الفصل الخامس عشر
بعد عدة أيام: انتهت سلمى من مذاكرتها ثم نزلت إلى الردهة فوجدت خالتها سميحة تتحدث في التليفون مع إحدى صديقاتها فجلست إلى أن انتهت من مكالمتها فسألتها سلمى قائلة: ما الأخبار يا طنطا سميحة هل أنصرف الشيخ حسين بعد؟
ابتسمت سميحة قائلة: نعم لقد انصرف من حوالي نصف ساعة لن تصدقي ما حدثت مفاجأة
سألتها سلمى بكل اهتمام: ماذا حدث؟
قالت سميحة مبتسمة: لقد كنت أتوقع أن يخرج بعد لحظات من جلوسه مع ملك ساخط ساب لاعن حالف ألا يطأ المنزل بقدمه ثانية مما ستفعله معه ولكن ما حدث أدهشنا بشدة فقد خرج مسرورا وأخذ يهنئني ويثنى على ملك وعلي عقلها وأخبرني أنه كان يظن أنه سيجدها فتاة فارغة العقل تافهة لا يشغل بالها شيئا ولكنه وجدها فتاة واعية مدركة لما حولها وذكية وتريد أن تعرف كل شيء عن عقيدتها فقد كانت تقرأ وتشاهد في التليفزيون هناك في أمريكا كثيرا من الافتراءات عن الإسلام والمسلمين وكانت تشعر بالغضب لأنها لا تعرف كثيرا عن عقيدتها وقررت أن تدرس وتعرف أكثر عنها تصوري أنه أخبرني أنه سعيد جدا بها ولن يجد معها أي صعوبة في تعليمها كل شيء هل تتصورين هذا؟
ابتسمت سلمى قائلة: الحمد لله أظن بعد ذلك لن تشعري بالقلق تجاه هذا الموضوع ثانية؟
قالت سميحة في ارتياح: لا يمكنك أن تتصوري مدى سعادتي بقوله هذا أشعر أن عبئا ثقيلا أزيح من على كتفي ما رأيك ما دام غدا إجازة بمناسبة 6 أكتوبر أن نذهب سويا إلى أي مكان تختارونه بدلا من أن نقضيه في المنزل؟
تنحنحت سلمى وهي تقول في تردد: في الحقيقة لا يا طنطا سميحة لن نستطيع الخروج غدا فهناك ضيف سيأتي
سألتها سميحة مندهشة: ضيف؟
قالت سلمى في حياء: إنه نديم... في الحقيقة إننا لم أدعه هو الذي أخبرني أنه سيأتي غدا على الغذاء ليقضى معنا اليوم ولم أستطع أن أقول شيئا
ابتسمت سميحة في حنان وقالت: ولماذا تتحدثين بحرج هكذا؟ فليأتي يا حبيبتي على الرحب والسعة
ابتسمت سلمى وقالت: بقي أن تخبريني ما الذي يمكن أن أعيده له على الغذاء
قالت سميحة في بساطة: اجعلي نجوى تعد له الأصناف التي يحبها أهذا شيء يحتاج للتفكير
قالت سلمى في سرعة: لا سأعد له كل شيء بنفسي ولذلك سأستيقظ مبكرا لأستعد وأحضر كل شيء
ضحكت سميحة وقالت: أفعلى ما شئت ولكن لا توقظينني أنا مبكرا فغدا إجازة وأنا أريد أن أنام على راحتي ولا أريد أي إزعاج
في صباح اليوم التالي
كانت سميحة وسلمى نائمتين بغرفة سميحة التي استيقظت على صوت رنين جرس المنزل فغمغمت في تكاسل: م هذا الشخص الثقيل الذي آتى في هذا الوقت المبكر وفي يوم الإجازة ثم ألقت نظرة على سلمى الغارقة في النوم بجوارها وغمغمت في تهكم: وتقول إنها ستستيقظ مبكرا سلمى... سلمى قومي حتى تستطيعي إعداد الطعام لزوج المستقبل
قالت سلمى وهي تتثاءب في تكاسل: اتركيني نصف ساعة أخرى يا طنطا سميحة أريد أن أنام
تثاءبت سميحة وهي تعاود نومها قائلة: كما تشائين
لحظات وطرقت نجوى باب الغرفة ثم دلفت إليها قائلة: سميحة هانم الأستاذ نديم حضر وهو ينتظر بغرفة الاستقبال
انتفضت كلا من سلمى وسميحة من على الفراش وأخذت كلا منهما تنظر إلى الأخرى وهتفتا في آن واحد: من؟
فهتفت سلمى: لماذا أتى مبكرا هكذا؟
وسألتها سميحة في دهشة: أمتأكدة أنك دعوتاه على الغذاء؟
إجابتها سلمى ولم تفارقها دهشتها: بالطبع
قامت سميحة بسرعة من الفراش قائلة: إذن قومي بسرعة وارتدى ملابسك حتى لا ينتظر كثيرا وأنت يا نجوى أعدى له شيئا ليشربه
قامت سلمى لترتدى ملابسها في سرعة وخلال دقائق كانت تنزل السلالم لتتجه إلى غرفة الاستقبال واستقبلها نديم بابتسامة عريضة قائلا: صباح الخير يا سلمى
صافحته سلمى قائلة وهي تتأمله في دهشة: صباح النور ما الذي آتى بك مبكرا هكذا أقصد إننا لم أكن أعرف أنك ستأتي مبكرا.
