الفصل السابع من رواية أمومة مع وقف التنفيذ

 

             الفصل  السابع


اندفعت ملك إلى غرفتها كالصاروخ وصفقت بابها خلفها فى قوة بينما اتجه خالد إلى غرفته فاستوقفته سارة قائلة : أين كنت يا خالد لقد اتصلت بك فى المؤسسة ولم أجدك 

أجابها دون أن يلتفت إليها : كنت مع ملك أتحدث معها فى بعض الأمور 

قالت فى غيظ : ولماذا لم تخبرنى لم تخبرنى أن تلك الأمور ستستغرق اليوم بأكمله ؟

التفت إليها وقال فى نفاذ صبر : هل كنت تريدين منى أن 

  استأذنك ؟

أشاحت بذراعيها قائلة فى غضب : بل كنت أريد أن تراعى    مشاعرى  إنك لم تترك عملك يوماً من أجلى مثلما فعلت اليوم مع ابنتك 

قال فى سرعة وقد بدأ يفقد أعصابه : هاأنت قلتيها ابنتى  أى ليست ضرتك إذن فلن يحتاج الأمر إلى مراعاة شعور أحد  والآن اتركينى أذهب للنوم فأنا احتاج إليه بشدة ولتؤجلى محاضراتك للغد قال ذلك واتجه إلى غرفته تاركاً زوجته تتميز غيظاً 

وفى غرفتها كانت ملك تسترجع كلمات والدها التى تدق رأسها بعنف وتملأ كيانها بالانفعالات (( لماذا تكرهينها يا ملك ) (( لم تحب أحد سواك )) (( إنها لم تتخل عنك )) (( أنت تتحدثين بلسان جدتك )) امتلأت عيناها بالدموع واتجهت إلى مكتبها والتقطت البوم الصور الخاص بها وفتحته لتلقى نظرة على صورة تجمعها هى وأمها حين كانت فى الثامنة من عمرها وتذكرت كلمات أمها قبل طلاقها .

(( لتعلمى يا ملك أننى لم احب ولن احب فى هذه الدنيا سواك وأننى حين قررت أن أواصل حياتى فى هذا المنزل كان من أجلك وحين قررت أن ابعد كان ذلك أيضا من أجلك صدقينى يا ملك لا يوجد فى هذه الدنيا من يحبك مثلى ))

صرخت ملك فى ثورة وهى تقذف بالألبوم بعيداً قائلة : كذب.. كذب .. كذب 

ثم انهارت باكية فى حرقة.


كانت سميحة جالسة فى شرفة منزلها تطالع إحدى المجلات حين همست نجوى قائلة (( سميحة هانم ))

التفتت إليها سميحة متسائلة : هل هناك شئ يا نجوى 

قالت نجوى وهى تناولها رسالة : نعم يا سيدتى هذه الرسالة وصلت هذا الصباح من أمريكا 

تناولت سميحة الرسالة فى لهفة وما أن قرأت اسم الرسالة تهللت أساريرها وهى تقول لنفسها : الحمد لله كدت افقد الأمل فى وصول أى رسالة منها 

غادرت نجوى الغرفة فى حين أخذت سميحة تقرأ محتويات الرسالة

عزيزتى سميحة :-

بعد التحية  أتمنى أن تكونى فى خير حال وبصحة جيدة  كان أول شئ فعلته بعد وصولى إلى أمريكا مباشرة هو البحث عن ابنتك والحمد لله كان هذا سهلاً بعد المعلومات التى أعطيتنى إياها عن والدها وأيضا لأنه رجل أعمال معروف وأود أن أطمئنك عليها فهى تعيش فى أرقى أحياء ولاية نيويورك وتدرس فى أرقى  المدارس هناك فى الحقيقة أنا لم أقابلها ولكننى ذهبت مباشرة إلى شركة والدها حيث قابلته وعلمت عنها كل شئ منه وقد وعدنى أنه سيجعلها تتصل بك 

عند هذه الكلمات غمغمت سميحة فى حنق : يا الهى يا فاتن لماذا ذهبت إليه ؟ لماذا فعلت هذا ؟ 

ثم واصلت الخطبة فى لهفة [ صديقتى سميحة لقد أرفقت بهذا الخطبة صورة حديثة لملك التى أخذت عنك كل شئ تقريباً ولكنها أكثر جمالا منك أعدك يا سميحة اننى لن أتخلى عنها طوال مدة إقامتى فى أمريكا )

 صديقتك : فاتن 

طوت سميحة الخطبة فى عناية ثم تطلعت إلى صورة ابنتها وفى عينيها أطل حنين كبير  كانت فتاه جميلة جداً لقد مرت ست سنوات جعلت منها تتحول من طفلة جميلة إلى فتاه أجمل 

أخذت سميحة تضم الصورة إليها فى حنان وحب ثم لم تلبث أن رفعت عيناها التى التمعت بالدموع وقلت فى رجاء : يا إلهى لا يوجد من هو ارحم منك لى .. أعدها إلى 

 (( ماذا يعنى هذا ؟ )) هتف سامح فى حدة غاضبة وهو        يواجه زوجته نور هان التى قالت فى هدوء مثير وهى ترتدى روب   النوم : يعنى إننى لن أتخلى عن العيادة أو المستشفى  يا الدكتور سامح 

أشاح بيده قائلاً فى حدة أكثر : والأولاد يا نور هان إنك لا تكادين تتفرغين لهم 

قلت فى هدوء أكثر : ماذا عنهم ؟ لقد كبروا وأصبحوا أكثر اعتماداً على أنفسهم 

هتف : بل أصبحوا أكثر احتياجاً لك فهم فى سن خطرة وعدم تواجدنا معهم طوال الوقت ليس جيداً على الإطلاق 

قالت بنفس الهدوء : عظيم  لقد قلت تواجدنا معهم إذن لماذا لا تحاول أنت ترك عملك لتتفرغ لهم ما دمت قلقاً إلى هذا         الحدلماذا يجب على أنا أن افعل هذا 

هتف فى غضب : عال  تريديننى أن نعكس الأوضاع وأترك أنا عملى لأجلس فى المنزل بينما تظلين أنت خارج المنزل طوال الوقت  أليس كذلك ؟

هتفت فى حدة غاضبة : أنا لا أريد شيئا يا سامح  بل أنت الذى يقلقه نجاحى ومنافستى له ويريد أن يحد من طموحى  تحاربنى بكل الطرق لكى تبقى المتفوق الوحيد بدعوى القلق على الأولاد  إننى أفهمك جيداً يا الدكتور سامح 

