الفصل الخامس عشر
بعد عدة أيام وفى نزل نبيلة هانم عصرا..كانت تجلس بحديقة منزلها حين أبصرت سميحة قادمة بخطوات سريعة قبل أن تتخذ مجلسها قائلة:- مساء الخير ياماما..كيف حالك
أجابتها نبيلة وهى تتاملها بعجب:- مساء النور يا حبيبتى ..ليست عادتك أن تأتى فى هذا التوقيت
قالت سميحة:- لقد اتيت للاطمئنان عليك خصوصا بعد سفر سمير واولاده وزوجته ...لست أدرى يا ماما لم لا تاتين عندى هذة الايام؟ ولماذا ترفضين أن تاتى اليك نجوى لترى طلباتك؟
قالت أمها فى حنان:- لأنه ليست لى طلبات يا حبيبتى فالبيت تركته مديحة نظيفا وسمير احضر لى كل طلباتى قبل ذهابه وكأنه سيمكث شهرا بالخارج واولاد اخواتك طوال الوقت عندى ونرمين أتت لتقيم معى هذة الايام فما الذى سأحتاجه بعد ذلك؟
قالت سميحة مبتسمة:- كما تشائين ياماما..ولكن ما بال سمير وشرم الشيخ الاتلاحظين أنه كان هناك من فترة قصيرة
قالت أمها فى حنان:-هذة المرة أتت فجأه فقد عرض عليه أحد أصدقاءه يعمل فى شركة سياحية السفر بخصم كبير فاخذ الاولاد ومديحة وذهب وبصراحة كان يحتاج هذة الاجازة ومديحة ايضا فهى ياحبيبتى لا تغادر المنزل ابدا وقد ألح على كثيرا أن أذهب معه ولكننى رفضت فالهواء هناك قوى وصحتى لم تعد تحتمله
تنهدت سميحة وقالت:- ومن سمعك ياماما ..أنا الاخرى أحتاج للتغير والخروج فقد بدأت اشعر بالملل
سألتها امها فى اهتمام:- كيف حال ملك ياسميحة؟ لقد اوحشتنى جدا وانا غاضبة منها لأنها لم تسأل عنى ولم تأتى لترانى طوال المدة الماضية
زفرت سميحة وقالت فى ضيق:- كما هى منذ اخر مرة ..ملازمة لغرفتها طوال الوقت لا تخرج منها ولا تحدث احد حتى معى ولا تجيب على هاتفها حتى والدها الذى لم ينقطع عن الاتصال بها
سألتها امها فى دهشة:- ألم يسافر بعد الى امريكا؟
هزت سميحة رأسها نفيا وقالت:- لا لقد قال أنه سيمكث عدة ايام اخرى لينتهى من صفقة هنا ولكننى أشعر أنه مكث خصيصا من أجل ملك ..لا يريد أن يسافر دون رؤيتها
قالت نبيلة هانم فى تعاطف:- برغم ماحدث بينكما فهو أب عطوف جدا يا سميحة وفى الحقيقة هذة اول مرة أشعر بالغضب من ملك فلم يكن ابدا من اللائق أن تحدث والدها بتلك الطريقة ولا تخاصمه هكذا
اومأت سميحة برأسها وقالت:- أنا أيضا شعرت بالغضب منها لذلك وأشعر بالشفقة عليه ولكنه هو الذى عودها على هذا
قالت أمها فى تعاطف:- أشعر أنه تغير كثيرا يا سميحة
غمغمت سميحة فى شرود وقالت:- ربما
فى تلك اللحظة أتت نرمين من الداخل حاملة كتابها وما ان رأت سميحة حتى هتفت :- طنط سميحة هنا؟ يا مرحبا
أبتسمت سميحة وقالت:-كيف حالك يا نرمين وما أخبار المذاكرة معك؟
قالت نرمين وهى تجلس بجوار جدتها:-بخير والحمد لله ..كيف حال ابنتك ذات الوجه العبوس ؟
أزدادت ابتسامة سميحة وهى تقول:- كما هى يانرمين ..لما لا تذهبى اليها وتحاولى أخراجها من غرفتها
هتفت نرمين ساخطة:- كم مرة حاولت ذلك معها ؟ ولكنها عنيدة ورأسها مثل الحجر ..لست أدرى كيف تحتملينها
ضحكت سميحة وقالت جدتها مبتسمة:- مثلما تحتملك نورهان بالظبط ...هل تتصورين نفسك ملاكا؟
هتفت نرمين محتجة:- هكذا يا تيتة؟ ألم أعد لك العشاء بيدى هاتين؟ واعجبك
أطلقت سميحة ضحكة اخرى فى حين قالت جدتها:- بلى يا حبيبتى لقد كان رائعا ولهذا أريدك أن تعدى لنا كوبين من الشاى من يديك هاتين
قالت نرمين مبتسمة فى رضا:- حاضر..حتى تعلمين فائدة وجودى هنا ..ثم اسرعت الى الداخل لتعد الشاى فمالت نبيلة هانم على سميحة وقالت بصوت خافت:- ليتك كنت هنا البارحة وتذوقتى العشاء الذى أعدته لى نرمين ...لا يؤكل...كان الله فى عون عمر
ضحكت سميحة فى مرح ثم توقفت فجأه وهى تسأل أمها:- عمر؟ عمر من؟
قالت الجدة:- ألم تعلمى بأمر عمر بعد؟
قالت سميحة:- لا لم أعلم بأمر عمر بعد
قالت الجدة مبتسمة:- ساخبرك ...وبدأت تحكى لها
********
وفى غرفتها كانت ملك تتطلع من نافذتها فى شرود حزين حين طرقت نجوى باب غرفتها قائلة:- أنسة ملك ...الانسة داليا بالخارج وتريد رؤيتك
