الفصل العاشر
عاد سمير منهكاً من الجامعة فاستقبله هانى ولبنى بالهتاف
(( بابا ... بابا )) فأخذ يقبلهما وهو يقول فى حنان (( يا أحباب بابا .. يا قلب بابا ..يا كبده .. يا عيونه ... يا كل جسده .. كيف حالكم اليوم ؟ هل ضايقتم ماما ؟
هز كلاً منهما رأسه نفياً فأخرج من جيبه قطعتين من الشيكولاته وأعطى كلاً منهما قطعة وقال فى حنان : إذن فأنتم تستحقون هذه
هتف هانى محتجاً : كل يوم شيكولاته ؟ ألا تأتى بشئ جديد ؟ لن آخذها
تراجع سمير قائلاً : هكذا ؟ إذن سأعطى قطعتك للبنى فهى تستحقها
قذفت لبنى قطعتها وقالت غاضبة : وأنا أيضاً مللت من هذا
زوى سمير ما بين حاجبيه وهو يقول : حتى أنت يا لبنى ؟ حسناً سآكلها انا وستندمون على ما تفعلونه بى
ثم أخذ القطعتين واتجه إلى والدته ومال عليها ليقبلها من رأسها وقال : مساء الخير يا ماما
ابتسمت فى حنان وقالت : مساء الخير يا حبيبى .. هل يجب عليك كل يوم أن تلقى هذه التواشيح عند استقبالك لأولادك ؟
ضحك سمير قائلاً : هذا يعبر عما بداخلى تماماً يا ماما ولكن لست أدرى ما أصابهم لم يعودوا يهتموا بهداياى
قالت والدته متهكمة : هل تسمى الشيكولاته التى منذ تفتحت عيناهم وأنت تحضرها لهم يومياً هدايا ؟ لقد مللت أنا بالنيابة عنهم ثم لا تنسى أن هذا الجيل الجديد لا ترضيه قطعة شيكولاته أو تثيره حدوتة شيقة عن الأميرة الجميلة والساحرة الشريرة .. انهم عفاريت .. فلقد تغير كل شئ حولنا يا بنى وتغيرت الظروف والأحوال
ضحك سمير قائلاً : عندك حق تماماً يا ماما فلا يمكنك مثلاً أن تثيرى اهتمام لبنى بحدوتة مثلما كنت تفعلين معنا وهى تشاهد يومياً مئات القصص على قنوات الأطفال المتخصصة طوال اليوم هذا غير البلاى ستيشن الذى لا تكف عن اللعب به هى وهانى فعلاً يا ماما لقد تغير كل شئ حولنا ولكن لا تنسى إنك كنتِ دائماً تقولين هذا علينا أيضاً
تنهدت والدته وقالت : نعم يبدوا أن كل جيل يأتى أكثر تمرداً عن الجيل الذى قبله ولكن قل لى : ماذا فعلت مع صاحب العمارة هل اتفقت معه ؟
أشار إليها قائلاً : لقد سألتنى هذا السؤال مرتين وأجبت عليك بأننى قد اتفقت معه على كل شئ ولم يتبقى سوى أن تذهب سميحة إليه لتوقع العقد وتدفع الثمن إلا إذا كنت تقصدين هل فعلت هذا أيضاً بدلاً منها أم لا فسأقول لك اننى قد أدخل على سميحة بكيس فاكهة أو طبق بسبوسة ولكن من المستحيل أن ادخل عليها بعقد شقة فهذا خارج امكانياتى والآن أين مديحة ؟
أشارت والدته إلى المطبخ قائلة : إنها بالمطبخ تُعِدْ الغذاء حذار أن تضايقها كالمعتاد فهى عصبية اليوم وغاضبة فقد أصابها هانى ولبنى بالتوتر
اتجه إلى المطبخ وقال : هكذا هى مديحة دائماً عصبية وغاضبة ولكننى سأفاجئها بما لا تتوقعه اليوم
وهناك وجدها منشغلة فى إعداد الطعام فقال فى مرح : مساء الخير يا زوجتى العزيزة
قالت فى ضجر دون أن تلتفت إليه : مساء الخير يا سمير اذهب لتبدل ملابسك حتى أنتهى من إعداد الغذاء
مال غليها هامساً : واذا رفضت ترك المطبخ ماذا ستفعلين ؟
هتفت فى ضيق : سأتركه أنا ولن تجد ما تأكله على الغذاء
تظاهر بالآسى وهو يقول : مديحة أريدك ان تصارحينى لماذا تقسين علىٌ هكذا ؟ هل تكرهيننى ؟؟ صارحينى ولن اغضب منك
تأملت ملامحه البائسة لحظة ثم ابتسمت وقالت : يالك من عابث ثم انعقد حاجباها مرة أخرى وهى تقول : ولكننى لن أستمر فى إعداد الطعام وأنت تقف لىٌ هكذا
قال فى مرح : حسناً سأذهب ولكن بعدما توافقين على عرضى
قالت فى نفاذ صبر وما هو عرضك يا سمير ؟
مال إليها هامساً : ما رأيك بقضاء أسبوع كامل أجازة نقضيه أنا وأنتِ فقط بشرم الشيخ ؟
تراجعت وهى تتأمله بدهشة : شرم الشيخ ؟ هل أنت جاد ؟
قال فى حنان : بالطبع يا حبيبتى أنا جاد تمام الجدية
قالت فى دهشة أكبر : حبيبتك ؟ ما الذى حدث يا ترى ؟
ابتسم وهو يقول : وماذا افى هذا ؟ ألستِ زوجتى وحبيبتى ؟
