( 7 )
كل نفس تحمل أسرار لا يعلم خباياها إلا الله وحده.. قد تعتقد أن شخصا ما على حال ولكنه في حقيقته يكون على حال أخر عكس ما تعتقد تماما.
نحمل بداخلنا الكثير مما لا نستطيع أن نواجه به أنفسنا والأخرين.. نتخفى دائما وراء قناع وهمي وعند انفرادنا بأنفسنا يسقط هذا القناع وتظهر أنفسنا بشكلها الحقيقي المجرد من كل زيف.
تظهر عيوبنا وأخطائنا واضحة جلية أمام أعيننا.. قد ننكرها في قرارة أنفسنا ونكمل التمثيلية التي نجيدها عند التعامل مع الأخرين، فتجدنا نكذب حتى على أنفسنا ويتملكنا شعور بالرفض لحقيقتنا.. أو تجدنا على الوجه الأخر معترفين بأخطائنا، مقرين لصفاتنا السيئة، ولكننا أضعف كثيرا من أن نغير فيها شيئا أو قد نكون نعمل على ذلك وإحساس الذنب يسيطر علينا.
ما أن يختلي الفرد بنفسه حتى يخلع القناع من على وجهه.. الوحيدة التي يمكن أن تفضحه هي عينيه والتي دائما تعكس حقيقة ما بداخل النفس من مشاعر وأحاسيس.. فالعين مرآة النفس وكاشفة الروح لا تداريها الأقنعة ولا يمكن تزييف نظراتها.
مرت الأوقات صعبة على دليلة وقت أن لجأت للطبيب بمفردها في محاولة منها لإجهاض حملها.. كثيرا ما توسلت وبكت وارتمت تحت أرجل إيهاب في محاولة منها كي يرضى عنها ويتزوجها حتى ولو عرفيا وذلك حتى لا تضيع الحمل.. أذلت نفسها كثيرا له وهو استغل الفرصة وأمعن في ذلك.. كثيرا ما استمع لهم الموظفين وهم يقومون بالصياح داخل مكتبه والباب مغلق عليهم.. لم يفهم البعض ماذا يحدث على وجه التحديد ولكن كان من الواضح أن هناك علاقة ما بينهما وأن دليلة تسترضي إيهاب بكل الوسائل وهو يأبى أن يرضيها.. بل أنه بدأ بتهديدها أن يقوم بفصلها من البنك كله إذا اضطرته أن يتحمل منها أكثر من ذلك.
حارت دليلة ومرت عليها الأيام ثقيلة وهي خائفة من المستقبل الذي ينتظرها إذا ما نفذ إيهاب علوان تهديده وتخلى عنها.. كانت المساومة على أن تقوم بالتخلص من هذا الحمل وتبقى في وظيفتها في البنك، بل أنه وعدها أن يقوم بترقيتها إلى وظيفة بنكية وليست في اختصاص السكرتارية، أو ان تحتفظ بذلك الحمل وتترك العمل ولن يعترف به ولا بها وكأنه ما عرفها أبدا.
تغيرت دليلة كثيرا في تلك الأيام ولاحظ زملاؤها هذا التغير.. فكثيرا ما كانت تأتى إلى البنك عيناها منتفختان من كثرة البكاء ليلا.. لم تعد تهتم بنفسها ولا بمظهرها كما كانت تفعل من قبل.. وفقدت الكثير من الوزن.
لم يأبه إيهاب علوان بتلك التغيرات التي حدثت لدليلة على مدار أسابيع معدودة.. لم يهتم لتوسلاتها وتهديداتها.. حذرته من أنها قد تفضح أمره عند زوجته وأهله.. أوحت له بأنها لا يهمها شيئا فاذا ما تخلى عنها فسوف تحكي ما قد حدث بينهما.. أخبرها إيهاب ان تهديداتها له لا تعنيه، وأن ما من أحد سوف يصدقها.. صرخ في وجهها قائلا:
- بل أنا الذي سأفضحك وأقول إنك تقومين بابتزازي حتى تحصلي على امتيازات استثنائية في العمل.. أنت لا تعرفيني بالقدر الكافي يا دليلة.. حاولي مجرد محاولة أن تخبري أحدا بهذا الأمر وأنا سوف أمحي كيانك من الوجود.