صمتت ملك لحظة فى تفكير ثم قالت:-ادخليها يا ام محمد
وما ان دلفت داليا حتى اتجهت الى ملك لتعانقها هاتفة:- ماهذا ياملك؟ أننى غاضبة منك بالفعل..لماذا لا تجيبين على هاتفك؟
قالت ملك فى وجوم وهى تشير اليها بالجلوس:- أجلسى ياداليا
قالت داليا وهى تجلس بقلق:- ماذا بك يا ملك؟ لماذا لا تجيبين على هاتفك؟ لقد اتصلت بك اكثر من مائة مرة لأطمئن عليك وطنط سميحة أخبرتنى أنك لا تجيبين على أحد ولا تقابلين أحد ومتقوقعة داخل غرفتك فقلت أنتظر قليلا حتى تهدأين ولكننى مندهشة لماذا كل هذا؟
قالت ملك بحزن:- ليست بى رغبة بالتحدث فى شىء يا داليا الان ولا مع أحد
هتفت داليا فى لوم:- حتى انا ياملك؟
قالت ملك فى مرارة:- صدقينى ..بالرغم عنى
قالت داليا مواسية:- ملك لقد كانت تجربة ومرت بسلام وأنا اعرفك جيدا شىء كالذى حدث معك لا يضايقك خصوصا أنك فعلتيه باقتناع تام ...هذة ليست ملك التى اعرفها لقد كنتى أقوى من هذا فما الذى حدث معك؟
صمتت ملك وأن اطلت من عيناها حزن كبير ادهش داليا التى مالت عليها وقالت وهى تربت على كتفها فى رفق:- ملك أخبرينى..هل أساء اليك احد فى أمن الدولة؟هل هناك ما تخفينه عنا؟ أرجوك أخبرينى أننى صديقتك واعتبرك مثل اختى
هزت ملك رأسها وقالت وهى تقاوم دموعها:- لا ..لم يسىء الى احد
سألتها داليا ثانية:- أهو خلافك مع والدك أذن؟ فقد علمت من طنط سميحة أنكما تعاركتما بسبب هذا الموضوع
أومأت ملك برأسها أيجابا وقالت وقد ترقرقت الدموع فى عينيها:- نعم ..لم أكن أتخيل ان يحدث هذا بيننا يوما..فقد قلت له كلمات جارحة بالرغم عنى وهو قام بصفعى لأول مرة
تطلعت اليها داليا مشدوهة بينما أنهمرت الدموع من عينى ملك وهى تواصل:- هل تتصورين هذا؟ دادى الذى يحبنى كل هذا الحب يفعل معى هذا؟
تطلعت داليا اليها لحظات فى تعاطف ثم قالت :-ولكنك قلتى أنك جرحتيه بكلماتك فلما تشعرين بالغضب مما فعله معك؟
قالت ملك وهى تمسح دموعها بيدها:- لأننى لم أكن اتصور أن يفعل هذا معى مهما حدث ...انك لا تعرفين علاقتى بدادى يا داليا ولا تتصورين مدى حبه لى
قالت داليا:- حسنا..الا يشفع حبه الكبير لك فى أن تتصلى به وتعتذرى له عما بدر منك وتعود الامور كما كانت؟
قالت ملك منتحبة:- أتمنى هذا يا داليا ..أريد ان اطمئن عليه فساقه مجروحة بشدة وبسببى ايضا ...ولكننى لا أستطيع
هتفت داليا فى دهشة:- لماذا؟
قامت ملك هاتفة فى انفعال غاضب:-لأننى أشعر بالغضب منه يا داليا ..ليس لأنه صفعنى ولكن لأنه يريد أن يتحكم بى وبحياتى ..انه يفعل كل مايريده ويعيش حياته كما يريدها ومامى كذلك تفعل ماتريده وتعيش حياتها كما ترغب دون أن يفكر احدهما فى رغباتى أنا وما أريده فلما لا يتركونى أفعل ما أريد واحب
قالت داليا فى هدوء:- أنتى تشعرين بالغضب تجاههم ياملك لأنهم لا يريدون تحقيق رغبتك بالعودة ثانية الى بعضهما اليس كذلك؟ ولكن الامور لا تسير بتلك الطريقة يا ملك ..ليس الامر بأيديهم ولا يجب أن تعاقبيهم بتلك الطريقة
هتفت ملك فى ضيق:- أى قول هذا يا داليا...هذا ليس وقت فلسفة
أبتسمت داليا وقامت قائلة وهى تربت على كتف صديقتها فى حنان:- أننى أفهمك جيدا يا ملك وادرك سر غضبك وسخطك ولكنك دائما حين تدركين أنك مخطئة تغلقين باب النقاش وليس هذا من الديمقراطية التى تنادين بها
لم تجب ملك وان بدا عليها الغضب فربتت داليا على كتفها ثانية وقالت :- هيا لتبدلى ملابسك فستخرجين معى الان
هزت ملك راسها نفيا وقالت:- لا تحاولى فلن اخرج
قالت داليا :- حتى لو علمتى أن ماما مريضة ..وتريد رؤيتك أيضا؟
التفتت اليها ملك قائلة فى دهشة:-طنط ثريا مريضة؟ هل تتحدثين بجدية؟
قالت داليا وهى تجذبها الى الحمام:- نعم ..لقد شعرت بالدوار والصداع منذ عدة ايام وذهبت الى الطبيب الذى طلب عدة اشعة وتحاليل وهى ملازمة للفراش من وقتها وانا من المفترض الا اتركها وحدها ولذلك اسرعى فلا وقت لدينا
تنهدت ملك ثم أخذت المنشفة واتجهت الى الحمام فى استسلام