هزت كتفيها وقالت فى تعجب : يعنى منذ مدة طويلة لم أسمعها منك
نظر فى عينيها مباشرة وهو يقول : من أجل هذا قررت أن نذهب هذه الرحلة فلقد انشغلت عنكِ بعملى وبالأولاد طويلاً وحان الوقت لكى نجدد هذه الحياة الراكدة
قالت فى تعجب : كم تبدوا مدهشاً حين تكون جاداً
قال فى سرعة : ما رأيكِ هل توافقين ؟
قالت بعد لحظة تفكير : أوافق ولكن الأولاد هل سنتركهم ؟
أجابها فى حماس : نعم سنتركهم مع جدتهم فهم لم يعودوا صغاراً
هزت رأسها نفياً قائلة : لا لن أستطيع تركهم لن يمكننى الاستمتاع بهذه الرحلة بدونهم
قال فى استسلام : حسناً سنأخذهم ما دمت ترغبين فى ذلك ما رأيكِ هل أنت سعيدة الآن ؟
هتفت فى بهجة : بالطبع لقد جاءت تلك الرحلة فى موعدها تماماً كم أشكرك يا سمير
رمقها بنظرة حانية وهو يقول : كم أنا سعيد لأنها أسعدتك
ابتسمت مديحة فى سعادة وقالت : هلا انتهينا امن إعداد الطعام لقد جاع الأولاد
همس : سأساعدك فى إعداده
ولم تمانع هى فى ذلك فأراد أن يمازحها قائلاً : أتعلمين يا مديحة أن عقول النساء من السهل خداعها والسيطرة عليها
التفتت إليه وقالت فى دهشة : لماذا تقول ذلك ؟
قال وهو يحاول كتم ضحكته : أعنى أنكِ منذ قليل كنت غاية فى العصبية وكدتِ تقذفيننى خارج المطبخ ولكن بمجرد أن همست فى أذنكِ ببعض الكلمات الحانية وأخبرتكِ عن تلك الرحلة أخذت تقفزين من الفرحة وتصرخين مهللة وتركتى لى المطبخ أفعل به ما أشاء ارأيتِ أن كلامى صحيحاً ؟
عقدت حاجبيها فى غيظ ثم تناولت كوباً من الماء فقذفته به وهتفت غاضبة : كم أنت سخيف .
لم تدرِ سميحة كم من الوقت مر وهى نائمة حين استيقظت فجأة على صرخات فزعة تبينت فيها صوت ملك فانتفضت فوق فراشها ولم تدرِ كيف قطعت تلك المسافة الفاصلة بين حجرتها وحجرة ملك ولا كيف اقتحمتها وكل ذرة من كيانها تنتفض هلعاً لتجدها متكورة على فراشها وتطلق صرخات فزعة فهتفت وهى تحتويها بين ذراعيها : ماذا حدث يا ملك ماذا حدث ؟
لم تُجِبْ ملك وإن انفجرت باكية فى حرقة وجسدها يرتعش بشدة فضمتها سميحة إلى صدرها وهى تهتف فى قلق : ماذا حدث يا حبيبتى أجيبى هل هو كابوس أو ماذا ا؟
هتفت نجوى فى قلق وقد أفزعتها الصرخات فأتت مسرعة : ماذا احدث يا سميحة هانم ؟
التفتت إليها سميحة وقالت فى قلق بالغ : لست أدرى ما أصابها يبدوا أنه كابوساً هاجمها أعدى لها كوباً من الليمون حتى تهدأ
قالت نجوى : حالاً يا سميحة هانم .. حالاً
ربتت سميحة على ظهر ابنتها فى حنان وقالت مهدئة إياها : اهدئى يا ملك أنا بجانبكِ يا حبيبتى لا تخافى
ورغم هذه الراحة الغامرة التى شعرت بها ملك فى صدر أمها الحنون ورغم أنها ودت لو ظلت هكذا بين ذراعيها للأبد إلا أنها هتفت فى عناد وهى تبعد رأسها عن صدر أمها وتمسح دموعها بيدها : اتركونى وحدى لا أريد أحد معي..لا أريد أحد
تأملتها أمها فى إشفاق وقالت : حسناً يا ملك سأترككِ ثم قامت ببطء لتتجه إلى باب الغرفة فى نفس الوقت الذى أتت فيه نجوى حاملة كوب الليمون فقالت لها سميحة : أعطيه لها واجلسى معها حتى تهدأ
ثم نزلت درجات السلم لتجلس فى الردهة وأخذت تلهث من فرط الانفعال ونظرت إلى ساعة الحائط فوجدتها تجاوزت الرابعة عصراً فغمغمت : يا إلهى لقد نمت ثلاث ساعات كاملة دون أن أشعر بها
رن جرس الباب فى هذه اللحظة فاتجهت إليه لتفتحه وعندما فعلت علت وجهها التساؤلات فقد كان القادم فتاة فى عمر ابنتها قالت فى ارتباك : مساء الخير
أجابتها سميحة وهى تتأملها : مساء النور يا حبيبتى
قالت الفتاة فى ارتباك : هل ملك موجودة هنا ؟
أشارت إليها سميحة بالدخول وقالت : نعم إنها بالداخل مرحباً
دلفت الفتاة إلى الداخل فأغلقت سميحة الباب وقالت : أنت داليا أليس كذلك ؟
أومأت داليا برأسها إيجاباً وقالت : نعم أنا صديقة ملك وكنت معها افى أمريكا ثم ...