قال فى سخط : أى قول سخيف هذا الذى تقولينه وتكررينه فى      كل مناسبة  أى منافسة تلك وأى هراء تتحدثين عنه وما الفرق بينك وبينى ألسنا زوجين ؟ ومن المفترض أن نجاحى يسعدك ونجاحك هو نجاحى ؟

هزت رأسها نفياً قائلة : بل يوجد فارق كبير بينى وبينك فى مجال العمل وليس لهذا شأن بالمنزل  فكل منا له شخصيته المستقلة ولن أتنازل عن نجاحى أبداً يا سامح أبداً 

هز سامح رأسه فى قوة ثم قال محاولاً التحلى بالصبر : كيف يمكننى أن أقنعك إننى لا أريدك أن تتخلى عن نجاحك وأننى أسعد له كما أسعد لنجاحى ولكننى فى نفس الوقت لا أريد أن يكون ذلك على حساب الأولاد  إننى فقط أريد منك أن تهتمى قليلاً بهم ولن يحدث هذا طالما تقضين معظم وقتك خارج المنزل ثم تعودين مرهقة لا تستطيعين حتى الحفاظ على عينيك مفتوحتين 

قالت فى عناد : وما الذى أستجد حتى تطلب منى ذلك الآن ؟ ما الذى أثار قلقك تجاه الأولاد ؟

أجابها : إنهم فى حالة عدم اتزان يا نورهان  فكريم رسب هذا العام ويريد أن يحول إلى كلية أخرى ونرمين تقضى معظم وقتها خارج المنزل وهذا يثير قلقى ومحمود وإن كان متفوقاً فى دراسته إلا إننى اشعر أن هناك ما يخفيه بداخله ويريد من يتحدث معه صدقينى يا نورهان الأولاد ليسوا بحالة طبيعية 

قالت وهى تندس فى فراشها : ولكننى لا أرى ذلك وليس هناك ما يدعوك للقلق فنرمين تقضى وقتها عند صديقاتها وكلهم من عائلات كبيرة ومحترمة وليس هناك ما يدعوك للقلق عليها ومحمود كما قلت متفوق فى دراسته وناجح أما بالنسبة   لهذا الولد المستهتر كريم فسيواصل الدراسة فى كليته  بالرغم عنه وسأعرف كيف أجعله يلتزم ويترك هذا العبث الذى يفعله وعلى فكرة لا يعجبنى تدخل والدتك فى شئ كهذا 

قال سامح فى ضيق : والدتى عندها حق فى هذا يا نورهان فلن يمكننا إجبار الولد على دراسة شئ لا يحبه وها أنت رأيت نتيجة ضغطنا عليه  لقد رسب ولذلك قررت أن أوافق على التحويل له إلى كلية العلوم وقد بدأت بالفعل إجراءات التحويل 

هتفت فى استنكار غاضب : ماذا ؟ قررت ماذا؟ وأنا ألا رأى لى ؟

قال مهدئاً : لقد أخطأنا منذ البداية عندما أجبرناه على دخول كلية الطب دون رغبته ويجب ألا نواصل هذا الخطأ لمجرد العناد فنتسبب فى إحباط ابننا ولن نسعد كثيراً عندما يصبح طبيبا فاشلاً  أليس كذلك؟

هتفت بثورة : إذن فقد قررت ونفدت دون أن حتى تسألنى رأيى حسناً يا سامح لتعلم إننى لا أوافق على هذا وسيواصل كريم الدراسة فى كليته و.....

قاطعها هاتفاً فى نفاذ صبر : نورهان  دعيك الآن من كريم ولنواصل حديثنا فى ما كنا نتحدث فيه 

اختفت ثورتها فجأة لتحل محلها ملامح التصميم وقالت فى إصرار : لن نتناقش فى أي أحاديث يا سامح فكما قلت لك  لن أترك عيادتى أبداً يا سامح ولتعتبر أن هذا آخر قرار فى  هذا الشأن ثم جذبت الغطاء عليها لتنام تاركة إياه يغلى غضباً وحنقاً 


رن جرس الباب الخارجى لمنزل نبيلة هانم فى الساعة الثانية بعد منتصف الليل  كانت نبيلة هانم مستغرقة فى النوم بينما كان سمير ومديحة يجلسان بغرفتهما يشاهدان إحدى الأفلام الحركية 

فالتفتت مديحة إلى زوجها فى قلق : ترى من القادم فى هذا الوقت من الليل ؟

مال على أذنها وهو يقول بلهجة توحى بالخطر : ربما  يكون لصاً 

قالت وهى تنظر إليه باستنكار : وهل سيستأذن منا اللص قبل      أن يسرقنا ؟

تلفت حوله فى حذر ثم قال متهكماً : وما أدراك ربما فعل ذلك حتى نفتح الباب فيهجم علينا ثم يقتلنا أنا وأنت ويتصرف كما يحلو له فى المنزل 

قالت فى نفاذ صبر : اذهب لترى من بالباب يا سمير وكف بالله عليك عن هذا الظرف فليس هذا وقته

 قام وتناول عصا غليظة وأعطاها إياها وهو يقول فى جدية : قبل أن افتح يجب أن نؤمن موقفنا جيدا  ستقفين أنت بتلك العصا خلف الباب وسأفتح أنا الباب وفى يدى سكيناً حتى ما إذا هجم علينا اللص كنا مستعدين حيث سأ.......

صاحت مديحة وقد فاض بها الكيل : سأفتح أنا 

أسرع يقول ضاحكا : حسناً كنت أداعبك فحسب لا تغضبى هكذا 

رمقته بنظرة ساخطة واتجه هو ليفتح الباب فوجد والدته على وشك تفتح هى فصاح : ماما  لا تفعلى هذا بالله عليكي  لا تفتحى الباب 

انتفضت نبيلة هانم فى ذعر وقد أخافتها صيحته وهتفت : سمير ؟ لماذا تصيح هكذا لقد أخفتنى 

أشاح بذراعيه قائلاً : كدت تعرضين حياتك للخطر  ماذا يحدث لو أن لصاً يقف بالخارج ينتظرك لتفتحى الباب فيبرز المطواه فى وجهك ويأمرك أن تعطيه كل ما بالمنزل من أشياء غالية الثمن بما فى ذلك حذاء مديحة البنى اللون ذو الكعب العالى ماذا لو أن قاتلاً محترفاً ....