*******
((واحشنى وانت قصاد عينى وشاغلنى وانت بعيد بعيد بعيد عنى))
جلس كريم فى شرفة حجرته يستمع الى كلمات ام كلثوم فى هيام واضح وقد شرد بفكره بذهنه بعيدا...كان يفكر فى ملك...كم يحبها وكم يتمنى لو تبادله مشاعره هذة...كم يتمنى مصارحتها بما يعتمل فى صدره ويود لو بادلته نفس المشاعر....هو متأكد من شعورها باهتمامه نحوها ولكن تحفظها يحيره ويقلقه ..ترى هل توافق لو صارحها ؟ كم يخشى هذة اللحظة بقدر ما يتمناها فهو لا يعلم رد فعلها
((عال عال))قطعت افكاره تلك الكلمات المتهكمة من محمود الذى دلف الى الشرفة ووضع يده على كتف كريم فزفر كريم فى ضيق فى حين قال محمود:- تارك مذاكرتك وتستمع الى ام كلثوم..منذ متى ياترى؟
قال كريم:- لست أدرى لقد جال ببالى أن استمع اليها فكلما ذهبت الى طنط سميحة وجدتها تسمعها فقلت اجرب..ولكن تعلم يامحمود؟ كلماتها راقية ومعبرة ..لست أدرى لماذا لم استمع اليها من قبل؟
قال محمود مبتسما:- ربما لأنك لم تحب من قبل ...ولكن الهذة الدرجة تحبها؟
تنهد كريم وهو يقول فى عاطفة:- لست ادرى ..ولكننى لم أشعر بهذا الشعور تجاه أحد من قبل ..أراها ارق واجمل فتاة فى الدنيا فهل هى كذلك حقا ام أنا فقط الذى اراها بهذة الصورة؟
تامله محمود فى دهشة لحظة ثم هز رأسه قائلا:- ملك فتاة مختلفة عن غيرها لا انكر هذا ربما لظروف نشأتها ولكننى فى النهاية ارى انها ابنة عمتى وليس اكثر من هذا..اخبرنى هل أجابت عليك؟
هز كريم رأسه قائلا فى أسف:- لا ..ولكننى اطمئننت عليها من طنط سميحة وقالت لى أنها من وقت ماحدث وهى لا تجيب على هاتفها لأى احد وهذا يقلقنى عليها
قال محمود:- من الطبيعى أن تشعر بالاكتئاب بعدما حدث ..فهذا ليس هينا بالنسبة لها وجديد تماما عليها
صمت كريم لحظات وقد اطل من عينيه حنين كبير قبل أن يلتفت الى محمود ويسأله:- هل تتصور يامحمود أن ارتباطنا ممكنا؟
قال محمود فى بساطة:- وما الذى يمنع هذا؟
قال كريم فى احباط:- اشياء كثيرة..فبابا وماما لا يبدوان مرحبين بهذا الارتباط
قال محمود بثقة:- من هذة الجهة اطمئن فلا يمكنهما أن يجبراك على الارتباط بانسانة لا تريدها
عقب كريم:- ولكننى أيضا لن اجبرهما على الموافقة على زيجة لا يرغبا فيها ..كما أننى اريد رضاهما
أشار محمود اليه قائلا:- لا تكبر الموضوع ..اعتراض بابا وماما ليس على شخص ملك وان كانا يشعران بالقلق تجاه تصرفاتها ولكن اعتراضهما على التوقيت والظروف المحيطة بكما وبمجرد تحسن تلك الظروف فلا اعتقد انهما سيمانعان ..ما يجب أن تقلق بشأنه هو ملك نفسها ومشاعرها تجاهك
شرد كريم وهو يقول:- أه يامحمود لو أنها تحس بى وتبادلنى مشاعرى حينئذ سأشعر أننى أمتلكت الدنيا وما فيها
أبتسم محمود لقوله ثم قال:- لما لا تصارحها أذن لتعرف ردها بدلا من هذا العذاب
هز كريم رأسه قائلا:- الوقت ليس مناسبا الان فالظروف حولها لا تساعد ولكننى سانتهز الفرصة لذلك فلم اعد احتمل
قال محمود مبتسما:- أه لو رأتك ماما تتحدث هكذا ..ستعطيك درسا قاسيا
قال كريم بلامبالاة:- أنا حر فى مشاعرى ...بمناسبة ماما ماذا فعلت معها فى موضوع ابنة خالتك ولاء؟ لقد رأيتها تتحدث معك فيه
قال محمود:- لقد انهيته تماما معها على الاقل من جانبى فأنا حين افكر فى الزواج سانتقى عروستى بنفسى
سأله كريم بشغف :- وماذا كان رد فعلها؟
هز محمود كتفيه وقال:- يبدوا انها لمست اصرارى التام على الرفض ففضلت الا تثير مشاكل بدون داعى ولكنها اخذت تردد أننى لن اجد خيرا من ابنة خالتك وأننى لا اعرف مصلحتى وكلام من هذا القبيل...وفى الحقيقة لقد تعجبت منها فماما بالذات تريدنا ان ندرس اولا ولا نفكر فى شىء فاذا بها تفاتحنى فى موضوع كهذا
قال كريم مبتسما:- ربما كانت تجس نبض فحسب لتعرف رأيك المبدأى فى الموضوع..عموما لديها حق أنت لا تعرف مصلحتك جيدا..رانيا ابنة خالتك ولاء جميلة وتجيد الطبخ جيدا
قال محمود:- أننى أريد أن اتزوج أنسانة تجيد التفكير كما تجيد الطهى ..انسانة لديها عقل وقلب كبيرين تشاركنى افكارى واحلامى
