدها الذى يجلس داخل السيارة ويبدوا عليه علامات التوتر : لا أدرى لماذا أشعر بهذا والآن إلى اللقاء فأنا لا أريد أن أزيد توتره أكثر من هذا إلى اللقاء
قالت هذا واتجهت فى سرعة إلى حيث سيارة والدها بينما تابعتها داليا بنظرها وهى سألت فى أعماقها عن شخصية ملك هذه فلقد تعرفت عليها من مدة ليست وجيزة ومع ذلك تشعر بالحيرة من شخصيتها المتعددة الصفات فهى تجمع كثير من التناقضات فأحياناً تبدوا كالطفلة البائسة تمتلئ عيناها بالحزن العميق وتحتاج لمن يحتويها بعطفه ودفئه وتتمنى داليا فى تلك اللحظات لو اعطتها هذا الدفء والحنان واحياناً تتحول إلى فتاة مدللة متعالية ساخرة مستهترة لا يهمها شئ ولا تبالى بشئ واحياناً تبدو عاطفية رقيقة طيبة القلب فهى تذكر عندما إلتوت قدمها بشدة واضطرت لأن تتغيب عن المدرسة أسبوع كامل كيف كانت ملك تستذكر لها ما فاتها من دروس يومياً وكيف كانت رقيقة جداً فى التعامل معها حينذاك بطريقة غريبة واحياناً تبدو شرسة عنيفة فهى تذكر حين حاول بعض الشباب التافهين فى المدرسة معاكستهم فما كان منها إلا أن أشبعتهم سباً وصفعت أحدهم على وجهه بكل جراءة وأخذت تشيح للباقين ببعض حركات الجودو التى تعلمتها إلى أن تراجعوا ساخطين إنها شخصية غريبة ولابد أن جزء من حياتها الشخصية له دور فى ذلك وهى لا تبوح به إنه يتعلق بوالدتها التى لا تتحدث عنها أبداً ولكنها ستعرفه حتماً
كل هذا دار فى ذهن داليا وهى عائدة إلى منزلها
انتقى خالد مكاناً بعيداً هادئاً من هذا الكازينو الفخم ليجلس فيه هو وملك وما إن استقر بهما المقام حتى هتف خالد فى مزيج من الضيق والعصبية : لماذا أخبرت سارة بأننى قد أودعت أرباح المشروع الأخير باسمك فى البنك ؟؟
ارتفع حاجبا ملك لحظة فى دهشة ثم لم تلبث أن طلقت ضحكة ساخرة فقطب خالد حاجبيه وقال فى غضب : هل لى أن أعرف سبب هذه الضحكة الآن ؟
واصلت ملك ضحكها وهى تقول : ربما لأننى كنت أتوقع هذا
قال غاضباً : ألم نتفق أن يظل هذا سراً بيننا لماذا أخبرتها به يا ملك ؟
قالت ملك بلامبالاة : لقد أردت إغاظتها فحسب فأنا لا يعيننى مطلقاً مسألة الأرباح هذه ولكننى أعلم أنها ستتميز غيظاً لو علمت بذلك هذا كل ما هنالك
أشاح بذراعه فى حنق وهو يقول : ولماذا تفعلين ذلك ؟ لماذا تصرين على استفزازها ؟ إنها منذ علمت بذلك وهى لم تكف عن الصراخ فى وجهى ولم تهدأ لحظة واحدة
أطلقت ضحكة أخرى وصفقت بكفيها وهى تقول فى جزل : إذن فقد نجحت فى إغاظتها وبشدة كم أنا سعيدة لذلك
قال أبوها حانقاً : أنت تغيظينها وهى تثير أعصابى ولن ننتهى من هذا أبداً أليس كذلك ؟
هزت ملك كتفيها وهى تقول فى برود : سننتهى من هذا عندما تكف هى عن تمثيل دور لا يليق بها وعندما تكف عن التدخل فى شئونى الخاصة وتبتعد عنى تماماً فلست مغرمة بها لأفعل بها ما أفعل وإذا لم تفعل هذا فلن أعدم وسيلة فى إثارتها واستفزازها ولن أسمح لها لحظة واحدة فى التحكم فى ومعذرة يا دادى إذا كان أسلوبى هذا يضايقك ولكننى حذرتها أكثر من مرة
