* 8 *
*** استيقظ عمرو مبكرًا وارتدى زيه الرياضي استعدادًا لأن يخرج للتريض كعادته..
التقط نفسًا عميقًا ملأ به صدره قبل أن يخرج إلى الحديقة حيث وقف يمارس بعض تمرينات الإحماء الخفيفة..
وبينما هو كذلك.. وهناك، خلف نافذة الطابق الثاني للبناية المواجهة كانت منى قد استيقظت لتوها..
أزاحت ستائر النافذة وفتحتها بحذر، ثم وقفت تتطلع منها عبر فرجةٍ ضيقة، لتقع عينيها عليه داخل الحديقة..
ابتسمت.. وتألق في عينيها انفعالٌ يتناسب تمامًا مع ما يخفق به قلبها.. وكما تفعل دائمًا، وقفت صامتة تسبح في بحرٍ من المشاعر المتدفقة بينما عيناها وقلبها برفقته..
رأته يتجه بخطواتٍ سريعة نحو الخارج، فتزايدت خفقات قلبها واندفعت تبحث بعينيها عن مشبكها الصغير على سيارته.. انزعجت بشدة عندما لم تجده على سقف السيارة حيث أسقطته أمس، لكنها لم تلبث أن تنهدت في ارتياح عندما رأته مستقرًا على حقيبة السيارة.. يبدو أن الهواء قد دفعه ليسقط هناك أثناء الليل..
عادت عيناها إلى عمرو الذي ألقى نظرةً روتينية على سيارته ثم بدأ عدوه بطول الشارع.. أدركت من اتجاهه أن حقيبة السيارة ستصبح في مواجهته عندما يعود وعندئذٍ...
هاجمها التوتر وطفق يتزايد خلال العشر دقائق التي غاب فيها عن ناظرها، قبل أن ترتفع حدته بغتة مع اقترابه عائدًا، فضيّقت فرجة النافذة التي تنظر عبرها بحركةٍ غريزية..
وبالفعل لمحه..
لمحت عيناه شيئًا أحمر على سيارته أدرك ماهيته على الفور، فانعقد حاجباه في شدة وهو يتوقف بحركةٍ مفاجأة كادت تخل بتوازنه.. وبصوتٍ لاهث مندهش قال وهو يلتقطه: أنت ثانيةً!!
وبانفعالٍ ولهفة لم يدرِ من أين أتيا، أزال المشبك الصغير وفتح الورقة الصغيرة ليقرأ ما بها هذه المرة و...
"أحبك"
نفس الكلمة.. بنفس الخط الأنيق والحبر الوردي اللامع..
نفس الكلمة بنفس الغموض والحيرة..
ومن مكانها رأته منى يقف متسمرًا يتطلع إلى رسالتها المستقرة بين أصابعه، ثم يتلفت حوله في حيرة..
أما ما لم تراه وما لم تعرفه، أن قلبه كان يخفق منفعلًا في قوة!
إنه هو.. هو المقصود بلا شك بهذه الـ.. الرسائل الغريبة..
لكن من تكون مرسلتها؟!
لا يدري.. وإذا استمر الأمر على هذا الحال، فلن يدري أبدًا..
شعر بحيرةٍ شديدة ولدهشته، شعر أيضًا بالسرور..
وبابتسامةٍ باهتة، عاد يتطلع إلى الورقة الصغيرة ثم لم يلبث أن طواها وأودعها جيبه في عناية.. وما إن فعل حتى كادت منى تطير فرحًا فهي لم تتمنَ حقًا أكثر من هذا..
أما هو، فشعر أن رغبته في مواصلة التريض قد تبخرت، فمال يستند على السيارة مطلقًا لأفكاره العنان..
هناك احتمالان لا ثالث لهما.. إما أن أحدهم يعابثه، وإما أن هناك بالفعل من يعنى ما يكتبه..
في الحالة الأولى ستكون الدعابة ثقيلةً سخيفة، وفي الثانية ستكون كارثة! فلا أحد عاقل يفعل هذا بالتأكيد..