قاطعتها سميحة قائلة فى ود : أعلم ذلك فلقد حكى لى والد ملك على كل شئ ولقد استنتجت أنكِ داليا لأن ملك ليس لها أصدقاء هنا سواكِ
قالت داليا : هل حضرتكِ والدتها ؟
أجابتها سميحة فى لهجة ودودة : نعم ولكن معذرة فأنا مستيقظة من النوم توا وأعتقد أن شكلى يبدوا غريباً
غمغمت داليا فى حرج : لا أبداً يا طنط لقد تشرفت بمعرفتكِ
ابتسمت سميحة فى حنان : وأنا أيضاً يا حبيبتى تفضلى إنها بغرفتها بالدور العلوى هل أوصلك ؟
قالت داليا فى سرعة : لا يا طنط شكراً سأذهب إليها
تأملتها سميحة وهى تتجه لغرفة ملك ثم تنهدت فى حرارة وهى تجلس على إحدى المقاعد حين أتت نجوى قادمة فقالت لها هل تناولت ملك الليمون يا نجوى ؟
قالت نجوى فى تعجب : لا لقد صرخت فى وجهى ثم قذفت بالكوب من النافذة
اعتدلت سميحة وقالت فى دهشة : ماذا ؟ قذفت بالكوب من النافذة ؟
أجابتها نجوى هذا ما حدث يا سيدتى
زفرت سميحة ثم قالت : نجوى أعتقد أننا فى الفترة المقبلة سنواجه بعض المتاعب معها حتى تعتاد تواجدها هنا ولذلك سيحتاج الأمر بعض الصبر ولذلك أرجو ألا تغضبكِ تصرفاتها احتمليها قليلاً
قالت نجوى فى سرعة : اطمئنى يا سميحة هانم لا تقلقى بهذا الشأن
قالت سميحة فى ارتياح : وهذا ما أتعشمه فيكِ دوماً سأذهب الآن لآخذ حماماً حتى أستعيد هدوئى فمازال جسدى ينتفض إلى الآن وأرجو أن تُعدى لى كوباً من الشاى فى هذه الأثناء فالساعة تقترب من الخامسة وإذاعة أم كلثوم على وشك البدء وأنا أحب إليها فى هدوء
قالت نجوى : كما تأمرين يا سميحة هانم .
عانقت داليا ملك بحرارة وهى تقول : أنا غاضبة منك يا ملك كنت أظن ان أول شئ ستفعلينه عندما تصلين إلى مصر هو أن تأتى إلىٌ ولكنكِ لم تفعلى
مررت ملك أصابعها فى شعرها لتعيد خصلات شعرها النافرة إلى رأسها وقالت فى توتر : سامحينى يا داليا فقد كنت مشغولة فى هذين اليومين الماضيين
قالت داليا : لا عليك لقد جئت أنا إليكِ ولكن لماذا لا تبدين طبيعية ؟
أجابتها ملك ساخرة : هذا طبيعى فلقد كنت على موعد مع كوابيسى الحبيبة
قالت داليا مشفقة : هل عاودتكِ تلك الكوابيس ثانيةً ؟
ابتسمت ملك فى سخرية وقالت : عاودتنى ؟ إنها لم تتركنى أساساً يا داليا
قالت داليا فى عطف : لماذا لا تستشيرين طبيباً نفسياً فى هذا يا ملك فقد يستطيع مساعدتك فى التخلص منها
أشارت إليها ملك بيدها وقالت وهى تحمل حقيبة ملابسها وتتجه إلى دولابها : دعكِ من هذا الآن وساعدينى فى ترتيب ملابسى بداخل الدولاب
قامت داليا لتساعدها وأخذت كلاً منهما تضع الملابس داخل الدولاب وقالت داليا : أتعلمين يا ملك لقد قابلت والدتك تبدوا سيدة لطيفة جداً ورقيقة
لم تكن ملك مستعدة للخوض فى هذا الحديث فلم تعقب على قول داليا فى حين أدركت داليا ذلك فلم تواصل الحديث واكتفت بإلقاء نظرة على الغرفة وقالت فى إعجاب : كم هى جميلة غرفتك يا ملك ثم اتجهت إلى المكتبة وقالت وهى تتصفح كتبها : وخاصة تلك المكتبة الأنيقة هل أجد بها روايات رومانسية ؟
أشارت إليها ملك قائلة فى تهكم : اطمئنى إنها خالية من تلك القصص البلهاء التى تفضلينها
هتفت داليا باستنكار : روايات بلهاء ؟ أتسمين تلك الروايات المفعمة بالأحاسيس والمشاعر روايات بلهاء ؟؟ يبدوا أنكِ أنت البلهاء
ابتسمت ملك قائلة : بالطبع يا داليا فهى لا علاقة لها بالواقع فقط تسكن فى خيال المؤلف الذى كتبها
قالت داليا متهكمة : هكذا ؟ وهل هذه القصص المثيرة التى تقرأينها دوماً والتى تحكى عن أبطال خارقين للعادة يطيرون عدة آلاف من الأمتار ثم ينقضون على رؤوس الأشرار فيسحقونهم بأطراف أصابعهم تحدث فى الواقع ؟ أم هذا الوحش الأسطورى الذى يطلق الأشعة الحارقة من عينيه فيحيل الأشرار إلى رماد ؟