ابتسم وقال: لقد استيقظت مبكرا وجلست أفكر فيما يمكن أن أفعله فالوقت يمضي كالسلحفاة فقررت أن آتى لأقضي معكم اليوم من أوله ما رأيك؟
ضغطت سلمى على أسنانها وهي تقول في غيظ مكبوت: هكذا إذن؟؟ حسن بعد إذنك لحظات سأعد لك شيئا
ثم غادرت الغرفة متجهة إلى المطبخ وهي تزفر في حنق فقابلتها سميحة التي سألتها: ما الذي حدث؟
قالت سلمى في حنق: لقد استيقظ مبكرا وقرر أن يأتي ليقضى معنا اليوم من أوله يالسعادتى
هزت سميحة كتفيها في تعجب ثم تأملت سلمى الحانقة قبل أن تقول: لماذا يبدون عليك الغضب هكذا؟
هتفت سلمى في غضب: لأنني أكره هذه التصرفات الصبيانية كان يجب أن يلتزم بميعاده
ضحكت سلمى قائلة: التمس له العذر يا سلمى فهو لم يطق صبرا لرؤيتك فجاء مهرولا
هتفت سلمى في عصبية: إننا أتحدث بجدية يا طنطا سميحة لست أدري لماذا تغير هكذا كان يبدو عاقلا
ابتسمت سميحة لعصبيتها وقالت: كان... ولكنه الآن أصبح مجنونا بك يا ليلى
صمتت سلمى وقد بدا عليها الحنق فقالت لها سميحة: هيا فكي
تلك التكشيرة التي تملأ وجهك واذهبي لتعدى له شيئا يشربه من يديك وسأذهب أنا لأرحب به واجعلي نجوى تعد لنا الإفطار هيا
ذهبت سلمى إلى المطبخ في تبرم وابتسمت سميحة وهي تتابعها بنظرها قبل أن تتجه إلى غرفة الاستقبال
وعلي الإفطار جلس الجميع يتناولون الإفطار وسألت سميحة نجوى: هل أستيقظ ملك بعد؟
إجابتها نجوى قائلة: نعم ستأتي بعد قليل
لحظات وأتت ملك مسرعة وقالت وهي تجلس على المائدة: صباح الخير وقبل أن تنتظر الرد هتفت في سخط وهي تبعد طبق الزيتون من أمامها: ألم أقل ألف مرة ألا تضعوا الزيتون أمامي فأنا لا أحبه شيء مثير
تبادلت سميحة وسلمى النظر وقال نديم مبتسما: كيف حالك يا ملك؟
قالت ملكا في سرعة وهي تأكل: بخير معذرة إننا لم أنتبه إلى وجودك فقد أخبرتني سلمى أنك ستأتي على الغذاء ولكن هل يبدأ الغذاء هنا الساعة الثامنة صباحا؟
ابتسم في حرج في حين تأملتها سميحة في غضب وقالت محذرة: ملك
ولكن ملكا قالت بنفس الأسلوب: ولكنني أعلم لماذا أتيت مبكرا هكذا لكي ترى إذا ما كنت ستحتمل مشهد سلمى وهي مستيقظة على التو من النوم وهي منقوشة الشعر أم لا أليس كذلك؟
هتفت سلمى في مزيج من الخجل والغضب: ملك
قالت ملكا وهي تقوم من المائدة: الكل يهتف ملك... ملك الكل يضيق بوجود ملك حسن فلتذهب ملكا إلى الجحيم حتى يستريح الجميع ثم أخذت حقيبتها واتجهت خارجا فاستأذنت سميحة من نديم وسلمى ولحقت بها في سرعة عند الباب وهتفت بها: انتظري هنا
توقف ملك وقالت دون إن تلتفت خلفها في برود: ماذا هناك؟
هتفت بها سميحة: إلى أين أنت ذاهبة؟
التفتت إليها ملك قائلة بنفس البرود: سأذهب إلى النادي هل هناك تحفظات بهذا الشأن؟