لو ترك الأمر لحدسه لكان الاحتمال الثاني.. لا يوجد عبثٌ بمثل هذا الاتقان ولا هذا التعقيد.. العبث يبدو دائمًا عبثًا لأنه عبث!
حسنًا.. مازال السؤال الآخر قائمًا بلا إجابة.. من؟!
أخذه الشرود.. وكانت منى مثله، لكنها كانت شاردةً فيه! لهذا لم تنتبه إلى أنها زادت من اتساع فرجة النافذة التي تراقبه عبرها..
لم تنتبه إلا حينما حانت من عمرو التفاتةً إلى حيث هي و...
لم تدرِ حقًا متى تراجعت برأسها، ومتى أغلقت النافذة، وكيف أصبحت الآن تقف فوق الفراش.. ولا ما هو هذا الشيء الذي يدق داخلها.. أهو قلبها حقًا، أم طبلةٌ أفريقية!
وبقدمين مرتجفتين.. هبطت عن الفراش وهي تشعر بألمٍ حاد في جانب رأسها جعلها تدرك أنه قد ارتطم بإطار النافذة وهي تتراجع مسرعة.. لكن هذا لا يهم الآن.. المهم هو هل .....؟
لم تجرؤ على إلقاء السؤال، ولم تجرؤ على الإجابة ولا حتى على العودة إلى النافذة.. كل ما استطاعت أن تفعله هو أن عادت للفراش وغاصت منكمشةً تحت الأغطية وأغلقت عينيها في انتظار أن يحين موعد ذهابها إلى الجامعة..
لكنها لو كانت قد عادت، لأدركت أن عمرو لم ينتبه لأي شيءٍ على الإطلاق.. لقد كان يتطلع شاردًا بالفعل إلى البنايات المقابلة بطول الشارع.. كل النوافذ مغلقة.. كل الناس نيام.. هناك نافذةٌ تغلق في البناية المواجهة يبدو أن صاحبها قد استيقظ لتوه.. الجو بارد.. وهو لا يدري لماذا يقف هكذا ولا لماذا ينشغل بالتفكير في الأمر إلى هذا الحد؟!
زفر بعمق، ثم اعتدل واتجه عائدًا إلى منزله مقررًا طرد هذا الأمر من عقله.. الوقت يكفي بالكاد ليتناول إفطاره قبل ذهابه إلى المستشفى..
وبخطواتٍ سريعة، مر عبر الحديقة وهو يضع يده في جيبه بحركةٍ تلقائية، فارتطمت أصابعه بها.. الورقة الصغيرة..
التقى حاجباه وأدرك أنه لن ينفذ قراره.. سيعود ليفكر في الأمر.. وكثيرًا.. جدًا..
********
*** "وهل رآكِ؟"
ألقت بسمة السؤال بانفعال، بينما تقف ومنى في آخر معمل الكيمياء الصيدلية تنتظران انتهاء عملية فلترة أحد المحاليل، فردت منى وهي تستند بظهرها على الحائط: لست أدري حقًا يا بسمة.. ربما نعم وربما لا.. لكنى أغلقت النافذة بسرعةٍ لم أكن أتخيلها أنا نفسي، وهذا يعنى أنه حتى لو كان قد رآني فهو بالتأكيد لم يجد الوقت الكافي ليتعرفني.
هزت بسمة أحد كتفيها وقالت: ربما هو ثاقب البصر.
- الأمر لا يتعلق بقوة البصر بل بقوة الملاحظة، والملاحظة تحتاج حتمًا إلى وقت.
غلفهما الصمت لحظات، قبل أن تقول بسمة بتعجب: عجيبةٌ أنت يا منى وتتصرفين بتناقض.. لماذا لا تريدين أن يعرفك؟! المفترض أنك تسعين لذلك!
أجابتها منى بتعجبٍ مماثل: وماذا أفعل أكثر من اعتراض سيارته وادعاء مرضٍ مجهول لأُحادثه؟!
أشارت بسمة بسبابتها موضحة: أنا أقصد رسائلك ذات المشابك.
ابتسمت منى ابتسامةً صغيرة وقالت: لأنها تحمل كلمةً صريحة واعترافًا واضحًا لا يمكن أن أنسبه لنفسي أبدًا.. ثم إنني لا أريد منها سوى إثارة حيرته.
