الفصل التاسع من رواية أمومة مع وقف التنفيذ

 



                الفصل  التاسع 


  قال سمير فى حنان أبوى مبتسماً قبل أن يُقبٌل سلمى فى جبهتهاويصافح نديم الذى صافحه بكل تهذيب واحترام وهو يقول بلهجة مهذبة : شكراً يا أونكل سمير 

قال له سمير وهو يشير إلى سلمى : أتعلم إنك محظوظ لأنك فزت بتلك الجوهرة الثمينة ؟

قال نديم بقوة وحماس : بالطبع يا أونكل سمير اننى أعتبر نفسى كذلك ثم التفت إلى سلمى وقال فى حنان : فلا توجد مثل سلمى 

خفضت سلمى رأسها فى خجل وتسارعت دقات قلبها وابتهلت إلى الله أن ينقذها من خالها سمير بأى طريقة فهى تعرفه جيداً إنه يتهكم فحسب وطبعاً نديم لا يدرك ذلك 

مال إليه سمير أكثر وقال فى صوت منخفض وكأنه سيقول سراً رهيباً : اتعلم أيضاً انك تستحق ذلك فأنت كما أرى وسيم وأنيق وقد ازدت وسامة بعد أن حلقت شاربك الذى كان يخيف سلمى 

ارتفع حاجبا نديم فى دهشة حقيقية وقال وهو ينظر إلى سلمى : حقاً ؟

عقدت سلمى حاجبيها فى غيظ وهى تنظر لخالها الذى حاول جاهداً منع ضحكته وهو يقول متظاهراً بالجدية : نعم ألم تخبرك هى بذلك ؟ لقد كانت منذ صغرها تخاف الشوارب وحين تقدمت انت إليها بشاربك هذا هتفت قائلة :

وهنا فاض بسلمى الكيل فهتفت محتجة : أونكل سمير أرجوك

أشار إليها سمير قائلاً : بالضبط قالت ذلك بالحرف (( أونكل سمير أرجوك اقنعه بحلق شاربه فهو يقف بينى وبينه ))

تلفتت سلمى حولها تبحث عن أحد تستنجد به فوقعت عيناها على جدتها نبيلة فنظرت إليها فى رجاء وأدركت جدتها الموقف فهتفت فى حزم : سمير أريدك لحظة 

التفت إليها قائلاً : لحظة يا ماما حتى أكمل حديثى مع نديم 

هتفت مرة أخرى بلهجة قاطعة : أكمله فيما بعد .. اننى أريدك ضرورى 

فقال سمير لسلمى ونديم : حسناً سأترككما الآن على أن أعود ثانية فلا تقلقا واتجه إلى والدته 

فى حين تنفست سلمى الصعداء وقال لها نديم فى رقة : أحقاً يا سلمى ؟ إنكِ تخافين الشوارب ؟

هزت رأسها نفياً قائلة فى غيظ : لا إن خالى سمير يمزح فحسب فهو مرح بطبعه 

همس إليها فى إعجاب : اننى معجب به جداً فنحن متشابهان 

تراجعت إلى الوراء وقالت وهى تنظر إليه كأنها تراه لأول مرة : 

ماذا ؟


كان سراج وكريم ومحمود يتحدثون وكلاً منهم يرتدى بدلة كاملة حين رأوا نرمين تسير بخيلاء بثوبها الأنيق جداً وترمق الجميع بنظرات متعالية فمال سراج على كريم قائلاً فى ضحك : لست أدرى لماذا أشعر بأننا عدنا إلى العصور الوسطى عندما أرى نرمين وهى تسير فى خيلاء كأميرة تسير بين رعاياها وهى تنظر إليهم بكل تعالِ وأنفة ويساعدها على ذلك هذا الثوب الواسع الذى ترتديه والذى يحتل وحدة مساحة كبيرة من الردهة 

انفجر الثلاثة ضاحكين فى سخرية ويبدوا انها سمعتهم فقد التفتت اليهم فى حدة ورمقتهم بنظرة مليئة بالغضب قبل أن تتجه إليهم 

فقال محمود فى خفوت : رحماك يا إلهى إنها آتية إلينا 

وتابع كريم : سأفر من هنا بسرعة 

هز سراج كتفيه قائلاً : لا يوجد أفضل من المواجهة 

صرخت فيهم نرمين قائلة : لماذا تضحكون ؟

حاول محمود كتم ضحكته وهو يقول : فى الحقيقة لقد تذكرنا شيئاً ما 

هتفت : نعم تذكرتم أن دمكم خفيف للغاية أليس كذلك وأردتم أن تبهرونى به ولكننى لم أنبهر وسأخبر ماما عن تصرفاتكم الصبيانية تلك ثم انصرفت غاضبة 

بينما هتف سراج : يالها من شرسة انها تفتقد روح الدعابة 

قال كريم : انها فتاة مدللة وأنا أكره ذلك 

أشار سراج إلى فدوى التى تحمل صينية مملوءة بأكواب الشراب اننى أفضل ممازحة فدوى 

أشار إليه كريم محذراً : كفى يا سراج لا تثير فدوي هى الأخرى 

لم يبالِ به سراج وهو ينادى على فدوى التى أتت حاملة الصينية قائلة فى حدة : ماذا تريد يا سراج 

همس محمود : يا ساتر 

بينما أخذ سراج كوب من الشراب قائلاً : اننى أريد فقط كوباً من الشراب أتسمحين ؟

انتزعت منه الكوب ووضعته ثانية على الصينية ثم قالت : هذا الشراب لنا اما إذا كنت تريد فيمكنك الذهاب إلى المطبخ فيوجد الكثير منه هناك وعلى فكرة لا تعجبنى فكرة البدل الكاملة تلك التى تلبسونها هل تتصورون نفسكم رجال أعمال أم ماذا ؟ ثم انصرفت مسرعة 

هز محمود رأسه قائلاً : كل فتيات تلك العائلة شرسات حادات المزاج رغم مظهرهن الرقيق الوديع 

تابع كريم : وسيزداد عددهن غداً واحدة فستأتى ملك ابنة طنط سميحة للإقامة معها 

قال محمود : وما أدراك انها شرسة هى الأخرى ألا يحتمل أن تكون وديعة ؟

رفع كريم حاجبيه قائلاً فى تحدى : بل هى أشرسهم أيضاً هل تراهننى ؟

هز محمود كتفيه قائلاً : ولماذا أراهنك يبدوا أن كلهن كذلك حتى لبنى الصغيرة تصوروا شرسة لقد اقتربت منها ذات مرة وقلت لها اعطينى قبلة يا لولو فما كان منها أن عضت أصبعى حتى التهب لفترة طويلة قال ذلك وانفجر جميعهم ضاحكين .

