الفصل الخامسة
جلست سميحة مع سلمى فى شرفة المنزل يتناولان الشاى بعد الغذاء كانت سميحة شاردة ترتشف كوبها ببطء وهى ترسل بصرها بعيداً
بينما لاحظت سلمى ذلك فقالت بمرح : لم تقولى لى رأيك بعد فى طعامى أليس ممتازاً ؟
انتبهت سميحة فابتسمت وهى تقول : بل أكثر من رائع يا حبيبتى أنت طاهية ممتازة ولكنى لا أريدك أن تفعلى ذلك ثانية لأن الطهى وظيفة نجوى وحتى لا تتعطلى عن مذاكرتك
قالت سلمى : ولكننى أحب الطهى جدا وأستغل أى فرصة عندما أشعر بالملل من المذاكرة أو بالفراغ لدخول المطبخ وإعداد أشهى الأنواع
ارتشفت سميحة من كوبها ثم قالت : أتعلمين يا سلمى إننى لا أستطيع الطهو إلى الآن ؟ ولا أتذكر إننى دخلت المطبخ منذ مدة طويلة جدا لعمل أى طعام
قالت سلمى وهى تتأمل خالتها التى نطقت هذه الجملة بلهجة بها بعض الحزن : ربما لأنك مشغولة طوال الوقت بعملك ولا وقت لديك
قالت سميحة فى شرود : نعم ربما
نظرت إليها سلمى فى تردد وقالت : لماذا لا أراك سعيدة يا طنط سميحة على الرغم من ترقيتك اليوم ؟ إنك منذ الغذاء وأنت تجلسين هكذا شاردة ويبدوا عليك علامات الحزن فلماذا ؟
صمتت سميحة لحظة ثم قالت بصوت مختنق : لأن كل نجاح الدنيا لا يساوى لحظة واحدة من وجودها بجانبى يا سلمى
تساءلت سلمى قائلة : أتقصدين ملك ؟
أومأت سميحة برأسها وعيناها تلتمع بالدموع : نعم ملك التى غابت عن أحضانى خمسة أعوام مرت كأنها الدهر كله ولا أعلم عنها شئ
شعرت سلمى بالأسى لأجل خالتها فقامت لتجلس بجانبها وقالت وهى تربت على يدها مواسية : لا أدرى ماذا أقول لك يا طنط ولكن ملك لن تستطيع الابتعاد عنك أكثر من ذلك ستأتى إليك يوماً ما
قالت سميحة فى مرارة بالغة : ومتى يأتى ذلك اليوم متى ؟ لقد عشت خلال تلك السنوات القاسية على أمل أن يأتى ولكنه لا يأتى لقد تصورت أنه بمجرد وفاة حماتى ستعود إلىٌ ملك فأبوها لن يكون متفرغا لها فإذا به على العكس يأخذها ويسافر وينقطع كل أمل لى فى رجوعها
أطرقت سلمى برأسها قليلا قبل أن تقول فى خفوت : أتعلمين يا طنط بقدر ما أشعر بالحزن من أجلك بقدر ما أشعر بالشفقة على ملك فلقد عانت هى الأخرى كثيراً وتعذبت كثيرا فقد نشأت فى بيت ملئ بالصراع لا يسوده الود ولا الحب بيت يحاول كل طرف فيه أن يسيطر على الآخر أمينة هانم جدتها تحاول بكل الطرق أن تبعدها وتكرهها فيك وتحاول فرض هيمنتها على البيت بطريقة مرضية وأونكل خالد ساكن لا يفعل شيئا سوى انشغاله بعمله وإرضاء والدته بكل الطرق وأنت كنت دوما تفكرين فى كيفية الاحتفاظ بكيانك وهيمنتك على ابنتك وزوجك وبيتك وكيفية التخلص من سلطة حماتك ولكن لم يفكر أحد فى التقرب من هذه الصغيرة ولا يحاول فهمها
قالت سميحة : أتقصدين إننى كنت سببا فى معاناة ابنتى يا سلمى ؟
قالت سلمى بلهجة قاطعة : معذرة يا طنط لا تغضبى منى إذا قلت لك إنك على الرغم من حبك لها وتضحيتك من أجلها لم تحاولى أن تقتربى منها كنت دائما تعاملينها بعصبية وجفاء وتركت جدتها تغرس فى ذهنها أفكارا دون أن تدخلى حتى ابتعدت عنك فأخذت قرارا قاسيا عليك وعليها بالابتعاد وتركها لوالدها وجدتها
قالت سميحة فى حزن : لم يكن قرارى يا سلمى لقد أجبرتنى عليه الظروف فقد كنت ممزقة فاقدة إحساسى بكيانى وأهميتى ونفسى ومع هذا الشعور المرير يفقد الإنسان قدرته على العطاء ويفقد قدرته على التركيز فى أى شئ وفى نفس هذه الظروف كانت ملك تبتعد عنى شيئا فشيئا بسبب ما تضعه جدتها فى رأسها وبسبب عصبيتى معها والذى يرجع جزء منها إلى هذا الشعور السابق وجزء آخر يرجع إلى محاولتى تربيتها بطريقتى الخالية من هذا التدليل الذى أكرهه وأصبح الوضع شديد السوء ولم يكن هناك أى أمل فى تحسن فكان يجب أن أتخذ هذا القرار لأستعيد قدرتى على التركيز وأستعيد نفسى وكيانى وتوازنى ثانية و مع علمى أنها ستتمسك بالبقاء مع جدتها ولن ترضى العيش معى ولكن كان القرار الوحيد الذى يجب اتخاذه على الرغم من قسوته
قالت سلمى : ولكن النتيجة واحدة فى كل الأحوال فقد تركتيها لوالدها وجدتها التى توفيت فبقيت مع والدها الذى لا يكاد يتفرغ لها وهى الآن وحيدة فى أشد الاحتياج للحنان والحب و .....