قاطعته مديحه صارخة : يا الهى لقد فقدت أعصابى بالفعل 

التفتت إليها نبيلة هانم قائلة فى دهشة : ما الذى يقوله زوجك ولماذا تصرخين هكذا ؟؟؟ 

صاحت مديحة فى عصبية : لاشيء  فقط جرس الباب يرن منذ ساعة تقريباً وسمير مصر ألا يفتح الباب دون أن يرينى خفة دمه الزائدة  استمعى إلى يا طنط نبيلة لو لم يكف عن ذلك الأسلوب فلن أكمل معه حياتى بعد الآن 

تأملتها نبيلة هانم لحظة ثم هزت رأسها فى تعجب قائلة : يبدوا أننى أنا التى لن تواصل حياتها معكما فلست على استعداد أن افقد عقلى فى هذا البيت المجنون 

فتح سمير الباب فوجد كريم يقف وعلى ملامحه تبدوا علامات القلق والضيق واضحين 

فقال فى دهشة : كريم ؟ هل حدث شئ ما ؟ 

دلف كريم إلى الداخل وهو يقول فى ضيق : هل كنتم مستغرقين فى النوم لهذا الحد؟ لقد ظللت ما يقرب من الساعة أمام الباب 

اتجهت إليه جدته وقالت فى قلق وهى تربت على كتفه : ماذا هناك يا كريم ؟ هل حدث شئ يا حبيبى ؟ 

جلس على مقعد أمامه وقال : لقد تشاجرت مع ماما  وتركت المنزل

تأمل سمير العلامات الحمراء التى تبدو على وجهه وقال : هل صفعتك ؟

أومأ كريم إيجابياً برأسه وهو يقول فى حنق : نعم 

هتفت جدته فى استنكار : صفعتك ؟ ما الذى جعلها تفعل هذا يا كريم ؟

صمت كريم لحظة ثم قال فى انفعال : لقد ثارت حين علمت بأننى حولت إلى كلية العلوم دون علمها وأخذت توبخنى وتصفنى بأننى فاشل ولم أكد أرد عليها أننى سأفعل ما أريد وليس من حقها أن تقيدنا وتفعل بنا ما تشاء حتى صفعتنى فتركت لها المنزل 

تساءل سمير : وأين كان والدك ؟ ألم يتدخل ؟

قال كريم فى مرارة : بابا ؟ بابا يستيقظ مبكراً ليذهب للمستشفى ثم يعود متأخراً من العيادة وقلما نراه وماما نفس الشىء والوقت التى تقضيه معنا يأتى على أعصابنا من صراخها وأمرها ونهيها وكأننا مازلنا أطفالاً فى الروضة ولا تنطبق هذه القاعدة بالطبع على نرمين فهى طفلتها المدللة 

ربتت جدته على كتفه وهى تقول فى حنان : حسناً يا حبيبى اذهب أنت لترتاح وسأرى ما يمكننى فعله 

قام فى بطئ فى حين رن جرس التليفون فقال فى سرعة : لو ماما لا تخبروها بأننى هنا فلن أعود إلى المنزل 

رفع سمير سماعة التليفون وقال : آلو أهلاً يا محمود نعم إنه هنا لا تقلق 

هتف محمود : النذل تركنى هنا وحدى 

سأله سمير فى دهشة : هل لديك مشكلة أنت أيضاً 

قال محمود فى غيظ : كنت أود لو حدثت مشاجرة معى أيضاً وأفعل مثله لأترك هذه الروضة التى نعيش فيها 

أجابه سمير ضاحكاً : هل تسمعك والدتك وأنت تقول هذا 

قال محمود : لا طبعاً  إننى أتكلم من غرفتى لأننى كنت أعلم أن كريم سيأتى إليكم فأردت أن أطمئن عليه 

أشارت نبيلة هانم إلى سمير ليعطيها السماعة فقال        لمحمود : حسناً يا محمود جدتك تريد أن تتحدث معك 

أخذت نبيلة هانم السماعة وقالت لمحمود فى حزم : أخبر والدتك يا محمود أننى أريدها غداً لأمر هام جداً 

قال محمود : حسنا يا تيتة سأخبرها 

قالت : مع السلامة يا حبيبى ثم أنهت المكالمة فتساءل سمير      قائلاً : لماذا تريدينها يا ماما ؟

قالت فى حزم : سترى يا سمير فقد مللت من تصرفات نورهان وأفكارها السخيفة سأضع حلاً لهذا والآن هيا لتناموا فقد أصبحت الساعة الثالثة الآن 

التفت سمير إلى مديحة قائلاً : هيا يا مديحة  

قالت مديحه فى برود : مديحة لن تذهب معك....مديحة ستنام فى غرفة هانى  فقد فاض بها الكيل منك 

عقد حاجبيه فى غضب وهو يقول لوالدته : أرأيت يا ماما كيف تتعامل معى مديحة ؟  

صاحت نبيلة هانم وهى تتجه لغرفتها مسرعة : يا إلهى يا إلهى لقد نفد صبرى  سأصاب بالجنون 


 (( ما الذى تريديننى بشأنه يا طنط نبيلة ؟ )) قالت نورهان فى هدوء حذر 

أشارت إليها نبيلة هانم بالجلوس قائلة : اجلسى أولاً يا نورهان فلن يمكننا التحدث وأنت واقفة هكذا 

جلست نورهان فى مقعدها وهى تقول : أرجو أن يكون الأمر هاماً فقد تأخرت عن المستشفى 

قالت نبيلة هانم فى صرامة : طبعاً فهو يتعلق بابنك كريم  

تراجعت نورهان فى مقعدها وهى تقول : ماذا عنه ؟

قالت نبيلة هانم بنفس الصرامة : هل ترين أن أسلوبك فى التعامل معه مناسب ؟

أجابتها نورهان فى برود : ما الذى تريديننى أن افعله ؟ أربت على كتفه وأشجعه على فعل ما يريد ؟ 

قالت نبيلة هانم بنفس الصرامة : هذا ما أراه صواباً فقد أخذ قراراً يتعلق بمستقبله وأعتقد أن هذا من حقه وليس من حقك ولا من حق أى شخص التدخل فى قراره هذا مادام ليس خطأ

عقدت نورهان ساعديها أمام صدرها وقالت فى تحدى : بل بالعكس يا طنط إنه من صميم حقى أن أفعل ما فيه مصلحته وأن أمنعه من فعل شئ يهدم مستقبله وإن لجئت إلى دق عنقه فأنا أمه وخبرتى تفوق خبرته حتماً 