حافظت سميحة على أعصابها بصعوبة وهي تهتف: لدى تحفظات بشأن أسلوبك الصفيق في الحديث مع الآخرين لماذا تحدثتا مع نديم وسلمى بهذه الطريقة الخالية من أذوق؟
إجابتها ملك في هدوء مثير: لقد كنت أمزح معهما فحسب
هتفت سميحة غاضبة: لا... فأنا أعرفك جيدا لقد كنت تريدين استفزاز سلمى ولا أدري لماذا فهي تعاملك بكل حب وطيبة ولم تسئ في حقك مرة واحدة فلماذا تعاملينها بهذا الأسلوب؟
لم تجب ملكا وهي تعقد ساعديها أمام صدرها فقالت سميحة: ثم إن هناك شيئا آخرا ما الذي فعلته لك نجوى حتى تتعاملي معها بتلك الطريقة منذ حضرتي؟ أم أن هذا أصبح أسلوبك المفضل مع الجميع؟
قالت ملكا في لهجة جادة غاضبة: أنا أكره تلك السيدة
هتفت سميحة في صرامة: رغم إننا لا أجد سببا منطقيا لكراهيتك لها على هذا النحو ولكنك حرة في مشاعرك ولن أجبرك على أن تحبيها ولكن لا تجعلين مشاعرك هذه تحيد بك عن حدود الأدب واللياقة لأنني لن أسمح بتكرار هذا ثان... أتفهمين؟
رمقتها ملك بنظرة متحدية قبل أن تغادر المنزل تاركة سميحة التي حاولت إخفاء غضبها بصعوبة وهي تعود للداخل مرة أخرى
كانت رحلة رائعة يا داليا)) هتف ملك في مرح وهي تحادث داليا في النادي
قالت داليا وهي تتنهد: يألوك من محظوظة كل أسبوع تذهبين إلى رحلة مختلفة بينما أقبع أنا في المنزل مسجونة بين الكتب والمذاكرة
قالت ملكا: ولماذا لا تفعلين مثلى؟
قالت داليا في حنق: لأن ماما تصر ألا أذهب لأي رحلة قبل إجازة نصف العام لكي أذاكر حتى أصابني الملل من المذاكرة
قالت ملكا في سعادة: أتعرفين يا داليا لقد ذهبت مع داري رحلات كثيرة ولكنني لم أشعر بكل تلك المتعة التي شعرتها في هذه الرحلات مع أونكول سمير فهو قادر على جعل كل شيء طريف وجميل وممتع أتمنى أن تتعرفي عليه وأيضا أريد أن أعرفك على فدوى ونرمين وعصابة الثلاثة
تساءلت داليا في دهشة: عصابة ماذا؟
ضحكت ملكا وقالت: أقصد سراجا وكريم ومحمود ولقد أسماهم أونكول سمير ذلك لأنهم يعملون اتحادا ولا يكفون عن إثارة المشاكل وقد تأكدت من ذلك فهم مثل العصابات المنظمة يثيرون الجنون
ابتسما داليا وقالت: أتمنى بالفعل أن أتعرف عليهم فقد أثرت فضولي لرؤية الجميع فأنا لا أعرف سوى سلمى التي أراها كلما أتيت إليك وفي الحقيقة هي فتاة هادئة وطيبة ورقيقة وقد أحببتها جدا وتقريبا أصبحنا أصدقاء فهي ودودة جدا
صمت ملك لحظة ثم قالت في جدية: في الحقيقة هي كذلك وأنا أيضا أحبها ولكن ولكن لست أدري لماذا أشعر أحيانا أن هناك حاجزا بيني وبينها أحيانا ينتابني شعور بالجفاء نحوها ولا أدري سببه وهذا الشعور يدفعني إلى معاملتها بشيء من البرود ولكنني لا ألبث أن أشعر بالندم لذلك فهي تعاملني بمنتهى الرقة والطيبة.