أطلقت ملك ضحكة قصيرة وقالت : لا طبعاً هذا لا يحدث فى الواقع ولكن على الأقل يثير تشويقى ويشعل حماسى أما قصصكِ هذه فلا تسير لدى سوى السخرية فكلها تدور حول هذا العاشق الولهان الذى لا يفعل شيئاً فى الرواية سوى الجلوس بجانب تلك البلهاء التى تحبه بدورها ويقول لها هامساً فى حنان : أترين هذا القمر أستطيع أن أضعه بين يديكِ هل ترين هذه النجوم سأقتطفها وأصنع منها عقداً حول عنقك سنسكن سوياً عش العصفور وبالطبع سيكفينا لبنه وسنحيا بحبنا ولا تستطيع هى إزاء تلك التصريحات الخطيرة سوى أن تنهمر الدموع من عينيها وترتمى تحت قدميه أليس كذلك ؟ أليس هذا كل ما تدور حوله قصصك الرائعة ؟
نظرت إليها داليا فى سخط وقالت : كم أنتِ جافة يا ملك
قالت ملك فى بساطة : بل أنا واقعية فالرومانسية عندى ليست كلمات تتساقط طوال الوقت من الأفواه مثل الأمطار من اثنين محبين يتمايلان تحت ضوء القمر كما تصور لنا دوماً الروايات والأفلام بل هى مواقف تحدث فى أى وقت فى زحمة الحياة وفى أصعب اللحظات والرجل الحق هو الذى تشعر محبوبته بحبه لها من تصرفاته وأفعاله وليس من خلال كلماته البطولية التى يطلقها بداع وبدون داعى
قالت داليا : أنا معك فيما تقولين ولكن كل بنت يسعدها سماع بعض كلمات الإطراء من الشخص الذى سترتبط به أتعنين أنكِ لا تودين سماع تلك الكلمات من الشخص الذى سترتبطين به ؟
أجابتها ملك ساخرة : لو قال لى تلك الكلمات الرقيقة سأصفعه وأقذف به خارجاً ؟
رفعت داليا حاجبيها فى دهشة وقالت : ستصفعينه ؟ أى جنون هذا؟
أجابتها ملك : لأنه ببساطة إما أبله لا يجد سوى الكلمات الرنانة ليلقيها على مسامعى طوال الوقت أو أنه يتصور أننى أنا البلهاء التى ستخر فاقدة الوعى بمجرد إلقاء بعض التفاهات على مسامعى وفى كلتا الحالتين سيكون مصيره واحداً .. وهو الصفع
لم تمنع داليا نفسها من الضحك قائلة : وجهة نظر تستحق الاهتمام ولكن لا يعنى هذا أننى مقتنعة بها على أية حال
قالت ملك فى جدية : داليا هل تعتقدين أن أسلوب الدراسة هنا سيختلف عن الدراسة فى أمريكا ؟
أجابتها داليا بعد لحظة تفكير : من المؤكد أنها ستختلف خاصة فى المواد الأدبية ولكن هذا لن يسبب لنا مشكلة على أية حال ولكن لماذا تسألين بكل هذه الجدية ؟
قالت ملك فى تصميم : لأننى أريد أن أحصل على مجموع عالى هذا العام فقد وعدت دادى بذلك وسأسعى بكل جهدى لكى يحدث هذا .
مضت عدة أيام لم يحدث خلالها جديد فى العلاقة بين سميحة وملك فقد كانت ملك تعامل أمها بكل جفاء وبرود فى حين تذرعت سميحة بالصبر فهى تعلم أن هذه المشكلة وليدة سنوات مضت لن تحل إلا بالصبر والوقت لذا فقد تجاهلت هذه المعاملة تماماً فى حين كانت تعطى ملك كل حب وحنان
ولكن ما كان يؤلمها حقاً أن ملك لم تكن تناديها بكلمة ( ماما ) ولكن تناديها دوماً كلما اضطرتها الظروف ( بسميحة هانم ) ولكنها أيضاً تجاهلت ذلك ولكن ما اثار قلقها وانزعاجها هو تلك الكوابيس التى تهاجم ابنتها بصفة متكررة حتى انها فكرت أن تذهب بها إلى طبيب نفسى
وبينما هى جالسة فى الردهة تطالع إحدى المجلات كانت ملك تحدث أباها هاتفياً فقد اعتادت أن يتصل بها يومياً ليطمئن عليها كانت ملك تقول له كيف حال بيوتى يا دادى هل هى بخير ؟
نظر خالد إلى السلحفاة التى تمشى ببطء فى الردهة وقلب شفتيه فى امتعاض وقال : بخير يا ملك ولكن لما لا تسمينها ( آجلى ) سيكون هذا الاسم مناسباً أكثر لها
كاد صوتها يصم أذنيه وهى تصيح : ماذا تقول يا دادى ؟ أسلحفاتى قبيحة ؟ سأخاصمك من أجل هذا
ضحك قائلاً : حسناً يا ملك لا تغضبى لقد كنت أمازحكِ فحسب
قالت فى تبرم : لماذا لم ترسلها لى إذن كما وعدتنى ؟؟ لقد أوحشتنى جداً
أجابها : سيسافر أحد العاملين فى الشركة بعد الغد إلى القاهرة وسأرسل معه السلحفاة وفى الحقيقة لقد اقتنع بصعوبة فهو يكره السلاحف وسأعطيه العنوان حتى يأتيكِ بها ما رأيك ؟
قالت فى ارتياح : جميل جداً .. لا أدرى كيف أشكرك يا دادى
ابتسم وقال : بأن تذاكرى جيداً كما وعدتنى فهذا العام والذى يليه مهمين جداً حتى يمكنكِ التأهل لأى كلية تريدينها كما أريدكِ أن تعدينى بألا تثيرى أى مشاكل عندك أرجو أن تكونى فهمتِ