قالت نبيلة هانم : مادمت قد تحدثتى عن الخبرة  فلتستمعى إلى نصيحتى فخبرتى تفوق خبرتك وأنا أنصحك يا نورهان إذا أردت أن تربى رجلاً ناجحاً معتمداً على نفسه فيجب أن   تغيرى أسلوبك فى التعامل مع أولادك فلا أعتقد أن الأمر والنهى وسلب الإرادة الذى تتبعيه سيخلق منهم أبناءً صالحين وناجحين  يجب أن تتركى لهم مساحة كافية يعبرون فيها عن أنفسهم ويأخذون قراراتهم بأنفسهم تحت توجيهك وإشرافك وإرشادك وخاصة أنهم الآن ليسوا صغاراً 

قالت نورهان فى برود : هل هذه محاضرة فى كيفية تربية    الأولاد  أم ماذا ؟

هزت نبيلة رأسها نفياً وقالت فى هدوء : لا ولكنها نصيحة من أم وجدة من المؤكد أنها تفوقك خبرة فقد ربيت أولادى على كيفية تحمل المسئولية منذ صغرهم  علمتهم كيف يتخذون القرارات المتعلقة بحياتهم بأنفسهم ويتحملون نتيجته بشجاعة وأنا بالطبع أراقبهم وأساعدهم بالنصيحة فى الوقت المناسب لم أرغمهم يوماً على فعل شئ يكرهونه أو ضد رغبتهم ولم أحاول الوقوف ضد رغباتهم وإرادتهم لفعل شئ ما مادام لا يتعارض مع ما علمتهم إياه من مبادئ وقيم كنت دائماً أناقشهم فى مختلف الأمور حتى أقنعهم أو يقنعوننى  وهاأنت ترين بنفسك إنهم نجحوا جميعاً فى تحقيق ما يريدون ولم اندم أنا لحظة على تركى عملى وطموحى فقد تحقق كل هذا فيهم صدقينى يا نورهان الحوار والمناقشة هو الأسلوب الأمثل لمعالجة معظم الأمور خاصة فى موضوع كريم 

قالت نورهان فى عصبية : لست أنكر كل ما تقولينه يا طنط ولكن هذا الولد بالذات لا يصلح معه أية مناقشة فهو ولد مستهتر ولا يريد تحمل أية مسئولية ويحتاج إلى شد أذنيه 

قالت نبيلة هانم فى أسف : يؤسفنى أن أكون هذا هو رأيك ولكننى أرى أن كريم ليس مستهتراً والدليل عل ذلك هو حصوله على هذا المجموع العالى فى الثانوية العامة وأيضاً  لا يحتاج إلى شد أذنيه فقد كبر وأختار طريقه بنفسه ولكنك التى ليس لديها وقت للحوار معه أو مناقشة فأنت مشغولة إما بالمستشفى أو بالعيادة ولذلك تنهين الأمر بأسهل الطرق  الزجر والضرب وستفعل هذا بدون مناقشة وكأنك فى ثكنة حربية والنتيجة الفشل التام فى معالجة أى أمر 

عقدت نورهان ساعديها أمام صدرها وقالت وقد أصابتها كلمات حماتها بالغضب : لكل منا يا طنط طريقته فى معالجة الأمور  وأنا أريد أن يصبح ابنى إنساناً ناجحاً ولن أعطيه أى فرصة للفشل على الإطلاق حتى لو كانت طريقتى فى ذلك لا تعجب حضرتك 

هتفت بها نبيلة هانم غاضبة : أى فشل هذا الذى تتحدثين عنه  يا نورهان هل تعتبرين دخول ابنك كلية العلوم فشلاً ؟ هل ترين أن خالته سعاد خريجة نفس الكلية فاشلة ؟ وهل تتصورين أن استمراره فى كلية الطب هو قمة النجاح حتى لو أصبح طبيباً فاشلاً ؟ لست أدرى حقا ما هو مقياسك للنجاح  إننى أشعر بالدهشة منك أنت وزوجك فقد سافرتم دولاً عديدة ورأيتم أن المجتمع المتقدم لا يقوم على أكتاف فئة واحدة بل يحتاج إلى تكاتف كل الفئات وأن كل المجالات مفتوحة للجميع لكى يثبتوا مهاراتهم كفاءتهم وأنه ليس هناك ما يسمى بكليات القمة والقاع وهذه الكلمات الغبية التى مازالت عالقة بأذهانكم كأنها تراث 

احتقن وجه نورهان قبل أن تقوم قائلة فى غضب : لقد تأخرت عن المستشفى  فلابد أن اذهب الآن 

أشارت إليها نبيلة هانم قائلة فى لهجة أكثر رقة : نورهان  أرجو ألا تغضبى من أسلوبى فأنا لا أقصد التدخل فى شئونك ولا فرض رأى عليك ولكننى من حقى أن أعطيك نصيحتى مثل أى أم مع  ابنتها 

رمقتها نورهان بنظرة طويلة قبل أن تأخذ حقيبتها وتغادر المنزل فى حين زفرت نبيلة هانم فى ارتياح 

بعد مضى شهرين :

كانت كلاً من ملك وداليا جالستين فى حديقة منزل الأخيرة  تتحدثان  كانت ملك تقول فى دهشة : ماذا ؟ ستسافرين إلى مصر ؟ لماذا ؟

أجابتها داليا : لقد قرر دادى أن نعود إلى مصر بصفة نهائية بعد أن استقال من وظيفته هنا حتى أكمل تعليمى هناك فى بلدنا

قالت ملك وهى مازالت مندهشة : ولماذا لا تكملى تعليمك هنا فى أمريكا ؟

قالت داليا : هذه رغبة مامى ودادى أن أدرس فى مصر حتى         لا أغترب عنها وحتى لا أبتعد عن تقاليدنا وقيمنا وفى الحقيقة يا ملك لقد سعدت بهذا جداً فلا يمكنك أن تتصورى مدى اشتياقى لرؤية جدتى الحنون وبيتها الدافئ ذو الطراز العتيق وبيتنا الجميل وصديقات الابتدائى والمناسبات المختلفة 

مثل رمضان والأعياد التى لا نشعر بها هناوكل شئ فى مصر أوحشنى جداً يا ملك  فعلى الرغم مما يحتويه هذا البلد من كل مظاهر التقدم والتكنولوجيا وكل وسائل الترفيه إلا أنه خلا من أهم شئ وهو المشاعر الدافئة والأمان الذى نشعره فى بلدنا الحبيب بين أصدقائنا وأهلنا وأحبائنا  

