وصل الجميع أخيرا واتخذ كل منهم مكانه في الأتوبيس.. خذل إيهاب علوان توقعات دليلة حين عرفت من فرد الأمن القائم على الحراسة أنه قام بالسفر قبلهم بسيارة البنك متخذا السائق وأنه لن يركب معهم الأتوبيس.
جلست الأستاذة رقية في آخر مقعد في الأتوبيس بجوار النافذة من ناحية ومن الناحية الأخرى جلس عم جمال.. لم تكن تريد أن تتحدث مع أحد.. كانت كل ما تريده هو النظر للطريق عبر النافذة والشرود مع أفكارها التي لا تأبى أن تريحها وتترك عقلها في حاله أبدا.أما الأستاذ شاكر فقد جلس في مقعد منفرد واضعا سماعات في أذنيه متظاهرا بسماع الأغاني أما حقيقة الأمر فان السماعات كانت على الوضع الصامت، فهو فقط أثر أن يفعل ذلك تجنبا لمحادثة الأخرين وتجنبا لمجاملات فارغة يرى أنها لا ضرورة لها.
أحمد حسين جلس في المقعد المجاور للسائق، فهو المسئول الأول عن تنظيم الرحلة وعن توجيه السائق في الطريق.. رحب بالجميع أول الرحلة ممسكا بالميكرفون متمنيا لهم قضاء وقت سعيد أثناء السفر وحتى الوصول إلى مدينة الغردقة.
أما باقي الموظفين فتفرقوا في أماكن جلوسهم، فمنهم من فضل الجلوس بجوار أشخاص بعينهم للتحدث معهم طوال الطريق.. وأغلبيتهم فضل الجلوس منفردا أو متظاهرا بالنوم والانشغال حتى لا يكلمه أحدا.
نظر أحمد إلى الجالسين في الأتوبيس من خلفه نظرة طويلة وأكد له حدسه أن الجميع بحاجة لهذه الرحلة لكسر تلك الحواجز الموجودة بينهم.. ولكن هل عدة أيام كافية للقضاء على ذلك الحقد والبغض الذي يغلف قلوبهم أم أنهم بحاجة إلى انقلابا كاملا من نوع مختلف كي يحاولوا التقرب من بعضهم البعض أو على الأقل تقبل أحدهم الأخر.
ضغائن صغيرة كثيرة جثمت على صدر كل واحد منهم.. لم يعرف التسامح أبدا طريقا لقلوبهم.. ظلت الضغائن تتراكم حتى أصبحت عبئا ثقيلا على كل منهم وأصبح يلقى بالاتهامات الجزافية على الجميع حتى يشعر أنهم السبب فيما آل إليه حاله.
كلمة التسامح لم تعرف طريقا لقلوبهم أبدا.. فالبعض يعتبر التسامح ضعفا والبعض الأخر لا يعرف معنى الكلمة من الأساس!
"انهم حقا بحاجة إلى معجزة من السماء" قالها أحمد متمتا داخل نفسه.
***
وصل الجميع الفندق بعد حوالي خمسة ساعات من السفر، تذمر البعض من تعب الطريق أما البعض الأخر فارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يرى الفندق الكبير شديد الرفاهية.
كانت حديقة الفندق شاسعة متسعة تحيط به من جميع الجهات، معظم الغرف تطل على البحر أو على حمام السباحة الكبير الذي يلتف حول المباني كأنه بحيرة زرقاء جميلة تحتضن المكان.. تقع بداخل حمام السباحة كافيتريا لتقديم المشروبات تماما وسط المياه.
أما بهو الفندق فأرضيته من الرخام اللامعة الناعمة الملونة باللون الأبيض العاجي، والحوائط مزينة بالنقوش الزرقاء بلون مياه البحر.. يتوسط البهو أعمدة كبيرة من الفسيفساء الزرقاء والبيضاء وسط مكان فسيح متسع يه العديد من الجلسات المريحة.
الشاطئ لا يبعد كثيرا عن مبنى الفندق.. تميزه مياه بحره الفيروزية النقية.. وتظهر على رماله مجموعة من الأكواخ الصغيرة من عيدان البامبو تحتوي على مقاعد مريحة للاستجمام.. الموسيقى تصدح في المكان والأغان الصاخبة على حمام السباحة يصل صوتها حتى بهو الفندق ويقوم بعض السائحين بالتمارين الرياضية على إيقاع نغماتها.
موظفو الفندق غاية في الترحاب، استقبلهم أحمد بابتسامة عريضة راغبا في التأكد أن كل شيء يسير على ما يرام.
• رجاء اعطائنا البطاقات الشخصية الخاصة بالجميع يا أستاذ أحمد حتى نقوم بتسكين كل شخص في غرفته سريعا.
قالها موظف الفندق بعد الترحيب بأحمد وبعد تقديم مشروبات الضيافة إلى جميع الحضور.
• لقد وصل الأستاذ إيهاب علوان منذ ساعات وتم تسكينه في جناح متميز في الدور الرابع كما أمرت حضرتك.
• أشكرك وكما اتفقنا أن تكون باقي الغرف في الطابق الأول والثاني من فضلك.
تدخلت دليلة فجأة في الحوار وقالت بسرعة لأحمد والموظف:
• أنا أريد غرفتي في الطابق الرابع لو سمحت.. أحب الأدوار العليا إذا كان ذلك ممكنا.