قاطعتها سميحة فجأة وهى تقول فى ألم : كفى يا سلمى كفى لا أريد التحدث فى ذلك ثانيةأتفهمين ؟
ثم اندفعت إلى غرفتها وأغلقتها خلفها فى قوة ثم جلست على فراشها وأخذت الدموع تنهمر بغزارة وهى سألت فى عقلها : هل كنت أنانية حقا فى هذا القرار ؟ هل أخطأت ؟ يا إلهى إن سلمى على حق ابنتها وحيدة تفتقد الحب والحنان فى بلد غريبة مع أب لا يعرف فى الدنيا سوى عمله وهى تعرفه جيدا إنه لا يستطيع أن يعطى ابنته اهتماما كافيا ولكنه يعوضها بالأموال الكثيرة التى يغدقها عليها إنه دوما يفعل هذا وبينما هى كذلك سمعت صوت طرقات رقيقة على الباب وصوت سلمى يقول فى خفوت : طنط سميحة هل تسمحين لى بالدخول ؟
جففت سميحة دموعها بيدها وهى تقول : أدخلى يا سلمى
دلفت سلمى إلى الغرفة وأخذت تتأمل خالتها لحظة قبل أن تتقدم ببطء لتجلس بجوارها وقالت فى أسف : أنا آسفة يا طنط سميحة لم أكن أقصد أبدا إيذاء مشاعرك ولكننى انفعلت ولا أدرى ما الذى جعلنى أقول هذا
قالت سميحة فى حنان : أعلم يا حبيبتى ولا داعى للأسف ثانيةً فمعك حق
قالت سلمى : إذن فأنت لست غاضبة منى
احتضنتها سميحة فى حب وقالت : وهل يمكننى أن أغضب منك ؟ أنت لا تعلمين إذن كم أحبك وماذا تعنين بالنسبة لى يا سلمى وأنه لولا وجودك بجانبى لم أكن أحتمل حياتى هذه يوماً واحداً أنت ابنتى يا سلمى وأختى وصديقتى فلا تعتذرى ثانية لأنني لا أغضب منك أبداً
قالت سلمى فى تأثر : كم أحبك وكم أتمنى أن أراك سعيدة دائماً
مسحت سميحة على رأسها فى حنان وقالت : وكم أنت حنونة ورقيقة ثم أبعدتها عنها لتتأملها قبل أن تقول : كم تشبهين أمك يا سلمى فى الملامح وكذلك فى طيبة القلب ورقته أتعلمين أن سعاد كانت دوماً أماً ثانية رغم أن فارق السن بيننا ليس كبيراً كما تعلمين ولكنها كانت دوماً أماً لى بكبر قلبها وعقلها وطيبتها وحنانها الغامرين ولم أكن أتصور أن تكبر ابنتها وتواصل معى نفس الدور
قالت سلمى فى مرح : أتعنين أننى أمك وأنتى ابنتى ؟
ابتسمت سميحة وهى تقول : وهل رآيتى أماً تصغر ابنتها بسبعة عشر عاماً كاملة ؟
هزت سلمي كتفيها وقالت : إننى لم أرى فى الحقيقة ولكن كل شئ جائز
قالت سميحة : إلا فى هذه فلا يمكن لمخبول أن يتصور أن فتاة جميلة مثلك أماً لسيدة عجوز مثلى
ضحكت سلمى وهى تقول : وماذا لو أخبرتك أن صديقاتى يظنون أنك أختى الكبرى بل يعتبرونك أجمل منى
قالت سميحة وهى تلكمها فى أنفها ممازحة : كفاك بكشاً يا سلمى ما رأيك لو نمت معى الليلة فى غرفتى
هتفت سلمى فى حماس : أوافق بالتأكيد .. سأذهب لأغير ملابسى وسآتى على الفور ثم ذهبت إلى غرفتها فى حماس
صاحت نبيلة هانم فى عصبية وهى تقول : (( ما بال السيارة هذه المرة ؟ ))
قال سمير وهو يحاول إدارة العربة : لست أدرى ربما نفد البنزين
صاحت فى عصبية أكبر : غير معقول هذه المرة العاشرة التى تتعطل فيها تلك السيارة ألن نصل فى هذا اليوم أبداً
قال لها سمير مهدئاً : لا تقلقى يا ماما سيكون كل شئ على ما يرام
هتفت فى غضب : أنا المخطئة كان يجب أن نركب عربة كارو فهى أفضل من سيارتك المتهالكة هذه كيف سنتصرف الآن ولا يوجد محطة بنزين بالقرب من هنا
قال سمير وهو يغادر السيارة وينظر إلى الطريق : سأحاول اقتراض بعض البنزين حتى نصل إلى أقرب محطة بنزين
هتفت غاضبة :ماذا ؟ هل خرجت من منزلى لنتسول البنزين سوياً؟
قال لها وهو يتابع الطريق باهتمام : لا تأخذى الأمور بتلك الحساسية يا ماما الضرورات تبيح المحظورات
قالت فى حنق : ولماذا لم تملأ السيارة قبل نزولنا بالبنزين أنا المخطئة أنا أستحق كل ما يحدث لى ما دمت قررت الخروج معك
قال فى سرعة وهو يشير إلى إحدى السيارات : فيما بعد يا ماما عاقبينى فيما بعد عندما نصل إلى سميحة
عضت على شفتيها فى غيظ وهى تقول : هذا إن وصلنا فى يومك هذا
لم يجب واتجه إلى سائق السيارة الذى أخذ ينظر إليهما فى ريبة فابتسم سمير وهو يقول فى أدب : معذرة يا سيدى لقد نفد منا الوقود ونريد القليل منه حتى نصل إلى أقرب محطة بنزين
هز السائق رأسه فى أسف وقال : ليس لدى بنزين زائد ولكن يمكننى سحبكم إلى أقرب محطة بنزين
