المتلصص بقلم مي محمد حمزة "قصة قصيرة"


 "جميعكم يجب أن يموت ،بل أن يقتل"  

تردد صدى تلك الكلمات وأنا أهوي على الأرض ،أشعر بذلك السائل اللزج الذى يتدفق مني بعد أن أحسست بنصل سكينها الحاد وهو يخترق أحشائي فى صدمة لم أكن أتوقعها أحسست ببرودة تسري داخل أوصالي فشعرت بالموت يقترب مني ولم أشعر بشيء بعد ذلك . 

شعرت بثقل جفونى وأنا أحاول جاهدا فتحها وبرؤية ضبابية رأيت نفسي فى غرفة يكسو معظمها اللون الأبيض وأنا ممدد على الفراش لا أستطيع الحركة ، يخترق جسدي عدة خراطيم تنتهى بزجاجات علقت بها محاليل ،أخذت أفكر "أين أنا ؟ماذا حدث بعد أن سقطت فى بحيرة من دمائي ؟! " 

حاولت أنا أنهض ولكنني تألمت بشدة أشعر بألم حاد مصدره منطقة البطن ،أخذت أتحسس موضع الألم يأناملي فشعرت بلحظة أختراق كرهها لأحشائي فابتعدت سريعا عن الضمادة التى تغطي جراحي . 

بدأت أن أستعيد وعيّ شيئا فشيئا ،أرى لمحات خاطفة مما حدث فى هذه الليلة الممطرة المظلمة فى الممر الصغير الذى جمعني بها ،كنت لا أعتقد أن ينتهي بي الأمر هنا ممددا على فراش داخل مشفى ،ولكنها فاجئتني بطعنتها التى حملت الكثير من الغضب والكره لي وللعالم من حولي . 

قطع تفكيري صوت باب الغرفة وهو يفتح وتدلف إلى الغرفة ممرضة ومن ورائها رجلان أحدهم يحمل بين يديه دفترا أسود اللون ، تقدمت الممرضة تجاهي متفحصة الجهاز الذى يقبع بجانبي ويشير لمعدلاتي الحيوية ثم ابتسمت وسألتني قائلة : 

((كيف حالك اليوم يا أستاذ أحمد ؟... الحمد لله على سلامتك لقد غبت عن الوعي لمدة يومين ولكنك أفقت ومؤشراتك الحيوية تشير أن حالتك مستقرة وأنك بخير ....حمد الله على سلامتك مرة أخرى )) 

ثم تراجعت الى الخلف خطوتين ونظرت الى أحد الرجلين والذى يظهر عليه الهيبة من ملبسه وانتصاب منكبيه ونظراته الحادة وأشارت بيدها تجاهي قائلة :  

((أستاذ أحمد سيادة وكيل النيابة كان ينتظرك حتى تفيق من غيبوبتك ليطرح عليك بعض الأسئلة بخصوص محاولة قتلك ....سأنتظر أنا بالخارج إذا أردت شيئا اضغط على هذا الزر بجانبك سآتي إليك فورا )) وأدارت ظهرها وغادرت الغرفة . 

اقترب وكيل النيابة من الفراش وهو يحرك بيده كرسيا جانبيا وضعه بجانبي وهو يبتسم ابتسامة متحفظه بها الكثير من الجدية وقال مرحبا : 

(( أهلا بك أستاذ أحمد ،حمدلله على سلامتك .أنا يوسف وكيل النيابة الموكل بالتحقيق فى قضية محاولة قتلك من السيدة ((ياسمين)) جارتك التى تسكن نفس الحي الذى تقيم به .لن أطيل عليك ولكنني سأطرح عليك بعض الأسئلة لمعرفة حقيقة ماحدث معها ولماذا أقدمت على قتلك ؟فأرجو أن تساعدني ليأخذ القانون مجراه )) 

هززت رأسي مرحبا به وأجبته بصوت منهك القوى : (( أنا تحت أمرك يا سيدي ))  

وبنظرة آمرة اتجه للرجل الذى يصحبه ففتح دفتره الأسود الذي يحمله وبدأ يستعد لكتابة ما سيملى عليه ثم أدار رأسه متجها لى وطرح عليّ الأسئلة الروتينية  للتعريف بشخصيتى وحالتي الأجتماعية وهكذا ،ثم طلب منى أن أقص عليه ما حدث فى تلك الليلة . 