قالت داليا بثقة: ولكنني أعرف السبب الذي يجعلك تتصرفين على هذا النحو
تراجع ملك في مقعدها وهي تقول في تهكم: حق؟؟ هلا كففت عن أداء دور الطبيب النفسي؟
قالت داليا متجاهلة قولها: السبب ببساطة إنك تشعرين بأن سلمى تحتل مكانك في قلب والدتك وتحظى باهتمام بالغ من جانبها في نفس الوقت الذي تتصورين فيه أن والدتك أهملتك وتخلت عنك وتضعين نفسك دائما في موضع مقارنة معها ولذلك تتصرفين معها بهذا البرود وأيضا تهاجمين والدتك في شخصها
كانت داليا تحلل بالفعل ما بداخل ملك التي أخذت تحدق فيها لحظات في دهشة ثم هزت رأسها في قوة قائلة: لا... لا ليس هذا هو والسبب
قالت داليا في إصرار: بل هذا هو السبب يا ملك وهذا ما أراه من كلامك المستمر عنها والذي استشعر منه سخطك على اهتمام والدتك بها وحبها البالغ لها وأنت بالطبع مخطئة لتصورك هذا فحب والدتك لسلمى مهما بلغ لا يمكن مقارنته بحبها لك أنت ابنتها يا ملك ألا تدركين ذلك؟
هتف ملك حانقة: ألا تلاحظين شيئا يا داليا؟
سألتها داليا في دهشة: ماذا؟
قالت ملكا في حنق: إن هذا الموضوع مثل مركز الدائرة لا بد من أن يمر أي قطر به؟ فلا نكاد نتحدث في أي موضوع حتى ننتهي عنده
أطلقت داليا ضحكة طويلة وهي تقول: يألوه من تشبيه هل ما زلت تذكرين النظريات الهندسية بعد؟
قالت ملكا في غضب: هل تضحكين؟
وفي مكان آخر من النادي كان فادي الذي تشاجرت معه ملك قبل ذلك يرمق ملكا في كراهية وقال لشاب ضخم الجثة بجواره وهو يشير إليها: ها هي الفتاة التي حدثتك عنها قد أتت أخيرا وهي فرصتي كي أؤدبها هل تستطيع القيام بذلك يا مجدي؟
قال الشاب باستخفاف وهو يشير إليها: أهذه العصفورة هي التي فعلت بك هذا؟
رمقه فادي بنظرة غاضبة وقال: هذه العصفورة حاصلة على الحزام الأسود في الجودو
ربت مجدي على كتفه وقال بثقة: اطمئن يا صديقي سأجعلها تندم على ما فعلته بك هيا بنا واتجها إلى حيث تجلس داليا وملك
بعد مغادرة نديم المنزل وذهاب سلمى إلى غرفتها جلست سميحة تتطلع إلى ساعتها وهي تشعر بقلق خفي لا تدري سببه على ملك رغم أنها لم تتأخر ودفعها قلقها هذا إلى محاولة الاتصال بداليا ولكن قبل أن تتجه إلى الهاتف رن جرسه فالتقطت السماعة في سرعة وقد ازداد توترها وقلقها وهتفت: آلو
وما إن سمعت صوت محدثتها حتى هتفت في دهشة: نورهان؟ أهلا يا نورهان كيف حالك
أخذت تستمع لحظات قبل أن تهتف بكل لهفتها وجزعها وقلقها: ما الذي تقولينه... ملك ابنتي عندك في المستشفى؟ لماذا؟ لن أهدأ أخبريني بما حدث أرجوك
((ماذا حدث يا طنطا سميحة؟)) تساءلت سلمى في رفق
وضعت سميحة السماعة واندفعت مغادرة المنزل دون أن تجيب فاندفعت سلمى ورائها وهي لا تدرك ما حدث
وفي المستشفى كانت سميحة تجرى كالمجنونة وقلبها ينتفض خوفا على ابنتها فلم تكن تدري بالضبط ماذا حدث ولم تخبرها نورهان وحين وصلت إلى الاستقبال وجدت نورهان وداليا فهتفت في جزع: أين هي؟ ماذا حدث؟
قالت نورهان مهدئة: إنها بخير لا تقلقين ولكنها نائمة لآن بعد أن أعطيتها حقنة مهدئة فقد كانت متشنجة
هتفت سميحة بمزيد من الجزع: لماذا؟ ثم التفتت إلى داليا هاتفة: ماذا حدث يا داليا لقد كانت معك في النادي أليس كذلك ماذا حدث؟