قال سمير : شكراً لك ثم اتجه إلى سيارته وقال لوالدته سيسحبنا حتى أقرب محطة بنزين ما رأيك ؟
قالت فى حنق : هل تسألنى رأيى حقاً ؟ ستسبب لى اعتلال صحى ونفسى هذا هو رأيى
ركب السيارة فى حين ربط السائق سيارته بسيارتهم وانطلق
رن جرس الباب فى منزل سميحة الذى كان يسوده الهدوء بعد منتصف الليل لم تكن سميحة قد نامت بعد فقد كانت راقدة بجوار سلمى التى راحت فى نوم عميق تفكر عندما رن جرس الباب فألقت نظرة على ساعتها التى كانت تشير إلى الثانية عشرة ونصف فشعرت بالقلق وتساءلت عمن يكون القادم فى مثل هذا الوقت وقامت بهدوء لئلا تقلق سلمى اتجهت الى الخارج لتفتح الباب ولكنها ألقت نظرة من العين السحرية لتجد سمير أمام الباب يبتسم للعين السحرية بطريقة مسرحية فتضاعفت الدهشة فى أعماقها وفتحت الباب بسرعة لتقول له فى دهشة : سمير ؟ ما الذى أتي بك فى هذا الوقت ؟ هل حدث شىء ؟
وضع سمير فى جيبه وهو يقول : يا لها من مقابلة أهكذا تقابلين أخيك الصغير بعد رحلة شاقة ؟
ابتسمت سميحة وقالت وهى تشير إليه بالدخول : معذرة يا سمير ولكن المفاجأة أربكتنى أهلاً بك
ظل واقفاً فى مكانه وهو يقول : فى الحقيقة لست وحدى فمعى ضيفة عزيزة تنتظر بالخارج
وقبل أن تسأل سميحة ارتفع صوت أمها وهى تزيحه من أمامها قائلة : بل وراءه مباشرة ولكنه حجبنى بجسده الضخم هذا
اتسعت عينا سميحة فى دهشة وهتفت فى بهجة وهى تحتضن أمها : ماما ؟ يا لها من مفاجأة جميلة
رتبت أمها على ظهرها فى حنان وهى تقول : كيف حالك يا حبيبتى ؟
قالت سميحة : بخير يا ماما ولكن لماذا أتيتم فى هذا الوقت المتأخر هل حدث شئ ؟
اتجهت أمها إلى أقرب مقعد إليها وجلست فى ارهاق واضح قبل أن تقول : لم يكن من المفترض أن نصل فى هذا الوقت – كان من المفروض أن نصل قبل هذا بعدة ساعات ولكنها سيارة سمير كالمعتاد
التفتت سميحة إلى سمير لتقول له ضاحكة : خذ بنصيحتى يا سمير وبع تلك السيارة
ضحك قائلاً : محال كيف سأعاقبكم إذن
هتفت والدته غاضبة : ماذا ؟
قال سمير بسرعة لسميحة : بالمناسبة يا سميحة مبروك لترقيتك ولقد أحضرت لك بهذه المناسبة تورتة ظريفة وصغيرة سأذهب للمطبخ الآن لأضعها وأحضر مشروباً مثلجاً حتى نأكلها الآن
ثم اتجه إلى المطبخ وتابعته سميحة بنظرها ثم عادت لتلتفت إلى والدتها قائلة : إذن فقد أتيتم لتحتفلوا بترقيتى لماذا لم تخبرينى يا ماما بهذا ؟
قالت نبيلة هانم فى حنان : فى الحقيقة لم يكن هذا هو السبب الأساسى لمجيئنا ولكننى شعرت بالقلق عليك يا حبيبتى لأنك لم تأت الأسبوعين الماضيين فقررت أن آتى أنا إليك
قالت سميحة لا يوجد ما يدعوك إلى القلق يا ماما إنها مسئوليات العمل ولكننى سعيدة لذلك حتى تأتين لزيارتى فعدد المرات التى زرتنى فيها لا تتعد أصابع اليد
تنهدت نبيلة هانم وهى تقول : أنتى تعلمين يا سميحة أننى لا أستطيع التنقل هنا وهناك بسهولة صحتى أصبحت لا تحتمل ذلك
قالت سميحة : أطال الله عمرك يا ماما لا تتصورى كم أنا سعيدة لزيارتك هذه
وفي هذه اللحظة عاد سمير و هو ممسك بصنية عليها أكواب من العصير الذي قدمه و هو يقول بمرح : أعدت لكما كوبين من كوكتيل الفاكهة حتى تنسين ما حدث فى الطريق يا ماما ولترقيتك يا سميحة .
تناولت سميحة كوبها وهي تقول : كم هى محظوظة مديحة بك لابد انك تساعدها كثيراً فى المطبخ
قالت أمها ضاحكة : بل قولى كم هى حانقة منه لدخوله المطبخ لقد تشاجرا قبل حضورنا مباشرة بسبب ذلك أنهما لا يكفان عن الشجار أبداً .
ضحكت سميحة قائلة : هذا طبيعى فمديحة من النوع العصبى والدقيق جداً الذي يحب أن يضع كل شئ في موضعه وهذا يناقض تماماً الأفعال الفوضوية لسمير ولكنها أيضا شديدة الرقة والطيبة وهذا ما يجعلها تحتمله
أحنى سمير رأسه وهو يقول : شكراً يا سيدتى على هذه المجاملة اللطيفة
قالت له مبتسمة : كيف حال أولادك هانى ولبنى ؟
قال : فى خير حال .. ولكن يزدادون شقاوة حتى إننى أخشى علي مديحة من الجنون
ضحكت سميحة قائله : طبعاً..من شابه آباه فما ظلم
تساءلت والدتهم قائلة : ولكن أين سلمى ؟
قالت سميحة : إنها نائمة الآن ..