قالت ملك فى خبث وهى تنظر لوالدتها : اطمئن يا دادى لن تكون هناك أى مشاكل
قالت سميحة فى هدوء : اعطينى الهاتف يا ملك أريد أن أتحدث مع والدكِ قليلاً
رمقتها ملك بنظرة تعجب ثم قالت لوالدها فى تهكم : لحظة يا دادى فسميحة هانم تريد محادثتك
اخذت منها سميحة السماعة وهى تنظر إليها بصرامة ثم قالت بجفاء : أهلاً يا خالد كيف حالك
قال فى دهشة : أهلاً يا سميحة هل حدث شئ ؟
التفتت إلى ملك التى عقدت ساعديها أمام صدرها وهى تراقبها باهتمام وقالت له : لحظة واحدة
ثم قالت لملك فى صرامة : أريد أن أتحدث مع والدكِ بمفردنا
قالت ملك فى سخرية : حقاً ؟ لم تجب سميحة وإن تابعتها بنظرها وهى تغادر المكان فى بطء مستفز إلى غرفتها ثم قالت لخالد : لقد كنت أريد التحدث إليك بشئ يخص ملك
هتف قلقاً : هل حدث شئ ؟
قالت فى برود : اعتقد أننا كنا قد اتفقنا على أن أتحمل كل مصاريفها وألا تتدخل أنت فى ذلك أليس كذلك ؟؟؟
أجابها : نعم يا سميحة اتفقنا ولكن ماذا أفعل وقد طلبت منى بنفسها نقوداً ولم استطع أن أرفض مطلبها خاصة بعد أن شعرت من خلال حديثها أنها لا تريد طلب أى نقود منكِ نظراً للعلاقة الجافة بينكما و ...
قاطعته سميحة قائلة فى غضب : حقاً ؟ وهل جد جديد ؟ نحن نعلم ذلك من البداية وقد اتفقنا على كل شئ وأنا لا أعطيها الفرصة لتطلب منى لأننى أضع ما يكفيها فى مكتبها فلماذا فعلت ذلك ؟
لم يجد خالد ما يقوله فهتف فى عصبية : سميحة انها ابنتى وأنا لم اعتاد أن أرفض لها مطلباً وليس من حقكِ منعى من الانفاق عليها .. ثم أين ستذهب نقودى إذا لم تستمتع بها ابنتى الوحيدة؟
هتفت سميحة غاضبة : انها ابنتى أنا أيضاً يا خالد وانا كفيلة بألا أحرمها من شئ وأتمنى ألا يتكرر ذلك ثانية .. أما بالنسبة لنقودك الكثيرة فضعها باسمها كوديعة فى إحدى البنوك .. لأننى لن أسمح لك بالتدخل وإفساد ما أفعله أبداً ثم إن هناك شيئاً آخر
زفر فى ضيق وقال : ما هو ؟
قالت فى سخط : شرائط الفيديو التى أرسلتها مؤخراً والتى تحوى من الرعب ما يجعل أبشع الكوابيس يهاجم البنت ألا ترى أن تلك النوعية التى تفضلت وأرسلتها لا تناسبها أم ماذا ؟
اجابها : هى التى طلبت أيضاً هذه الشرائط إنها تهوى هذه النوعية ما الذى أفعله إزاء هذا أيضاً ؟
هتفت فى حنق : لا شئ .. افعل كل ما تريده هى دون مناقشة دون أن تدرك عواقب ذلك لأن هذا هو أبسط وأسهل شئ تفعله .. وأنا التى سألت عن سبب هذه الكوابيس التى تهاجمها دوماً
هتف فى قلق : هل عاودتها هذه الكوابيس ثانيةً ؟
عقدت حاجبيها لحظة ثم قالت فى تساؤل : عاودتها ؟ هل كانت تعانى منها قبل ذلك ؟
أجابها فى توتر : نعم .. لقد كانت تعانى من الأرق والكوابيس وقد ذهبت بها إلى طبيب نفسى وأخبرنى أن هذا يحدث نتيجة لعدم استقرارها نفسياً وقد أعطاها بعض الأقراص المهدئة
لم تدرِ سميحة لماذا اشتعلت هذه المرارة فى أعماقها ولا هذا الغضب والذهول فقالت بكل تلك المشاعر : أتعنى أن ابنتى الوحيدة ذات السادسة عشر ربيعاً والتى من المفترض أن تكون مقبلة على الحياة تعانى من الأرق ولا تنام إلا بالأقراص المهدئة ؟ وتعانى من عدم الاستقرار النفسى .. ما الذى فعلناه بأبنتنا .. ثم صرخت فجأة ما الذى فعلناه .. ما الذى فعلته بها ؟
هتف فى استنكار : ما الذى تقولينه يا سميحة ؟
قالت فى هدوء مفاجئ:قل لى يا خالد ما الذى فعلته إزاء ذلك ؟
قال فى حيرة : وما الذى أفعله أكثر من ذلك ؟
صرخت فى ثورة : ما الذى تفعله أكثر من ذلك ؟ هل اكتفيت بعرضها على طبيب نفسى وإعطائها تلك الأقراص التى تضرها أكثر بكثير مما تفيدها .. ألم تفكر لحظة فى أن تحتويها بحنانك وحبك؟وتغمرها برعايتك واهتمامك .. ألم تفكر قليلاً فى أن تترك أعمالك التى لا تنتهى أبداً وتمارس معها أبوتك فهذا كفيل بشفائها وارتياحها .. ألا يوجد ما تفكر فيه سوى عملك ؟؟
هتف فى عصبية : سميحة انها ابنتى كما قلت وأنا أحبها أكثر من أى شئ أنا .....