إجابتها داليا وهي تبكي في انفعال: لقد كنا نجلس في النادي حين هاجمنا ولدين كانت ملكا قد تشاجرت مع أحدهما ذات مرة وقد حاول هذا الولد استفزازنا وحينما حاولت ملك صده قام هو الآخر بضربها ولم أستطع أن أفعل شيئا لها... لم أستطع
قالت داليا ذلك ثم بكت في حرارة فأخذت سلمى تهدانها واندفعت سميحة إلى الغرفة التي ترقد بها ابنتها فوجدتها نائمة وذراعها الأيمن مربوط برباط طبي وضمادة تغطى جبهتها وهناك كدمات واضحة على وجهها فاتجهت إليها في لهفة وضمتها إلى صدرها وهي تهتف في لوعة: ماذا بك يا حبيبتي ماذا بك؟
قالت نورهان في رقة: اطمئني يا سميحة أنه مجرد التواء بالمعصم وجرح بسيط بجبهتها وقد اختطته لها وستكون بخير
تأملت سميحة ابنتها الثانية في إشفاق قبل أن تهتف غاضبة: كيف يحدث شيء كهذا في النادي كيف يحدث أين كان رجال الأمن
قالت داليا باكية: لقد فروا قبل وصول رجال الأمن
هتفت سميحة ثائرة: هكذا بكل بساطة فعلوا ما فعلوا في النادي وكأنه ملهى ليلي ثم فروا هل يعقل هذا؟
قالت نورهان مهدئة: اهدئي يا سميحة ثورتك الآن لن تفيد ومن المؤكد أن ما حدث لن يمر دون عقاب فقد تحرر محضرا بالواقعة وأنا أعددت تقريرا عن حالتها وسأقدمه وسينالون عقابهم... اطمئني
قبلت سميحة ملك من رأسها وقالت: هل أستطيع أن أخذها إلى المنزل الآن؟
إجابتها نورهان: بالطبع ولكن بعد أن تفيق حتى أطمئن عليها
قالت لها سميحة في امتنان: لست أدري كيف أشكرك يا نورهان
قالت نورهان مبتسمة: على ماذا؟ إنه واجبي قبل أي شيء وفي الحقيقة لقد كانت مصادفة غريبة أن أتواجد في الاستقبال في نفس الوقت الذي أتت فيه ملك إلى هنا فأنا لا أنزل هنا سوى قليل ولولا تلك المصادفة ما علمت شيء فالمستشفى كبير كما ترين
لم تجد سميحة لتندهش لأسلوب نورهان غير المعتاد فقد كان كل اهتمامها وقلقها على ابنتها بينما لفت ذلك نظر سلمى التي أخذت تتأمل نورهان بتعجب ثم التفتت إلى سميحة وقالت: سأذهب أنا يا طنطا سميحة لأوصل داليا إلى منزلها حتى تستريح
قالت داليا في عناد: سأبقى بجوار ملك
قالت لها سميحة في إشفاق: اذهبي أنت يا حبيبتي لتستريحي فلا بد أنك الأخرى قد مررت بوقت عصيب ثم قالت في غضب: أما هذا الولد فسيدفع ثمن ما فعل هو وكل من سمح له أن يرتع ويفعل ما يشاء
كيف حدث هذا؟)) هتفت سميحة في ثورة في وجه مدير إدارة النادي الذي قال مهدئ: أرجوك اهدئي يا سميحة هانم حتى يمكننا التحدث
هتفت بثورتها: كيف أهدأ؟؟ كيف تطلب مني أن أهدأ بعدما حدث لابنتي هنا؟؟ إننا لا أصدق هذا ولا أستوعبه
قال في توتر: صدقيني يا سيدتي هذه أول مرة يحدث فيها شيء كهذا في النادي ولم يكن أحد يتوقع حدوث هذا
هدر صوتها الغاضب وهي تهتف: بل ليست أول مرة يحدث فيها هذا لقد تحرش بها هذا الولد قبل ذلك وحاول معاكستها هي وصديقتها وهددهما بالمطواة ولكن رجال الأمن هنا المتيقظون منعوه ولقد دأب هذا الولد على ذلك مع فتيات النادي أي أنه كان يرتع في ناديك ويفعل ما شاء وليس كما تقول أول مرة فلماذا لم تأخذوا منه موقفا حاسما منذ البداية لماذا تركتموه يفعل هذا لماذا؟
ابتلع المدير ريقه بصعوبة وهو يقول: ليس الأمر كما تتصورين يا سيدتي الواقع أن...