لم تدر دليلة ماذا تفعل ولا كيف تتصرف أمام سطوة إيهاب علوان وجبروته.. كان كل يوم يمر عليها وهي مازالت محتفظة بهذا الحمل تأمل فيه أن تجعله يعدل عن رأيه.
أدركت أخيرا أنها في معركة غير متكافئة وأنها مخطئة ولا مهرب سوى أن تقوم بالتخلص من هذا الجنين الذي بدأ يتكون في أحشائها.. طلبت من إيهاب علوان طلبا أخيرا وهو أن يقف إلى جوارها وهي تقوم بزيارة للطبيب الذي يقبل أن يقوم بهذا النوع من العمليات.
لم يوافق إيهاب على هذا الطلب أيضا وتركها تواجه أمورها بمفردها تماما.
لم يكن لدى دليلة صاحبة يمكن أن تثق فيها أو تعتمد عليها.. كان الرعب يتملكها وقت أن ذهبت إلى عيادة ذلك الطبيب في الحي السكني الشعبي الذي تقع عيادته به.. استقبلتها الممرضة البدينة ذات الصوت الأجش وطلبت منها أن تنتظر دورها في الكشف.. كانت نظرات الموجودات فاضحة.. لم تجرؤ أحدهن على النظر إلى أيا من الأخريات.. كن اما منشغلات في شاشات الموبايلات الخاصة بهن، أو كانت نظراتهن موجهه للأرض في دلالة على حجم المعاناة والكارثة التي يمرون بها.
هكذا كانت دليلة، تخفت وراء نظارتها الشمسية الكبيرة وأبت أن تخلعها حتى بداخل العيادة.. وعندما جاء الدور عليها ودخلت للطبيب، وجدته رجل أربعيني، نظرات عينيه بها دهاء شديد، قام بالكشف السريع عليها وأخبرته أنها في أسابيعها الأولى وتود التخلص من الجنين.
نظر لها الطبيب نظرة احتقار قائلا:
- من حسن حظك أنك لازلت في البداية تماما.. لن تخضعي لأي عمليات جراحية.. كل ما سوف تفعلينه أن تتناولين تلك الأقراص في المواعيد التي سوف أكتبها لك وسوف يسقط الحمل من تلقاء نفسه.
تنفست دليلة الصعداء وقامت من عنده مسرعة الخطا تريد الفرار من هذا المكان البشع.. اشترت الدواء وانتظرت اليوم الذي تخرج فيه أمها صباحا وقامت بابتلاع الأقراص مثلما وصف لها الطبيب تماما.
***
بدأت الشمس تشرق بنورها على الحدائق الواسعة التي تتوسط الفندق.. انه فجر يوم جديد من أيام الريتريت.. بداية هادئة ليوم يماثل في هدوئه المكان الأنيق وسكينته المحببة إلى النفس.
أستيقظ أحمد مع صلاة الفجر وقام بأدائها وانتظر شروق الشمس حتى يذهب في جولة سير في المساحات الخضراء المحيطة بالفندق.. أخذ يتمشى وهو يتأمل سكون الطبيعة من حوله، فالأزهار تبدأ في التفتح على استحياء، وأوراق الشجر الخضراء بللها ندى الصباح فأصبحت يانعة لامعة، النخلات الطويلات يقفن في عزة وشموخ يحيطون بحمام السباحة الشاسع الفسيح.
امتدت جولة أحمد حتى شاطئ الفندق وحينها خلع حذائه الرياضي وقام بالمشي على الرمال الباردة بفعل برودة الصباح.. كانت مياه البحر بدورها مثلجة في هذا الوقت المبكر من اليوم.. أخذ أحمد يجوب الشاطئ ذهابا وإيابا وقت ما كان الجميع لايزالون يغطون في سبات عميق.
وعندما ران ببصره ناحية مياه البحر ولشدة دهشته وجد أحدهم يسبح في المياه.. كان الشخص الوحيد الذي يسبح في هذا الوقت.. تعجب أحمد لذلك ثم سار في وجهته لا ينوي على شيء.