انتهى حفل الخطبة وانصرف كل المدعوين وقبيل انصرافها عانقت سميحة سلمى للمرة الثانية وقالت فى حنان : ألف مبروك يا حبيبتى 

قالت سلمى فى خجل : الله يبارك فيكِ يا طنط سميحة 

أشارت إليها سميحة قائلة : لا تنسى إنكِ ستأتى الاسبوع القادم فالعام الدراسى الجديد على الأبواب 

أومأت سلمى برأسها وقالت : بإذن الله ثم صمتت لحظة وقالت : هل ستأتى ملك غداً ؟

تنهدت سميحة وقالت فى لهجة تحمل كل الحنين والاشتياق : نعم 

قالت سلمى فى سعادة : كم انا سعيدة لذلك 

ارتفع صوت نبيلة هانم قائلة : هيا سميحة لقد تأخرنا 

اجابت سميحة فى سرعة : حاضر يا ماما ثم التفتت إليهم قائلة : تصبحون على خير 

قالت سعاد : وأنت من أهله يا سميحة 

سارعت سميحة بالانصراف فقالت لها أمها : ما رأيك يا سميحة لو تبيتين الليلة عندى فأنا اخاف عليكِ من القيادة ليلاً 

هزت سميحة رأسها نفياً وقالت : لا يمكن يا ماما أنتِ تعلمين اننى سأذهب للعمل مبكراً و.....

قاطعتها أمها قائلة فى دهشة : أى عمل يا سميحة أنسيتِ أن غداً الجمعة ؟

رفعت سميحة حاجبيها قبل أن تقول : يا إلهى لقد نسيت بالفعل ومع ذلك لا أستطيع المبيت عنكِ فملك ستأتى غداً وأريد أن أكون مستعدة لذلك 

تدٌخَل سمير قائلاً : وما وجه هذا الاستعداد يا سميحة هل ستستأجرين لها فرقة حسب الله لتعزف لها 

قالت سميحة فى ضيق : سمير لا أعتقد اننى سأتقبٌل سخريتك الآن 

قال جاداً : إننى لا أسخر من قولك ولكننى أتصور أن مبيتك اليوم هنا معنا لن يمنعكِ من الاستعداد لقدوم ابنتك وسأوصلك أنا باكراً إلى منزلك ما رأيكِ ؟

صمتت لحظة فى تفكير ثم قالت : حسناً لا مانع عندى 

نظرت نبيلة هانم إلى سلوى التى كانت تتحدث مع زوجها بعصبية : ماذا عنكِ يا سلوى ؟

قالت سلوى وهى ترمق حازم بنظرات غاضبة : سنبيت عنك بالطبع يا ماما 

اعترض حازم قائلاً : ولكننى أريد العودة إلى بورسعيد اليوم يا سلوى فلدى جلسة غداً وأنتِ تعلمين ذلك 

قالت نبيلة هانم مندهشة : اليوم ؟ لماذا يا ولدى المسافة طويلة ومرهقة لماذا لا تبيتون الليلة وتسافرون غداً 

زفر قائلاً : معذرةً يا طنط إنها ظروف عملى

ردت نبيلة هانم فى دهشة : ظروف العمل ؟

قالت سلوى فى عناد : دعيه يتحدث كما يشاء يا ماما سأبيت عندك اليوم أما إذا أراد هو السفر فليسافر وحده 

عقد حازم حاجبيه فى غضب وقال لنبيلة هانم : هل ترين يا طنط أسلوبها معى ؟

فقالت نبيلة هانم فى قلق وهى تنظر إليهما : ماذا حدث يا حازم ؟ ماذا هناك يا سلوى أخبرونى 

أجابها حازم غاضباً : لا شئ يا طنط ولكننى أريد السفر اليوم فلدى قضية مهمة غداً ومن حقى عندما أطلب من زوجتى العودة إلى منزلنا أن تطيعنى 

قالت نبيلة هانم : نعم يا ولدى هذا حقك 

أجابتها سلوى فى عناد : ولكننى لن أسافر معه اليوم يا ماما و ....

قاطعهم سامح قائلاً فى حنق : ماذا دهاكم هل ستتشاجرون فى الطريق ؟ ألا تلاحظون اننا نقف فى منتصفه؟؟؟ عندما تعودون للمنزل افعلوا ما تشاءون 

رمقه سمير بنظرة ساخرة فهتف سامح : لماذا تنظر إلىٌ هكذا ألا أروق لك ؟ حسناً أفعلوا ما شئتم ثم اتجه إلى سيارته فى غضب بينما قالت نورهان لكريم : وأنت ألن تأتى معنا أم تريد المزيد من التسكع ؟

عقدت نبيلة هانم حاجبيها فى غضب وقالت : هل وجود كريم عند جدته تسكع من وجهة نظرك يا نورهان ؟ 

تجاهلت نورهان هذا السؤال وقالت لابنها فى صرامة : ماذا قلت ؟

عقد كريم ساعديه أمام صدره وقال : سأظل عند جدتى فأنا مستريح عندها 

جذبته من يده فى عنف وقالت غاضبة : ستأتى معي يا ولد وإلا.....