صرخت فيه مقاطعة إياه: الواقع ماذا؟ سأجيب أنا على هذا السؤال الواقع أنه ابن رجل أعمال ومليونير معروف وبالطبع لن يمكنكم إغضابه فوالده يدفع للنادي الكثير أليس كذلك؟
أجابها غاضبا: سميحة هانم إننا مقدرون مشاعرك وغضبك لما حدث وهذا حقك ولكن ليس من حقك إلقاء الاتهامات جزافا هكذا لناد كبير له سمعته وتاريخه كما أننا لم نتهاون معه لقد ألغينا عضويته ولن يدخل النادي ثانية
قالت سميحة في تهكم غاضب: حق؟ أشكرك جزيلا ولكنني في الواقع لا يهمني هذا كثيرا فلست حريصة على دخول ابنتي هذا النادي ثانية بعد أن أصبح مرتع للبلطجة وفي الواقع أيضا أنك لم تلغ عضويته إلا من أجل الحفاظ على سمعة ناديك ليس أكثر ولكن للأسف يمكنني أن أضيع مجهودك هذا هباء عندما تجد بعض العناوين المثيرة في صحف الصباح عن التسيب والإهمال اللذين يملآن النادي وبالطبع سيجد هذا صدى واسعا بين الناس خاصة بعد حادثة موت طفلين داخل حمام السباحة والتي لم يذهب أثرها بعد والتي سحب الجميع مسئوليته منها
شحب وجهه وهو يتأملها بينما واصلت هي قولها غاضبة: ويمكنني أيضا أن أرفع قضية على النادي وسأكسبها بسهولة وهذا من حقي وإذا لم يشهد رجال الأمن هنا بكل ما حدث فصدقني سيخسر هذا النادي كثيرا... كثير جدا ثم تركته وانصرفت تاركة إياه يزفر في توتر
((ماذا فعلت يا حازم؟)) تساءلت سميحة في اهتمام
أجابها وهو يجلس في هدوء: اطمئني القضية سهلة ومضمونة لن تقل العقوبة عن ثلاثة أشهر فالعلاج استغرق أكثر من 21 يوما ولكن...
سألته: ولكن ماذا؟
قال في تردد: والد هذا الشاب أتى إلي ورجاني للمرة الثانية أن نتنازل عن القضية وقال إنه مستعد لأن يقدم اعتذارا رسميا وأي تعويض نرضاه حتى لا يضيع مستقبل ابنه
سألته سميحة: وماذا قلت له؟
أشار إليها قائلا: القرار في النهاية يرجع إليك يا سميحة
قالت: ولكنني أريد أن أعرف رأيك
صمت لحظة ثم قال في جدية: في الحقيقة إننا أرى أن الحملة الصحفية التي وجهت ضده وضد النادي أشد قسوة عليه من أي شيء فهو رجل أعمال وله سمعته وكذلك النادي وهذا يكفي ولن نستفيد شيئا من سجن الولد
تراجعت سميحة وقد بدا أن رأيه أراحها فهزت رأسها موافقة وقالت: عندك حق في ذلك ولكن هل تعتقد أن هذا الهجوم الصحفي كافيا؟
ابتسم وقال: بالطبع لقد تحول الأمر إلى قضية عامة تهم الجميع
ابتسمت بدورها وقالت: أتعلم إننا لم أكن أن يصل الأمر إلى هذا ولكن الفضل يرجع إلى سناء وهي صديقتي التي وجدت من هذا الموضوع مادة مثيرة تناولتها من أكثر من جانب بعد أن وجدت حالات مشابهة تتكرر كثيرا في النوادي والأماكن العامة فحولتها لقضية رأى عاما وهذا دور الصحافة الشريف الذي نعتز به جميعا
قال في جدية: على العموم لقد تحقق هدفك فما هو رأيك بخصوص القضية هل نمضي فيها؟
هزت سميحة كتفيها وهي تقول: كما قلت لقد حققت هدفي ولن أستفيد شيئا من سجن هذا الولد ولذلك سأتنازل عن القضية أما والده فلست بحاجة إلى اعتذاره فقد أخذت حقي كاملا