تراجع فى مقعده وهو يتأملها لحظة قبل ان يقول : يا إلهى كم تشبهين والدتك يا ملك
تغيرت ملامح ملك فجأة وأخذت تنظر إلى والدها عدة لحظات فى مزيج من التساؤل والضيق ثم أشاحت بوجهها لتقول فى انفعال : هل جئت بى إلى هنا لتخبرنى بذلك يا دادى ؟
تنهد وهو يقول : فى الحقيقة يا ملك إننى أردت التحدث معك ولذلك ألغيت كل مواعيدى اليوم لهذا الغرض أريدك أن تصارحينى بما فى داخلك يا حبيبتى فأنا أشعر بالقلق البالغ عليك
شعرت ملك بالدهشة فنادراً ما كان والدها يفعل هذا ولكنها كتمت ذلك بداخلها وهى تقول : وما الداعى لهذا القلق يا دادى
أشار إليها بيده وهو يقول : ألا ترين إنك تقضين معظم وقتك خارج المنزل حتى الإفطار الذى كنا نجتمع فيه أصبحت تخرجين قبله ولا أدرى لهذا سبباً
قالت فى بساطة : لقد أخبرتك قبل ذلك أننى اقضى هذا الوقت مع داليا صديقتى ثم استدركت قائلة فى لهجة شبه ساخرة : آسفة أسرة صديقتى داليا وضغطت على كلمة أسرة
هتف فى حدة : لا أدرى لماذا تتعلقين بهؤلاء كل هذا التعلق إننى لم أراك من قبل تحبين أحداً بهذا الشكل
قالت فى مرارة وحزن : ربما لأننى أشعر بالارتياح بينهم وأجد معهم ما افتقده فى بيتنا يا دادى
هدأت حدته وهو يتأملها وقد شعر بحزنها وقال فى رقة : وما الذى تفتقدينه يا ملك أنت تملكين كل ما تتمناه فتاة فى مثل سنك كل ما تحتاجين إليه تجدينه فى لحظات كل شئ تحت أمرك فما الذى تفتقدينه ؟
قالت فى اقتضاب حزين : الكثير
شعر خالد بالحزن لقولها وقال فى حنان : ما الذى أفعله لك حتى تشعرين بالسعادة يا ملك ؟ ما الذى أفعله حتى تتأكدى اننى احبك جداً ولا أريد أن أرى تلك النظرات الحزينة فى عينيك الجميلتين ؟؟؟ إننى أتمزق كلما أراك هكذا يا حبيبتى ما الذى يسعدك وأنا أفعله لك مهما يكن
قالت ملك وعيناها تترقرق بالدموع : اعلم يا دادى انك تحبنى جداً ولكننى افتقد جدتى بشدة واحتاج إلى حنانها
قال بغتة : ووالدتك يا ملك ألا تفتقدينها ؟
بُهتت لسؤاله وأخذت تتأمله بدهشة ثم قالت فى حدة غاضبة : لا لم أفتقدها ولن أفتقدها يوماً ما
هتف بدوره وهو يقول : لماذا ايا ملك ؟ لماذا تكنين كل هذا الكره لها ما الذى فعلته لك ؟
لم تجب ملك وإن أشاحت بوجهها فواصل قائلاً : إنها لم تتخل عنك انت التى اختارت أن تقيم معى وهى لم تشأ أن تقيمى معها رغم ارادتك فتركتك إنها لم تحب أحداً سواك فلماذا تكرهينها يا ملك لماذا ؟
قالت ملك فى سخرية مريرة : حقاً ؟ وما دليل هذا الحب السامى ؟ آهـ انشغالها عنى بطموحها وعملها وجفائها الدائم معى وقسوتها على وإهمالها لى هل هذا هو الحب الذى تتحدث عنه يا دادى لقد تمسكت بالبقاء معك لهذه الأسباب السابقة وهى بالطبع تنفست الصعداء لهذا لتتفرغ تماماً لعملها ولم تفكر حتى فى مجرد اتصال لتطمئن على فأى أم هذه التى تستحق منى أن أحبها