أخذت نفسا عميقا قبل أن أجيبه وأنا أحدث نفسي " ماذا أقول له ؟ هل أقول أنني من دفعتها لفعل ذلك ؟ أم أبريء نفسي وأقول ما يدينها وبطريقة تجعلني أظهر بمظهر الحمل الوديع المجني عليه دون علم له عن السبب الحقيقي لفعلتها الشنعاء تلك ، ياااااااااا الله إلى متى ستظل بهذه الوضاعة يا أحمد لماذا تصر على أن تسبب لها الضرر رغم لم تضرك بشيء منذ أن رأيتها ،كل ذنبها أنها جميلة وقد أعجبت بها و....." قطع حديثى مع نفسى صوته وهو يقول ماذا بك ؟ إذا كنت لا تستطيع الكلام فمن الممكن أن اذهب الأن وأتي غدا . 

قلت له لا أبدا أنا فقط أتذكر ما حدث فى تلك الليلة وسأقص عليك ما حدث بالظبط ، كانت ليلة ممطرة حاكلة الظلام فقررت أن أعود الى منزلي فليس هناك ما أفعله والجميع غادروا القهوة التى نرتادها متجها كل إلى بيته لنحتمي من الأمطار ، دلفت إلى منزلي متجها إلى غرفتي لأخلع عني ملابسي المبتلة ، وبعد أن استبدلتها بغيرها جافة لمحت من خلال الستائر نور يتسلل من خلفها فعلمت أنها داخل غرفتها الآن فأسرعت بإغلاق مفتاح الإنارة لتغرق غرفتي فى الظلام وأستطيع أن أختلس النظر لها دون أن تراني كما أفعل كل يوم . 

رأيتها تقف أمام مرآتها تتفحص تلك العلامات الزرقاء التى تزين جسدها فقد اعتادت كل ليلة أن تقف متفحصة تتحسس مواضع العلامات المختلفة فوق جسدها وكنت أراقبها كل ليلة وأعلم جيدا أسباب تلك النقوش التي يهوى زوجها بنقشها فوق تلك البشرة النضرة البيضاء التى طالما تمنيت أن أمرر أناملي فوق جبينها لأشعر بنعومة بشرتها النضرة ،كنت أشعر بالغضب من ذلك الخرتيت الذي يتلذذ بعذابها كل ليلة وكأنه واجب مقدس يجب أن يمارسه وعليها أن تتحمله ،كيف لهذا الوغد أن يفعل ذلك بتلك المخلوقة الهشة الرقيقة ،لماذا تزوجها؟إذا كان لا يعلم مقدارها ؟!.....

وتضرب رأسي الأسئلة طوال وقفتي وأنا أختلس النظر إليها ،أتمنى أن أكون بجانبها لأخفف عنها ما تلاقيه من عذاب وتارة أخري يتمكن مني الضبع القابع بين جوانحي وتلعب برأسي الأفكار الشيطانية ككرة التنس لمجرد أن أستحوذ على تلك الأنثي التي تقف هناك لأتمتع بجمالها الأخذ الذى يتحدث عنه الجميع ،تلك الياسمين يجب أن تكون لي بأى ثمن ، لابد أن أصل لها وأستغل ضيقتها وافتقادها للحب والحنان وأكون أنا الصدر الحاني عليها المحيط بها فى صورة الحمل الذى أرسل لها من السماء ليعطيها ما تتمني فقط لأنه يحبها ، لكنني كالضبع الخسيس أحمل بين جوانحي خبثا يشتهيها لأطفيء ناري وشوقي لها وبعد اكتفائي منها كغيرها أتركها تعاني ويلات الغدر والفقد لوجودي وهجري لها . أحيانا كنت أقصد أن أحدث صوت حركة لأجذب انتباهها وتشعر بوجودي خلف ستائري لتعلم أنني هناك أختلس النظرات وأراها وأريدها وأنتظر إشارة منها لأجثو على ركبتي أمامها طالبا رضاها ،هكذا هن النساء يقعن فى براثن الغواية بعلامات حب واهية تشعرهن بأنهن ملكات يتربعن على قلوب العاشقين ، فتعمي بصيرتهن عن الوحش القابع خلف القناع ونواياه الحقيقية . 