كنت أعلم أنك ستفعلين ذلك؟)) قالت سلمى مبتسمة في تقدير
قالت سميحة في اهتمام: هل تشعرين بالارتياح لهذا القرار؟
قالت سلمى في سرعة: في الحقيقة نعم ليس لشيء سوى إننا كنت أجدك في الأيام الماضية شديدة التوتر والعصبية والخشونة وقد شعرت بالتعجب حينما وجدتك تتعاملين بقسوة وخشونة زائدة مع الأمر خاصة عندما أتتك والدة هذا الولد ترجوك أن تتنازلي عن القضية لأنه وحيدها فقد تعاملتا معها بطريقة لم أعهدها فيك أبدا ولذلك شعرت بالقلق
ربتت سميحة على يدها ثم تنهدت قائلة: عندك حق يا سلمى يبدو إننا فعلا كنت كذلك ولكن ماذا أفعل أنها ابنتي الوحيدة وأنا أشعر بقلق بالغ عليها طوال الوقت وأخشى أن أفقدها ثانية بعد أن ابتعدت عني سنوات طويلة قاسية لا يدرك قسوتها غيري وكان من الطبيعي أن أتصرف على هذا النحو
ثم قامت وهي تقول: سأذهب لأراها وواصلي أنت مذاكرتك
قالت سلمى في آسى: إنها ما زالت قابعة في غرفتها وترفض مغادرتها وقد شعرت داليا ونرمين باليأس من محاولة إقناعها بالعكس
قالت سميحة وهي تتجه للخارج: سأرى وفي طريقها إلى غرفة ملك قابلت داليا مغادرة إياها فقالت سميحة في حنان: ألن تبقى للغذاء معنا يا داليا؟
قالت داليا في تهذيب: لن أستطيع يا طنطا سميحة فقد تأخرت كما أن ماما لا تأكل بدوني وسآتي ثانية لأطمئن على ملك
قالت سميحة: كمْ أشكرك يا حبيبتي فقد تعبتا معها كثيرا في الأيام الماضية
قالت داليا: لا تقولين ذلك يا طنطا ملك أعز صديقة لي وقد فعلت ما هو أكثر من ذلك من أجلى في مواقف سابقة مع السلامة
تأملتها سميحة في إعجاب وهي تقول: مع السلامة يا حبيبتي ثم غمغمت وهي تتابعها بنظرها: فتاة عاقلة جدا ثم اتجهت إلى غرفة ابنتها
ما إن دلفت سميحة إلى الغرفة حتى هتفت نرمين في احتجاج: أرأيت يا طنطا سميحة ابنتك العنيدة التي لا تريد أن تتزحزح عن مكانها لقد يأست منها
قالت سميحة مبتسمة: لما لا تجلسين معها هنا بدلا من أن تأخذيها خارجا معك يا نرمين؟
هتفت نرمين: ماذا؟ لا أستطيع إننا أضيق كثير بالمكوث فترات طويلة داخل المنزل يكفي إننا قضيت عدة أيام هنا أحاول أن أقنعي هذه الفتاة ذات الوجه العبوس بالخروج قليلا ولكن دون فائدة ودون أن أخرج أنا إلى أي مكان وهذا في حد ذاته معجزة فأنا لا أبقى في منزلنا سوى سويعات قليلة واخرج هنا وهناك
ابتسمت سميحة وهي تقول: نعم ولكنك خلال هذه الأيام تحدثت في التليفون خمسمائة مرة على الأقل مع كل من فيفي وميمي وجيجا وزيري وكبكي ومادي وريدي و.... إلى آخره
ضحكت نرمين في شقاوة وقالت: أسماء جميلة أليس كذلك؟ هذا أسهل لي من أسمائهم التي لا أدري من أين يأتون بها
سألتها سميحة وهي تشير إلى ملك: وماذا أسميت ملك إذن؟
قالت في سرعة وهي تنظر في ساعتها: ميمي... والآن سأذهب لأشترى هدية عيد الميلاد فقد تأخرت ما دامت ملكا ترفض أن تأتي معى.