قاطعتها سميحة قائلة فى استياء : ما الذى تفعلينه يا نورهان ابنك لم يعد صغيراً ولا يجب أن....

قاطعتها نورهان قائلة فى برود : دكتورة سميحة من فضلك لا تتدخلى فيما لا يعنيكِ 

هزت سميحة كتفيها وقالت فى برود أشد : هذا شأنى دائماً يا نورهان ألا أتدخل فيما لا يعنينى ولكن هذا الموقف يختلف بعض الشئ أليس كذلك ؟ وقبل أن تعقب نورهان أدارت إليها سميحة ظهرها 

فى حين زفرت مديحة وقالت فى ضيق : يا إلهى إنها تفتقر إلى اللياقة تماماً 

غادر سامح السيارة مرة أخرى واتجه إلى نورهان وقال فى صرامة غاضبة : نورهان أتركِ الولد مادامت هذه هى رغبته وهيا بنا إلى المنزل فورائى عمليات كثيرة غداً وأحتاج للنوم هل سأكرر هذا كثيراً ؟

احتقن وجه نورهان وقالت : حسناً ثم التفتت إلى ابنها لتقول : ولكن لم ينته حسابى معك بعد ثم لحقت بزوجها الذى انطلق بالسيارة فى سرعة 

التفتت نبيلة هانم إليهم وقالت فى حزم : ونحن هل سنظل واقفين هكذا ؟

اتجهت سلوى بسرعة إلى سيارة سمير لتركبها بكل حزم لتعلن موقفها وتمنع أى نقاش مع حازم الذى رمقها غاضباً فقال سمير لأمه : انتظرونا فى السيارات يا ماما قليلاً ثم انتحى بحازم جانباً وقال فى ود : هل حدث شئ بينك وبين سلوى ؟

هز حازم رأسه نفياً وقال فى عصبية : لم يحدث شئ ولكننى مرهق وهناك ما يشغلنى وهى لا تقدر ذلك 

قال سمير ضاحكاً : نعم ..نعم لقد لاحظت ذلك فأنت لم تأكل كثيراً من الجاتوه كعادتك 

هتف حازم فى مزيد من العصبية : سمير ألا تنتقى الوقت المناسب لمزاحك ؟

ضحك سمير وربت على كتفه فى رقة وقال : ما رأيك فى أن نوصلهم إلى منزلنا أولاً ثم نذهب إلى أى مكان هادئ حتى نتحدث قليلاً حتى تستعيد هدوءك أم أنك لا تثق بى ؟

قال حازم : بالعكس يا سمير أنت مثل أخى تماماً ثم صمت لحظة وقال : إننى موافق 

ربت سمير على كتفه مرة أخرى وقال : عظيم هيا بنا .

وقف جمال يبدل ملابسه وهو يقول فى ارتياح : كان حفل خطوبة ابنتنا جميل جداً يا سعاد لست أصدق انها كبرت وأصبحت عروس 

قالت سعاد فى حنان : اننى الأخرى لا أصدق ولكن هكذا تمر السنين دون أن نشعر بها 

توقف عن تبديل ملابسه وكأنما تذكر شيئاً ثم قال فى ضيق : ولكن لم يروقنى ما فعله نديم 

قالت فى دهشة : وهل فعل نديم شيئاً ؟ هل بدأنا ؟

زفر وقال : لقد بقى بعد انصراف أسرته والمدعوين حتى منتصف الليل جالساً مع سلمى وهذا لا يروقنى 

قالت فى دهشة : وماذا فى هذا يا جمال لقد كنا نجلس معهم طوال الوقت 

أشار بيده قائلاً : لست أقصد ذلك يا سعاد ولكن يجب ألا يعتاد أن يبقى حتى أوقات متأخرة هكذا 

ضحكت قائلة : هل بدأت تمثل دور أبو العروس أم ماذا ؟

ابتسم قائلاً : ابداً يا أم العروس ولكن يجب أن نضع له القوانين الصارمة الخاصة بالزيارات حتى لا تنشغل سلمى عن المذاكرة خاصة أن العام الدراسى القادم ستكون فى البكالوريوس 

قالت سعاد مبتسمة : ستوضع القوانين الصارمة من تلقاء نفسها يا جمال فمع بدء العام الجديد ستذهب سلمى كالعادة إلى خالتها سميحة كالعادة وطبعاً لن تكون هناك زيارات ولا غيرها 

مط شفتيه وهو يقول : أتعشم أن يحدث ذلك فأنا أريد سلمى أن تحصل هذا العام على تقدير عالى مثل كل عام لا أريد أن يشغلها شئ عن مذاكرتها 

قالت سعاد : بإذن الله 


(( والآن ماذا هناك ؟ )) قال سمير موجهاً حديثه لحازم بعد أن جلسا فى هذا المكان الهادئ المطل على النيل 

قال حازم وفى عينيه يبدوا الغضب : لن يمكنك تصور سبب ما حدث وما يحدث منذ أسبوعين فى منزلنا الذى أحالته سلوى إلى جحيم 

مال سمير إلى الأمام وقال فى اهتمام بالغ : ما السبب ؟

زفر حازم وقال : إنها امرأة 

تراجع سمير وهو يردد فى دهشة بالغة : امرأة ؟ ثم عقد حاجبيه وقال غاضباً : هل تحب امرأة أخرى غير سلوى أختى ؟ وهل تتصور اننى سأسكت على ذلك ؟؟لا وألف لا و......