صرخت مقاطعة إياه : أنت أنانى .. أنانى فى حبك وفى أبوتك .. أتعلم حقاً لقد أدركت المعنى الكامل للأنانية منك أنت لقد انتزعت منى ابنتى وحرمتنى منها وسافرت بها لتلقيها فى حجرة باردة فى أمريكا تعانى من الوحدة والاكتئاب وظللت منشغلاً عنها مكتفياً بقبلة تطبعها على خدها صباحاً ومساءً عندما تعود منهكاً من عملك وكثير من النقود التى تغمرها بها متصوراً أن هذا يعوضها حنانك وعندما أصابها الأرق والكوابيس سارعت بإنهاء المشكلة ببضعة أقراص منومة لا تحل المشكلة هل هذه هى الأبوة من وجهة نظرك ؟
هتف غاضباً : سميحة لن أسمح لك بمهاجمتى على هذا النحو .. لو ظننتِ اننى سأصبر إهاناتكِ المتكررة فأنتِ ...
لم تطق سميحة مواصلة حديثه فأغلقت السماعة فى قوة وهى تنتفض غضباً وحنقاً ثم اتجهت إلى غرفة ملك واقتحمتها بقوة أدهشت ملك فقالت سميحة وهى تحاول السيطرة على نفسها : لقد أخبرنى والدكِ أنكِ تتناولين أقراصاً مهدئة للتغلب على الأرق : أليس كذلك ؟
قالت ملك فى برود : نعم ماذا فى هذا ؟
قالت سميحة محاولة التظاهر بالهدوء : أيمكننى أن اراها ؟
قالت ملك فى برود : لماذا ؟
أجابتها سميحة باقتضاب : سترين
رمقتها ملك بنظرة باردة طويلة قبل أن تتجه ببطء إلى مكتبها لتتناول منه علبة الأقراص وتعطيها لسميحة التى أخذت تتأملها لحظة قبل أن تجلس وتقرأ نشرتها الداخلية ثم تنهدت وقالت لملك فى هدوء : اجلسى يا ملك أريد أن أتحدث معكِ قليلاً
ورغم دهشتها جلست ملك على مقعد مقابل لوالدتها التى قالت : هل تأخذين هذه الأقراص يومياً ؟
أجابتها ملك : نعم
زفرت سميحة ثم قالت فى حنان : استمعى إلٌى يا ملك .. هذه الأقراص المهدئة أضرارها الجانبية تفوق كثيراً فوائدها ولا يجب استعمالها هكذا طوال الوقت إلا للضرورة .. أو لحل مشكلة طارئة لن تدوم .. وهذه الكوابيس والأرق الذى تعانين منه ليسا هما الضرورة .. أنا أعلم أنها ستساعدكِ على النوم ولكنه لن يكون نوماً طبيعياً مريحاً .. لذا يجب علاج الأرق بطريقة أخرى أكثر فاعلية وأكثر أمناً .. أنا شخصياً مررت بتلك التجربة فى فترة ما ولكننى تغلبت عليها دون أن ألجأ إلى تلك الأقراص .. وسأساعدكِ حتى يمكنكِ التخلص منها
قالت ملك بلهجة متهكمة : حقاً ؟ لست أدرى كيف أشكركِ ولكننى لا أحتاج مساعدتكِ فأنا أفضل تلك الاقراص
وهنا لم تحتمل سميحة فاتجهت إلى النافذة وألقت بعلبة الأقراص بكل قوتها عبرها وكأنها تنتقم منها ثم التفتت إلى ملك وقالت ها قد ضاعت علبة الأقراص .. والآن استمعى إلٌى
صرخت ملك غاضبة : ما الذى فعلتيه ؟
عقدت سميحة ساعديها أمام صدرها وقالت فى صرامة : فعلت ما فيه مصلحتك
ضاقت حدقتا ملك وهى تصيح غاضبة : وما شأنكِ أنتِ بى .. من أعطاكِ الحق فى ذلك ؟؟
قالت سميحة فى صرامة محاولة الحفاظ على هدوئها : كل قوانين الطبيعة والحياة والشرائع لسماوية أعطتنى الحق فى ذلك يا ملك فأنا أمكِ أم أن هذه الكلمة لا تعنى لكِ شيئاً ؟
هتفت ملك فى سخرية غاضبة : كان من المفترض أن تعنى لكِ أولاً قبل أن تعنى لى
لم تحتمل سميحة فجذبت ملك من ذراعها بقوة وهتفت غاضبة : ما الذى فعلته لكِ لتكرهيننى هكذا .. ما الذى أخطأت فيه لتعاقبيننى عليه ؟؟
جذبت ملك ذراعها من يد امها وهتفت : لن أتحدث فى هذا
تركت سميحة ذراعها وقالت : أنا أيضاً لن أتحدث فيه .. الآن على الأقل
ثم اتجهت إلى مكتبة ابنتها وأخذت منه كتيب صغير ثم عادت وناولتها إياه وهى تقول:امسكى يا ملك هذا الكتاب اقرئى منه قبل أن تنامى .. إن به بعض الآيات القرآنية والأدعية الشريفة ستريحكِ نفسياً وأنا واثقة أن الكوابيس لن تجد طريقاً إليكِ بعد قراءتها
امسكت ملك الكتاب وتصفحت أوراقه باستخفاف وقالت : حقاً ؟ أتعنين أن بضع كلمات ستحدث نفس تأثير الأقراص المهدئة ؟