سأله كريم:- يبدوا انك تنوى الارتباط بواحدة من زميلاتك بالكلية
قال محمود ضاحكا:- واكرر تجربة بابا وماما؟ لا ياسيدى لا انوى هذا اطلاقا ..ساتزوج بغير طبيبة حتى لا تقول لى العيادة والمستشفى ونوبتشيات وغير هذا ...لقد اكتفيت من الان
هز كريم كتفيه وقال:- لديك حق ..لم اكن انوى أنا ايضا الاقتران بطبيبة ولكن ملك غيرت كل افكارى ونواياى
أبتسم محمود قائلا:- ها قد عدنا للحديث عن ملك ثانية
قال كريم حالما:- كم احب التحدث عنها طوال الوقت
قال محمود متهكما:- حسنا ايها الرومانسى الحالم ساتركك مع احلام اليقظة وساذهب لشراء بعض الكتب من الخارج...لم يجب كريم وهو يعاود الاستماع الى اغنيته بينما غادر محمود
*****
تامل سمير مبتسما زوجته التى انهمكت فى حوار طويل مع زوجة صديقه عبد الفتاح فمال عليه قائلا:- اتعلم ياعبده أنها كانت فكرة جيدة للغاية اننا اتينا سويا الى هنا؟ لست ادرى كيف اشكرك يا رجل فقد اندمجت زوجتى مع زوجتك تماما وابتعدت عن ملاحقتى بكلامها ونظراتها
قال عبد الفتاح مبتسما:- بارك الله لك فيها ياسمير ...ونعم الزوجة الصالحة
قال سمير فى جذل:- هكذا يمكننا أن نعيش حياتنا ..هيا بنا يارجل ...ثم قام واقفا فسأله عبد الفتاح فى دهشة:- الى أين؟
هتف سمير فى مرح:- لنتمتع قليلا ..دعنا نستغل تلك الفرصة النادرة وننطلق
سأله عبد الفتاح فى تحفظ:- نتمتع كيف يا سمير؟
جلس سمير بجواره ثانية ولكزه قائلا فى خبث:- نتمتع ياعبده ..الا تفهم يارجل نشرب وناكل وننطلق انها شرم الشيخ
عقد عبد الفتاح حاجبيه وبدا عليه الغضب وهو يسأله:- ماذا تعنى بالظبط يا سمير هل تعنى أن......؟
قال سمير مؤكدا وهو يلكزه ثانية:- بالظبط
احمر وجه عبد الفتاح غضبا وانتفض واقفا وهو يهتف:- أتق الله ياسمير ..اتق الله لقد اتينا لنتمتع بالطبيعة ونرفه عن انفسنا واولادنا وزوجاتنا بمايرضى الله ولم ناتى لنفعل ماحرم الله
تظاهر سمير بالدهشة وهو يهتف جاذبا اياه من يده :- لماذا تصرخ هكذا يارجل؟ أننى لم اقل شيئا فكوبين من الايس كريم شيئا لا يغضب الله
هتف عبد الفتاح منفعلا:- كوبين من ماذا؟
قال سمير وهو يجاهد لكبت ضحكته:- كوبين من الايس كريم يارجل ..فأنا اعرف هنا مكان للمثلجات رائع وكلما أتيت الى هنا وحدى مع اسرتى وذهبت الى هناك لن اخبرك عن الفضائح التى تحدث فقلت نستغلها فرصة لنذهب وحدنا ونتمتع بمذاق الايس كريم فلماذا أنتفضت هكذا؟
تامله عبد الفتاح لحظة فى دهشة قبل أن يطلق زفرة طويلة ويعاود الجلوس ثانية هاتفا فى حرارة:- يا الهى لقد كدت اجن غضبا ..فقد تصورت ان ...أستغفر الله العظيم
هتف سمير متظاهرا بالضيق:- ما الذى تصورته يا عبده ..لماذا سوء الظن هذا هل أخبرك احدهم أننى أذهب الجامعة صباحا مترنحا والكاس فى يدى ؟ او اتردد على الملاهى الليلية ؟كيف تفكر هكذا يارجل
ربت عبد الفتاح على يده قائلا باعتذار:- لا عليك يا سمير لقد ذهب تفكيرى بعيدا فلقد كان كلامك غريبا
هتف سمير متظاهرا بالغضب:- ما الذى تبادر الى ذهنك يارجل ..ما الذى تبادر الى ذهنك؟ يا الهى
ربت عبد الفتاح على كتفه قائلا فى ود:- حسنا لا تغضب ..حقك على
أطلق سمير زفرة معبرا عن ضيقه فقام عبد الفتاح وجذبه من يده قائلا :- هيا لنشترى الايس كريم
قام معه سمير وقال:- حسنا ساذهب معك ولكن بشرط ان تعزمنى عليه فقد كنت انوى أن أعزمك أنا اذا ادركت المزحة وحيث انك شربتها للنهاية فالمفترض أن تعزمنى أنت ..قالها واطلق ضحكة طويلة فالتفت اليه عبد الفتاح هاتفا:- مزحة؟ هل كنت تمزح يا سمير؟
قال سمير ضاحكا:- بالطبع وانت..اتق الله ياسمير أتق الله..اليس كذلك
عقد عبد الفتاح حاجبيه لحظات ثم ابتسم قائلا:- حسنا يا سمير ستفرقنا يوما ما خفة دمك الزائدة هذة فلدى قدرة محدودة على احتمالها
قال سمير ضاحكا:- ولكن حقيقى يا عبده ما الذى تبادر الى ذهنك اخبرنى
لكزه عبد الفتاح قائلا:- كفاك مزاحا وهيا بنا وعقابا لك ستقوم بشراء ايس كريم لأسرتينا ولأسرة عامر ومحمد كذلك هيا بنا..