قاطعه حازم هاتفاً فى حدة ساخطة : ما الذى تقوله يا سمير أنت أيضاً ؟حب ايه إللى انت بتقول عليه ؟

تابع سمير قائلاً : انت عارف معنى الحب ايه ؟

تأمله حازم لحظة ثم ابتسم على الرغم منه قائلاً : ألا تكف عن المزاح أبداً ؟؟

ضحك سمير وقال : اننى لا أحتمل الجدية طويلاً 

قال حازم فى غيظ : هل يعنى هذا اننا كلما تحدثنا جملتين بجدية ستلقى إحدى سخافاتك ؟

ضحك سمير ثانية وأشار بيده قائلاً : ليس لهذه الدرجة ثم ارتسمت الجدية على وجهه وقال : والآن ما حكاية تلك السيدة التى تحدثت عنها 

استعاد حازم غضبه قائلاً : انها سيدة مسكينة أرملة توفى زوجها تاركاً لها نصيباً من شركة مقاولات كان شريكاً فيها مع اخوته وقطعة أرض ولكن اخوته استضعفوها واستولوا على كل شئ مكتفين بمبلغ ضئيل لا يساوى ثمن ما تستحقه فعلياً وهذه السيدة لجئت لى كمحام وأنت تعلم كم أكره الاستضعاف والظلم ولذلك تحمست لتلك القضية وقررت أن أسترد لها كل حقوقها المسلوبة ولكن هذا لم يعجب أختك 

تساءل سمير فى دهشة : وما الذى لم يعجبها فى هذا ؟بل ما الذى جعلها تتدخل أساساً فى عملك 

قال حازم فى حنق : ما جعلها تتدخل هذه المرة وبكل هذه الشراسة اننى أدافع عن سيدة فلو كان رجلاً لما كان هناك أى مشكلة 

رفع سمير حاجبيه ثم أطلق ضحكة قصيرة ثم قال مندهشاً : هل تغار ؟ سلوى تغار عليك يا لها من طرفة 

هتف حازم : نعم يا سيدى تغار وابنتنا فى الجامعة لم تعد تثق بى بعد هذا العمر 

قال سمير : لا شأن لغيرة النساء بالثقة يا حازم ولا شأن لها بالعمر أيضاً فالنساء يغرن دائماً وإن تساقطت أسنانهن ولكن ما الذى حرٌك هذه الغيرة أهى جميلة ؟

سأل حازم : من هى ؟

قال سمير : تلك السيدة 

أومأ حازم برأسه ايجاباً وقال : بل هى رائعة الجمال إن شئت الدقة و.. .

ولكنه أسرع يقول : ولكن هذا لا يعنينى البتة أنت تعرفنى جيداً 

قال سمير : ولكنه يعنى سلوى وربما أن هذا ما حرٌك غيرتها أنا أعرف سلوى جيداً فهى أختى 

هز حازم رأسه قائلاً فى غضب : تصور انها كانت تريد منى الاعتذار عن تلك القضية بل وهددتنى لو اننى استمريت فيها ستترك المنزل 

هتف سمير مندهشاً : لهذه الدرجة ؟ يا لها من مجنونة وما الذى فعلته ؟

قال حازم بلهجة صارمة : لم أفعل بالطبع انه عملى وواجبى الذى يجب أن أؤديه وما كان يمكننى أن أتخلى عن تلك السيدة لمجرد تفاهات فى عقل زوجتى 

رمقه سمير بنظرة إعجاب وقال : لهذا أحترمك يا حازم هكذا الرجال ولكن ما يعيبك هو أنك تنظر إلى الأمور من وجهة واحدة وتتعامل دوماً بطريقتك العملية البحتة وما يدور فى ذهن زوجتك قد يكون تفاهات بالنسبة لك ولكن ليس كذلك بالنسبة لها انها تتصور تلك السيدة عدواً يهدد كيانها وأسرتها وتدافع عنه بكل قوتها 

هتف حازم مندهشاً : لهذه الدرجة ؟

قال سمير فى بساطة : بل أكثر من ذلك يا صديقى هكذا هى عقول النساء ولذلك يجب أن تتعامل معهن بطريقة أكثر صبراً وليونة 

قال حازم ساخراً : هل أصبحت خبيراً فى التعامل مع النساء ؟

هز سمير كتفيه وقال : انهن يحطن بى من كل اتجاه مديحة زوجتى وسلوى وسعاد وسميحة ونورهان وكل منهن لها شخصيتها المختلفة عن الأخرى فكيف لا تريدنى أن أكون خبيراً فى التعامل معهن على العموم دعنا من هذا وقل لى هل استعدت حقوق تلك السيدة ؟

قال حازم فى ارتياح : طبعاً لقد طعنت فى العقود التى تمكنوا من خلالها استغلال نصيبها فى الشركة وبالفعل كانت شكوكى فلى محلها وسارعوا هم بعد أن شعروا بالخوف بالاتفاق معى على أن يعيدوا إليها كل حقوقها ودياً لتتنازل عن القضية وقد وافقت هى على ذلك ولكن سلوى لم تغفر لى اننى تجاهلت رغبتها وواصلت القضية وظلت تعاملنى بكل جفاء كما رأيت اليوم 

قال سمير فى حزم : أنت لم تخطئ يا حازم ولقد فعلت ما أملاه عليك ضميرك وواجب وظيفتك أما بالنسبة لسلوى فسيكون لها معى حديث آخر فلابد أن تكون أكثر تعقلاً من هذا بل يجب عليها مساندتك وتشجيعك 

تأمله حازم لحظة ثم قال فى إعجاب : كم تبدوا مختلفاً حينما تكون جاداً يا سمير وكأنك شخص آخر ولكننى أحترمك كثيراً فانت إنسان مثالى لا تتخلى عن مبادئك أبداً على الرغم مما يوحى به مظهرك من استهتار وعبث 

اجابه سمير مبتسماً : نسيت صفة هامة جداً 

سأله حازم فى دهشة : ما هى ؟

لم يجبه سمير بل أشار إلى المترودوتيل الذى أتى مسرعاً فقال له سمير : نريد دجاجاً مشوياً وأرز وبعض السلاطات مع اللحم المجفف وقليل من الخبز وسلطة باباغنوج 

انصرف المترودوتيل لتنفيذ الطلب فى حين التفت سمير إلى حازم الذى بدا عليه علامات الدهشة وقال : انني كريم ..كريم جداً 

قهقه حازم قائلاً : يالك من لئيم وانطلقا الاثنان يضحكان وقد نسى حازم مشكلته تماماً .