أصابت كلماتها المستخفة سميحة بالذهول والغضب فى آن واحد فرددت : بضع كلمات ؟ هل تقولين أيتها الوقحة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة بضع كلمات ؟
أشاحت ملك بوجهها قائلة : لم أقصد ذلك ولكن لن يمكنكِ إقناعى أننى مهما قرأت فى هذا الكتاب سيغنينى عن الأقراص التى كتبها لى الطبيب وإلا لما كان هناك داعى للأدوية والأطباء
قالت سميحة فى لهجة أكثر هدوءاً وأكثر مرارة : آهـ .. نسيت أنكِ عدت توا من أمريكا وأنكِ تقريباً قد نسيتى كل شئ عن بلدكِ ولغتكِ وعقيدتكِ .. ولكن لن يمكننى لومكِ على أية حال .. فالذنب ليس ذنبك ولكنه ذنبى أنا وخطئى ولكننى قادرة على إصلاحه .. على العموم دعينا من هذا الآن ولنتحدث فى مشكلتك .. فالأرق الذى تعانين منه سببه عدم الاستقرار النفسى كما قال لكِ الطبيب ولن تحل لكِ الأقراص عدم الاستقرار هذا ولكنها فقط ستساعدكِ على النوم .. أى لن تحل المشكلة جذرياً هذا بالإضافة إلى أعراضها الجانبية الكثيرة أما بالنسبة للكتاب الذى أعطيتكِ إياه فهو يحتوى على آيات قرآنية وبعض الأدعية النبوية الشريفة التى ستعطيكِ ارتياحاً نفسياً غامراً عند قراءتها وستساعدكِ على النوم .. أنا شخصياً لا أنام قبل قراءتها وجربى وسترين
ثم قامت لتغادر الغرفة فى بطء وهى تردد : حسبى الله ونعم الوكيل .. حسبى الله ونعم الوكيل .. فى حين تابعتها ملك بنظرها قبل أن تتجه إلى النافذة وتلقى منها نظرة وغمغمت فى حنق : اللعنة .. لن أستطيع النوم الليلة ثم عادت إلى الكتاب ثانيةً وأخذت تتصفحه باهتمام حقيقى وهى تقول : حسناً سأجرب
وأخذت تقرأ منه بعض الأدعية عدة مرات ثم تدثرت فى فراشها وأغمضت عينها ونامت.
(( هى مشكلة كبيرة فعلاً يا سميحة )) هتفت سعاد بتلك العبارة وهى تقدم فنجان القهوة لسميحة ..
تناولت سميحة فنجانها وأخذت ترتشف منه عدة رشفات قبل أن تقول : بل قولى كارثة يا سعاد .. إن ملك الآن فى السادسة عشرة من عمرها ولا تفقه أى شئ خاص بدينها وعقيدتها .. بل لا تكاد تتحدث اللغة العربية فمنذ أن جاءت وهى تتحدث الإنجليزية معظم الوقت مع والدها أو صديقتها والعجيب والمثير للسخرية اننى لم أنتبه إلى هذه المشكلة إلا بالمصادفة من خلال كلماتها الساخرة وكل هذا بسببى أنا
هتفت سعاد فى دهشة مستنكرة : بسببك ؟ وما شأنكِ أنتِ بما حدث لها .. خالد هو السبب فى كل ما حدث وما يحدث
اجابتها سميحة فى حزم : بل بسببى يا سعاد .. لا يمكننى أن أنكر هذا ولا أستطيع الهروب من هذه الحقيقة .. لقد كنت ألقى مسئولية ما يحدث بينى وبينها وكل ما حدث من مشاكل على خالد ولكن هذه المشكلة بالذات وإن كان خالد يتحمل جزء منها ولكننى السبب المهم فيها فأنا الأم يا سعاد التى تربى وترشد وتعلم وهذه مسئوليتى وأمانة لابد أن أؤديها .. وأى شئ اهم من ذلك وأى فائدة لى إذا لم أفعل هذا .. ولكننى انشغلت عنها بمشاكلى مع والدها وجدتها وتركتها تضيع بيننا أما بالنسبة لخالد فسواء كانت الأحوال بيننا مستقرة أم لا فهو لم يكن ليعلمها أى شئ نافع .. فعلى من تكون هذه المسئولية إذن إذا لم تكن أنا ؟
تراجعت سعاد إلى الوراء وغمغمت : وما الذى كان بيدكِ أن تفعليه إذن يا سميحة .. لقد كانت كل الظروف ضدكِ حينذاك
تنهدت سميحة وقالت : كان يمكننى فعل شئ لو أننى فكرت فيها أكثر مما فكرت فى مشاكلى .. ولكن هذا لن يفيد الآن
قالت سعاد : لا تحملى نفسك أكثر مما تحتمل يا سميحة .. وكل مشكلة ولها حل بإذن الله
أجابتها سميحة : اننى لم أنم البارحة .. ظللت طوال الليل أفكر فى هذه المشكلة وقلبت الأمر من جميع جوانبه وفى الحقيقة اصابتنى الحيرة فلو اتخذت معها أسلوب التعليم المباشر لن يفلح لأسباب عديدة منها العلاقة ذات الطابع الخاص بيننا فنحن فى المنزل مثل الأخوة الأعداء