وفى طريق عودته من الشاطئ وعند مروره مرة أخرى بالمكان الذي يسبح فيه هذا الشخص ، كان إيهاب علوان يخرج من المياه ويأخذ منشفته ليلتف بها.. تعجب أحمد من كون إيهاب علوان هو من كان يسبح وقام بإلقاء التحية عليه:
- لم أكن أعلم يا ريس أنك تحب السباحة في هذا الوقت المبكر.
- أنا بطل قديم من أبطال السباحة يا أحمد.. فقد حصلت أثناء شبابي على العديد من الميداليات والجوائز.. المياه تعني الحياة بالنسبة لي فأنا أعشق البحر حتى في فترة الليل.
- المياه باردة يا ريس، كيف تتحملها؟
- ليست باردة سوى في أول الوقت فقط ثم بعدها تعتاد عليها.. هيا.. أراك وقت الإفطار، لا تتأخر فأمامنا برنامج حافل من الأنشطة اليوم.
تذكر أحمد أهل بلدته في حديثه مع إيهاب علوان.. كم يفتقد أبيه وأمه.. فهو يشعر أنه على طبيعته فقط عندما يذهب إلى البلد ويرتدى الجلباب الأبيض ويجلس مع أهله لتناول طعام الإفطار المكون من كل خيرات المزارع الطازجة ثم يشرب معهم كوب الشاي الساخن وهم يتحدثون في شتى مواضيع الحياة المختلفة.
كم يفتقد أحمد تلك الجلسة الحميمية مع أهله وكم يفتقد أن يكون معهم على سجيته بدون التظاهر والرياء التي تضطره الظروف أن يمارسهما في كثير من الأحيان ليس فقط مع رؤساءه ولكن أيضا مع زملائه.
اشتاق أحمد للحياة البسيطة المتواضعة الخالية من التكبر ومحاولات الظهور على حساب الأخرين.
كانت علاقة أحمد بزملائه علاقة طيبة ولكنها لا تخلو أيضا من مظاهر النفاق في الكثير من الأحيان.. فعلى الرغم من مرور سبع سنوات على عمله في البنك، لم يستطع أن يكون صداقات بالمعنى المتعارف عليه.. كانت علاقاته كلها سطحية للغاية بالمحيطين به.. وعندما كان يعود إلى بلدته الريفية البسيطة فقط كان يشعر بالونس والالفة وهو بين أهله وأقاربه.
لم يكن يكدر صفو زياراته تلك سوى المحاولات المستمرة لوالدته أن تقنعه بضرورة الزواج وبأنه يجب أن يكمل نصف دينه حتى لا يكون وحيدا في القاهرة وحتى يجد ابنة الحلال التي تقوم على شئونه وتلبي طلباته وتؤنس وحدته.. أما أحمد فلم يكن الزواج في باله ولم تجذبه أي فتاة بعد سواء في البنك أو في مكان غيره.
انتصفت الشمس وسط السماء وتنبه أحمد أن أفكاره قد أخرته عن موعد الإفطار فأسرع الخطى ناحية المطعم ووجد بعض زملاءه متواجدين بالفعل وقد بدأوا في تناول افطارهم.
احتل الجميع كل الطاولات الموجودة في المطعم حيث كان هناك من يجلس بمفرده مثل شاكر الليثي وكان الأخرون يجلسون أيضا اما فرادى او اثنين على كل منضدة على أكثر تقدير.
لم يجد أحمد إيهاب وافترض أنه قد تناول افطاره مبكرا جدا بعد قيامه بالسباحة ثم غادر إلى حجرته لتبديل ملابسه.
كان جدول اليوم مشحونا بالأنشطة المختلفة التي كانت أهمها التسابق في بناء هيكل مصغر لمجمع بنوك على الطراز الحديث يراعى فيه كل المعايير الأمنية وكذلك يكون نموذجا حديثا يتم تطبيقه في الواقع بغرض انتشار هذه الفكرة وتشجيع القطاع المصرفي عليها.
كان بناء المجمع يتم بأشكال صغيرة وهياكل تمثل المباني وماكينات الصرف وأيضا التصميم الداخلي الخاص بالفروع المختلفة.
لم يكن هذا النشاط سهلا في البداية وأخذ البعض وقتا حتى يفهم المعايير التي يجب تطبيقها حتى يكون النموذج مثاليا.