أشار إليها خالد وهو يقول : لاحظى إنك تتحدثين بلسان جدتك يا ملك
قالت ملك فى انفعال : وماذا فى هذا ؟ لقد كانت جدتى رحمها الله دوماً على صواب
هز رأسه نفياً وهو يقول : لا يا ملك لم يكن الأمر كذلك لقد كانت جدتك ووالدتك دائماً على خلاف شديد ولم تكن جدتك تحب سميحة ولذلك تقول لك عنها كل ما قلتيه الآن كما أنها كانت دوماً تحاول استمالتك إليها فى حين كانت سميحة تحاول تربيتك بطريقتها الخالية من التدليل فهذا من وجهة نظرها هو الأسلوب الأمثل للتربية ولكنها لم تكن تقسوا عليك ابداً
هتفت ملك فى ذهول : أنت يا دادى الذى تقول ذلك ؟ والآن ؟
قال: هل تتصورين أننى لم أكن احب سميحة ؟ بالعكس لقد كنت احبها جداً بل لم احب سواها فسميحة شخصية تختلف كثيراً عن غيرها ممن قابلتهن قبلها وبعدها فقد كانت إنسانة بسيطة تلقائية جداً لا تهتم بمظاهر ولا بماديات شديدة الاعتزاز بنفسها وأيضاً شديدة الرقة والعناء والصلابة فى آن واحد وقد أخذت عنها أنت كل هذا ولكنها كانت تنظر للأمور من وجهة نظرها هى وكانت تريد منى أن أفعل مثلها فالحفلات والمجاملات الاجتماعية التى كنت أقيمها لتدعيم عملى كرجل أعمال كان من وجهة نظرها نوعاً من النفاق الاجتماعى وأن الشخص الناجح يفرض نفسه كان انشغالى بعملى إهمالاً منى لمشاعرها من وجهة نظرها كانت تتهمنى دائماً بالأنانية دون أن تهتم هى بمشاركتى نجاحى وطموحى كزوجة مخلصة كانت دوماً تريد منى أن افهمها دون أن تحاول هى فهمى ورغم عدم توافقنا سوياً إلا إننى أحببتها بصدق ومع ذلك لم نستطيع الاستمرار وقررت الانفصال وتمسكت أنا وجدتك بك واخترت أنت البقاء معى فلم يكن أمامها سوى تركك ولم أشأ أن أغير فكرتك عن والدتك طوال تلك السنوات نظراً لصغر سنك وعدم إدراكك للأمور لكن الآن يجب أن تفهمى وتدركى لماذا فعلت والدتك كل ما فعلته
قالت ملك بنبره ساخرة : لماذا تقول ذلك الآن بالذات؟؟؟ آه فهمت إنك تريد أن تتخلص من مشاكلى مع سارة فقد شعرت بالملل مما يحدث فقررت أن تقذف بى إلى الجانب الآخر أليس كذلك ؟
هتف فيها خالد غاضباً : ملك ... لن اسمح لك بالتحدث معى بتلك الطريقة ليس معنى إننى دللتك كثيراً أننى سأقبل كل ما تقولينه أو تفعلينه هل فهمت ؟
أشاحت بوجهها فى غضب فتراجع فى مقعده وقال وقد هدأت حدته قليلاً : إننى أقول لك هذا الآن لأن صديقة لوالدتك جاءتنى البارحة فى الشركة كانت والدتك قد أوصتها بأن تطمئن عليك وتبعث لها أخبارك عندما علمت سفرها إلى أمريكا ولقد وعدتها بأن أجعلك تتصلين بوالدتك وهذا ما جعلنى أتحدث معك فى هذا الموضوع لأنها لم تهملك ولم تتخلص منك كما تقولين
قامت ملك من مقعدها فى سرعة وقالت فى حدة غاضبة : أعدنى إلى المنزل يا دادى
قال مندهشاً : ولكنى لم انته من كلامى بعد
قلت فى عناد وإصرار: أريد أن أعود إلى المنزل
لم يجد بدا في أن يستجيب لرغبتها .