ضربت نبيلة هانم كفاً بكف وهى تهتف : يا إلهى ألا تنتهى المشاكل أبداً ما إن افرغ من مشكلة حتى تأتى الثانية ؟ ما الذى تقوليه يا سلوى هل تريدين ترك منزلك ولماذا ؟ من أجل تفاهات ؟

هتفت سلوى فى استنكار : تفاهات ؟ هل ما رويته لك تفاهات يا ماما ؟

صاحت بها أمها غاضبة : نعم تفاهات عندما تتشاجرين مع زوجك من أجل سيدة مظلومة يدافع عنها وكل هذا بدافع غيرة حمقاء لم تعد مناسبة الآن وابنتك فى طالبة بالجامعة فهذا أسميه أنا تفاهات 

هتفت سلوى : أرجوكِ يا ماما تحدثى معى بهدوء فأعصابى متوترة ولن أحتمل صياحك هذا 

تدخلت فدوى قائلة : فى الحقيقة يا تيتة بابا لم يخطئ فى شئ إنه ....

صرخت فيها سلوى :

 اخرسى أنت ولا تتدخلى فى حديثنا هل فهمتِ ؟

احتقن وجه فدوى بشدة وغادرت الغرفة محنقة فى حين قالت سميحة : لماذا تصرخين فى ابنتكِ هكذا يا سلوى انها لم تعد صغيرة ومن حقها التدخل لإصلاح الأمور بينك وبين والدها 

اجابتها سلوى فى حنق : انها دائماً تقف بجانب والدها وكأننى المخطئة 

هتفت بها أمها : وهى محقة فى ذلك فحازم لم يخطئ فى شئ ولكن يبدوا إنكِ تتدللين 

قالت سلوى فى عصبية : لقد تجاهل رغبتى تماماً وواصل القضية بكل عناد وكأننى ليس لى أهمية 

صاحت أمها فى غيظ : ألم أقل لكِ إنكِ تتدللين؟ هل يجب أن يطيع كل رغب حتى ولو كانت تتعارض مع عمله وواجبه ؟ يا إلهى سأجن منكِ 

هتفت سلوى : لم اتدخل من قبل فى عمله يا ماما ولكننى وجدته يولى قضيته تلك السيدة اهتماماً بالغاً ثم إنها لم تكتفِ بزيارتها المتكررة له فى مكتبة ولكنها أتت إلى المنزل أيضاً و ....

قاطعتها أمها قائلة فى حزم : هراء كلنا نعرف حازم جيداً وأنت قبلنا إنه ليس الشخص الذى تلفت انتباهه أى امرأة ربما كان مصدر اهتمامه بها هو انها أرملة وتحتاج للمساعدة وهو محامى وهذه وظيفته هل يتخلى عنها من أجل غيرتكِ الحمقاء ؟

قالت سلوى فى عصبية : ولو .. كان يجب ان يراعى مشاعرى على الأقل 

جلست سميحة بجوارها ووضعت يدها على كتفها وقالت برقة : ليس فيما فعله حازم أى ايذاء لمشاعرك يا سلوى بل بالعكس يجب أن تفخرى به لأنه محامى مخلص فى عمله ولم يقبل يوماً قضية دون أن يتأكد تماماً أن صاحبها صاحب حق أو برئ وغيرتك عليه ليست عيباً بل هى دليل على الحب ولكن لا يجب أن تدفعكِ هذه الغيرة إلى فعل أشياء تفتقر إلى الحكمة والعقل فزوجكِ بحكم عمله يلتقى بالكثيرات ويجب أن تعطيه ثقة أكبر وهو يستحقها فحازم مثلما قالت ماما مثل الخط المستقيم لا يهتم سوى بعمله وبيته ولا يمكن أن تجذب انتباهه أى سيدة مهما بلغ جمالها 

هتفت سلوى بعصبية أكبر : أنتم لا تفهمون شيئاً 

تساءلت أمها : ما الذى لا نفهمه 

هتفت سلوى بكل عصبيتها : تلك السيدة جميلة جداً يا ماما ومتأنقة للغاية وعندما جاءت للمنزل ذات مرة رأيت فى نظرات حازم لها اعجاباً وانبهاراً احنقنى نظرات افتقدتها منه منذ زمن طويل نظرات جعلتنى أجلس أمام المرآة وأتساءل ما الذى تغير فى ؟ إننى لا أقل عنها اجمالاً ولكن فيها شئ غريب انها من النوع التى تهتم كثيراً بأنوثتها ومظهرها وعلمت السبب حين نظرت إلى نفسى فى المرآة لقد أهملت فى نفسى تماماً وانشغلت بعملى والبيت والأولاد عن الاهتمام بنفسى وزينتى لم أعد اهتم بتصفيف شعري أو العناية به أو الاهتمام بنفسى فى المنزل منذ مدة طويلة بمعنى أصح لقد أهملن أنوثتى تماماً فأنا أولى اهتمامى الأكبر لعملى والأولاد ولم أفكر فى حازم تناسيته تماماً ولم أفق إلا على نظراته لتلك السيدة 

تابعت سميحة : وبدلاً من أن تسارعى لإصلاح الأمر أخذتي تهاجمين تلك السيدة وتفرغين فيها انفعالاتك وحنقك وكأنك تعاقبينها على اهتمامها بنفسها واستحواذها على نظرات الاعجاب من زوجك أليس كذلك وطبعاً ازداد حنقك وغضبك بعد أن واصل حازم القضية دون الالتفات إلى اعتراضك أليس كذلك ؟