انقسم الجميع إلى عدة فرق كي يقوموا بالعمل وكان أمامهم عدة ساعات للتنفيذ ثم يتم التحكيم بعدها من قبل لجنة مكونة من الشركة المنظمة وبعض الموظفين على أفضل تصميم وأقربهم للتنفيذ على أرض الواقع.
انكفأ الجميع على العمل مستخدمين كل ما لديهم من أشكال ومواد مختلفة لبناء التصميم ولوهلة بدا أن الكل قد تناسى خلافاته ومشاحناته الداخلية وركز فقط مع المسابقة وذلك حتى يتم بناء أفضل تصميم والذي من شأنه أن ينفذ على أرض الواقع.
شارك إيهاب علوان الموظفين في المهمة الموكلة م إليه بداية من رسم التصاميم على ورق كرتون كبير وحتى البحث عن القطع المناسبة المستخدمة في التنفيذ. كان يعمل بجدية وفي نفس الوقت يراقب الجميع من على كثب.. فها هو أحمد يبحث جاهدا عن النماذج الصغيرة لماكينات الصرافة وسط المئات من النماذج الموضوعة على الطاولة.. أما شاكر فهو منكب على الرسم الخاص بمعايير الأمان الخاصة بمجمع البنوك ووضع عدة قواعد لها بالاشتراك مع رقية التي بدورها أخذت تفكر معه في كل التفاصيل الخاصة بتلك الجزئية وتطلب منه رسمها على الورق.. شارك عم جمال دليلة في البدء في تركيب الأجزاء المختلفة التي ستصنع مبنى فرع البنك في النهاية.. أما أحمد فكان دوره في مجموعته هو قيادتهم حتى يقوموا بتنفيذ المهمة على أكمل وجه.
وفي هذه الأثناء ولأول مرة يشعر إيهاب علوان أن هناك انسجاما بين المجموعة وأن روح الفريق قد غلبت على الانطباعات الشخصية وفرض الجميع نوعا من الاحترام والتراضي في تعاملهم مع بعضهم البعض.
***
أحيانا تكون القلوب كالحجارة في قسوتها، فالقلوب القاسية هي التي تنعدم فيها المشاعر ويقل فيها الإحساس، وبدلا من أن يتصف المرء بأقل قدر من الإنسانية، يصبح قلبه كالحجر.. وبدلا من أن يعذر ويقدر ويتفهم ظروف الأخرين، يفعل العكس تماما.. فيكون ضدهم ويزيد الهموم الخاصة بهم، كأنه ينتقم منهم دون أن يقترفون ذنبا ما.
اضطرت رقية أن تنفذ قرار نقلها إلى فرع البنك ببنها.. كانت يوميا تركب القطار في الساعة السادسة صباحا وتذهب إلى العمل ثم تغادره في الخامسة عصرا كي تلحق بقطار الساعة السادسة.
انقلبت حياة رقية وغالية رأسا على عقب.. فمع عدم تواجد رقية معظم الوقت كنتيجة لظروف عملها الجديدة، ومع عدم قدرتها على الاعتماد على أختها أميرة في معظم الأحيان حيث أن عملها هي الأخرى كان يأخذ معظم وقتها، اضطرت رقية أن تعتمد على مساعدة سيدة تقوم على شئون غالية من تمريض ومرافقة.
لم تكن رقية تستطع أن ترفض قرار النقل ولا أن تتظلم إلا عندما تستلم عملها في الفرع الجديد.. فقد كانت قواعد العمل تقتضي ذلك ولا تسمح برفض قرار النقل وإلا كان الرفد من العمل هو مصيرها المنتظر.
لم تجد رقية وقتا كافيا للاهتمام بغالية مع تنفيذ قرار النقل.. كان قلبها يتمزق وهي تتركها كل يوم في فراشها الساعة الخامسة صباحا حتى تلحق بقطار بنها.. كانت السيدة المرافقة لها تأتى في الثامنة وخلال تلك الساعتين كانت أميرة تقوم على مراقبة غالية والقيام على احتياجاتها.
أحست رقية في ذلك الوقت بالظلم الشديد.. كرهت إيهاب علوان أكثر من أي شخص كرهته في حياتها، بل أنها لم تعرف مشاعر الكراهية إلا على يد هذا الشخص الجبار.