ضحكت سعاد قائلة : يا له من تشبيه يا سميحة .. ألهذه الدرجة؟؟؟
ابتسمت سميحة وقالت : لهذه الدرجة يا سعاد والعجيب انها لا تعاملنى أنا فقط بهذه العدوانية بل نجوى أيضاً لا تطيق سماع كلمة واحدة منها وكأن بينهما ثأر سابق ولا أدرى لماذا حتى اننى نصحت نجوى بالابتعاد عنها تماماً
ضحكت سعاد مرة أخرى وقالت : وما ذنب نجوى فى هذا ؟
قالت سميحة فى حيرة : حقيقى لست أدرى ربما لأنها تكره أى شئ يمت لى بصلة
تلاشت ابتسامة سعاد وقالت فى جدية : لا ليس لهذه الدرجة يا سميحة .. لابد وأن هناك شيئاً آخر
أشارت إليها سميحة قائلة : دعينا من هذا الآن ولنبحث عن الأهم .. ان ملك تحتاج لأن تتعلم الكثير والكثير عن عقيدتها ومبادئها بأسلوب مبسط فعٌال فليس من المعقول أبداً أن تكون ابنتى بهذا الوضع وجدها كان عالماً فى الفقه والحديث بجامعة الأزهر والذى كان يثور عندما نخطئ قراءة آية من الآيات .. وطبعاً أنا لن استطيع القيام بذلك فمن يمكنه ذلك ؟
قالت سعاد فى تفكير : عندى فكرة ربما تكون صائبة
قالت سميحة فى دهشة : أتينى بها يا سعاد بسرعة
قالت سعاد فى حسم : الشيخ حسين
رددت سميحة فى دهشة : الشيخ حسين ؟ الشيخ حسين من ؟
قالت سعاد فى مزيج من الدهشة والاستنكار : الشيخ حسين يا سميحة هل نسيته ؟؟ صديق والدنا رحمه الله وأستاذ الشريعة بالجامعة والذى حفظنا على يديه القرآن الكريم ونحن صغار يا إلهى أتنسين كل شئ هكذا ؟
بدا على سميحة أنها تذكرت فتراجعت إلى الوراء وقالت : آهـ .. الشيخ حسين يااااه هل مازلتِ تذكرينه يا سعاد ؟
قالت سعاد فى سخرية مقلدة أسلوب سميحة : يااااه هل مازلتِ تذكرينه يا سعاد ؟ بالطبع أذكره يا سميحة
أنتِ التى أصبحتِ تنسين كل شئ بطريقة لا تطاق فالشيخ حسين كان صديقاً حميماً لوالدنا رحمه الله كما أنه معلمنا والسبب الهام أننى ألجأ إليه دائماً عندما أتعرض لمشكلة ما وقد بعثت إليه بسلمى وسراج ليحفظوا القرآن ويتعلموا مبادئ وأساسيات الدين لديه فهى أمانة كما قلت ولابد أن نؤديها مثلما حرص والدنا على ذلك معنا وعلاقتى به لم تنقطع أبداً وأيضاً سمير
قالت سميحة فى شبه عصبية : ماذا أفعل يا سعاد ظروفى هكذا كما أنكم تعيشون فى الجيزة أما أنا أعيش فى العباسية ولكن دعينا من هذا وقولى لى كيف سيحل الشيخ حسين المشكلة
قالت سعاد فى بساطة : فقط اذهبى إليه واشرحى له المشكلة وهو سيتصرف بطريقته وثقى أنه لن يتوانى عن تقديم المساعدة لك
قالت سميحة بقلق : هل تعتقدى أن هذا سيفلح ؟
قالت سعاد بثقة : بالطبع يا سميحة إنه عالم من علماء الدين ولديه حكمة واسعة وصبر بلا حدود وبالطبع سيعرف كيف يتعامل مع ابنتكِ وإن كنتِ تريدين أن أذهب معكِ سأذهب
قالت سميحة فى سرعة : لا سأذهب أنا يا إلهى كيف سيكون موقفى أمامه عندما يعلم اننى أهملت ابنتى لهذه الدرجة
قالت سعاد مهدئة : لا عليكِ يا سميحة إنه سيقدر موقفكِ خاصة وإنكِ تحاولين إصلاح الأمر بقدر استطاعتكِ
قالت سميحة مستسلمة : يبدوا أنه لا مفر من ذلك والآن أين سلمى ؟
أجابتها سعاد بلهجة حنون : إنها مع نديم حضر باكراً ليريها شقتهما الجديدة ومعهما سراج
ابتسمت سميحة وقالت فى حنان : يا لنديم الذى اختطفها منا فجأة على العموم ربنا يبارك لها ويسعدها على الدوام
ثم قامت مستعدة للانصراف فهتفت بها سعاد : لماذا لا تبقين قليلاً يا سميحة أريد أن أتحدث معكِ
قالت لها سميحة بسرعة : لا يا سعاد لن أستطيع إذا كنتِ تريدين حقاً التحدث معى حقاً فتعالى لزيارتى فأنتِ لم تفعليها منذ مدة طويلة
قالت سعاد وهى توصلها : إن شاء الله
أشارت إليها سميحة قائلة : عندما تأتى سلمى اجعليها تتصل بى هاتفياً فقد أوحشتنى كثيراً
أجابتها سعاد : بإذن الله مع السلامة .