تثائب سمير وهو يقول: بمناسبة النوم ..أحتاج بشدة إليه فأنا مرهق جداً
قالت له سميحة : ستنام أنت في غرفة النوم الإضافية وماما ستنام في غرفتى وأنا سأنام مع سلمى
قام بتكاسل متجهاً إلى غرفته قائلاً لهم : تصبحون على خير ثم تذكر شيئا فالتفت إلى والدته قائلا لها : هل سنعود غداً مبكراً يا ماما ؟
أجابت والدته : بل آخر اليوم فسنقضيه مع سميحة
قال : إذن سأعود أنا للمنزل مبكراً لأطمئن على مديحة والأولاد وأعود لأخذكم أنت وسلمى
أطرقت سميحة برأسها وهى تقول : ستعود سلمى غداً لبيتها وسأعود أنا للوحدة ثانية .
أحسست نبيل هانم بما يعتمل فى نفس ابنتها فقالت فى اشفاق : أنت التى تصرين على ذلك لا أدرى لماذا تصرين على الاقامة وحدك ... لماذا لا تأتين لتعيشى معنا فالمنزل كبير يا سميحة والمسافة ليست كبيرة بينه وبين عملك
تنهدت سميحة قائلة فى حزن : لن يغير انتقالى شئ من الأمر يا ماما على العموم هذه حياتى ويجب أن أعيشها كما هى
قالت نبيلة هانم فى حزن : أصبرى يا حبيبتى أصبرى .. لن يدوم هذا كثيراً كم أدعو لك فى كل صلاة لتعود اليك ابنتك ليطمئن قلبك اتركى أمرك بين يدى الله يا بنيتى فهو أرحم الراحمين
أطرقت سميحة رأسها وهى تقول فى خفوت : ونعم بالله يا ماما ليس لى سوى الصبر
ثم رفعت رأسها لتقول لأمها : والآن هيا إلى النوم يا ماما فالساعة الآن الثالثة والنصف ولابد إنك مرهقة
قامت أمها فى إرهاق وقالت : نعم سأخلد للنوم فقد رأيت الكثير اليوم بسبب سيارة سمير ومقالبها ابتسمت سميحة وهى تقوم بدورها : هكذا ما يتعلق بسمير
ثم قبلت أمها وهى تقول لها : تصبحين على خير يا ماما
قالت لها ألام فى حنان : وأنت من أهله يا حبيبتى ثم اتجهت كلا منهما إلى غرفتها .
(( استيقظى يا سلمى الساعة الآن العاشرة صباحا ألم تشبعى نوماً بعد ؟ ))
قالت سلمى فى صوت ناعس : أتركينى قليلا يا طنط سميحة فأنا متعبة جداً
طنط سميحة ؟ معك حق فأنت تقيمين عندها أكثر مما تقيمين هنا رفعت سلمى رأسها لتتأمل التى توقظها ثم هتفت فى دهشة : ماما ؟ أأنا فى منزلنا ؟
ابتسمت سعاد وهى تجلس على طرف الفراش قائلة : ما دمت لا تتذكرين شيئاً سأذكرك
لقد حضرت البارحة مع خالك وجدتك ليلاً ولم تتبادلى معى سوى تحيات بسيطة وبضع قبلات ثم اتجهت لغرفتك مباشرة لتنامى هل تذكرت الآن ؟
ابتسمت سلمى بدورها وهى تقوم بتكاسل قائلة : لقد نسيت ذلك فعلاً وتصورت إننى مازلت فى بيت طنط سميحة ثم مالت على أمها لتقبلها وهى تقول : صباح الخير يا ماما
قالت سعاد فى حنان : صباح الخير يا حبيبتي ... هيا أذهبي لتغتسلي بسرعة عندما أكون انتهيت من اعداد الإفطار فأبوك يريد أن يراك قبل خروجه للعمل .
اتجهت سلمى للحمام بينما اتجهت سعاد إلى غرفة السفرة لتقول لجمال فى تعجب : تصور يا جمال أن سلمى اندهشت عندما أيقظتها فوجدت نفسها فى منزلنا و كأن هذا ليس طبيعياً
أجابها و هو يتابع الصحيفة : طبعاً فهى معظم ايام العام الدراسي عند خالتها إلى جانب تعلقها الشديد بها
وضعت الأطباق على المائدة وهى تقول : هيا أترك تلك الصحيفة فقد انتهيت من إعداد الإفطار
طوى صحيفته و جلس على المائدة قبل ان سألت : اين سراج ألم يستيقظ بعد ؟
أجابت سعاد بسرعة : إنه نائم فهو يسهر كثيراً فى المذاكرة ...
قال في ارتياح : حسنا يكفى ما أضاعه طوال العام من وقت فأنا أريده أن يحصل على تقدير جيد هذا العام مثل أخته سلمى .