تظلمت رقية إلى الإدارة العليا وكتبت الشكاوى وذهبت تطلب مقابلة المديرين في المركز الرئيسي وتطلب منهم أن تعود للعمل مرة أخرى في الفرع الذي يجاور منزلها.. أخذت الوعود من الجميع ولكن دون جدوى.. فمن سوف يهتم بموظفة لا وسيط لديها ولا سلطة ولا حتى نفوذ.
مرت سنة كاملة ورقية على نفس الحال.. وخلال تلك السنة حاولت الكثير من المرات تقديم سيرتها الذاتية في بنوك أخرى لعل أحدهم يقبلها للعمل معها ولكن مع الأسف لم يكن الحظ حليفها.
قصرت رقية في حق غالية كثيرا.. فلم يعد باستطاعتها المواظبة على جلسات العلاج الطبيعي ولا حتى زيارة الأطباء المتخصصين في المواعيد المحددة.. كل ما كانت تفعله في يومها هو أن تتولى رعاية شئون غالية لمدة ساعة او ساعتين كل يوم وتعطى حوالي ثلاث أربع مرتبها إلى الجليسة المرافقة لها مما يجعلها في النهاية لا تستطيع دفع قيمة الجلسات والعلاج التأهيلي بصفة منتظمة.
انهارت أعصاب رقية تماما وكانت من أصعب فترات حياتها.. كانت تشعر بالغضب الشديد وتصبه على الحياة بأكملها، على عبد الله الذي تركها ولم تفلح كل المحاولات في أن تجعله فقط يسأل على ابنته أو حتى يهتم بأن ينفق عليها القدر القليل الذي قد يساعد في المعيشة، وعلى إيهاب علوان لتعسفه في نقلها وعدم مراعاته ظروفها ولا ظروف ابنتها الصحية.. والغضب أيضا تجاه أصحاب العمل من مديري إدارات المركز الرئيسي والذين لم يأبهوا أبدا بمطلبها العادل والمشروع في أن تعود للعمل في الفرع القديم مرة أخرى.
لم تقدر الدنيا بأكملها ظروفها.. كانت وحيدة، تعيسة وخائفة.. ومع كبر غالية في العمر يوما بعد يوم، كانت الأمور تزداد سوءا.. فقد كانت تنتاب الطفلة الصغيرة حالات من الهياج لم يكن يفلح في تهدئتها منها سوى أمها رقية.
كانت كثيرا ما تصرخ طالبة لأمها دون أن تعبر عن ذلك بالكلام.. ولم تكن المرافقة للطفلة صبورة بالدرجة الكافية معها.. قررت الرحيل وترك الطفلة لوالدتها صباح يوما من الأيام.. ومع هذا التصرف ازداد طلب رقية للإجازات الغير اعتيادية حتى يتاح لها الوقت كي تبحث عن مرافقة أخرى.. ومع كثرة تردد المرافقات على الفتاة الصغيرة، كانت تشعر بالغربة والخوف مع رؤيتها لكل وجه جديد.. وكانت رقية كذلك تعاني الأمرين حتى تعرف المرافقة الجديدة احتياجات الصغيرة وكيفية التعامل معها.
مرض القلب الذي عانت منه غالية ضاعف من حجم المشكلة، فلم يكن من المفترض أن تترك لتبكي حيث أن ذلك كان يمثل حملا على القلب وخطورة على حياتها.
وفي يوم من الأيام وقبل ذهاب رقية إلى عملها لاحظت أن أنفاس غالية غير منتظمة وأنها تنهج بصورة شديدة ولا تستطيع الحركة.. قامت رقية بطلب يوما أخر من الإجازة من عملها وأخذت الصغيرة كي تعرضها على الطبيب الذي أقر أنها بحاجة فورا إلى عملية في القلب وذلك لأن حالة قلبها أصبحت غاية في السوء.. اضطرت رقية إلى مد فترة الاجازة وصاحبتها أميرة إلى المستشفى وقاما بعمل العملية للصغيرة والتي أدت إلى زيادة حالتها سوءا وليس تحسنها.