بتعجبٍ أكبر عادت بسمة تسألها: وماذا سيحدث لو أصبح حائرًا؟!
تطلعت منى إليها في صمت ولم تدر بماذا تجيب، لكنها لم تلبث أن قالت: لست أدري.. لكنى لا أفكر في الأمر على هذا النحو.. أنا أترك مشاعري تقودني وقلبي يدرك أنه سيكون لذلك قيمةً في وقتٍ ما.
- خطأ.
- عذرًا!
كررت بسمة بجدية: خطأ.. أقول خطأ.. القلب والمشاعر معًا لا يصلحان للقيادة فكلاهما أعمى.
ردت منى بشيءٍ من الحدة: ومن قال أن قلبي أعمى.. قلبي يراه جيدًا.
التقطت بسمة نفسًا عميقًا ثم قالت: يراه نعم.. لكنه منبهرٌ به، وهذا هو العمى بعينه.
التقى حاجبا منى وغمغمت: كفى فلسفةً أرجوك.
التقطت بسمة أنبوب اختبارٍ بينما تقول: أنا لا أتفلسف، لكن تفكيرك هو الذي تغير وبشدة منذ أن ظهر الـ"د. عمرو".
ارتفع بغتة صوت الأستاذ يطالب الجميع بالانتباه.. وبصوتٍ جهوري ألقى إليهم بيانًا مفاده أنه مطلوبٌ من كل مجموعةٍ من الطلاب تقديم بحث عن أحد المركبات الدوائية حديثة الاكتشاف على أن تجمع مادته من على أحدث المواقع العلمية الإلكترونية، وسيتم تقييمه باعتباره مشروعًا للتخرج..
انتهى الفرمان وغادر الأستاذ إلى المعمل المقابل ليلقي إلى طلابه بهذه الكارثة، فتصاعدت همهمات الاعتراض والضيق من الجميع تقريبًا..
قالت منى بضيق: يا للسخافة.. ليس لدينا وقتٌ لهذا الهراء.
مطت بسمة شفتيها قائلة: بالطبع.. فنحن نستيقظ مبكرًا جدًا، ونحرص أشد الحرص على مشاهدة برنامج التريض اليومي، ونمضي وقتنا ما بين التفكير الولهان والبحث عن مشابك الغسيل الحمراء، ونستطيع بالكاد حضور المحاضرات و...
قاطعتها منى وهي تعقد حاجبيها في غضب: هكذا إذًا.. لن أخبرك بشيءٍ بعد الآن.
قالت بسمة بابتسامةٍ عابثة: لن تستطيعي.
ردت منى بنفس اللهجة الغاضبة: وسأذهب وأترك لك المكان أيضًا.
قالتها واندفعت تحمل أدواتها، فأمسكت بسمة ذراعها وقالت ضاحكة: لِمَ كل هذا الغضب؟ أنا أمزح.
أفلتت منى ذراعها من يد بسمة وهي تقول: لم يكن هذا مزاحًا.
أشارت بسمة بيدها قائلة: أصبحت تغضبين بسرعة.. تعملين أنني أمزح.
أشاحت منى بوجهها ولم تعلق، فعادت بسمة تقول: دعينا نفكر الآن في البحث.
- لا يوجد تفكير.. سنعده سويًا كما نفعل دائمًا.
- للأسف.
أمسكت منى قارورة بسمة التي تحوى المحلول المفلتر وهمت بسكبها في الحوض، فاندفعت بسمة تمسك القارورة وهي تقول ضاحكة: أقصد يالحظي السعيد ويالشرف البالغ!
ابتسمت منى وقالت وهي تترك القارورة: هذا أفضل.
- ومتى تحبين أن نبدأ سيادتك؟
- أنا لا أحب سوى عمرو !
بدا على بسمة الغيظ، فاستطردت منى: ولكنى أفضل أن نبدأ من اليوم.
- دعيها غدًا لأننا سنذهب سويًا اليوم إلى وسط المدينة فأنا أحتاج إلى شراء بعض الأشياء.. اتفقنا؟
مطت منى شفتيها قائلة: حسنًا..