وجمت ملك وهى تتطلع إلى صديقتها فقد كان لهذه المفاجأة وقعاً قاسياً عليها  فقد كانت تعلقت جداً بأسرة داليا صديقتها وكانت تشعر معهم بما افتقدته فى بيتها  كانت تحس دفئاً غريباً عوضها عن شعورها الدائم بالوحدة والغربة  كانت تجد فى حنان والدة داليا وقلبها الكبير ما افتقدته مع والدتها كانت تشعر براحة كبيرة بينهم حتى أنها كانت تكره الأوقات التى كانت تقضيها فى منزلها والتى تجعلها دائماً فى صدام مع سارة زوجة والدها والآن بعد سفر داليا وأسرتها ماذا ستفعل ؟ سيكون الأمر بلا شك قاس جداً عليها وربما لن تحتمله 

لاحظت داليا شرود فقالت فى أسف : صدقينى يا ملك أننى أشعر بالحزن لأننا سنفترق وربما يكون شعورى بالأسف لهذا أقوى من شعورك فقد أحببتك جداً ولا أتصور أننى لن يمكننى رؤيتك ثانية        

صمتت ملك لحظات فى تفكير ثم قالت : وربما يمكنك رؤيتى     كل يوم 

قالت داليا فى دهشة : ماذا تعنين ؟

قالت ملك مبتسمة : أعنى أننى قد اتخذت توا قراراً بعدم الفراق فقد قررت أن أسافر معك  ما رأيك ؟

مالت إليها داليا وقالت فى تعجب : ماذا ؟ قررت ماذا ؟ هل تتكلمين بجدية يا ملك ؟

أجابتها ملك بثقة : طبعاً يا داليا أننى أتكلم بكل جدية ما الذى يدهشك فى هذا ؟

قالت داليا بتعجب : يدهشنى ثقتك و بساطتك المفرطين وكأنك تتصورين أنك ستقولين للأمر كن فيكون وما أدراك أن والدك سيوافق على ذلك ؟

هزت كتفيها وهى تقول فى بساطة : وما الذى يجعله يرفض ؟

هتفت داليا : وهل تتصورين انك عندما تقولين له (( اننى قررت أن أسافر )) سيقول لك سمعاً وطاعة ويسارع بانهاء أعماله هنا ليسافر معك بكل بساطة ؟

قالت ملك فى هدوء : لا أتصور هذا طبعاً فمن المستحيل أن يتخلى دادى عن أعماله هنا ويعود إلى مصر لقد قرر البقاء فى أمريكا  ولذلك سأسافر وحدى وسأقيم فى فيلا جدتى رحمها الله 

رفعت داليا حاجبيها فى دهشة وهى تقول : وحدك ؟

قالت ملك فى لا مبالاة : وماذا فى هذا ؟ إننى دائماً وحدى فوالدى كما ترين مشغول دائماً وقلما أراه ولن يختلف الوضع فى مصر كثيراً عن أمريكا  الذى سيختلف أننى سأكون معك والتغيير الذى سيحدث فقد مللت الحياة هنا 

هزت  داليا رأسها قائله : لا أعتقد أن والدك سيوافق يا ملك على ذلك 

قالت ملك : سيوافق يا داليا فلم يسبق أنه رفض لى مطلباً قبل ذلك 

قالت داليا : ولكن هذا ليس مطلباً عادياً انه قرار يتعلق بمستقبلك وحياتك و....

قاطعتها ملك قائلة فى تصميم : يبدو أنك لم تفهمينى جيداً       يا داليا  فما دمت قررت أن أسافر فلن أهدأ حتي يحدث هذا 

تأملتها داليا لحظات فى حيره ثم قالت : عندك حق يا ملك فرغم أننى أعرفك منذ مدة ليست قصيرة إلا أننى اشعر أننى لا أستطيع فهمك  فشخصيتك تجمع الكثير من المتناقضات التى اشعر بالحيرة معها  فأحياناً أراك إنسانة ضعيفة بسيطة وأحياناً أراك إنسانة مغرورة مستهترة متعالية ولا أدرى أى شخصيه فيهم هى أنت 

قالت ملك وقد بدا فى عينيها لمحة من الحزن : كم يحزننى       ألا تفهميننى يا داليا وأنتى صديقتى المقربة لى ولكن لتعلمى أننى إنسانة بسيطة وابسط مما تتصورين  أما ما ترينه غروراً واستهتاراً ولا مبالاة فهى أقنعة اخفى بها ما بداخلى من ضعف  فلا اكره فى حياتى أكثر من أن أبدو ضعيفة أمام أحد إلا من احبهم جداً وهذا ينطبق عليك يا داليا 

لم تدر داليا ما تقول بينما قامت ملك وهى تقول : سأذهب الآن للمنزل فقد تأخرت وسأعرض هذا الموضوع على دادى ثم غمزت بعينيها وهى تقول : وثقى أنه سيوافق 

استوقفتها داليا قائلة : ملك 

التفتت ملك إليها متسائلة فاتجهت إليها داليا لتعانقها قائلة فى حب : أنا آسفة يا ملك لم اكن اقصد شيئا فأنا احبك جداً واعتبر نفسى محظوظة بصداقتك هذه 

ابتسمت ملك ثم قالت بتأثر : شعورى تجاهك لا يقل عن شعورك يا داليا  

 (( هذا مرفوض تماماً )) ..هتف خالد بلهجة قاطعة موجهاً حديثه لملك حين عرضت عليه موضوع سفرها وقت تناول العشاء 

لم تكن ملك تتوقع ذلك فعقدت حاجبيها وقالت : هل لى أن اعلم سبب الرفض يا دادى ؟

هتف خالد فى حده : هناك عشرات الأسباب منها أننى أريدك أن تكملى تعليمك هنا وأننى لن يمكننى ترك أعمالى لأسافر معك وفى نفس الوقت لن أتركك تعيشين وحدك فى مصر فأنت مازلت صغيرة ولن يمكنك الاعتماد على نفسك 

قالت ملك فى ضيق : دادى أننى لم أعد صغيرة الآن ويمكننى أن اعتمد على نفسى وارغب أن أعود إلى مصر واكمل دراستى هناك فقد مللت العيش هنا 

واصل حدته قائلاً : أعطينى سبباً واحداً مقنعاً لهذه الرغبة الملحة والمفاجئة فى السفر والدراسة فى مصر  لا أدرى لماذا هذا الإصرار المفاجئ  أكل هذا من أجل سفر صديقتك داليا ؟ هل ستفعلين كل ما تفعله هى دون نقاش ؟؟؟

ابتسمت سارة فى سخرية وهى تقول : اعذرها يا خالد فهى     تحب صديقتها جداً وكانت تقضى لديها وقتا كبيراً ومن الطبيعى  أن تفتقدها

رمقتها ملك بنظرة عدوانية ثم التفتت إلى أبيها وقالت فى غضب : بل أننى أريد السفر لأنها رغبتى فى ذلك يا دادى 