كانت رقية تراقب غالية يوما بعد يوم وهي تفقد الكثير من وزنها نتيجة لرفضها أي نوع من الطعام بعد أيام من العملية الجراحية.. اضطرت رقية إلى اللجوء للمحاليل حيث اعتمدت عليها الصغيرة فقط في الغذاء.. كانت من الوهن والضعف بحيث أنها لم تعد حتى تستطيع البكاء.. أصبحت تفتح عيناها بمنتهى الصعوبة لتنظر إلى رقية ثم تذهب بعدها في سبات طويل لا تفوق منه أبدا إلا عند محاولة ايقاظها.
ظل الوضع على ما هو عليه بل أنه ازداد سوءا حتى جاء يوم قامت فيه رقية بمحاولة ايقاظ غالية فوجدتها لا تستجيب.. لاحظت رغاوي بيضاء على جانبي شفتيها وقامت بهزها ثم حاولت أن تسمع نبضات قلبها فوجدتها واهنة ضعيفة للغاية لا تكاد تسمع.
صرخت رقية ونادت على أميرة التي أتت مهرولة وقامت الأختان بنقل الصغيرة إلى المستشفى وهناك تم وضعها تحت الرعاية المركزة وبعد أربع وعشرون ساعة مرت على رقية وأميرة غاية في الصعوبة وهما جالسات على المقاعد المعدنية في ردهة المستشفى، جاءت لهما الممرضة وقالت لهما في صوت خفيض "البقاء لله.. شدوا حيلكم"
صرخت رقية صرخة دوت أرجائها في أروقة المستشفى كلها.. وانتابت أميرة نوبة من البكاء الشديد ثم سقطت رقية على أرضية الردهة مغشيا عليها وقامت أميرة بعمل كافة الإجراءات لتغسيل ودفن الصغيرة في حين أن رقية تم حجزها في غرفة في نفس المستشفى حيث انتابتها صدمة عصبية شديدة أفقدتها الادراك لعدة أيام متتالية.
***
يأتي الموت أيا كان وقته او ملابسات حدوثه فيلقي بالثقل على القلب وباليأس على النفس.. وحتى لو كان الموت متوقعا ومعلوما أن أمره وشيك الحدوث فان له هيبة حزينة لا تعادل في حزنها أي أمر حياتي على وجه البشرية.
صدمت رقية في وفاة غالية وذلك على الرغم من مرض الصغيرة الشديد الذي كان ينبئ بحدوث ذلك.. وبعد الصدمة أتت مرحلة الانكار حيث أبى عقل رقية أن يصدق كل ما يحدث.. فكيف لها، تلك المرأة الضعيفة ذات النفسية الهشة أن تتحمل كل ذلك الأسى.. كيف لمن تربت على الخوف والرعب من كل أحداث الحياة أن تصبح فجأة طرفا في تلك الأحداث وأن تعيش فيها.. أنكرت رقية وأنكر عقلها الباطن واستمرت مرحلة النكران مع الكثير من الغضب الداخلي الذي لم تستطع التعبير عنه حتى ولو لأقرب الناس ا إليه وهي أختها.
احتفظت رقية لقلبها بالحقيقة وأبت أن ينطقها لسانها وأن يصدقها عقلها.. كانت تتعامل كما لو أن غالية لاتزال موجودة، فلم تتخلص من حاجيتها ولم تعترف أبدا بأن الغرفة أصبحت خالية سوى من بعض المتعلقات التي تخص الصغيرة.
وفي تلك الأثناء وبعد مرور عدة أشهر على الوفاة، جاء قرار لرقية بالعودة إلى فرع البنك الذي كانت غادرته تحت تعنت إيهاب علوان.. جاءها القرار من المركز الرئيسي بعد أن فات الأوان ولم يعد لمكان عملها أو لبعده أو قربه عن بيتها أي أهمية.
نفذت رقية القرار وهي تتصرف بآلية شديدة.. عادت إلى الفرع وإلى زملائها القدام.. لم تقبل العزاء في ابنتها الصغيرة، بل عندما كانت تتلقى عبارة البقاء لله أو البقية في حياتك كانت ترد وتقول "خير من توفي؟"
أدرك زملائها أنها تعيش في حالة نكران تام وأن عقلها أصبح مشتتا بعد وفاة الصغيرة.. بدأت في العودة إلى العمل بالتدريج حيث قام زملائها في القسم بإعطائها أبسط الأعمال نظرا لحالتها النفسية.. أما هو، فلم يكن يرحم ولا يقدر.. لم يكن يهمه سوى أن يقام العمل على الوجه الأمثل.