حاولت معها مرارا وكنت أحيانا أقصد الظهور أمامها فى الطرقات وملاحقتها لتراني وتعلم أننى خلفها ،كنت أتمني أن تلين تلك اللعينة ، بت أوقات أمقتها وأود لو أمسكت برقبتها بين يدي لتلفظ أخر أنفاسها عقابا على تجاهلها لي ، أياما عديدة ركضت خلفها محاولا محادثتها ولكنها كانت ترمقني بنظرة ساخطة لا مبالية وتسرع مبتعدة ،حتى جاءت تلك الليلة وبعد أن أنتهت من مشاهدة وتحسس آلامها ،التفت جهة الشباك وابتسمت ومدت يدها إلى عبائتها السوداء المعلقة وأرتدتها ثم ألقت نظرة أخيرة تجاهي وخرجت من الغرفة . 

فاتجهت مسرعا خارج منزلي وركضت فى اتجاه الممر الضيق الذى يفصل بين منزلها ومنزلي ووقفت أنتظر ظهور فريستي التى طالما صبرت عليها لتأتي لي راكضة فأنقض عليها دون رحمة ، رأيتها تتجه نحوي من بعيد وقطرات المطر تتساقط فوق جبينها شعرت بأنها تمسحها عنها فى توتر وهى تقترب ، اقتربت نحوها عدة خطوات حتى تلاقينا وجه لوجه كانت تنظر لي بعين زائغة متوترة ثم ابتسمت فشعرت بشيء بارد حاد يخترق أحشائي نظرت إلى اتجاه الألم رأيت نصل سكينها وقد زرعته بداخلي فرفعت بصري لها متسائلا فوجدتها تميل برأسها قليلا وتجز على أسنانها وتضغط نصلها بداخلي ،فسقطت على الأرض بين دمائي فاقدا الوعي . 

ساد الصمت الغرفة ولم أنبس ببنت شفة ووكيل النيابة ينظر لي نظرة يملؤها الاشمئزاز والنفور وقال بنبرة حادة متغيرة عن ذى قبل : 

(( إذا هى قد حاولت قتلك للتخلص من محاولاتك العديدة للتحرش بها ، فكنت تزيد الضغط عليها فوق ما تتحمله لتقتنص منها أوقات متعة محرمة ، أمثالك ممن يحملون بداخلهم الخسة والدناءة يجب أن يعدموا ولكن للأسف هى من ستعاقب لفعلتها ومحاولتها التخلص منك ،ولو بيدي الأمر لأخرجتها من محبسها ووضعتك أنت مكانها باقي عمرك لتذوق مرار السجن والحرمان دون شفقة )) 

وهم واقفا فصحت به مترجيا : إنني أسامحها على ما اقترفت لا أريد لها السجن فهى لا تستحق ذلك أرجوك . 

نظر لي بكل كره وقال أسفا : للأسف حتى لو تنازلت عن حقك ، فالقانون يجب أن يأخذ حقه من كل مخطيء حتى وإن كان ضحية قررت الدفاع عن نفسها .وخرج من الغرفة مسرعا . تاركا وراءه جثة هامدة فارقتها الروح بنصل الحقد والكره الذى زرعته بأحشائي ،بكيت كما لم أبك من قبل ندما على مافعلت بها وما جنيت عليها. 

 

تمت


بقلم مي محمد حمزة


تعليقات