قال فى لهجة اكثر ليونة : وأنت تعلمين أننى لم اقف أبداً ضد رغباتك قبل ذلك ولكن هذه المرة تختلف تماماً  انك تريدين العيش وحدك 

قالت بنبرة ساخرة : لا أتصور أن هذا سيكون جديداً على         فقد تعودت على العيش وحدى بل اعتقد أن الوضع سيكون افضل فى مصر

قال فى عتاب : هكذا يا ملك هل ترين أن بعدك عنى سيكون افضل 

قالت ملك بجدية : آسفة يا أبى لم اقصد ذلك ولكننى لست مقتنعة بأسباب رفضك لسفرى 

قال فى صرامة : اسمعينى يا ملك أننى ارفض تماماً سفرك الآن وهذا رأيى نهائى بعد إتمام دراستك هنا يمكنك أن تسافرى إلى أى مكان ولن أمنعك  

احتقن وجه ملك وقامت لتتجه إلى غرفتها فقال لها والدها : ألن تكملى طعامك ؟

أجابته غاضبة : لن أكمله واتجهت إلى غرفتها لتغلقها      عليها  فى حين التفتت سارة إلى خالد لتقول : لماذا لا تتركها تسافر يا خالد ما دامت تلك هى رغبتها ؟

رمقها خالد بنظرة خاصة ثم قال : أولاً لأننى اعلم أنها رغبة طارئة ستقلع عنها ملك سريعاً فأنا افهمها جيداً  كثيراً ما تلح على شئ ثم تنساه بعد ذلك 

ثانياً لا تحاولى أن تقنعينى انك تهتمين بأمرها  انك تريدين أن تسافر لكى تشعرين بالراحة فأنا أيضاً أفهمك جيداً 

قامت محنقة وقالت : حسناً يا خالد افعل ما تريد لن أتدخل بعد الآن فى أى شئ ثم ابتعدت فى سرعة 

ابتسم فى سخرية وهو ينظر للمائدة ثم قال لنفسه : يبدو أننى سأتناول العشاء وحدى 

مضت عدة أيام :

تأمل خالد ابنته التى تجلس على فراشها تطالع إحدى المجلات 

بنظرات خاوية قبل ان يغلق باب الحجرة ويتجه إليها ليجلس على طرف فراشها قبل أن يقول فى حنان : ألم يحن الوقت بعد لمغادرة غرفتك يا ملك انك لم تغادريها منذ ثلاثة ايام 

هزت كتفيها قائله فى لا مبالاة : ولماذا أغادرها ؟

ارتفع حاجباه فى دهشة وقال : ومدرستك يا ملك هل    ستهملنيها ؟

قالت فى حنق : لن اذهب إليها ثانية فقد بت أكرهها 

قال مستنكراً : تكرهينها؟ إذن فأنت مصرة على السفر  أليس كذلك ؟

لم تجبه فزفر فى قوة قبل أن يقول فى ضيق : لقد كنت أظن أن فكرة السفر هذه مجرد رغبة طارئة لن تلبث أن تزول ولكن يبدوا أننى كنت مخطئاً  أكل هذا من أجل سفر صديقتك  هل وصل تعلقك بها إلى هذا الحد  إلى أن تسافرى معها وتتركى والدك الذى يحبك ؟

قامت من فراشها لتقول فى حدة مختنقة مشيحة بذراعها فى    انفعال : لماذا لا تفهمنى يا دادى  إننى أشعر بالملل من كل شئ هنا  بل إننى أصبحت أكره كل شئ هنا صحيح اننى أمتلك كل شئ وصحيح إنك لا ترفض لى مطلباً أياً كان ولكننى أفتقد أشياء كثيرة لا يمكنك أن تمنحنى إياها  إننى أفتقد المشاعر الدافئة والحنان  أفتقد من يشعر بى ويفهمنى  كل هذه المشاعر وجدتها فى منزل داليا  كنت أجد كل الراحة فى المكوث معهم وهذا ما جعلنى أحتمل تلك الحياة الباردة التى أعيشها والآن بعد سفرها لن يمكننى المواصلة 

شعر خالد بالألم لقولها فاتجه إليها وأمسك كتفيها ليقول : لماذا تقولين ذلك يا ملك  هل حرمتك من حنانى لحظة ؟ إننى   لا أحب فى تلك الدنيا سواك فكيف تقولين ذلك ؟

أشاحت بوجهها وقالت وهى تقاوم دموعها : بلى  إننى أعلم ذلك تماماً يا دادى ولكننى لا أكاد أراك سوى على مائدة الإفطار والعشاء فعملك يلتهم كل وقتك 

قال فى حنان : أنت تعلمين إننى لم أرفض لك مطلباً قبل ذلك   ولكن هذا المطلب بالذات لا أستطيع تحقيقه لك فأنا لا أحتمل بعدك عنى يا حبيبتى 

قالت فى رجاء : أرجومنك يا دادى وافق على سفرى  صدقنى اننى أستطيع الاعتماد على نفسى هناك وليس هناك ما يدعوك للقلق على  إننى أشعر بالاختناق هنا  قالت هذا وتركت دموعها تنساب فى صمت 

قال خالد فى جزع : لا ... لا تبكى يا حبيبتى أنت تعلمين اننى لا أحتمل رؤيتك تبكين وسأفعل لك أى شئ يسعدك مهما كان 

قالت فى لهفة وهى تجفف دموعها : حقاً يا دادى  هل ستوافق على سفرى ؟

تأملها لحظة ثم اتجه إلى أقرب مقعد ليجلس عليه وصمت عدة لحظات قبل أن يقول : رغم صعوبة القرار على قلبى إلا إننى سأوافق من أجلك أنت وحتى تكونين سعيدة ولكن فى نفس الوقت يجب أن أكون مطمئناً عليك 

أسرعت ملك تقول : اطمئن يا دادى سأعيش فى فيلا       جدتى و .....

قاطعها قائلاً : لا يا ملك لن تعيشين وحدك أبداً  سأوافق على سفرك ولكن بشرط واحد 

تساءلت قائلة : ما هذا الشرط يا دادى ؟

قال فى حزم : أن تقيمى مع والدتك  سميحة 

هتفت فى استنكار : ماذا ؟ هل تريدنى أن أقيم معها ؟

قال فى حزم أكثر : نعم  فمادمت قد قررت السفر فماما هى الانسانة الوحيدة التى سأطمئن عليك معها كما أن هذا هو     الأمر الطبيعى  

هتفت فى اعتراض : ولكن يا دادى..  