أتاه صوت سلمى يقول بمرح : من الذى يتحدث عني ؟
التفت إليها أبوها وقال فى حنان : أهلاً يا حبيبتى كيف حالك لقد أوحشتنى كثيراً
انحنت سلمى لتطبع قبلة على خد والدها قبل أن تجلس وهى تقول : وأنت أيضاً يا بابا وحشتني جداً ولكنني غاضبة منك
تساءل فى اهتمام : لماذا يا حبيبتي ؟
قالت فى غضب مصطنع : لأنك لم تأتى لتأخذنى من عند طنط سميحة كما وعدتني وتركتنى فريسة لأونكل سمير الذى لم يكف عن إثارتى واستفزازي طول الطريق
ضحك جمال وهو يقول : ما الذى فعله هذه المرة معك ؟
قالت سلمى وقد عقدت حاجبيها فى غضب حقيقي : لقد أخبرنى بكل جدية أن شاباً وسيماً قد تقدم لخطبتي وهو يرى أن هذا الشاب يجمع كل المواصفات الجيدة حيث أنه ضابط بحرى وشديد الوسامة وأنكم وافقتم مبدئياً وأنكم تتكتمون الأمر لحين موافقتي وعندما سألته عن اسم هذا الشاب بكل اهتمام انفجر ضاحكاً وأخبرنى أنه كان يمازحنى
انفجر جمال ضاحكاً لعدة لحظات وشاركته سعاد الضحك قبل أن تقول : وهل هذا يغضبك يا سلمى ليته يحدث قريباً فأنا أتمنى أن أراك بالثوب الأبيض
هزت سلمى رأسها وهى تقول : أما أنا فلا يعنينى ذلك إطلاقاً على الأقل الآن
قال أبوها : كل البنات يقلن ذلك و ما أن يأتى العريس المناسب حتى يقبلن على الفور
تنحنحت سلمى قبل أن تقول فى تردد : بابا لقد اخذنا اجازة من الكلية لمدة ثلاثة أسابيع قبل الامتحانات وأريد أن أقضيها مع طنط سميحة فهى ستساعدنى فى المراجعة فما رأيكم ؟
تلاشت الابتسامة من وجه جمال و امتلأت ملامحه بالجدية وهو يقول : ماذا دهاك يا سلمى إنك تقضين أيام الدراسة عند خالتك ولا نعترض ولكن في الاجازات ايضا ؟ هذا لا يُعقل اننا لا نكاد نراك
حاولت سلمى الاعتراض قائلة : ولكن يا بابا طنط سميحة تمر بظروف صعبة ووجودى بجانبها يخفف عنها
استعاد جمال هدوءه وهو يقول مترفقاً : إننى مقدر ذلك يا حبيبتى ولكن لكل شىء حدود يجب ان تراعى مشاعرنا نحن أيضا فماما تقضى وقتاً طويلاً وحيدة فأنت تعلمين أننا أنا وسراج خارج البيت كثيراً وهى تحتاج وجودك أيضا ووجودك بجانب خالتك وإن كان يخفف عنها بعض الشىء إلا أنه ليس حلاً لمشكلتها ... وهناك شىء آخر غاية فى الأهمية إن سميحة تكره الاشفاق تكرهه كثيراً ولو أنها أحست إنك تقيمين معها بهذا الدافع فستتألم كثيراً ... فهى تحب أن تبدوا دائماً قوية متماسكة وتكره أن تبدوا ضعيفة هل فهمتى يا سلمى؟
أومأت سلمى برأسها ايجاباً فى بطء وهى تقول فى خوف : نعم يا بابا فهمت
قال فى ارتياح : سأذهب الآن إلى عملى وسأعود مبكراً لآخذكم للغداء خارجاً ما رأيكم ؟
قالت سعاد : وهل نرفض عرضاً كهذا لا يتكرر كثيراً
التفت إلى سلمى قائلاً : ما رأيك يا سلمى ؟
قالت فى خفوت : حسناً يا أبى إننى أوافق
ابتسم وهو يقول : عظيم سأحاول أن أعود مبكراً كونوا مستعدين ثم اتجه إلى الخارج بينما التفتت سعاد إلى ابنتها التى أصابها الوجوم وقالت فى حنان : ما قاله أبوك صحيح يا سلمى إننى أقدر مشاعرك تجاه خالتك ولكننى بالفعل أشعر بالاحتياج لك فى كثير من الاحيان وانتظر الاجازات التي تأخذينها بفارغ الصبر فأنا أمر بأوقات عصيبة فى العمل وفى المنزل واحتاج قلباً رقيقاً مثلك اتكلم معه ويفهمني و هذا لا يحدث مع سراج
قالت سلمى بحزن : اننى افهم ذلك يا ماما ولكنى اشعر بالحزن من أجلها فهى تعانى كثيراً
قالت سعاد بتأثر : لست وحدك من يشعر بهذا يا حبيبتي ولكن ليس بيدنا ما نفعله لها وكما قال لك والدك فهى تكره أن تبدوا ضعيفة أشد الكره ولو قضيت معها الاجازة على غير العادة فستشعر بذلك وستتألم على العموم فأنا سأزورها الأسبوع القادم فلدى شيئاً هاماً اريد أن أخبرها به شيئاً.. قد يغير كثيراً من هذا الوضع .
تساءلت سلمى قائلة : أى شىء هذا يا ماما
ابتسمت سعاد فى غموض وقالت : ستعرفين في حينه يا سلمى عندما توافق خالتك عليه كما أتمنى والآن ساعديني على رفع الاطباق وتنظيفها.