أطلق سمير ضحكة اخرى وسار معه
*******
دلفت سميحة الى غرفة ملك بهدوء وأخذت تتاملها وهى منهمكة فى اداء بعض التمارين العنيفة فاتجهت الى فراشها لتجلس عليه قائلة:- ألم يحذرك الطبيب من اى رياضة عنيفة فى الوقت الحالى على الاقل؟
قالت ملك وهى تواصل تمارينها:-أننى بخير ..ثم أننى اريد استعادة نشاطى ثانية
قالت سميحة فى صرامة:- هذا الامر لا يحتمل العناد ..اصبرى حتى يشفى ظهرك تماما وافعلى بعدها ما تريدين
أنهت ملك تمرينها ثم اخذت منفشة واخذت تجفف عرقها الغزير وهى تقول بصوت لاهث:- ها قد انتهيت ..هل كنتى تريدين منى شيئا؟
قالت سميحة فى هدوء وهى تشير اليها:-نعم..كنت اريد أن اعرف متى ستخرجين من عزلتك هذة والتى تفرضينها على نفسك كلما حدث شىء وتذهبى الى جامعتك؟
زفرت ملك وقالت :- مامى ليست بى رغبة لفعل شىء وبالنسبة للجامعة فمحاضراتى اخذها من صديقاتى واذاكر بالمنزل وهذا هو المهم اليس كذلك؟
قالت سميحة:- لا فكليتك كلية عملية تحتاج لحضورك وانتظامك فيها باستمرار ولا يكفى المذاكرة فقط
قالت ملك فى ضيق:- حسنا ..ساحاول وساعوض ما فاتنى ان شاء الله
قالت سميحة فى صرامة:- هذا بخصوص الدراسة ..ماذا عن والدك الذى لا يكف عن الاتصال بك وانتى لا تجيبين عليه ..اليس هذا مهما ايضا؟
صمتت ملك وان بدا عليها الانفعال والغضب فتابعت سميحة:- أكل هذا لأنه صفعك؟..أننى لم اتحدث معك من يومها ولكن الان سأقول لك انك اخطأتى وما قلتيه له لم يكن يصح على الاطلاق وما فعله كان رد فعل طبيعى لما قلتيه ...لو ان أحدانا قالت لجدك فاضل قولا كهذا لجلدها بالسوط
هتفت ملك فى انفعال غاضب:- مامى ...بعد اذنك لا اريد التحدث فى هذا الموضوع..ثم أن علاقتى بدادى شىء يخصنى وحدى ولا أعتقد أنه يهمك فى شىء
قالت سميحة بلهجة قاسية:- بل يهمنى ويخصنى أيضا ..أنا لا احب أن ارى الخطأ واصمت عليه ..ولا أحب أن اراك تخطئين ولا اوجهك ..والدك لا يكف عن الاتصال بك رغم ماصدر منك تجاهه ومع ذلك لا تعبأين به وهذا لا يرضينى
تطلعت ملك اليها فى دهشة لحظة ثم قالت فى تهكم مرير:- أتشعرين بالتعاطف معه؟ عجبا..لقد حاولت مرارا وتكرارا أن أحرك فيك هذا الشعور تجاهه ولكن لم يحدث ولكن الحمد لله أنه حدث وأن كان على حسابى
هتفت سميحة مشيحة بيدها فى سخط:- كفاك سخفا ولا تخلطى الامور ببعضها أننى فقط أكره أن ارى ابنتى تعامل اباها بتلك الطريقة القاسية الجافة فهو مهما فعل معك والدك الذى يحبك لقد مكث خصيصا من أجلك ولم يسافر الى اعماله
هتفت ملك بكل انفعالها:- ما الذى تريدونه منى بالظبط؟لماذا تريدون التحكم فى حياتى بهذا الشكل ؟ ولماذا لا تتركونى افعل ما اريد مثلما تفعلون انتم ماتريدون
قالت سميحة فى صرامة:- لا أحد يريد أن يتحكم بك ولا تخلطى الامور ببعضها كما قلت لك من قبل...نحن نخاف عليك وهذا من حقنا ومافعله والدك معك كان بدافع الخوف ليس اكثر
قالت ملك ساخطة:- ومما تخافون على ؟ أننى لم أعد صغيرة بعد ولا افعل شيئا يعرضنى للخطر
قالت سميحة فى لوم:- اليس خروجك فى مظاهرات شيئا يعرضك للخطر وقد حدث بالفعل
هتفت ملك ساخطة:- اتعلمين يا مامى ماسر تخلف الدول العربية والاسلامية عموما؟ هذا الشعور بالخوف من اى فعل ايجابى ..الكل يخاف أن يغير الواقع من حوله لئلا يتعرض للخطر وبذلك كل الامور تقف عند حد ولا يتقدم اى مجتمع هذا هو الفارق بيننا وبين المجتمعات المتقدمة
عقدت سميحة ساعديها امام صدرها وهى تقول فى هدوء مثير:- لا ياحبيبتى ليس هذا سر تخلفنا ...اتعلمين أنت ماهو سر تخلفنا؟ أن معظمنا لا يحسن العمل كما يحسن الكلام ويكثر منه ...والمجتمعات المتقدمة لا تقوم على الهتافات والصراخ بل تقوم على العمل النافع المفيد والاتقان فيه ..تقوم على الايمان الكامل والاقتناع التام بما نفعله ولماذا نفعله ...سر تخلفنا ياملك أن معظمنا أيضا ياخذون بظاهر الدين فيكثرون من الصلاة والصوم ويطلقون اللحى ويكثرون من التشنج فى حين أن ديننا أعمق من هذا بكثير وأشمل فهو دين دنيا واخرة وكما امر بالصلاة والصوم أمر بالعمل واتقانه والاخلاص فيه وربما كان طبيب يعمل ويجد ويحسن الى مريض أحب الى الله من رجل يقبع طوال الوقت فى المسجد ...خالك سامح مثلا وهو ما نعتبره أقلنا تدينا ..يصل الصلوات الخمس دون زيادة عليها أتعلمين كم مريض يعالج فى مستشفاه شهريا بالمجان ؟ حوالى 200 حالة ولقد علمت ذلك بالمصادفة البحتة وهو يتكتم ذلك..أقول ذلك ولا اذكيه على الله ..هذا هو ما أقصده أن نطبق ديننا فى كل نواحى الحياه