قاطعها فى لهجة قاطعة لا تسمح بالجدال : هذا هو قرارى ولن أتراجع عنه وإلا فلتعتبرى سفرك ملغى 

هتفت فى حدة غاضبة : إذن فأنت ترفض بطريقة أخرى غير مباشرة يا دادى أليس كذلك ؟

رفع حاجبيه فى دهشة وهو يقول : ألهذه الدرجة لا تريدين الإقامة معها ؟؟؟ ألهذه الدرجة تكرهينها يا ملك ؟؟؟؟

أشاحت بوجهها قائلة فى غضب : لست أكره أحداً ولكننى أيضاً لا أحبها ولن أعيش معها مهما حدث 

زفر فى قوة قبل ان يقول بنفاذ صبر : هل سأقضى عمرى كله أشرح لك إنها لم تتخل عنك وأن ابتعادها عنك كان باختيارك وبغير إرادتها؟؟ هل سأعيد لك ما سبق وقلته قبل ذلك ؟؟ كيف أقنعك أنها تحبك ؟

هزت رأسها قائلة فى عناد : وأنا لن اقتنع أبداً مهما حدث 

هتف محتداً عليها : حسناً يا ملك لا تقتنعى فقد أصابنى الصداع ولكن لتعلمى أن هذا هو شرطى لسفرك فإما أن تقبليه وإما فلتعتبرى سفرك ملغى وعندئذ ستذهبين للمدرسة دون تأخير هل فهمت ؟ قال ذلك وقام ليغادر غرفتها وأغلق بابها خلفه فى قوة تاركاً إياها تغلى غضباً وحنقاً 

 (( لست أدرى ما الذى يغضبك يا ملك  ألم يوافق والدك على السفر ؟ )) قالت داليا فى حيرة 

قالت ملك غاضبة : ولكنه اشترط أن أقيم مع والدتى وهو يعلم تماماً أننى لن أفعل ذلك  أى أنه رفض بلباقة 

امتلأت ملامح داليا بالدهشة وهى تقول إننى أرى موقفه طبيعياً للغاية يا ملك فمن الطبيعى أن تعيشين مع والدتك أم أنك كنت تريدينه يتركك تعيشين وحدك ؟

هتفت ملك مستنكرة : ما الذى تقولينه يا داليا  هل تريديننى أن أعود إليها بعد كل ما فعلته وبعد كل ما رويته لك ؟

قالت داليا : بالعكس يا ملك لقد ازداد اقتناعى بموقفها بعدما رويته لى ولا أتصور إنها فعلت شيئاً لتٌلام عليه وليس خطؤها إنها انفصلت عن والدك فهذا يحدث كثيراً وعلى حسب ما رويتيه لى فأنت التى اخترت البقاء مع والدك وجدتك ومن المؤكد أن قرارك هذا كان قاسياً عليها ولكنها لم يكن بيدها ما تفعله سوى تركك فما الذى يمكنك أن تلوميها عليه ؟

قالت ملك فى مرارة : الكثير يا داليا  لقد فعلت بى الكثير لتٌلام عليه هذا الانفصال الذى تتحدثين عنه كانت هى السبب فيه فقد كان دادى يحبها جداً ولقد أخبرنى بهذا بنفسه وكان يحاول ارضاءها بكل الطرق ولكنها كانت تقابل ذلك بكل جفاء  كانت فقط تهتم بعملها وطموحها فى حين كنت أنا أمثل لها المرتبة الأخيرة فى اهتماماتهاصمتت لحظة لتبتلع ريقها قبل أن تقول فى حزن : تصورى يا داليا أنها كانت تتركنى وأنا مريضة لتذهب إلى عملها دون حتى أن تطمئن علىٌ  تصورى انها كانت دوماً تعاملنى بقسوة وجفاء وكأننى لست ابنتها الوحيدة  بل انها كانت دوماً تتشاجر مع جدتى لأنها تدللنى وفى المقابل كانت تغمر ابناء أخواتها بالعطف والحب أكثر منى وتقولين ما الذى فعلته لتُلام عليه؟

هزت داليا رأسها بقوة قائلة : لا  لست أصدٌق هذا ما من أم تفعل هذا 

نظرت إليها ملك باستنكار : وهمت بقول شئ ما ولكن داليا واصلت قولها : لست أكذٌبك يا ملك ولكنك كنت طفلة فى ذلك الحين وقد تخطئين تقدير الأمور فأنت ترين أنها لا تحبك لأنها كانت ترفض تدليلك ولأنها كانت تتشاجر مع جدتك من أجل هذا فى حين إننى أنها بذلك تريد أن تربيك بطريقة ما تتناسب مع وجهة نظرها ولكن لا يعنى هذا أبداً أنها لا تحبك  ثم إن علاقتها بأبيك تحكمها ظروف كثيرة ومن الظلم أن تحكمى عليها بأنها هى السبب فى فشلها وأنت لم تدركى كل الملابسات التى أدت إلى ذلك  صدقينى يا ملك  لا يمكن لأم      أن تشعر بالراحة أو الهناء وابنتها بعيدة عنها لابد أنها تتعذب لفراقك 

قامت ملك من مقعدها واتجهت إلى النافذة لتلقى نظرة  منها وتخفى ما بداخلها من انفعال قبل أن تقول فى خفوت حزين : أنت تقولين هذا لأن لديك أماً حنون تحوطك دائماً برعايتها وحبها وحنانها وتجدين فى صدرها الآمان والعطف ولا يمكنك أن تتصورى فى المقابل وجود أم أخرى على النقيض تماماً 

لم تدر داليا ما تقول فصمتت وهى تشعر بالآسى لقول صديقتها التى التفتت إليها قائلة فى غضب : هل تصدقين أنها صفعتنى من أجل خادمة ؟ حين نهرتها عندما سكبت القهوة على ملابسى وعندما ثارت جدتى ودادى تركت المنزل وطلبت الطلاق وكأنها كانت تتحين الفرصة  أليس من الطبيعى بعد كل هذا أن أختار أن أعيش مع والدى وجدتى  جدتى التى كانت دوماً تحنو علىٌ والتى ماتت وتركتنى أعانى الوحدة والحرمان  أليس من الطبيعى ألا أحبها وقد حرمتنى عطفها وحنانها الذى أتوق إليهما أليس 

لم تستطع إكمال العبارة فقد احتبست الكلمات فى حلقها وما لبثت أن انفجرت باكية فى حرارة فى حين وجمت داليا وهى تتطلع إلى ملك فى دهشة بالغة فقد كانت هذه أول مرة تراها حزينة هكذا  كانت أول مرة تراها تبكى  لم تدرِ لماذا أحست بكل هذه الشفقة من أجلها فاتجهت إليها واحتضنتها فى محاولة لدفع أكبر قدر من حنانها لصديقتها وقالت فى رقة وعطف : يا إلهى  لم أرك بهذا الضعف يا ملك ولم أتصور يوماً أن يكون بداخلك كل هذا الحزن 

قالت ملك من وسط بكاءها : لن أسامحها أبداً ... أبداً 

أحست داليا أن صديقتها على عكس ما يبدوا منها تحتاج وبشدة إلى حنان أمها .