أطرقت سلوى برأسها فقد كان كل ما قالته سميحة صحيحاً إلى حد كبير فى حين هتفت نبيلة هانم فى حدة : وما ذنب حازم فى كل هذا ؟

أسرعت سميحة تجيب : ذنبه أنه نظر باعجاب دون قصد منه بالطبع لهذه السيدة التى تهتم بأنوثتها وجمالها فى حين يفتقد هو ذلك مع زوجته وهذا سبب جرحاً دون أن يدرى لسلوى 

صمتت سلوى كأنها تعلن عن صحة قول سميحة فى حين قالت نبيلة هانم فى حنان : سلوى يا حبيبتى لديك زوج رائع لم يغضبك يوماً ما ولم يجرح مشاعرك يوماً ما فلا تجعلى أى شئ يهدم سعادتك وإن أردت رأيى كأم فإن الزوجة حين تعمل لابد أن تفقد شيئاً ما لن يمكن أبداً النجاح كأم وزوجة وسيدة عاملة لابد أن يطغى شئ على شئ ولديك الاختيار وأنا أحمد الله أنك بنفسك اكتشفت ذلك 

أومأت سلوى برأسها إيجاباً واحتضنتها أمها وقالت : عندما يأتى زوجك لا بد أن تعتذرى له فأنت أخطأت فى حقه 

قاطعهم سمير الذى دلف إلى الحجرة وقال وهو يدفع حازم أمامه : هذا ما سيحدث الآن هيا يا ماما وأنت يا سميحة سنتركهما قليلاً 

غادرت نبيلة هانم وسميحة الغرفة وأغلق سمير بابها فى حين اتجه حازم إلى حيث تجلس سلوى وجلس فى مواجهتها وقال فى رقة : إننى آسف يا سلوى إن كنت أغضبتك فى شئ بدون قصد فأنا لا أستطيع أبداً أن أغضبك 

تطلعت إليه لحظة ثم قالت فى خفوت : لا تعتذر يا حازم فأنت لم تخطئ فى شئ أنا التى أخطأت وأنا أعتذر عن ذلك فقد كنت متوترة هذه الأيام و..

قاطعها وهو يقول بحنان : لقد سامحتك 

صمتت لحظة ثم قالت : أتعلم هناك قرار كنت أفكر فى اتخاذه منذ مدة ولقد ساعدتنى ماما باتخاذه 

سألها : ما هو ؟

قالت سأستقيل من عملى : 

هتف فى دهشة تستقيلين ؟ أتتحدثين بجدية ؟

ابتسمت وهو تقول بسعادة : بكل جدية 

ثم رمقته بنظرة محبة وقالت : فلدى مشاريع أسرية كثيرة تحتاج لوقت وتفرغ كامل وفى الحقيقة كان يجب اتخاذ هذا القرار منذ زمن 

ابتسم وهو يتأملها وقد فهم ما تعنيه : أحقاً ؟

أطرقت برأسها فى خجل : حقاً يا حازم حقاً 

تطلع إليها فى مزيج من الدهشة والحنان فقد كانت تلك التى تجلس أمامه سلوى القديمة التى أحبها وتزوجها والتى افتقدها بعد أن أصبحت أماً وبعد أن انشغلت بعملها وأولادها وأصبحت أكثر عصبية وتوتراً ولكنها عادت الآن بكل رقتها وحنانها وحبها .

فى صباح اليوم التالى جلست سميحة فى شرفة منزلها تراقب الطريق بكل لهفة وترقب كانت الدقائق تمر بطيئة .. بطيئة وفى توتر نادت على نجوى التى أتت مسرعة فقالت لها سميحة وعيناها معلقتان بالطريق : هل أعددت كل شئ ؟

أجابتها نجوى : نعم يا سميحة هانم لقد رتبت حجرتها ووضعت فيها كل الأشياء التى أحضرتيها 

غمغمت سميحة فى حنان : إنها تحب الزهور كثيراً ولذلك أريدك أن تهتمى بها كثيراً 

قالت نجوى : بكل تأكيد يا سميحة هانم 

سألتها سميحة وهى مازالت تراقب الطريق :

 هل تعتقدى إنى نسيت شيئاً ؟

هزت نجوى رأسها نفياً وقالت : لا إنك لم تتركى شيئاً كانت تحبه الست ملك دون أن تحضريه حتى لون الغرفة بدلتيه باللون الأزرق السماوى الذى تحبه ولكننى لا أذكر أن الآنسة ملك كانت تحب هذا اللون فقد كانت صغيرة حين انفصلت عن والدها أعنى إحم اقصد حين ..

قاطعتها سميحة مغمغمة : والدها أخبرنى إنها تعشق هذا اللون الذى أعشقه وأيضاً تهوى القراءة مثلى أيضاً ولذلك أحضرت لها مجموعة كبيرة ومتنوعة من الكتب لتقرأها ثم عقدت حاجبيها لحظة وقالت : ولكنه أيضاً أخبرنى أنها تهوى مشاهدة المصارعة الحرة 

هتفت نجوى فى حماس : وهل أحضرت لها شرائط المصارعة ؟

نظرت إلى سميحة وكأنما تتطلع إلى مخبولة وهتفت : ماذا دهاك يا نجوى هل تريدين منى أن أحضر شرائط مصارعة لتشاهدها ابنتى ؟ أى هراء هذا ؟

ارتبكت نجوى ولم تدر ما تقول فى حين عادت سميحة لتنظر إلى الطريق مرة أخرى وقالت : ولكن لست أدري ما الذى يجعل فتاة فى مثل عمرها تهوى مشاهدة هذه الرياضة العنيفة أهو جزء من شخصيتها أم إنها تفرغ انفعالاتها فى مشاهدة هذا العنف أم ماذا ؟ ثم تنهدت وقالت : على الرغم من سعادتى لعودتها إلىٌ ثانيةً على قدر ما أنا خائفة 

مالت إليها نجوى وقالت : خائفة من ماذا ؟

قالت سميحة فى آسى : إنها تكرهنى يا نجوى .. جاءتنى مرغمة 

ثم فتحت عيناها التبصر سيارة خالد قادمة من بعيد فهتفت وهى ترتجف انفعالاً : أتت يا نجوى أتت .