قالت سميحة في تعجب: ألا تنتهي حفلات عيد الميلاد التي تحضرينها أبدا يا نرمين أنت الآن في الثانوية العامة وهذا يحتاج تركيزا أكبر في المذاكرة
قالت نرمين في احتجاج: أنت أيضا يا طنطا سميحة تقولين ذلك؟
قالت سميحة في حنان: لأننا جميعا نريد مصلحتك يا حبيبتي ولذلك يجب ألا تضيعي وقتك في هذه الحفلات
هزت نرمين كتفيها وقالت في بساطة: ماذا أفعل؟ أصدقائي كثير وأحب مجاملاتهم دوما والآن إلى اللقاء على فكرة ستندمين يا ملك فالحفلة ستكون رائعة ثم انصرفت مسرعة فهزت سميحة رأسها في تعجب ثم التفتت إلى ابنتها التي كانت جالسة فوق فراشها وقد أسندت رأسها إلى ركبتها وقالت في حنان وهي تجلس على فراشها: ألن تغادرين غرفتك قليلا؟
ساد الصمت لحظة قبل أن تقول ملك في وجوم: ليست بي رغبة
سألتها سميحة: وماذا عن المذاكرة وامتحانات نصف العام التي ستبدأ يوم السبت؟ أليست بك رغبة أيضا لها؟
قالت ملكا في اقتضاب: نعم
قالت سميحة في حنان مشفق: وإلى متى ستظلين هكذا؟ هل لي أن أعلم؟ لست أولا ولا آخرا من يتعرض لموقف كهذا الحياة مليئة بالمواقف الكثيرة التي يتعرض لها الناس كل يوم ولكن سرعان ما ينسونها ويواصلون حياتهم وأنت ما زلت صغيرة في مقتبل حياتيك وهذا لن يكون الموقف الأخير في حياتك فمن المؤكد أنك ستتعرضين لمواقف عديدة ستنسينها المهم أن تأخذي عبرتها ولا تجعلينها تؤثر عليك أو تكون عقبة في طريقك
واصلت ملك صمتها فتأملتها سميحة لحظة ثم قالت في صرامة: ولا تنسى أن ما حدث كان نتيجة لتصرفك الخاطئ منذ البداية فلم يكن من الصواب أبدا أن تقومي بضربه فها هي النتيجة فرغم ما فعلته ضده وضد والده والنادي لم أستطع أن أمحى الألم الذي سببه لك الموقف وأنت لم تستطيعي نسيانه
قامت ملك واقفة وقالت في حدة: آه... أنت تسعون لإثبات وجهة نظرك إذن... ولكنني حرة في تصرفاتي... أتصرف كما شئت ولا أريد نصائح من أحد فأنا قادرة على تحمل نتيجة تصرفاتي
بدت سميحة كالمصدومة وهي تتأمل أبتها للحظات قبل أن تقول مذهولة: أهذا رأيك؟ إننا أسعى لإثبات وجهة نظري؟
صمت ملكا وقد بدا عليها التردد والندم لما قالته فعقدت سميحة حاجبيها وقالت في حدة غاضبة: حسن ما دمت حرة في تصرفاتك وقادرة على تحمل نتائجها كما تقولين فلا تغادرين غرفتك وتذهبين إلى مدرستك وتنتبهين إلى مذاكرتك بدلا من هذا البكاء والعويل المستمر والعزلة التي فرضيتها على نفسك وكأنها نهاية العالم
ثم قامت واتجهت إلى باب الغرفة ثم استدارت ثانية لتهتف ثانية في غضب: كما أرجو أن تغيري أسلوبك هذا في الحديث فأنا لا أحتمله كثيرا ثم صفق الباب خلفها في قوة...
((لماذا فعلت ذلك يا سميحة؟)) هتف خالد غاضب في التليفون محادث سميحة التي وضعت ساقا فوق الأخرى وهي تقول ببرود: وماذا فعلت؟