لم يدرك أن المرأة مجرد حطام بشري وبحاجة إلى مرتب العمل.. صب إيهاب علوان كل قسوته على السيدة المسكينة رقية.. وعندما واجهته لأول مرة في فرع البنك بعد عودتها إليه، نظرت له نظرة تحمل كل معاني الكره في هذه الحياة.. كانت تحمله ضمنيا مسئولية موت غالية.. كان سببا رئيسيا من ضمن الأسباب.. بل هو سببا كبيرا وراء وفاتها واختفائها من هذه الدنيا.. غالية، حلم عمرها وسبب وجودها في الحياة.
***
سحر الصحراء ليلا لا يقاوم.. سماء الصحراء تملؤها الاف النجوم التي تزين ظلمة ليلها والقمر المكتمل يضفي بظلاله الفضية على الرمال مترامية الأطراف.. الهدوء يغلف المكان فلا يكاد يسمع من السكون إلا صوت الأنفاس المتلاحقة.. حتى أن ضوضاء العقل وشتاته يخبتان في ظلال الأجواء الصحراوية.
الليلة ميعاد حفل الشواء الذي نظمته الشركة لأفراد الريتريت.. الحفل يقام على الطريقة البدوية حيث تكون الجلسات كلها على السجاد اليدوي المصنوع من قبل البدو، الطعام المشوي يقدم في الخلاء والاضاءة الخافتة تأتي أولا من ضوء القمر ثم من الإضاءة الكهربائية التي بالكاد تنير المكان.
تجمع الموظفون سويا وركبوا السيارات ذات الدفع الرباعي التي أقلتهم الي مكان العشاء حيث كان كل شيء معدا مسبقا وبانتظار قدومهم.
جلس الجميع على السجاد وهم يستمعون إلى صوت الصمت من حولهم ولم يقطعه إلا أحمد عندما قال:
- يا جماعة لسنا هنا فقط بغرض العشاء بل أن هناك لعبة علينا أن نلعبها سويا حتى ينتهي القائمون على شواء الطعام من اعداده
نظرت إليه دليلة في تبرم فهي قد اكتفت من الأنشطة التي يقومون بها من أول اليوم، فحتى خلال تلك الأوقات الهادئة يكون مطلوب من الجميع أن يلعبوا اللعب الجماعية التي يكون هدفها توطيد الصلة بينهم.
- ما هي تلك اللعبة يا أحمد.. ألم يكفنا القيام بالأنشطة طوال الوقت؟
- انها لعبة بسيطة ولكنها هامة جدا يا دليلة.. كل فرد منا سيختار كارتا من هذه الكروت وسوف يسأل الشخص الذي بجواره سؤالا واحدا فقط غير اعتيادي.. قد يكون سؤالا بشأن صفة شخصية به أو مثلا عن هواياته التي لا يعرف عنها أحدا شيئا.. وما إلى ذلك.. فالهدف هو أن نتعرف على بعضنا البعض أكثر.
تذمر معظم الحاضرون وتمتموا بعبارات الملل حيث لم يكونوا أصلا بحاجة إلى معرفة المزيد عن الأخرين.. يكفيهم الوجه الذي يتعرفوا عليه في العمل وهو ما كان غير مشجعا أبدا على معرفة المزيد من المعلومات الشخصية عن أي منهم.
لم يكترث أحمد بتبرمهم حيث كان المسئول عن هذه الفقرة من الأنشطة، أخذ يوزع عليهم الكروت التي تحتوي على الأسئلة التي سوف يقومون بسؤالها لبعضهم البعض وبدأت اللعبة.
- ما هو الشيء الذي تخاف منه يا عم جمال أكثر من أي شيء أخر في الحياة؟
كان السؤال الأول من نصيب عم جمال، سألته له دليلة حيث وقعت القرعة عليها لتكون أول البادئين باللعبة.
نظر إليه عم جمال نظرة طويلة قبل أن يجيب عليها في تنهيده عميقة:
- الفقر يا ابنتي.. الفقر هو أكثر شيء أخاف منه في هذه الدنيا.
ردت عليه دليلة بصوت خفيض حتى انها تناست أن هناك أخرين من حولها يسمعون حوارهما.