انتهت سميحة من اعمالها واستعدت لمغادرة مكتبها حينما أتاها صوت سكرتيرتها عبر جهاز الاتصال : الدكتورة سميحة ... المهندس صلاح يريد مقابلتك
قالت سميحة بسرعة : أدخليه ثم عادت إلى مكتبها ثانية وهى سألت عن سبب هذه الزيارة ثم دلف صلاح إلى مكتبها بخطوات سريعة ومد يده مصافحاً إياها وهو يقول : مساء الخير
يا الدكتورة سميحة صافحته وقالت وهى تدعوه للجلوس : مساء الخير خير هل هناك شيء ؟
قال فى حسم : نعم فأنا أريد التحدث معك قليلاً
تساءلت : بخصوص أى موضوع ؟
تنحنح قبل أن يقول : فى الحقيقة إنه موضوع شخصى
عقدت حاجبيها فى دهشة وهى تقول : موضوع شخصى ؟ ثم تراجعت فى مقعدها وهى تقول فى صرامة : وهل سنناقش موضوع شخصى فى المكتب ؟
أسرع يقول : يمكننا أن نذهب إلى أى مكان لو شئت ذلك
لم تدر لماذا شعرت بحمق هذه الفكرة فأشارت بيدها نافية وقالت : يمكننا التحدث هنا ولكن باختصار لو سمحت
شعر بالضيق بجفاء كلماتها ولكنه تجاوز ذلك وقال فى تردد : فى الحقيقة أنه عرض
ثم أخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول فى حسم : سميحة .. هل تقبلين الزواج منى
وعلى الرغم من أن هذا لم يكن مفاجئاً لسميحة فقد كانت تشعر به منذ أن طلب مقابلتها ولكن مع ذلك لم تدر لماذا شعرت بكل هذا الارتباك والخجل وحاولت أن تبدو متماسكة بقدر الامكان أمام نظراته وهى تهتف فى دهشة وبصوت مرتعش حاولت جعله طبيعياً بقدر الامكان : هل تريد أن تتزوجنى ؟
مال على مكتبها وهو يقول بلهفة : بل إننى أتمنى ذلك .. فمنذ التحاقك بالعمل فى الشركة وأنا اشعر نحوك بكل احترام واعجاب وقد عللت ذلك فى البداية لشخصيتك الفريدة والمختلفة عن الجميع وحبك الكبير لعملك ولكن مع الوقت شعرت أن شعورى تجاهك يتجاوز كثيراً مجرد الإعجاب وقد حاولت التقرب إليك أكثر من مرة ولكنك كنت دائماً تبعدين ولذلك قررت أن أفاتحك مباشرة فى الموضوع
حاولت سميحة أن تتكلم فأشار إليها وهو يقول : قبل أن تقولى شيئاً يجب أن تعلمى أننى قضيت معظم حياتى لا يشغل بالى سوى العمل فقط ولم أكن أفكر فى الزواج قط أو بمعنى أصح إننى لم أقابل أبداً من تجعلنى أفكر فيها إلى أن قابلتك فأحسست أنك من كنت أبحث عنها و... فقط ما رأيك ؟
ظلت سميحة عدة لحظات تنظر إليه فى مزيج من الدهشة والخجل والارتباك ثم ما لبثت أن قالت : ولكنك لا تعرف عنى أى شئ ولا تعرف شيئا عن ظروفى وحياتى الخاصة
قال فى بساطة : بل أعرف عنك كل شئ فأنت كنت متزوجة ولك ابنة تعيش مع والدها فى أمريكا أليس هذا كل شئ
هتفت فى مزيج من الدهشة والغضب فى آن واحد : كيف عرفت هذا ؟
ابتسم وهو يقول فى صوت حنون : من يهتم بشخص ما ليس من الصعب عليه أن يعرف عنه كل شئ
كاد الفضول يقتلها لمعرفة كيف عرف بهذا فهى رغم تعدد صداقتها بالشركة لم تتكلم عن حياتها الخاصة لأحد ولكنها كتمت فضولها بداخلها وهى تقول محاولة التظاهر باللامبالاة : لن أسألك ولكن ألم تسأل نفسك أن إنسانة بتلك الظروف لن تكون مناسبة لك ؟
قال لها بصوت حنون : بل لا يوجد من تناسبنى سواك يا سميحة سأتركك تفكرين و....
قاطعته قائلة فى حسم : لن يحتاج الأمر إلى تفكير فهو محسوم ؟
تراجع فى مقعده وقال بصوت مصدوم : محسوم ؟
تنهدت وقد أحست بصعوبة الموقف عليه وعليها أيضاً ولكنها قالت بصوت قاطع : إننى أرفض مبدأ الزواج للظروف التى ذكرتها سابقاً
قال فى لهفة : سميحة إننى ..
قاطعته مرة أخرى : صدقنى إننى أحتفظ لك كزميل كل اعزاز واحترام وتقدير ولكن ليس أكثر من ذلك فأنا أعيش فقط من أجل ابنتى ولا افكر إلا فيها .
أطرق برأسه لحظات قبل أن يقول بصوت يقطر بالإحباط : أهذا رأيك النهائى
قالت بصوت مبحوح من الانفعال : نعم هذا رائى النهائى
قام فى بطء وحاول الابتسام وهو يقول : ما دمت قد رفضت الزواج فلنكن أصدقاء إذن على الأقل ؟
صافحته وهى تقول فى حرارة : بكل تأكيد..وأنا أعتز بهذا
غادر مكتبها وهوت هى على مقعدها وقد فقدت تماسكها وتركت لدموعها العنان.
(( كيف ترفضين عرضاً كهذا )) هتفت سعاد فى سميحة فى انفعال
قالت سميحة فى هدوء وهى تقدم إليها فنجان القهوة : وما الذى كنت تريديننى أن أفعله يا سعاد أوافق ؟
هتفت سعاد بتأكيد : بالطبع ولماذا ترفضين شخص مثل صلاح إنه رجل بمعنى الكلمة متدين وعلى خلق كما أنه مهندس ناجح ومن أسرة كريمة والفرق بينه وبين خالد زوجك السابق كبير جداً وشاسع
قالت سميحة بعصبية : تقولين ذلك بثقة كأنك تعرفينه تمام المعرفة
قالت سعاد : بالطبع أعرفه فأخته صديقة قديمة لى وقد أخبرتنى أنه يعمل بنفس الشركة التى تعملين بها وأيضاً أخبرتنى عن إعجابه بك وأنه يريد أن يتقدم لك ولكن لم أشأ أن أخبرك إلا فى الوقت المناسب .