قالت ملك وقد هدأت لهجتها:- لست اعترض على هذا ولكن على الاقل أنا وصديقاتى لا نتصرف بسطحية ونفعل مانحن مقتنعين به
قالت سميحة فى حزم:- بالعكس تتصرفون بمنتهى السطحية والا فقولى لى أين تذهب تبرعاتك والتى ليست من مالك ؟هل تذهب الى مستحقها فعلا أم تذهب لمن يستخدمونها فى توجهاتهم السياسية وانتى بالطبع سعيدة مسرورة وتظنين أنك تفعلين الصواب والخير ولا تعلمين أن هناك قاعدة تقول الاقربون اولى بالمعروف فقد تكون انسانة مثل نجوى احق من غيرها ولو طبق الجميع هذة القاعدة لما بقى محتاج ولا فقير ولا جائع فى مجتمعنا ..ايضا تتصرفين بسطحية حين تظنين أن خروجك فى مظاهرة دون أستئذان ودون رضانا سيقربك الى الله اكثر من طاعتك لوالديك وحبك لهما..هذا هو الاخذ بظاهر الدين الذى اتحدث عنه
قالت ملك فى تخاذل:- من قال أننى لا احبكما يامامى ..أننى أحبكما ولا افعل ما يغضبكما
قالت سميحة مؤنبة:- حقا؟ وما الذى تفعلينه الان ؟ أسمعى ياملك أذا أردتى ان تفعلى شيئا مقتنعة به أقرأى ..اقرأى كثيرا واذا كنتى غير مقتنعة بكلامى أسألى الشيخ حسين حين تذهبين اليه فأنتى ثقين به
صمتت ملك وهى تفكر فى كلمات والدتها فقالت سميحة وهى تتأملها بلهجة حنون:- والان هل ستأتين لتأكلى معى فأنا جائعة ولا اريد أن أكل بدونك
هزت ملك رأسها نفيا وقالت:-ليست بى رغبة يا مامى ...صدقينى
زفرت سميحة فى ضيق وقالت:- حسنا كما تشائين لن أضغط عليكى ولكن اريدك أن تعلمى أننى ساخذك غدا الى الجامعة يكفى مافاتك من محاضرات
ثم غادرت الغرفة تتابعها عينا ملك التى امتلئت حنين والتى غمغمت والدموع تترقق فى عينيها :- ليتك تعلمين كم أحبك يا مامى انتى ودادى ..ليتكم تعلمون كم اتمنى ان اراكم سعداء
******
((والدتك معها حق ياملك)) قال الشيخ حسين فى هدوء وقور لملك التى جلست امامه فى احترام
تابع وهو يشير اليها:- جدك رحمه الله كان صديق دراسة وعمل وزميلى فى الجامعة كان غزير العلم واسع الاطلاع وقد ربى أبناؤه على الاعتدال فى الدين وكانت والدتك تحب القراءة كثيرا والانسان اذا قرأ فهم مايدور حوله واتسعت أفاقه وهى محقة فى كل ماقالته لك
ديننا يابنيتى دين عظيم ..عميق يشمل كل مايتعلق بدنيانا وأخرتنا دين قول وفعل ..ظاهر وباطن ونحن يجب الا نأخذ بجانب منه ونهمل جانب أخر سنكون وقتها مقصرين ..تجدى معظم المسلمين الان ياخذون بظاهر الدين ..يكثرون مثلا من بناء المساجد فى حين تجدينها خالية وقت الصلاة ...يكثرون من الحديث ولا يعملون ما من شأنه رفعة الامة الاسلامية ونهضتها..أننى أرى يابنيتى أشياء اتحسر لها فأنا أرى شباب يعقون والديهم ويعتكفون فى المساجد فكيف يقبل الله هذا..أرى شاب يقرأ القرأن بحماس وانهماك فى وسيلة مواصلات مثل المترو مثلا بينما يقف أمامه شيخ كبير فلا يقوم ليجلسه فأين التراحم هنا ..هذا يدل انه لايتدبر ما يقرؤه ..أنما شرعت العبادات لتهذيب النفوس والاخلاق ...هناك اشياء بسيطة تحدث حولنا ولكنها تدل على فراغ العقول والنفوس وسطحية الافكار
قالت ملك :- ولكن حضرتك قلت أن الدين الاسلامى دين واسع وعميق فكيف يمكن الالمام بكل واجباته وفرائضه؟
قال فى هدوء:- يمكن للمسلم ذلك أذا اجتهد فى الموازنة بين اوجه الدين المتعددة ولا تنسى أن هناك أشياء مقدمة على اشياء وامور اوجب من امور فطاعة الوالدين مقدمة على اداء النوافل والاحسان الى الجار واليتيم والفقير قد يكون احب اللى الله من الاعتكاف فى المسجد مثلا واتقان وهكذا
قالت ملك فى ضيق:- حسنا ما الذى أخطأت فيه حتى يغضب والدى هكذا؟
قال مبتسما فى حنان ابوى:- أنك لم تخطئى يا بنيتى وهم ليسو غاضبون منك ولكنهم قلقون عليك وهذا طبيعى ومن حقهما عليك طاعتهما مادام ليس فى معصية
قالت:- حتى لو كان هذا يتعارض مع حقى فى الجهاد؟