ثم عادت هي و بسمة تواصلان ما كانتا تجريانه من تجارب.
*******
*** تحرك عمرو في هدوء عبر أروقة المستشفى متجهًا نحو بوابتها الرئيسية في طريقه للانصراف بعد أن انتهت فترة عمله المعتادة، وبينما هو يهبط درجات السلم الخارجي ارتفع من خلفه صوتٌ يقول: عمّور.. انتظرني.
تعرف صوت باسل على الفور، فالتفت إليه قائلًا بلهجةٍ معاتبة: قلت لك لا تخاطبني بـ "عمّور" هذه داخل المستشفى.. لو فعلتها ثانيةً فسأناديك بـ"بسّول" أو ربما "بسلّة".
ضحك باسل وقال: آسف آسف.. لكن لا داعي لـ"بسلّة" تلك أرجوك.
لحق به باسل فاستطرد متسائلًا: لماذا أنت متأخرٌ دائمًا.. أين ذهبت؟ لقد انتظرتك بالداخل لعشر دقائق كاملة.
بدهشةٍ أكبر قال باسل: طوال فترة معرفتي بك، لم أرك يومًا تتذكر مريضًا فحصته، اللهم إلا من تتابع علاجهم لفترةٍ طويلة.. دائمًا تذكر الحالة وتنسى الوجوه!
- لا تشغل بالك.. انسَ الأمر.
قالها عمرو منهيًا الحديث ومتجنبًا المزيد من الأسئلة، فلاذ كلاهما بالصمت.. لكنه حقًا لم يستطع منع نفسه من متابعة حركة الفتاة، والتي شعر برغبةٍ عارمة في التأكد من أنها الفتاة التي تُدعى منى أم لا..
بدأ الزحام يخف تدريجيًا فواصل عمرو اقترابه منهما، بينما باسل يراقبه هو في اهتمام..
والتفتت الفتاة.. حانت منها التفاتةٌ سريعة إلى الوراء عادت بعدها تواصل مشيها هي ورفيقتها..
لم تكن هي، فشعر عمرو بإحباطٍ عجيب أورثه حنقًا من نفسه انعكس على قيادته للسيارة فأصبحت أكثر خشونة..
تجاوز الزحام أخيرًا فأطلق للسيارة العنان..
أتاه صوت باسل يتساءل بهدوءٍ مستفز: أهي من كنت تقصد فعلًا؟
قال عمرو وقد استعاد بعض هدوءه: كلا.
- ألن تخبرني بشيءٍ آخر؟
ابتسم عمرو على الرغم منه وقال: يالفضولك القاتل.. أعلم أنك لن تهدأ حتى تعرف كل شيء.. حسنًا.. لا شيء أكثر من أن الفتاة التي أقصدها هي من كدت أدهسها بسيارتي الأسبوع الماضي.. لقد أخبرتك بهذا مساء أمس على الهاتف.. أتذكر؟
- بالتأكيد.
- ثم إن زيارتها للعيادة كانت أمس ولهذا مازلت أذكرها، وعندما رأيت تلك التي تشبهها تذكرتها وأردت التأكد من أن ذاكرتي مازالت قوية.. هذا كل ما في الأمر.
- فقط؟
- فقط.
مط باسل شفتيه في عدم اقتناع، لكنه لم يحاول إلقاء المزيد من الأسئلة، بل اكتفى بأن قال: على الأقل هناك شيءٌ مطمئن.
التفت إليه عمرو بنظرةٍ متسائلة، فأكمل بابتسامةٍ عابثة: أنك تهتم، وهذا مطمئنٌ حقًا.
رمقه عمرو باستنكار وتجاهل التعليق على عباراته المستفزة عمدًا، ثم إنه كان غارقًا بالفعل في بحرٍ من الأسئلة التي ألقاها على نفسه ولم يجد لها جوابًا!
شعر بالتوتر.. شعر بالارتباك.. وبعصبيةٍ ندر أن يتحدث بها قال: لماذا أصبح منزلك بعيدًا هكذا يا باسل.
******