تراجعت سميحة فى مقعدها وهى تقول فى خفوت كأنها تحادث نفسها : هكذا إذن لقد عرف عنى ما عرف من أخته وأيضاً مجيئك الآن ليس مصادفة كما اخبرتنى ولكن بشأن هذا الموضوع أليس كذلك ؟
قالت سعاد فى حسم : بل هو كذلك والآن دعينا من هذه المهاترات وقولى لى ما الذى جعلك ترفضينه ؟
أجابت سميحة فى وحدة : اننى لم أرفض شخصه يا سعاد ولكن أرفض مبدأ الزواج من البداية
تساءلت سعاد فى دهشة : ولماذا ترفضين الزواج ما الذى يمنعك لست أفهم ؟
هزت سميحة كتفها وهى تقول فى تعجب : كأنك لا تعرفين ظروفى و ...
قاطعتها سعاد فى انفعال : بل أعرفها جيداً يا سميحة وأندهش لرفضك فظروفك تلك هى التى يجب أن تدفعك إلى الزواج لا إلى رفضه فأنت تعانين من ظروف قاسية وتحتاجين إلى من يقف بجانبك ويرعاك تحتاجين أن تعيشى حياتك التى لم تعيشها إلى الآمان الذى لم تفتقديه والذى لن يتوافر إلا بجوار زوج مثل صلاح فلماذا رفضتى يا سميحة لماذا ؟
قامت سميحة من مقعدها وهى تهدف فى عصبية أكبر : من أجل ملك يا سعاد من أجل ملك ؟
قامت سعاد بدورها لتقف فى مواجهة سميحة قائلة : وأين هى ملك الآن هه ؟ إنها تعيش حياتها مع أبيها فى أمريكا طول ما يزيد على الخمس سنوات لم تفكر لحظة أن تراك أو تتصل بك
أشاحت سميحة بوجهها وهى تقول : أبوها يمنعها
واصلت سعاد حدتها قائلة : بل لأنها لا تريد ذلك فأنت تعلمين أن خالد لا يرفض لملك أى طلب أياً كان ولو أنها أرادت رؤيتك لما رفض وإنها ليست صغيرة الآن لتدرك أن لها أماً تعيش على أمل رؤيتها فلماذا تغالطين نفسك وتعيشين من أجل وهم لماذا تعذبين نفسك بنفسهل تأقلمت مع التعس أو ماذا ؟
هتفت بها سميحة : كفى يا سعاد كفى هذه حياتى أفعل بها ما أشاء وأعيشها كما أريد ولا أريد أن تحدثينى فى هذا الموضوع ثانيةً
قالت سعاد وقد خرجت عن شعورها : مادام الامر كذلك فلا تشكين ثانية من الوحدة مادمت سعيدة بها إلى هذا الحد ولا تغضبى كثيراً عندما ننقطع عن زيارتك بضعة أيام
أحست سميحة بكلمات سعاد الجارحة كأنها قنبلة انفجرت فيها وبدا صدمتها واضحة وهى تقول بصوت مبحوح : إننى لم أشكو من الوحدة يا سعاد ولن أغضب من انقطاع زيارتك لى مادامت تأدية واجب وكذلك لن أغضب لو منعت سلمى من الاقامة معى فلا أشك بعد قولك هذا أن إقامتها معى لهذا الدافع وليس لقرب منزلى من جامعتها
أفاقت سعاد من الانفعال الذى اجتاحها وشعرت بالندم لهذه الكلمات التى قالتها دون وعى منها فاتجهت الى سميحة لتديرها إليها قائلة فى حنان : ما هذا الذى تقولينه يا سميحة أأنا آتى إليك تأدية واجب وسلمى تقيم معك لهذا أيضاً ؟كيف تقولين ذلك ؟ ألا تعرفين كم أحبك وأخاف عليك حاولت سميحة منع دموعها بصعوبة وهى تقول : ما معنى كلامك إذن ؟؟؟
احتضنتها سعاد بحب وهى تقول فى رقة : أنا آسفة يا سميحة لم أكن اقصد أبداً ما قلت إننى اشعر بالحزن من أجلك والقلق عليك .. أشعر بالحزن من أجل سنوات عمرك التى ضاعت هكذا فى الانتظار والحزن والألم وقد انفعلت كثيراً حينما علمت برفضك لصلاح الذى سيعوضك كل هذا وسيعطيك الآمان والحنان وستجدين كل ما أفتقدتيه فى حياتك السابقة وكل هذا من أجل ماذا ؟
مسحت سميحة دموعها قائلة : من أجل ابنتى التى لا يهمنى سواها فى هذه الدنيا أنا أعلم أن صلاح سيوفر لى كل ما قلتيه ولا أنكر أنه إنسان ممتاز ولكنه فى نفس الوقت سيكون حائلاً بينى وبينها وأنا لا أريد ذلك فقد وضعت جدتها حاجزاً كبيراً بينى وبينها وتركتها لأبوها على أمل أن تدرك كل شئ وتعلم أننى لا أحب فى الدنيا سواها وتعود إلى ولكن إن تزوجت فسأضع بنفسى حاجزاً جديداً وعندئذ سأفقد كل أمل فى عودتها إلى أتفهميننى يا سعاد ؟
تنهدت سعاد وهى تقول : أفهمك يا سميحة وأتمنى أن تكونى اتخذت القرار الصائب أتمنى ذلك
قامت وهى تقول لسميحة : سأذهب الآن حتى لا اتأخر
قامت سميحة بدورها وهى تقول : سأوصلك
أشارت إليها سعاد وهى تتجه إلى الخارج : لا داعى لذلك يا سميحة فقط أريدك أن تعتنى بنفسك أراك بخير