- غريبة يا عم جمال، اعتقدت أنك ستقول المرض وليس الفقر.
- المرض يمكن التحكم به إذا كان الانسان غني.. لكن فقر مع مرض يكفيك الله شرهما.
- دورك يا عم جمال.. اسحب كارت واسأل دليلة.
قالها أحمد حتى يحث الجميع على تكملة اللعبة ويزيد من الحماس لها.
- أخبريني يا أستاذة دليلة عن شيء تفتقدينه في حياتك وكنت تتمني وجوده.
سألها عم جمال وانتظر برهة حتى يسمع ردها.
- الحنية يا عم جمال.. أفتقد الحنية من صغري
قالتها دليلة وعيناها بدت ترغرغان بالدموع وأشاحت بوجهها فورا إلى ناحية الفراغ حتى لا يلاحظها الأخرون.
أحس أحمد أن الثلج بدأ يذوب شيئا فشيئا بين الجميع، بدأ الواحد تلو الأخر يفصح في صراحة عن دواخل نفسه.. ساعد في ذلك جو الصحراء الهادئ وتلك الجلسة الحميمية التي قاربتهم من بعضهم البعض.
كان إيهاب علوان متحفزا ومنتظرا أن يأتي الدور عليه في هذه اللعبة التي تعتمد على الاعترافات والصراحة والتي من خلال أجوبة الأخرين يتم التعرف على كل شخص والتقرب الي نفسه بصورة كبيرة.
- متى أخر مرة كذبت فيها يا أستاذة رقية؟
سألها شاكر الليثي وذلك حين وقع الدور عليه في اللعبة وبعد أن قام بسحب الكارت الذي يحتوي على هذا السؤال.
ترددت رقية في الإجابة وبان عليها الارتباك واضحا ثم فجأة قالت بحدة:
- كذبت على ابنتي عندما أخبرتها أني سوف أصحبها هنا معي ولكني تركتها مع خالتها في المنزل.
ساد الصمت بين الجميع وتجاوز شاكر عن التعليق على الإجابة ثم قامت رقية بسحب الكارت وسألته بدورها عن أكثر الصفات التي يكرهها في البشر.
- أكره النفاق يا رقية.. أكرهه كثيرا وأتمنى أن يختفي من الحياة.
وعندما أتى الدور على إيهاب علوان وقام أحمد بسؤاله عن أكثر موقف شعر خلاله بقلة الحيلة، أجاب عليه فورا بأنه أبدا ما شعر بهذا الشعور وأنه دائما يكون في موضع القوة التي تجعله يفكر ويحسن التصرف. أدار ببصره ناحية الجميع وأكد على أنه يكره قليلي الحيلة والضعفاء، وأنه لو باستطاعته لكان محاهم من الوجود.
ومع استمرار فقرة الأسئلة، ساد الوجوم بين الموجودين.. فقد حركت
الأسئلة بداخلهم مشاعر كانوا يعملون جاهدين على اخفائها.. جعلتهم يقرون بحقائق لم يكونوا يريدون مواجهة أنفسهم بها.. جعلتهم عراة أمام أنفسهم وأمام الأخرين.. اطلعوا على مكنونات نفس بعضهم البعض وهو ما كانوا لا يريدون فعله أبدا.. أظهروا الجانب الآدمي في شخصيتهم باستثناء المدير الذي صمم على كذبه وتجمله حتى اللحظة الأخيرة.
أفاق الجميع على حقيقة أنهم بشر وليسوا جماد.. شعروا لأول مرة بالتعاطف تجاه بعضهم البعض.. شعروا أن نقاط الضعف لدى الأخر ليست عيبا ولا جرما يتم مداراته بل هي حقيقة يجب مواجهتها.
تناول الجميع عشاءهم في صمت وشرود، انتصف الليل وبدأ الجو في البرودة.. رغبت رقية في المغادرة إلى حجرتها ومعها أبدى معظم الحاضرين رغبتهم في العودة وانهاء تلك الليلة.. قامت السيارات بتوصيل أفراد الريتريت إلى الفندق عائدين من حفلة السمر.. اتجه كل فرد إلى غرفته في سرعة شديدة بينما جلس إيهاب علوان وحده في بهو الفندق يتناول سيجارته في هدوء.
.jpg)