توقفت سيارة خالد أمام منزل سميحة فالتفت إلى ملك وقال : هيا يا ملك انزلى 

قالت فى توسل : لما لا تدعنى أوصلك للمطار يا دادى ؟

زفر فى ضيق وقال : ألا تكفين عن الإلحاح أبداً ؟ لقد قلت لك قبل ذلك ما الفارق بين أن تودعينى هنا أو فى المطار ؟ هيا ولا داعى لإضاعة الوقت 

قالت : ألن تأتى معى ؟

هز رأسه فى هدوء وقال : لا لقد اتفقت مع ماما على كل شئ فقد اتصلت بها البارحة ولم يعد هناك ما يقال 

التمعت الدموع فى عينيها وقالت فى خفوت : سأفتقدك كثيراً يا دادى 

مد يده ليتحسس شعرها فى حنان وقال : وأنا أيضاً يا حبيبتى سأفتقدك كثيراً ولكننى سأتصل بك يومياً لأطمئن عليك كما اننى سأنتهز كل فرصة لرؤيتك ولكن أريد أن تذاكرى بكل جد لتحصلى على مجموع كبير فى الثانوية العامة أتعديننى ؟

أومأت برأسها إيجاباً وقالت فى خفوت : أعدك 

ما إليها ليطبع قبلة على جبهتها ثم أشار إليها قائلاً : هيا إذن فطائرتى ستقلع بعد أقل من ساعة 

حملت حقيبتها من المقعد الخلفى وغادرت السيارة ثم دارت حولها وألقت نظرة على والدها مفعمة بالمشاعر ثم اتجهت نحو البوابة وظل هو منتظراً يراقبها ولكنها يبدوا أنها تذكرت شيئاً فعادت مرة أخرى مسرعة فانعقد حاجباه فى دهشة وقال : ماذا هناك ؟ 

قالت وقد بدت عليها علامات الذعر : ( بيوتى ) يا دادى ( بيوتى ) 

عقد حاجبيه متسائلاً : أتقصدين السلحفاة ؟ ما بها ؟ 

هتفت : لقد نسيتها فى أمريكا يا إلهى لابد انها حزينة الآن 

هتف فى ضيق : وما الذى أفعله لها الآن ؟

صاحت محتجة : تحضرها لى أو أحضرها أنا 

صاح فيها : ماذا ؟ أحضرها لك أو تحضريها انت ؟؟ هل تمزحين ؟

ثم انعقد حاجباه وهو يقول فى صرامة : لا هذا ولا ذاك ولكننى اعدك أن أرعاها 

ضربت الأرض بقدميها كالأطفال وقالت : لا يا دادى لا لن يمكنك رعايتها فأنت دوماً مشغول كما أن المدعوة سارة تكرهها ولابد أنها تسئ معاملتها الآن 

وفجأة قالت فى شراسة : آهـ لو أنها فعلت فسوف ...

قاطعها والدها قائلاً فى عصبية : ما الذى ستفعلينه ؟ هل ستسافرين إلى أمريكا وتجذبينها من شعرها أم ماذا ؟

هتفت : أقسم أن أفعل لو أصابت بيوتى بمكروه 

نظر فى ساعته وقال فى عصبية : وما الذى بيدى أن أفعله لك الآن يا ملك إننى سأتأخر هكذا 

قالت متوسلة : أرجوك يا دادى أرجوك ارسلها لى إننى لا أستطيع أن أتخلى عنها 

زفر فى ضيق وأشار إليها قائلاً فى سرعة : حسناً يا ملك سأرسلها لك مع أى شخص عائد إلى مصر فى أقرب فرصة وهذا كل ما يمكننى فعله أم أنك تريدين أيضاً أن أحجز لها درجة أولى ؟

هتفت فى حماس : بالطبع عدنى أن تفعل 

هتف محنقاً : حسناً أوعدك والآن هلا ذهبتِ لقد تأخرت جداً 

حملت حقيبتها وأشارت إليه مودعة ثم اتجهت مرة أخرى إلى المنزل فى حين تابعها هو بنظرة قبل أن يقول فى حزن : كم سأفتقدها 

لا أحد يستطيع وصف شعور سميحة وابنتها تقف أمامها الآن بعد غياب ستة سنوات كاملة عنها أعظم الكلمات لا يمكن أن تعبر عما تحسه سميحة لأن احساسها فى هذه اللحظة فوق كل وصف وأكبر من أى تعبير إنه شعور أم عادت إليها ابنتها بعد ست سنوات من الفراق والحرمان ست سنوات كل دقيقة منها مرت *كالدهر* الكامل ست سنوات ذاقت سميحة خلالها أمر احساس ممكن أن يعيشه إنسان 

لحظات طويلة مرت ساد خلالها الصمت تأملت سميحة ابنتها بكل لهفة وحب واشتياق وسعادة لا حدود لها وتمنت لو ضمتها إلى صدرها وأخفتها بين ضلوعها لتعوض حرمان السنوات الماضية تمنت ولكن لم تستطع تحقيق أمنيتها البسيطة فقد وقفت النظرات الباردة الخالية من المشاعر التى ترمقها بها ملك حائلاً دون حدوث ذلك 

ترى لماذا تنظر إليها هكذا ؟؟هل تكرهها فعلاً ؟ ألا تشعر بالاحتياج إليها ؟؟ ألا ....