أبتسم لكلمتها التى تدل على سذاجتها ثم قال فى جدية:- أسمعى يابنيتى..اجتهادك فى دراستك ونجاحك جهاد..عمل المراة فى منزلها وتربية ابناءها تربية سليمة جهاد...طاعة الزوجة لزوجها جهاد..عمل الرجل خارجا وأجتهاده فيه جهاد..مقاومة اهواء النفس والابتعاد عن المعاصى جهاد ..كلمة جهاد ليست محددة فى شىء معين بل فى كل مجالات الحياه فقيام الامة الاسلامية وتقدمها يقوم على اسس كثيرة ..على العلم والعمل وليس على شىء واحد
صمتت ملك لحظات فى تفكير فقال مبتسما:- مازال لديك الوقت لتتعلمى كل الامور على حقيقتها ونحن لسنا متعجلين ..المهم أن تحافظى على مواعيدك معى فانا أكثر شىءئ اكرهه تغيير المواعيد والالتزام بالموعد من صفات المؤمن
قالت ملك مبتسمة فى خجل:- أنا أعتذر عن تأخرى وعدم حضورى الفترة السابقة واعدك الا يتكرر هذا ثانية
قال مبتسما فى رضا:- حسنا فلنبدأ درسنا اليوم
*****
((أخيرا؟)) هتفت منى فى اشتياق وهى تستقبل ملك التى دلفت الى المدرج فقالت ملك وهى تعانقها:- كيف حالك يامنى؟
قالت منى وهى تعانقها بدورها:- بخير والحمد لله ..هكذا يا ملك ..تتغيبين عنا كل هذة المدة؟ولا تفكرين حتى بالمجىء الى الجامعة..اذا لم يكن من أجل المحاضرات والجامعة فمن أجل ان ترينا أم أننى لم اوحشك؟
قالت ملك مبتسمة فى وجل:- بلى لقد اوحشتينى جدا وكل الصديقات ايضا فى الاسرة ولكن كان بالرغم عنى فقد كنت اشعر بالاكتئاب ولم يكن لدى اى رغبة فى فعل شىء
قالت منى وهى تجلس متأملة ملك فى جدية:- اكل هذا من اجل ماحدث؟ لقد تجاوز الجميع هذا الموقف ياملك وعاود نشاطه الطبيعى وكنت اتصور أنك اول من سينسى الامر فانتى أنسانة قوية
قالت ملك بضيق عصبى:- لست بالقوة التى تتصورونها ثم أنه ليس هذا الموقف سبب ما انا فيه ..هناك ظروف اخرى
علت وجه منى الدهشة وهى تتأمل ملك فهذة اول مرة ترى صديقتها الجديدة تتحدث بهذا الكم من العصبية ثم تلاشت دهشتها وقالت فى ود وهى تربت على يد ملك:- أنا أسفة ياملك لم أكن اقصد مضايقتك ولكننى فقط اردت الاطمئنان عليك
زفرت ملك وقالت فى اسف:- أسفة يا منى لانفعالى ولكن صدقينى لدى اسبابى
ابتسمت منى قائلة وهى تربت على يدها مرة اخرى :- لا يهمك دعينا من هذا ولنهتم بالمحاضرات ...لا تقلقى بخصوص مافاتك سأقوم بتوضيحه لك وهناك عدة سيديهات عليها كل مافاتك تقريبا ساعطيك اياها
قالت ملك فى امتنان:- اشكرك يامنى على كل مافعلتيه معى
قالت منى فى حرارة:- لا تشكريننى على شىء نحن اصدقاء وهذا واجبى...ولو كنتى مكانك لفعلتى معى نفس الشىء اليس كذلك
اومأت ملك برأسها ايجابا فقالت منى:- حسنا لنتابع الدكتور ابراهيم ..فمحاضرة اليوم هامة جدا
****
وفى المساء وبينما كانت سميحة تتابع احدى برامجها المفضلة رن جرس الباب فأسرعت نجوى اليه لتفتحه فى حين غمغمت سميحة:- ترى من القادم الان؟
اتاها صوت نجوى قائلة:- خالد بيه؟ تفضل
علت وجه سميحة الدهشة فقالت بصوت خفيض :- خالد؟ خالد من؟
اتت نجوى اليها قائلة:- سميحة هانم..خالد بيه ينتظر بالخارج
سألتها سميحة فى دهشة:- خالد من؟ والد ملك؟
قالت نجوى:- نعم
قالت لها سميحة وهى تقوم مسرعة:- اعدى له شيئا ريثما ابدل ملابسى
لحظات وبدلت ملابسها ونزلت الى حيث يجلس خالد وما ان راته حتى وقفت لحظات تتامله فى دهشة فقد بدا مختلفا وهو مطرق برأسه وقد بدا عليه الشرود الحزين وقد تدلت رابطة عنقه بعدم انتظام ..شعر بوجودها فالتفت اليها فابتدرته قائلة فى ترحيب:- مرحبا
قال بابتسامة شاحبة:- اهلا بك يا سميحة ..معذرة لقد اتيت بدون سابق ميعاد
قالت فى حرارة:- أنت على الرحب والسعة
قال بابتسامة حزينة:- حقا؟ هل انا موضع ترحيب ؟
قالت بأرتباك :- بالطبع...لماذا تتصور العكس؟
لم يجيب فتاملته متسائلة:- خالد ماذا بك؟
التفت اليها قائلا:- ماذا بى؟
قالت ببعض القلق وهى تشير اليه:- لا تبدو على مايرام فوجهك شاحب ..هل انت مريض؟
هز راسه نفيا وقال:- لا بعض الارهاق فحسب فلم أعد انام جيدا هذة الايام
تاملته ثانية فى اشفاق وقالت:- حسنا كيف حال ساقك المصابة؟
قال:- بخير والحمد لله لقد قام الطبيب بتطهيرها وتضميد الجرح دون تقطيب
قالت سميحة :- شافاك الله وعافاك
أبتسم قائلا فى امتنان :- اشكرك للاهتمام ...