كانت سميحة تجلس كالمعتاد فى شرفة منزلها تتأمل غروب الشمس وتستمع إلى أم كلثوم وهى غارقة فى أفكارها وشرودها  وأحزانها عندما أفاقت على صوت نجوى التى قالت فى هدوء (( سيدتى ))

لم تدرِ سميحة لماذا شعرت بالضيق لمقاطعة نجوى إياها فقالت فى شئ من العصبية : ماذا هناك يا نجوى ؟ 

قالت نجوى : لقد أتممت كل شئ وجئت لأستئذنك للعودة لمنزلى 

نظرت سميحة فى ساعتها قبل أن تقول : ولكن لم يحن وقت عودتك بعد فالساعة لم تتجاوز السادسة 

أومأت نجوى برأسها إيجاباً وهى تقول : أعلم هذا يا سميحة هانم ولكن أود أن تسمحين لى بالعودة مبكراً اليوم فقد حدثت بعض الظروف الطارئة هذا لو أنك لا تحتاجين شيئاً بالطبع

أشارت إليها سميحة بالانصراف وهى تقول بعصبية : لا  لن أحتاج شيئاً يا نجوى يمكنك الذهاب إلى منزلك ولكن أرجو ألا يتكرر ذلك ثانية  هيا 

على الرغم من دهشة نجوى التى ملئتها لعصبية سيدتها  فلم تكن تتحدث معها بتلك الطرية قبل ذلك إلا انها قالت بكل تهذيب : أشكرك يا سميحة هانم 

وتابعتها سميحة بنظرها إلى أن غادرت الغرفة ثم زفرت فى قوة قبل أن تتجه إلى التلفاز لتشغله وأخذت تبحث بين قنواته عن أى شئ يشدها ولكنها ما لبثت أن شعرت بالملل فأغلقته وهى تقول فى حنق : اللعنة : لقد أصبح كل شئ ممل وسخيف وقامت تتجول فى منزلها الذى ساده السكون التام وهى سألت فى أعماقها عما يمكن أن تفعله فى هذا الوقت وكيف يمكنها أن تقضى على ذلك الشعور البغيض بالوحدة والملل هل يمكن أن تذهب لأحد من صديقاتها ؟ ثم تراجعت عن هذه الفكرة بعد أن استسخفتها لأنها لم تفعل هذا يوماً فنادراً ما كانت تذهب لزيارة أحد من صديقاتها رغم إلحاحهم إلا فى المناسبات الهامة والتى لا مناص منها فقد كانت دوماً تفضل دوماً المكوث فى المنزل فما الذى تفعله إذن ؟ لقد فقدت قدرتها على الاحتمال اتجهت إلى صورة ابنتها التى كبٌرتها وعلقتها فى الصالون لتنظر إليها نظرة طويلة حملت كل الاشتياق والحب والعتاب قبل أن تقول فى عذاب : أتدرين ما الذى فعلتيه بأمك يا ملك ؟ لقد جعلتيها مثل العجوز التى تقضى آخر أيامها فى الوحدة والعذاب وتنتظر من الجميع العطف والحنان جعلتيها تعيش أياماً لم تتصور يوماً قسوتها فلماذا ما الذى فعلته لك كى تفعلى بى هذا ؟ أخذت تتأمل الصورة عدة لحظات قبل أن تطلق زفرة حارة حملت كل مرارتها وحزنها قبل أن تتجه إلى الهاتف لتتصل بأمها وأخذت تستمع إلى رنين الهاتف الذى انقطع عندما رفعت نبيلة هانم السماعة قائلة : ألو 

حاولت سميحة اخفاء انفالها وهى تقول : ألو كيف حالك يا ماما 

تهللت أسارير نبيلة وهى تقول : سميحة ؟ كيف حالك يا حبيبتى 

شعرت سميحة برغبتها فى البكاء مع سماع صوت أمها الحنون الدافئ ولكنها قاومت ذلك بصعوبة وهى تقول بمرارة : نعم    يا ماما أنا سميحة كنت أظن أنك نسيتها فقد مضى عدة أيام دون أن تتصلى بي ولكننى أحمد الله فقد تعرفت صوتى 

هتفت نبيلة هانم فى دهشة : ما الذى تقولينه يا سميحة ؟

قالت سميحة فى عصبية شديدة : كنت سألت لماذا لا تبدين قدراً من الاهتمام تجاهى وتبذلين قليلاً من الجهد وترفعين سماعة التليفون لتطمئنى على أم أن هذا مطلباً عسير المنال ؟

بُهتت نبيلة هانم لطريقة سميحة فى الحديث وشعرت فى الوقت ذاته بقلق بالغ عليها فقالت بكل هذه المشاعر : كيف تقولين ذلك يا سميحة  كيف أنساك يا حبيبتى ولكنك تعلمين أن سعاد أختك مشغولة هذه الأيام بترتيبات خطبة ابنتها وتريدنى بجانبها فى هذا الموقف فهذا شئ جديد بالنسبة لها و ....

قاطعتها سميحة قائلة فى تهكم عصبى : آهـ  أعلم ذلك جيداً فأنت مشغولة هذه الأيام بخطبة ابنة سعاد وقبل ذلك كنت مشغولة بحل مشكلة نورهان مع ابنها وقد تقتضى الظروف السفر إلى بور سعيد للإطمئنان على احوال سلوى وأولادها وحل أية مشاكل تحدث وطبعاً سمير وأولاده بجانبك فلا داعى للقلق أما أنا فلا يوجد لدى مشاكل إذن فلا داعى للقلق تجاهى أليس كذلك ؟

تزايد القلق بداخل نبيلة هانم فهتفت فى انزعاج : سميحة ماذا هناك ماذا حدث أجيبينى يا سميحة 

انتحبت سميحة وقالت : لم أعد أحتمل يا ماما لم أعد أحتمل وأخذت تبكى فى حرقة تاركة السماعة وأمها تهتف فى ارتياع : سميحة أجيبينى يا حبيبتى  أجيبينى ولكن لم تتلق أى رد. 

تعليقات