ودعتها سميحة ثم أغلقت الباب واتجهت إلى غرفتها لتبدل ملابسها وترتمى على فراشها وقالت بكل عذاب الدنيا : أين أنت يا ملك .. أين أنت
(( أين كنت يا ملك ؟ )) سألت سارة زوجة خالد فى غضب
توقفت ملك وقالت فى برود دون أن تلتفت إلى سارة : ليس من حقك أن تسأليننى هذا السؤال ثم واصلت طريقها إلى غرفتها بلامبالاة
فهتفت فيها سارة غاضبة : توقفى وتحدثى معى بأدب الساعة الآن الثانية بعد منتصف الليل أين كنت ؟
توقفت ملك واستدارت لتواجه سارة قائلة فى برود : سارة ألا تلاحظين إنك تتجاوزين حدودك معى كثيراً ؟ وأنه يجب أن تلزميها لأننى لن أسمح لك بتجاوزها ثانية قلت لك ألف مرة ليس من حقك سؤالى أين كنت أو شئ من هذا القبيل هل فهمت أو سأضطر للإعادة ثانية
شعرت سارة إنها ستتمزق من الغيظ ولكنها حافظت على هدوئها بصعوبة وقالت فى لهجة حاولت جعلها هادئة : هل من اللائق أن تتحدثى معى بهذه الطريقة وتنادينى باسمى مجرداً وأنا مثل والدتك ؟ أهذا جزاءى لأننى شعرت بالقلق عليك ؟
مطت ملك شفتيها وقالت فى تأثر مصطنع : حقيقى لقد شعرت بالتأثر البالغ حتى أن دموعى ستنهمر بعد لحظات ثم رفعت حاجبها وقالت فى لهجة مستخفة : ولكن فى الحقيقة أيضا يا سارة أنت آخر من يقلق على
ولن تمثلى لى أماً فى يوم من الأيام والآن إلى اللقاء فأنا أشعر بالإرهاق وأريد أن أنام ثم تركتها عائدة إلى غرفتها بينما عضت سارة على شفتيها فى غيظ وقالت : لن أحتمل هذه البنت أبداً .... أبداً
ما أن دلفت ملك إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها حتى زفرت فى قوة واتجهت إلى فراشها لترقد عليه أخذت تتقلب فى فراشها دون أن تشعر بالنوم فقد كانت تدور برأسها أفكاراً عديدة قطعها صوت طرقات على الباب ووالدها يقول فى لطف : ملك هل نمت بعد ؟
اعتدلت وهى تقول فى سرعة : لا يا دادى يمكنك الدخول
دلف إلى الغرفة وأتجه إليها ليقبلها من رأسها قبل أن يجلس على طرف فراشها وهو يقول فى حنان : كيف حالك اليوم يا حبيبتى ؟
أجابته : بخير يا دادى ولكننى أفتقدك كثيراً فأنا لا أراك طوال اليوم
ابتسم فى حنان وقال : هذا يحدث بالرغم منى يا حبيبتى فأنت تعلمين كم أنا مشغول طوال اليوم والآن قولى لى لماذا تغضبين سارة منك ؟
هتفت ملك فى تبرم : إنها تتدخل دائماً فى شئونى وأنا أكره ذلك
تنهد خالد وهو يقول : وماذا فى ذلك يا ملك إنها تريد الاطمئنان عليك فهى بمنزلة والدتك وأنت تعاملينها بجفاء
هزت رأسها فى عناد وقالت فى حدة : دادى إنها تتدخل فى شئونى ليس بدافع الاهتمام بى أو بالخوف على كما تقول ولكنها تريد التحكم فى وكأننى طفلة صغيرة كما أنها لا تحبنى فلماذا لا تتركنى وشأنى ؟
زفر فى ضيق وهو يقول : حسناً يا ملك لن أناقشك الآن فى حبها لك أو عدم حبها ولكن هل يحق لى أن أسألك أين كنت حتى الثانية بعد منتصف الليل أم أن هذا تدخل منى فى شئونك الخاصة ؟
قالت فى سرعة : لا أبداً يا دادى لقد كنت عند داليا صديقتى
تساءل فى دهشة : داليا ؟ داليا من ؟
أجابته : إنها صديقة لى بنفس المدرسة وقد تعرفت عليها مؤخراً فهى مصرية وتقيم مع أسرتها هنا منذ عدة سنوات ولقد انتقلوا للعيش فى نيويورك مؤخراً ولهذا انتقلت الى مدرستنا حقيقة يا دادى لقد أحببتها جداً هى وأسرتها فأنا أشعر معهم بالارتياح والآمان فلم أكن أشعر بأى تآلف بينى وبين الزملاء هنا
قال فى حزم : وهل هذا يجعلك تعودين الى المنزل الثانية صباحاً ؟ هل يمكنك أن تتصورى المخاطر التى يمكن ان تتعرضى لها هنا إننا لسنا فى القاهرة يا ملك
قالت ملك : إنهم يسكنون بالجوار يا دادى ثم اننى لم آت وحدى بل وصلنى والد داليا إلى هنا
شعر بالارتياح ولكنه قال فى حزم : حسنا ولكننى لا أريد تكرار ذلك ثانية اتفقنا ؟
أومأت برأسها موافقة فقال : عظيم تصبحين على خير
قالت فى إحباط : ألن تجلس معى قليلاً فأنا اشعر بالأرق .
قبلها فى سرعة وقام وهو يقول : معذرة يا حبيبتى لا يمكننى ذلك فأنا مرهق جداً ولدى أعمال كثيرة فى الصباح وأنت أيضاً يجب أن تنامى فورائك مدرسة مبكراً هيا
ثم غادر غرفتها ليتركها ثانية لتتقلب فى فراشها ؟