(( أين حجرتى ؟ )) قطع أفكار سميحة تلك العبارة التى قالتها املك فى برود 

قالت سميحة فى دهشة : حجرتك ؟

قالت ملك فى برود أكثر : نعم هل سنظل واقفين هكذا أم ماذا ؟

كانت سميحة تود ألا تغيب عن ناظريها أبداً ولذلك كادت تصرخ فيها ( ابقى معى قليلاً ) ولكنها سيطرت على مشاعرها جاهدة وقالت بصوت حمل كل حنانها وحبها : ألن تأكلى شيئاً ؟

قالت ملك بنفس الجفاء : لقد أكلت مع دادى 

التفتت سميحة إلى نجوى بصوت أجش من الانفعال : هيا يا نجوى خذى حقيبتها وأعدى لها حماماً حتى تستريح قليلاً 

التفتت ملك إلى نجوى فى حدة وكأنها تراها لأول مرة ثم ارتفع حاجباها وهى ترمقها بنظرات تجمع بين الكراهية والاستخفاف فى حين أسرعت نجوى لتحمل حقيبة ملك قائلة فى حماس : بالطبع يا سيدتى 

انتزعت منها ملك الحقيبة وهى تقول فى حدة : لا أريد من أحد مساعدتى سأفعل كل شئ بنفسى فقط دلونى على حجرتى

اعتدلت نجوى وقد شعرت بالحرج فى حين رمقتها سميحة بنظرة طويلة قبل أن تقول بهدوء صارم : سأريك إياها تعالى معى ثم اتجهت إلى حيث غرفة ملك فى حين انحنت ملك لتحمل حقيبتها قبل أن تلقى نظرة أخرى على نجوى وتتبع أمها.

(( هذه هى حجرتك يا ملك )) قالت سميحة فى حنان وهى تشير بيدها بعد أن دلفت إلى الغرفة 

خطت ملك إلى الداخل وأخذت تتأمل حجرتها وقد امتلأت بالدهشة فكل ما فى الحجرة يدل على انها أُعدت خصيصاً لها لون الحجرة ولون الستائر والورود التى تملأ الغرفة بالإضافة إلى كمبيوتر من أحدث طراز وهناك فى ركن من الحجرة مكتبة تزخر بالكتب فاتجهت إليها وأخذت تتصفح الكتب فى اهتمام حتى الكتب التى تفضلها كانت موجودة شكسبير ، أرسين لوبين قصص الخيال أيضاً موجودة 

كانت سميحة ترقبها بنظرات حانية عندما التفتت إليها ملك ممسكة بإحدى الروايات وتساءلت : ما هذا النوع من الروايات ؟

أجابتها سميحة فى رقة : إنها روايات مصرية للجيب تضم روايات خيال علمى وأعمال المخابرات وروايات فكاهية واجتماعية وكل هذا فى إطار مصرى عربى صميم يمتلأ بالقيم والأهداف النبيلة أنا متأكدة انها ستعجبك جداً 

رمقتها ملك بنظرة طويلة متفحصة قبل أن تقول فى تحدى : وقد لا تعجبنى أبداً ثم أعادت الرواية إلى المكتبة مرة أخرى 

فقالت سميحة فى حنان : هل أعجبتك الحجرة ؟

تظاهرت ملك باللامبالاة وهى تقول : لا بأس بها 

همت سميحة بأن تقول شيئاً ما حينما أتت نجوى قائلة : سميحة هانم والدتك على التليفون تريد التحدث إليك 

قالت سميحة فى سرعة : حسناً سآتى على الفور ثم التفتت إلى ملك قائلة : سأتركك الآن لترتاحين قليلاً 

وغادرت الغرفة وأغلقت بابها خلفها بهدوء بينما عادت ملك تتأمل حجرتها مرة أخرى وشعور غامر بالارتياح يملأُها لم تدرى سببه بالضبط فألقت بنفسها فوق الفراش دون أن تبدل ملابسها أو حتى تخلع حذائها وأغمضت ونامت .

(( آلو يا ماما ..كيف حالك .. ملك ؟ )) نعم لقد حضرت منذ قليل وهى الآن بغرفتها بالطبع يا ماما بالطبع الحمد لله فأنا أشعر بسعادة لا حدود لها الآن لم يعُد ينقصني شئ ولكن 

 ثم تنهدت لحظة وهى تقول : ولكنها تكرهنى يا ماما لقد لمست ذلك من نظراتها لى نعم أعلم أن الأمر يحتاج إلى وقت وغلى صبر وسأصبر يا ماما سأصبر فكل شئ يهون ما دامت معى كل شئ يهون 

ثم صمتت لحظة ماذا ؟ وجد الشقة ؟ حسناً يا ماما اجعلى سمير يتفق مع صاحب العمارة حسناً سآخذها شكراً يا ماما مع السلامة وأغلقت الهاتف والتفتت إلى نجوى وقالت : سأذهب لأنام قليلاً الآن فأنا مرهقة ولا توقظينى قبل ساعتين مهما حدث ثم اتجهت إلى غرفتها ثم تذكرت شيئاً فالتفتت مرة أخرى إلى نجوى وقالت : إلا إذا كان شيئاً يتعلق بملك 

وأثناء مرورها إلى غرفتها شعرت برغبة قوية لأن تلقى نظرة على ابنتها ولم تقاوم تلك الرغبة فاتجهت إلى غرفتها وفتحت بابها بهدوء وألقت نظرة بداخلها فوجدت ملك نائمة بكامل ثيابها وحذائها كالطفلة فاتجهت إليها بهدوء تام ثم وقفت لحظات تتأملها كانت كالطفل الصغير النائم كم هى جميلة ووديعة وهى نائمة فاقتربت منها سميحة أكثر وركعت بجوار فراشها وأخذت تتحسس وجهها وشعرها فى رفق وحنان بالغين خشية أن توقظها ثم طبعت على وجهها قبلة أودعتها كل حنانها وحبها قبل أن تقوم مغادرة الغرفة بكل هدوء .

تعليقات