سادت لحظات من الصمت بينهما فقال هو:- لقد اتيت لرؤية ملك ..أين هى؟
قالت سميحة وهى تشير للاعلى :- أنها بغرفتها
سألها فى اهتمام:- هل بدأت تذاكر؟
قالت سميحة:- لقد بدأت الذهاب الى الجامعة اليوم فقط
سألها:- هل يمكننى رؤيتها؟
قالت سميحة مؤكدة :- بالطبع ثم التفتت الى نجوى قائلة:- اذهبى الى ملك ..اخبريها ان والدها يجلس بانتظارها
قال خالد :- بعد أذنك يا سميحة كنت اريد أن اذهب انا اليها ايمكننى ذلك؟
تاملته سميحة فى دهشة ثم قالت بتحفظ:- حسنا..أذهبى معه يا نجوى الى غرفة ملك
قام مع نجوى قائلا فى امتنان :- اشكرك وما أن غادر حتى هزت سميحة رأسها متعجبة ثم عادت لمشاهدة برنامجها
****
وفى غرفة ملك
وقف خالد يتأمل بأسى ملك التى وقفت امام النافذة معطية ظهرها اياه لحظات قبل ان يقول فى عتاب حزين:- اهكذا ياملك؟ لهذة الدرجة أنتى غاضبة منى ؟ الا تريدين رؤيتى؟
صمتت ملك ولم تجيب فجلس على طرف فراشها وقال مبتسما فى حزن:- لم أكن أتصور ان ياتى يوم تعامليننى فيه بتلك الطريقة
قالت ملك بصوت خفيض غاضب وهى تقاوم تلك الدمعة التى تجمعت فى عيناها:- وانا لم أكن اتصور أن تتعامل معى بتلك الطريقة
قال وهو يتأملها فى عتاب حنون:- الم تسألى نفسك لماذا؟ لماذا أنفعلت وفعلت معك مالم أفعله طوال عمرى؟ لماذا انفعلت لهذة الدرجة؟ وقد تحملت منك تصرفات كثيرة وافعال يضيق بها اى اب واى أم ؟ لأن كل ما فعلتيه فى جانب وماقلتيه لى فى جانب أخر ...لقد شعرت أنك غرستى سكينا فى قلبى ..لست ادرى كيف طاوعك قلبك أن تقولى لى كلمة كهذة ..هل هنت عليك لهذة الدرجة؟
واصلت ملك صمتها وقد انحدرت تلك الدمعة على وجنتها فمسحتها بيدها فقال والدها فى حنان بالغ:- على العموم ياملك أذا كنتى لم تعرفى بعد مقدار حبى لك رغم كل مافعلته معك فسأقول لك شيئا لابد أن تفهميه..أذا كانت هناك درجات فى حب الاباء لاولادهم فسأكون أناأكثر اب يحب ابنته فى هذا العالم ..وليس فى هذا ادنى مبالغة ..فبعد ان انجبناك تمنيت أن يكون لك اخ او أخت ولكن والدتك رفضت ..رفضت لأنها لم تكن تريد مواصلة حياتها معى فقلت لا مانع ملك لدى بكل العالم وما فيه ولم الح عليها فقد اكتفيت بك ..وحين أنفصلنا أنا ووالدتك ورغم حبى الكبير لها والذى لم تشعر هى به ورغم أننى لم اكن أتصور يوما أن أؤذيها او اتمنى ذلك فقد تصرفت معها بمنتهى القسوة حين اخذتك وسافرت بك الى امريكا فقد كنت اريدك أن تظلى بجانبى ولم اكن اتصور ابتعادك عنى مهما حدث ...تزوجت بسارة فقط لترعاك وتكون لك ام بديلة تمنحك الحنان والاستقرار وطلقتها ايضا من اجلك لأنها فشلت فى احتواءك وتسببت فى ابتعادك عنى ..وافقت على سفرك الى مصر رغم مشقة ذلك على قلبى لأنك رغبتى بذلك ولم أكن احب أن امنعك عن فعل ماتحبين ...لم ارفض لك مطلبا مهما كان وحاولت أن أحقق لك كل رغباتك ..حتى اعمالى التى تتهميننى أننى احبها اكثر منك كانت من اجلك ..من اجل ان احقق لك مستوى معيشة لم يتوفر لأى بنت فى سنك فلماذا لم تشعرى بكل هذا ولماذا قلتى ماقلتيه؟
انسالت دموع ملك على وجنتيها ساخنة وهى تستمع الى كلمات والدها وحاولت ان تنطق او تقول شيئا ولكن الكلمات أختنقت بحلقها
فصمت هو لحظة ثم قال:- لقد اتيت لرؤيتك فقط قبل سفرى فقد تركت اعمالى طويلا ولم يعد من الممكن أن أتاخر أكثر من هذا
ثم قام قائلا بكل حنانه:- ألن تسلمى على أذن؟
لم تجب ملك وأن بدا على وجهها الذى اغرقته الدموع علامات التردد فقال خالد وهو يقوم قائلا فى حزن:- حسنا أراك بخير ..أذا أحتجتى الى اى شىء لا تترددى فى الاتصال بى
ثم أتجه الى الباب بخطوات ثقيلة وهم بمغادرة الغرفة لولا أن أستدارت ملك هاتفة بصوت مختنق :- دادى
استدار اليها مبتسما فى حنان وفرد لها ذراعيه فأندفعت اليه هاتفة وهى تنتحب بحرارة:- أنا أسفة يا دادى ..لا تغضب منى ..لم أكن اقصد ماقلته أبدا
قال بكل حنانه وهو يحتويها بين ذراعيه:- لست غاضبا منك ياحبيبتى ولن أغضب منك يوما
هتفت وهى تنتحب:- أبقى يادادى هنا..ابقى فى مصر ..اموال الدنيا كلها لا تساوى عندى لحظة اقضيها معك ..أننى أحتاجك
قال وهو يقبل رأسها:- أعدك اننى لن ابتعد عنك كثيرا وستجديننى دائما معك وانتى تعرفين وعد ابيك
أخذت تبكى فى حرارة فقال وهو يمسح على رأسها فى حنان:- اريدك فقط ان تهتمى بدراستك وتذاكرى مافاتك وتهتمى بصحتك وساكون على أتصال دائم بك اتفقنا؟
أومأت براسها ودموعها تنهمر غزيرة فقبلها ثانية وقال :- حسنا ساتركك الان فورائى ترتيبات كثيرة قبل ذهابى الى المطار هل تريدين شيئا
هزت راسها نفيا وقالت:- اريدك أن تهتم بنفسك يادادى وساقك المصابة أرجوك
قال فى حنان دافق:- أننى بخير ياحبيبتى وساقى التئمت ايضا ..ثم مسح وجهها بيده وهو يقول:- حسن أذن كفى عن البكاء ..تعلمين كم يكره والدك رؤيتك تبكين
قالت:- حسنا لن ابكى
قال فى عاطفة:- اراك بخير يا صغيرتى
ثم قبلها وغادر فأرتمت على فراشها تاركة لدموعها العنان
*****