نظر أحمد وموظف الفندق إلى بعضهما البعض نظرات استهجان ولكن تفاديا للمشاكل، قال أحمد للموظف أن يفعل لدليلة ما أرادت.
انتظر باقي الموظفين أن يأتي دورهم في تسكين الغرف وهم لا يتحدثون مع بعضهم البعض باستثناء فرد أو اثنين.. وما كاد الموظف ينادي على اسم أحدهم حتى يقوم بأخذ حقيبته ويتجه سريعا نحو المصعد كأنه يريد الهروب حتى لا يجلس مع الأخرين ولا يتعامل معهم لباقي أيام السفر.
أما أحمد فقال بصوت عال موجها حديثه الي الجميع:
• موعدنا الساعة الثامنة مساءا للعشاء مع إيهاب بك في المطعم الرئيسي.. رجاء لا أريد لأحد منكم أن يتأخر.. أرجوكم أن تأتوا في الموعد تماما.
تظاهر الجميع بالإيجاب ثم فروا سريعا كل إلى حجرته.
***
أخذ أحمد يرتب ملابسه بعد أن استقر في غرفته ثم جلس في الشرفة يتأمل البحر في هدوء وسكينة كثيرا ما افتقدهما خلال الأشهر الماضية..
فوسط ضجيج العملاء، وعبر النوافذ الضيقة التي تفصل موظفي استقبال البنك عن مرتاديه ممن لديهم مصالح يبغون قضائها، كان أحمد يحلم بتلك الأيام القليلة التي سوف يقضيها في الغردقة والتي سيحاول خلالها أن يستريح قليلا من مشاق تلك المهنة التي تستنفذ كل وقته وجهده.
كان أحمد في بداية الثلاثينات، شاب من أصول ريفية جاء إلى القاهرة حتى يحصل على فرصة عمل أفضل من التي كان يمكنه أن يحصل عليها في بلدته الصغيرة.. ملامحه الطيبة كانت مدخلا لحب معظم الناس وارتياحهم في التعامل معه.
قضى أحمد سبعة سنوات في البنك كموظف مسئولا عن واحدة من نوافذ التعامل مع العملاء.. تأقلم سريعا مع طبيعة العمل في البداية لكنه أصبح يشعر بضغط كبير في الفترة الأخيرة.
يلازمه الصداع أخر كل يوم بعد أن يفرغ من التعامل مع العملاء وتكون فترة استقبالهم قد انتهت.. وقتها يبدأ أحمد حسين بالقيام بإحصاء الشيكات والحوالات التي تعامل فيها على مدار اليوم ثم يقوم بعد النقدية من العملات المختلفة ولا يتركه الصداع إلا عندما يتأكد تماما أن عهدته سليمة وأنه لم يحدث خطأ ما كما يحدث في بعض الأيام.
فما بين شيك تم صرفه بالخطأ او عملة صعبة قام بتحويلها على أساس سعر صرف خاطئ، يحمد أحمد ربه كثيرا على كل يوم يمر عليه دون الوقوع في تلك الأخطاء الشائعة والتي كثيرا ما يقع بها موظفو البنوك عادة وبالذات في الإدارة التي يعمل بها.
فما أكثر الأمسيات التي قضاها أحمد في محاولات صعبة لمعرفة من أين يأتي فرق العهدة التي بحوزته، فمع كثرة الشيكات والتحويلات والعملات المحلية والأجنبية، كان يسترجع اليوم من أوله ويقوم بمراجعة كل المستندات حتى يتمكن من التحقق من الفارق ويتخذ موقفا بشأنه.. اما أن يتحدث هاتفيا إلى أحد العملاء الذين قاموا بسحب بعض المبالغ الزائدة عن طريق الخطأ، أو يقوم بالعد الالكتروني مرة بعد أخرى للتأكد من سلامة العهدة وتسليمها إلى مديره أخر اليوم دون أخطاء محاسبية.
تعب أحمد من نوعية عمله في مجال البنوك وكثيرا ما فكر في تغيير تلك الوظيفة ولم يكن ذلك بالإمكان في وقت كانت فيه الوظائف في مجال المحاسبة اما ذات عائد أقل مما يجنيه أو غير ذات مستقبل مضمونا مثل مستقبله في البنك.
لم يكن لدي أحمد أصدقاء حتى يسافر معهم أو يقضى عطلة نهاية الأسبوع بل كان يفضل قضائها مع أهله في بلدتهم الريفية البسيطة.. بدأت أمه تلح عليه في السنوات الأخيرة بضرورة التفكير في الزواج حتى يقضى على وحدته ويكون له ونيس وعائلة إلا أنه كان من التردد وعدم الاكتراث بحيث لم يعطى لكلامها أهمية.
لم يكن يمارس في حياته إلا هوايتين هما القراءة، فهو قارئ نهم يقرأ كل ما تقع عليه عيناه، وهواية المشي والتجول ليلا من مقر البنك في وسط البلد إلى مقر الشقة الصغيرة التي يستأجرها في شارع متفرع من شوارع حي الدقي الرئيسية.
كان يجوب ضواحي وسط البلد يشاهد المحال التجارية بمعروضاتها المتنوعة ويراقب مرتادي المقاهي الكثيرة الموجودة في معظم الشوارع عبر هذا الطريق ويختار مقهى منهم يقوم بالجلوس عليه وحده فقط يؤنسه كتاب يقرأ فيه قليلا ويتأمل الشارع والجالسين من حوله كثيرا.
